تحميل رواية «شمس الياس» PDF
بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أنفاس ذات صوت مرتفع كانت تشق صمت الليل المظلم. كانت تزداد وترتفع صوتها مع زيادة المسافة التي يركضها هذا الطفل البالغ من العمر عشرة أعوام. توقف قليلًا وأخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة كبيرة، ذلك لطول المسافة التي ركضها هربًا من قدره. نظر خلفه برعب، خوفًا من أن يقترب منه أحد ويعثر عليه. لم ينتظر أكثر وركض بكل ما أُوتي من قوة حتى وصل إلى مكان به مسجد كبير وكان أمامه مبرد مياه. نظر خلفه ليرى هل وصل إليه أحد أم لا. وما إن تأكد من خلو الطريق من خلفه حتى عبر إلى الجهة الأخرى واقترب من مبرد المياه ثم فتح الصنبو...
رواية شمس الياس الفصل الحادي عشر 11 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير".
كانت تلك الجملة هي آخر ما سمعته «إيلين» قبل أن ترتمي في حضن «كريمة» التي ضمتها بحنان الأم لتعوضها عن هذا الشعور الذي فقدته من قبل حتى أن تفتح عينيها في هذا العالم.
تنفست بأريحية وكأن حلمها الأكبر قد تحقق اليوم، ليس هذا فقط بل كل أحلامها دفعة واحدة فـ «إلياس» هو كل شيء بالنسبة إليها ولا تريد سواه فقط في هذا العالم.
ربتت «كريمة» على ظهرها ومسحت عليه وهي تقول بحب:-
- ألف مبروك يا حبيبة قلبي، ربنا يسعدكم كمان وكمان ويحفظكم لبعض يا رب.
ردت بابتسامة وحب وهي على هذه الحال:-
- الله يبارك فيكي يا ماما، اللهم آمين يا رب.
ثم اعتدلت في جلستها ونظرت إليها باهتمام لتسأل عن المفاجأة التي أعدها «إلياس» لها اليوم كما أخبرها:-
- بقولك يا ماما ما تعرفيش إيه هي المفاجأة اللي عاملها ليا إلياس بعد كتب الكتاب؟
ابتسمت «كريمة» لأنها تعلم لذلك أردفت بحب:-
- تفتكري إيه أكتر حاجة طلبتيها من إلياس وهو لسة منفذهاش؟
ضيقت ما بين حاجبيها لتفكر في هذا اللغز لكنها لم تجد إجابة محددة لذلك هزت رأسها وهي تقول بتردد:-
- فيه كتير الصراحة مش قادرة أحدد.
فردت ذراعها لتربت على كتفها بحب ورددت بابتسامة:-
- هانت، إلياس زمانه جاي حالا وهيقولك ويفرحك.
***
- إزاي يا جمال لما تعرف حاجة زي دي متكلمنيش علطول؟
قالها «مرزوق» بصوت مرتفع اعتراضًا على شقيقه الذي أخفى عنه ظهور إلياس ولم يخبره على الفور فكان رد الآخر:-
- مش أنت بردو ليك ودان في كل حتة وعارف اللي ميتعرفش يا مرزوق؟ اشمعنا ده اللي معرفتوش يعني؟
صاح «بكار» ليقول معترضًا على شجارهما:-
- يا جدعان بطلوا خناق خلونا نفكر هنعمل إيه في المصيبة دي؟
زفر «مرزوق» بصوت وجلس على مقعده بشرود ليفكر في تلك الكارثة التي لم يكن مستعد لها في الوقت الراهن بينما تحدث «سليم» الذي كان هادئًا منذ بدء الشجار:-
- ده حتة عيل لا راح ولا جيه، عيلة مرجان متخافش من تهديد زي ده، ادوني الإذن وهخلص عليه من قبل حتى ما يفكر يقرب من هنا.
أسرع «مرزوق» ورفع بصره ليقول باعتراض:-
- لا، نخلص عليه ده في حالة إننا عرفنا إنه موجود من قبل ما الشرطة تعرف، لكن دلوقتي لو خلصنا عليه يبقى هيبقى غباء لأن ساعتها هيتقال اشمعنا لما ظهر اتقتل! أنا عندي فكرة أحسن.
***
عاد «إلياس» إلى المنزل بعد مباركات الجميع له بعد عقد القران وأيضا بعد تركه لـ «مراد» الذي ذهب لشراء بعض الاشياء التي طلبها هو منه وقبل أن يطرق الباب فتحت «أماني» الباب وخرجت لتقول بابتسامة مصطنعة:-
- مبروك يا إلياس.
رسم ابتسامة هادئة على وجهه وأردف بهدوء:-
- الله يبارك فيكي، عقبالك يا أماني.
اقتربت منه خطوتين ورددت بأسف:-
- لا عقبالي إيه بقى، وبعدين مش حاسس إنك اتسرعت شوية بالقرار ده؟
اتسعت ابتسامته وقد فهم مقصدها من تلك الكلمات لذلك هتف بسخرية:-
- لا متسرعتش، القرار ده كنت واخده أصلا من زمان وكان هيحصل هيحصل، إيلين دي أغلى حاجة في حياتي لا دي حياتي كلها وهي اللي تستحق تبقى حبيبتي ومراتي، بعد إذنك بقى علشان اتأخرت عليها.
تركها في قمة غضبها وحزنها ودلف إلى داخل شقته، في تلك اللحظة وقفت «كريمة» وأطلقت الزغاريد فتقدم هو بسرعة ليقول:-
- بلاش يا ماما دلوقتي، وقت الفرح اللي بجد ساعتها نفرح براحتنا لكن ياسر لسة معداش وقت على موته.
ابتسمت وتقدمت تجاهه قبل أن تضم كتفيه بكفيها وتقول:-
- ألف مبروك يا إلياس وربنا يفرحك يا بني دايما وينجيك من أي مشاكل.
ابتسم وردد بحب:-
- ربنا يخليكي يا رب يا أمي وما يحرمنيش منك أبدًا.
في تلك اللحظة تراجعت ورددت بجدية:-
- إيلين مستنياك جوا، أنا هروح أجهز بقى علشان المفاجأة.
هز رأسه بالإيجاب وتركها ترحل ثم تقدم صوب الغرفة التي فتحها بهدوء ليجدها تجلس على فراشها وتُعطيه ظهرها الذي انسدل عليه شعرها، استمعت لفتح الباب لذلك وقفت وهي على تلك الحال تُعطيه ظهرها مما جعله يبتسم ويخرج صندوق صغير من القطيفة الناعمة ثم تقدم بهدوء حتى وصل إليها والتقط أنفاسه قبل أن يضم كتفيها بكفيه ويُديرها بهدوء.
كانت وكأنها المرة الأولى التي يراها بها فهي كانت جميلة بدرجة كبيرة جعلته لا يريد سوى النظر إليها، رفع رأسها بيده بهدوء لينظر إلى عينيها بإعجاب كبير، كان بعقله الكثير ليقوله لكنه بمجرد أن غرق بعينيها حتى طارت تلك الكلمات وعجز عن النطق، تنفس بارتياح ثم تركها وأخرج الصندوق الصغير مرة أخرى وفتحه أمامها ليُشهر عن خاتم لامع وجميل ثم فرد كفه الأيسر أمامها فابتسمت ووضعت يدها به، قبل يدها بحب ثم وضع ذلك الخاتم بإصبعها وردد بنبرة هادئة:-
- بحبك.
لم تتحمل البقاء هكذا وارتمت بين ذراعيه فحملها ودار بها في المكان وكأنه ظفر بجائزة كبرى، توقف أخيرا وتركها لتعتدل هي وتنظر إلى الخاتم قائلة:-
- حلوة أوي المفاجأة دي يا إلياس، ده الخاتم اللي قولتلك عجبني وأنت وعدتني إنك هتجيبه ليا لما نتجوز.
ابتسم وضم وجهها بين كفيه ليقول بحب:-
- عايز أقولك إني اشتريت الخاتم ده في نفس اليوم اللي قولتي إنه عجبك فيه وسيبته معايا لغاية ما نكتب كتابنا وأهو حصل، أنا فاكر كل حاجة أنتي طلبتيها مني وهنفذها كلها حتى لو طلبتي روحي.
ارتمت بين ذراعيه مرة أخرى وسندت برأسها على صدره لتقول بحب:-
- ربنا يخليك ليا يا رب، أنت أجمل هدية ربنا رزقني بيها.
مسح بيده على شعرها وردد بابتسامة:-
- على فكرة مش دي المفاجأة اللي وعدتك بيها أصلا.
ابتعدت قليلا عنه ونظرت إليه بحماس وأردفت:-
- أومال إيه هي؟ قول بالله عليك قول.
ضحك على إصرارها وهتف بابتسامة واسعة:-
- فاكرة طلبتي إيه مني من فترة؟
لوت ثغرها وضيقت ما بين حاجبيها قائلة:-
- أنت هتعمل زي طنط كريمة؟! يا حبيبي أنا بطلب منك طلبات كتيرة أنهي طلب بالظبط؟
التقط أنفاسه وأجاب على سؤالها قائلًا:-
- حاضر يا ستي هقولك إيه المفاجأة، قومي أجهزي علشان هنخرج نتفسح كلنا، اختاري أي مكان في القاهرة وهفسحك فيه.
اتسعت حدقتاها بصدمة كبيرة مما سمعته وأردفت بعدم تصديق:-
- أنت بتتكلم بجد يا إلياس؟
هز رأسه بالإيجاب وأردف بابتسامة:-
- أيوة بتكلم بجد، أنا عارف إني منعتك من الخروج برا نطاق المنطقة من يوم ما وعيتي على الدنيا بسبب خوفي عليكي لكن دلوقتي هحقق لك الأمنية دي وهبقى معاكي أحميكي من أي حاجة وحشة في الكون ده.
حضنته مرة أخرى بقوة وأردفت بنبرة تحمل الحب:-
- أنا بحبك أوي أوي يا إلياس.
ضمها هو الآخر إلى صدره وردد بابتسامة:-
- وأنا بعشقك يا إيلي، ربنا يديمك في حياتي ويقدرني أسعدك علطول.
***
- بقولك إيه معايا حاجة من الآخر لسة واصلة السوق اسمها كيدفارا هتعجبك أوي.
قالها «فارس» لصديقه «هاني» الذي ابتسم وتناول منه هذا النوع من المخدر ليقول بتساؤل:-
- دي بقى زي بتاعة أمريكا ولا فعلا مختلفة زي ما بتقول؟
ابتسم ورفع أحد حاجبيه ليقول بثقة:-
- لا اسحب كلامك ده بقى، متقوليش أنا كدا جرب وهتعرف إني مش بجيبلك غير المختلف بس.
ضحك ووضع حبة المخدر بفمه ثم تناول عليها القليل من الخمر ليقول بسعادة:-
- تعجبني يا فارس لما تبقى فاهم دماغي.
- عيب عليك يا هاني ده أنا صاحبك الأنتيم، اتقل اتقل عشر دقايق بالظبط وهتحس إنك في عالم تاني، عالم أنت بس اللي شايفه.
***
ارتدت ملابسها ووضعت اللمسات الأخيرة قبل أن تخرج من غرفتها وهي تقول:-
- هنروح الأهرامات يعني صحراء ومحضرناش أكل ولا عصير؟
نهض من مكانه وعلى وجهه ابتسامة ليقول بهدوء:-
- الحاجة كريمة عاملة الساندويتشات والأكل والعصير وكل حاجة وبعت مراد يجيب تسالي، كل حاجة جاهزة وهنتحرك كلنا حالا.
شعرت بالسعادة وقفزت في الهواء كالأطفال بينما ضحك هو قائلًا:-
- مهما كبرتي هتفضلي طفلة بردو.
خرج هو وهي ليجدا «كريمة» ومعها «مراد» في انتظارهما وردد الأخير بعدم رضا:-
- إيه التأخير ده عايزين نلحق أبو الهول.
رفع «إلياس» أحد حاجبيه وأردف بسخرية:-
- ليه حد قالك إنه رايح مشوار ولا إيه ما هو مرزوع في مكانه طول اليوم.
- يا عم يلا أنت لسة هتناقش.
***
سار وفرد ذراعيه في الهواء وكأنه يحتضن الهواء الذي يصطدم بجسده، استنشق هذا الهواء بحب وأردف بسعادة:-
- الجو النهاردة روعة.
هزت رأسها بالإيجاب وأردفت بسعادة:-
- فعلا جو القاهرة حلو أوي.
توقف ونظر إليها بابتسامة ليقول بحب:-
- تعرفي إني أول مرة أخرج في القاهرة، جيت هنا مرتين للشغل بس ورجعت علطول بس الصراحة أنا مبسوط علشان أول مرة أخرج فيها هنا تكون معاكي.
ابتسمت ونظرت إلى الأسفل بإحراج لتقول هي الأخرى:-
- وأنا دي أول مرة أجي في القاهرة، كنت بسمع عنها بس واعرف إنها زحمة بس غريبة مش شوفتش أي زحمة خالص.
ضحك وأشار بيده في الهواء ليوضح تلك المعلومة:-
- لا هي فعلا زحمة بس إحنا جينا في وقت الطلاب كانوا راحوا مدارسهم والموظفين راحوا شغلهم إنما في وقت الصبح بدري ده بتبقى زحمة ووقت قبل المغرب ده بيبقى أزحم وأزحم لأنهم بيخلصوا شغل، أيوة أنا جيت هنا مرتين لكن مرة كانت 3 أيام ومرة أسبوع يعني عيشت ده وشوفته.
في تلك اللحظة جائت «سما» من الخلف وغمزت بعينها قائلة:-
- إيه بترغوا في إيه؟
رفع أحد حاجبيه وأردف بعدم رضا:-
- وأنتي مالك أنتي مش مع صاحبتك ما تروحيلها يا ست أنتي.
عبرت عن صدمتها وقالت بنبرة غير راضية:-
- بقى كدا؟ تصدق أنا غلطانة.
ثم وجهت بصرها تجاه «دورا» وتابعت:-
- وربنا أنتي أمك داعية عليكي.
ارتفع صوت ضحكها بينما ردد هو:-
- عجبتك أوي، روحي يا سما روحي شوية وهنجيلك.
- ماشي يا سيدي هسيبك بس متتأخرش علشان ناكل مع بعضنا.
هز رأسه بالإيجاب وأردف:-
- ماشي يا ستي.
***
على الجانب الآخر ركضت «إيلين» في المكان بسعادة وهي تقفز كالأطفال ورددت بسعادة بالغة:-
- الله الأهرامات اللي بتظهر في التلفزيون أهي يا إلياس.
ابتسم لسعادتها وظل يتابع فرحتها وتحركها بحب شديد فهو لم يسعده تواجده بمكان لم يتواجد به من قبل بل شعر بالسعادة لأنها كانت سعيدة وكأن هدفه في تلك الحياة هو إسعادها فقط.
في تلك اللحظة رددت «كريمة» بعد أن توقفت مكانها:-
- باااس سيبوني هنا مش قادرة أمشي تاني، أنا هقعد على الصخرة دي جنب الهرم وأنتوا اتحركوا براحتكم.
وافقها «مراد» و«إلياس» على ما قالته وساعدوها على الجلوس قبل أن يضعوا حقائب الطعام بجوارها وهنا تحدث الثاني قائلًا:-
- هتمشى شوية مع إيلين وبعدين نيجي نتغدى.
هنا غمز له «مراد» وردد بابتسامة:-
- ولعانة يا با ميد قدك، كتب كتابك وخارج مع مراتك.
هنا رفع كفيه في وجهه وردد بعدم رضا:-
- إيه يا عم بطل قر وبعدين بكرا تتجوز وتخرج مع مراتك أنت كمان، يلا تشاو بقى.
- تشاو يا سيدي، هروح أسأل الحصان بكام.
ثم نظر إلى والدته وتابع بهدوء:-
- مستريحة يا ماما ولا تقعدي في حتة تانية؟
ابتسمت وربتت على ساقه وهي تقول بحب:-
- لا يا حبيبي مستريحة روح شوف أنت عايز تعمل إيه ومتتأخرش علشان ناكل.
تركها وسار في المكان وكأنه وجد حريته، ظل ينظر حوله بابتسامة واسعة وأثناء سيره شاهد خيل يركض بسرعة كبيرة فظل يتابعه ببصره حتى أصبح ينظر خلفه وهو يسير ليصطدم بقوة بتلك الفتاة التي كانت أيضا تسير وهي تنظر إلى هاتفها باهتمام.
وقع هاتفها وتألمت كثيرا فاعتدل هو ليقول بأسف:-
- والله ما أقصد ده أنا بس كنت ببص على الحصـ..
قاطعته وصرخت بوجهه لتعبر عن مدى غضبها قائلة:-
- ما تبص قدامك يا زفت أنت وقعت مني الموبايل ووجعتني.
رفع أحد حاجبيه ونظر إليها باستياء قائلًا:-
- لا بقولك إيه مش علشان قولتلك مقصدش تسوقي فيها يا ولية أنتي.
اتسعت حدقتاها لتعبر عن مدى صدمتها وأردفت بعدم تصديق:-
- ولية؟
لوح بيده في الهواء بعد أن التقط هاتفها من الأرض وأردف باعتراض:-
- أيوة ولية، خدي موبايلك يا ستي وقولي إنك أنتي اللي ماشية ماسكة الموبايل ومش دريانة باللي حواليكي، طب أنا كنت ببص على الحصان وليا عذري لكن أنتي ماشية باصة في تليفونك دي بقى مش مشكلتي.
جذبت هاتفها من يده بغضب قبل أن ترمقه بنظرة نارية وهي تقول:-
- شكرا على الموبايل اللي بهدلته في الأرض.
رفع أحد حاجبيه بتعجب من طريقتها ليدافع عن نفسه قائلًا:-
- بقولك إيه موبايلك سليم وبعدين ده آيفون مش بيحصله حاجة، أنتي ماشية تقولي شكل للبيع؟
توسطت خصرها بيديها ورددت بنبرة حادة:-
- أنا بردو اللي بقول شكل للبيع ولا أنت؟
خبط بكفه الأيمن على كفه الأيسر وأردف باستياء:-
- لا ده أنتي مش بتفصلي،
خلاص يا ستي خلصينا من الخناق اللي ملهوش لازمة ده وشوفي رايحة فين متنكديش على الواحد في بداية اليوم.
- إيه مش بفصل دي شايفني تلاجة يعني ولا شايفني تلاجة؟
على الجانب الآخر، لاحظ «إلياس» صديقه يتشاجر مع فتاة من نفس طوله فنظر إلى «إيلين» وردد بهدوء: - خليكي هنا هروح أشوف مراد بيتخانق مع مين.
بالفعل تركها وركض تجاههما وما إن وصل حتى قال بهدوء: - صلو على النبي يا جماعة مش كدا، ده صوتكم جايب لآخر الهرم.
في تلك اللحظة تحدثت «سما» بصوت مرتفع وغاضب: - الأستاذ خبط فيّا ووقع الموبايل وكمان مش عاجبه وبيتخانق.
سَعَتْ حَدْقَتَا «مراد» لينفجر هو الآخر قائلًا بغضب: - لا ده أنتي مستفزة بقى، أنا كنت ماشي يا إلياس وفجأة ظهر حصان فضلت باصص عليه وماشي وهي كانت باصة في تليفونها فخبطنا في بعض يعني مين اللي غلطان أنا ولا هي.
منْعَ نفسه بصعوبة من الضحك على حالهما ومُثِّلَ الجدية وهو يقول: - الصراحة أنتوا الاتنين غلطانين، المفروض سعادتك تبقى ماشي باصص قدامك وأنتي يا آنسة المفروض متبصيش في موبايلك وأنتي ماشية.
عَقْدَتْ ذِرَاعَيْهَا أَمَامَ صَدْرِهَا وَأَرْدَفَتْ بِاعْتِرَاضٍ: - وأنت مين بقى علشان تغلطني هنا؟
هنا أشار «مراد» عليها وأردف بغضب: - شوفت!
رفع «إلياس» أحد حاجبيه وردد بهدوء: - يا ستي ما أنا غلطت صاحبي بردو، الله مالك يا ستي!
في تلك اللحظة وصل «كرم» الذي نظر إلى الجميع بحيرة ثم وجه نظره نحو شقيقته ليقول بتساؤل: - فيه إيه يا سما حد كلمك؟
تراجعت وحضنت شقيقها قبل أن تشير إلى «إلياس» و«مراد» وهي تقول بنبرة تهدد بالبكاء: - الحقني يا كرم الاتنين دول بيتخانقوا معايا ومش عايزين يسيبوني!
رواية شمس الياس الفصل الثاني عشر 12 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
وصل «كرم» الذي نظر إلى الجميع بحيرة ثم وجه نظره نحو شقيقته ليقول بتساؤل:
- فيه ايه يا سما حد كلمك؟
تراجعت وحضنت شقيقها قبل أن تشير إلى «إلياس» و «مراد» وهي تقول بنبرة تهدد بالبكاء:
- الحقني يا كرم الاتنين دول بيتخانقوا معايا ومش عايزين يسيبوني!
سحبها ليوقفها خلفه قبل أن يرفع صوته قائلًا:
- مالك أنت وهو بيها؟
وضع «إلياس» يده اليمنى على رأسه قبل أن يقول بهدوء:
- فيه سوء تفاهم، إحنا مش بنتخانق وأختك عمالة تهزق فينا بعد ما جيت وغلطت صاحبي، الحكاية إنهم خبطوا في بعض وكل واحد بيشيل التاني الغلط فجيت قولت الاتنين غلطانين لكن مش فاهم ايه شغل العيال اللي بتعمله اخت حضرتك ده.
هنا خرجت «سما» من خلفه ورددت بغضب:
- عيال في عينك أنت وصاحبك.
ضغط «مراد» بقوة على شفتيه ليقول بعدم رضا:
- شايف طريقتها؟
هنا نظر إليها «كرم» وردد بهدوء:
- اصبري يا سما أما افهم فيه ايه.
في تلك اللحظة بدأ «إلياس» في شرح ما حدث بهدوء وما إن انتهى حتى قال «كرم»:
- يعني كل ده علشان خبطوا في بعض؟!
ثم وجه بصره تجاه شقيقته ليتابع:
- يابنتي أنتي عايزاني اتخانق وخلاص؟!
حركت رأسها بالإيجاب وأشارت إلى «مراد» قائلة:
- أيوة علشان طريقته مستفزة.
حال بينهما «إلياس» ليمنعهما من الشجار مجددا وأردف بصوت مرتفع:
- بااااس كفاية أوي لحد كدا خناق، حصل خير يا أستاذ كرم أنت واختك.
ثم وجه بصره تجاه صديقه ليجذبه من ملابسه وهو يقول:
- وأنت يا مراد قلبك أبيض خلاص، يلا بينا نرجع.
رحل «كرم» مع شقيقته بينما تحدث «إلياس» إلى صديقه قائلًا:
- اعقل يا مراد وبعدين إحنا جايين نتفسح في نتخانق.
رمقها وهي تسير مع شقيقها وأردف بعدم رضا:
- أنا عاقل يا إلياس لكن البت دي عصبتني، خلاص خلاص روح لمراتك وأنا هشوف كنت رايح فين.
ضحك على حاله وأردف:
- ماشي يا سيدي.
تركه وعاد إلى «إيلين» التي سألت على الفور:
- مراد بيتخانق مع مينا؟
ابتسم و هز رأسه ليقول:
- لا لا ده موضوع تافه، يلا نكمل.
في تلك اللحظة تركته وركضت لتتسلق صخرة شبه مرتفعة وما إن نجحت في ذلك حتى رددت بابتسامة:
- صورني يا لي.
ضحك على حالها وأخرج هاتفه ليلتقط لها العديد من الصور في أماكن مختلفة وبعد مرور القليل من الوقت اسرعت إليه وأردفت بابتسامة:
- يلا نتصور سيلفي بقى.
لبى مطلبها والتقطا بعض الصور التذكارية بعد أن سيطرت السعادة على كلٍ منهما.
***
بدأ مفعول المخدر ينتشر بجسده ونهض من مكانه ليرقص على أنغام الموسيقى المرتفعة في هذا المكان المغلق بينما صاح «فارس» بصوت مرتفع ليعبر عن مدى حماسه قائلًا:
- مش قولتلك يا هاني، ولسة ولسة اليوم هيكمل.
صاح «هاني» وهو يتمايل في الهواء مع صوت الموسيقى:
- عندك حق يا فارس، أنا طاير!
***
عادت إلى صديقتها مرة أخرى وكان وجهها عابثًا مما جعلها تقول بتساؤل:
- مالك يا سما؟ حصل حاجة ولا ايه.
ضغطت بقوة على شفتيها ورددت بغضب شديد:
- واحد حيوان خبط فيا ومصر إني اللي غلطانة واتخانقنا مع بعض ولولا كرم كان زمان الخناقة كبرت.
رفعت حاجبيها بدهشة مما تسمعه وأردفت باعتراض:
- يابنتي إحنا جايين نخرج ولا نتخانق؟! وبعدين إحنا هنا في القاهرة مش اسكندرية مش عايزين مشاكل.
- أهو اللي حصل بقى، أصلا ده بني آدم مستفز.
***
تناولوا الطعام مع بعضهم البعض قبل أن يقول «إلياس» بابتسامة:
- بقولك ايه بقى يا ماما، سيبك من القعدة دي بقى وقومي معانا نتصور ونلف شوية إحنا جايين نتبسط كلنا.
حاولت الاعتراض لكن «إيلين» أصرت على ذلك قائلة:
- بقولك ايه يا ماما متعترضيش، يلا بقى علشان خاطري.
ابتسمت ورددت بحب:
- حاضر يا ولاد.
في تلك اللحظة ردد «مراد» بحماس:
- وأنا هروح اجيب حصان نص ساعة وأجيلكم.
- اشطا.
على الجانب الآخر ساعد «كرم» شقيقته على ركوب الخيل وما إن تأكد أنها بخير حتى ردد بابتسامة:
- أنا هاخد الخيل بتاعي بقى واروح لدورا، خلي بالك من نفسك.
ابتسمت وهزت رأسها بالإيجاب لتقول بحب:
- متقلقش ميرا معايا أهي، روح أنت يا ب.
تركها بالفعل وبدأت «ميرا» في التحرك بسرعة عن طريق خيلها بينما رددت «سما» بصوت مرتفع:
- يابنتي استنيني أنا خايفة اقع.
ابتعدت صديقتها بينما اقترب شاب وغمز بعينه ليقول بمكر:
- ما تيجي اعلمك أنا يا قمر.
نظرت له بخوف فطريقته كانت مريبة بدرجة كبيرة، تحركت بخيلها ولم تُعطيه الاهتمام فالتف هو حول خيلها حتى أصبح مقابلًا لها وقال:
- بقولك ايه أنا مش هسيبك، هعلمك يعني هعلمك، هو الواحد بيشوف قمر كدا بالنهار كل يوم يعني، تعالي يا مزة.
هنا صرخت في وجهه ولوحت بقدمها في الهواء في محاولة منها لركله قبل أن تقول:
- ابعد عني يا حيوان بدل ما احبسك.
اقترب منها أكثر وأمسك بلجام خيلها ليقول بتحدي:
- لو تعرفي تعمليها اعمليها يا قطة، ياترا جاية لوحدك ولا حد معاك.
في تلك اللحظة اقترب «مراد» وجذبه من ملابسه ثم لكمه بقوة في وجهه وهو يقول:
- لا في حد معاها يا روح امك.
وقع هذا الشاب على الأرض بفعل قوة اللكمة لكنه سرعان ما وقف من جديد وتقدم ليقوم بتأديبه لكن «مراد» أمسك بيده ولفها خلف ظهره قبل أن يركله بقوة ويسقطه أرضًا مجددا لكن تلك المرة سقط على حجر وصرخ بتألم، هنا اقترب «مراد» ووقف فوق رأسه وهو يقول:
- ها تحب اكمل ولا تغور من هنا؟!
تراجع بظهره بخوف شديد وهو على الأرض وما إن ابتعد حتى نهض من مكانه وركض بعيدًا.
عاد إليها ورسم ابتسامة على وجهه ليقول بهدوء:
- آسف على اللي قولته من شوية.
ابتسمت هي الأخرى ووجهت بصرها تجاه هذا الشاب الذي يركض بعيدًا ثم عادت ببصرها إليه قائلة:
- ليه دافعت عني وأنا أصلا هزقتك من شوية.
ابتسم ورفع كتفيه ليقول ببساطة:
- كنت جاي أجيب حصان وسمعت الحوار من البداية، في الأول افتكرته بيرخم وهيمشي لكن لما لقيته قرب مقدرتش امسك نفسي وجيت ضربته، شكلك أصلا مش من القاهرة وده لاحظته شوية من نبرتك في الكلام فلو ده حقيقي فانتي ضيفة عندنا وده واجب يعني.
اتسعت ابتسامتها وهزت رأسها بالإيجاب لتأكد على ما قاله:
- فعلا أنا من الاسكندرية وجاية رحلة مع أخويا وخطيبته، أنا اللي آسفة على فكرة بسبب اللي قولته، أنت كان عندك حق وأنا اللي كنت باصة في الموبايل وشكرا على وقوفك جنبي قصاد الحيوان ده، أنا كنت فعلا خايفة ومش عارفة اتصرف ازاي.
ابتسم لها وأردف بنبرة هادئة:
- العفو مفيش أي حاجة ده واجب عليا لو لقيت حد في موقف زي ده اساعده، يلا هسيبك بقى.
ظلت تتابع رحيله بابتسامة بينما توجع «مراد» إلى المسؤول عن تأجير الخيل وتحدث إليه قائلًا:
- عايز حصان يا كبير نص ساعة، هتاخد كام.
اسرع البائع وأمسك خيل من لجامه وهو يقول:
- والله يا بيه دي اسرع فرسة عندي ومريحة خالص مش هتتعبك.
لوى ثغره وقد فهم القصد من تلك المقدمة الطويلة وأردف:
- يعني بكام النص ساعة؟
ابتسم البائع ومال برأسه قائلًا:
- بمية جنيه يا باشا لكن علشان خاطرك أنت هدهولك بـ 80 جنيه بس.
رفع حاجبيه بصدمة ورفع صوته ليقول باعتراض:
- ليه يعني يا عمنا 80 جنيه الحصان الطائر وأنا مش عارف؟
- يا بيه أنا بخدمك كدا والله.
رفض هذا السعر وردد بجدية:
- بقولك ايه هاخده بـ 50 يا إما أمشي واسيبه جنبك وتعدي النص ساعة ومتاخدش ربع جنيه وساعتها هتندم إنك مدتهونيش، ها قولت ايه.
لوى البائع ثغره بإستياء لكنه وافق في النهاية قائلًا:
- ياباي عليكم يا بتوع القاهرة، السواح بيدفعوا اكتر من كدا، ماشي يا سيدي حلال عليك.
دفع له المال وصعد فوق الخيل الذي سار به تجاه تلك الغريبة التي اقتحمت يومه، في تلك اللحظة ربت على ظهر الخيل وردد بابتسامة:
- تصدق إنك حصان جدع وبتفهم.
انطلق حتى وصل إليها وما إن وصل حتى ردد بابتسامة:
- شايفك مش بتمشي بالحصان.
رفعت كتفيها وقالت بحزن:
- بيمشي خطوتين ويقف.
ضحك وتقدم بخيله حتى وقف مجاورًا لخيلها وأردف بجدية:
- بصي لو شديتي اللجام ده هيقف أصلا وأنتي بتشديه، علشان يتحرك بيكي لازم تخبطي برجليكي الاتنين على بطنه بهدوء هتلاقيه بيتحرك بيكي وكل ما تعوزي تزودي سرعته اخبطي اكتر، جربي كدا.
هزت رأسها بالإيجاب وبدأت في تنفيذ ما قاله وبالفعل تحرك الخيل بها مما جعلها تبتسم قائلة:
- الله ده فعلا اتحرك.
هنا رفع أحد حاجبيه وقال بحماس:
- يلا نعمل سباق.
على الجانب الآخر جلست «كريمة» لتستريح قليلا بينما تابع «إلياس» و «إيلين» الحركة لتقول الأخيرة:
- بحبك أوي يا إلياس.
لف ذراعه حول رقبتها وضم رأسها إليه ليقول بحب:
- على فكرة أنا بحبك اكتر.
توقفت ووجهت بصرها تجاهه لتقول بحاجب مرتفع:
- لا أنا اكتر ايش عرفك أنت.
ضحك وتوقف ليجلس على حجر ضخم ثم نظر إليها قائلًا:
- أنا فيه حاجتين مهمين أوي عايش علشانهم، الحاجة الأولى إني أعيشك في أمان وأحافظ عليكي وأخلي مستقبلك كويس أما الحاجة التانية فهي الانتقام.
عقدت ما بين حاجبيها وتقدمت حتى وقفت أمامه مباشرة لتقول بتساؤل:
- تنتقم من اللي عملوا فينا كدا؟
هز رأسه بالإيجاب وقال بجدية:
- أيوة وقبل ما تسألي عن حاجة قولتلك مش هحكي غير لما تخلصي ثانوية.
لوت ثغرها ووضعت يدها على يده لتقول بخوف:
- ما تنسى يا إلياس، أنا عن نفسي مسامحة ومش عايزة حاجة من الدنيا غيرك أنت بس، متعرضش نفسك للخطر وخليك.
ضحك بسخرية وهو ينظر إلى الفراغ:
- انسى؟! وهم ليه منسيوناش، ليه مرحموش قبل ما يعملوا اللي عملوه.
ثم وجه بصره تجاهها وتابع:
- أنا هنتقم منهم يا إيلين ومش عايز اسمع منك بعد كدا الكلام ده، متخافيش عليا، عمر الشر ما انتصر على الخير وحتى لو انتصر بتبقى جولة وفي النهاية الخير بينتصر برد.
شعرت بالحزن على حاله مما جعلها تجلس إلى جواره وتسند رأسها على كتفه وأثناء ذلك ابتسمت وأشارت إلى بعيد لتقول:
- ايه ده مش دي اللي اتخانق معاها مراد؟ راكب خيل وماشي جنبها وبيضحكوا مع بعض.
نظر إلى حيث تشير وضحك قائلًا:
- ما هو القط مبيحبش إلا خناقه.
ضحكت بصوت مرتفع بينما تابعه هو ليقول ضاحكًا:
- اللي يشوفهم وهم هيشدوا في شعر بعض ميشوفهمش دلوقتي، شكلك وقعت يا مراد ومحدش سمى عليك.
مر الوقت ونظرت هي إليه لتقول بهدوء:
- هضطر امشي بقى علشان لسة فيه سفر وكدا.
ابتسم وهز رأسه بتفهم، ود لو يسألها عن وسيلة للتواصل معها وكاد بالفعل أن يتحدث لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة وردد بهدوء:
- ترجعي بالسلامة.
رفعت أحد حاجبيها بعد أن لاحظت أنه كان على وشك قول شيء لكنه تراجع وردد تلك الكلمات لذلك أردفت بتساؤل:
- شكلك كنت عايز تقول حاجة بس رجعت في كلامك.
هز رأسه بمعنى لا ورسم ابتسامة مزيفة قائلًا:
- لا لا أبدا مفيش، همشي بقى أنا كمان زمانهم عايزيني، فرصة سعيدة إني اتعرفت عليكي.
ابتسمت وفردت ذراعها لتصافحه قائلة:
- أنا اسعد.
تركها ورحل وأثناء رحيله شاهد ما لم يكن يتوقعه، كانت «دورا» تسير مع «كرم» بالقرب منه وتتحدث معه مما جعل حدقتاه تتسع بصدمة ليقول بعدم تصديق:
- معقولة؟
عاد إلى عائلته مرة أخرى وما إن شاهده «إلياس» حتى صاح قائلًا:
- الباشا نور، شكلك وقعت واقف يا مراد يا أخوي.
رفع أحد حاجبيه ومثل عدم فهمه قائلًا:
- عايز ايه ياعم مش فاهم قصدك.
غمز له بعينه وأردف بنبرة ذات معنى:
- يالا مش فاهم ايه، المزة اللي اتخانقت معاها وفجأة ركبت معاها خيل وطول الوقت معاها، ايه يا مراد اخلاقك باظت.
رفع كتفيه وبرر ما فعله بتردد:
- ياعم ده حد كان بيعاكسها وأنا انقذتها منه وبعدين اتعرفت عليها وكانــ...
توقف عن الشرح ورفع أحد حاجبيه ليقول باعتراض:
- أنا ببرر ليك ايه؟! أنت مالك ياعم ليك شوق في حاجة؟
ضحك على حاله وردد مازحًا:
- لا يا باشا مليش، على العموم الأيام هتثبت إن نظرتي في محلها.
هز رأسه ليقول باعتراض:
- لا مش هتثبت، هي أصلا مش من القاهرة يعني مش هشوفها تاني، شوفت بقى إنك ظالم.
اتسعت ابتسامته ووضع يده على كتفه قائلًا:
- يا راجل ظالمك ايه، أنت بتقول إنها مش من القاهرة وأنت مش طايق نفسك، خلاص هبطل رخامة بس قولي مخدتش منها أي حاجة تتواصل معاها بيها..واتس فيس كدا يعني.
حرك رأسه بمعنى لا ليجيبه بعدم رضا:
- لا كنت هطلب بس قولت في نفسي ده مجرد تعارف يعني وبعدين خوفت تكسفني فسكت ومشيت.
لوى ثغره بإستياء وردد بعدم رضا:
- ما شاء الله عليك، سيب الحوار ده عليا.
انتبه وردد بحماس:
- ايه هتهكر النت وتجيبلي حسابها على الفيسبوك؟
رفع حاجبيه بصدمة وأردف بدهشة:
- اهكر النت؟ لا أنت بعد الجملة دي ابقى قابلني لو ساعدتك أصلا ويلا نمشي قبل ما اشتم.
- خلاص ياعم أنت هتقطم فيا يعني علشان مش فاهم، امشي امشي.
***
- يعني معظم الوقت كنتي مع صاحبك ده ودلوقتي ماشية معايا سرحانة؟
قالتها «ميرا» لـ «سما» التي كانت تسير دون أن تتحدث على غير عادتها مما جعلها تنظر إليها لتقول بتوضيح:
- يابنتي مش صاحبي ده اللي اتخانقت معاه الصبح.
رفعت حاجبيها وقالت بصدمة:
- يلاهوي هو ده اللي قولتي عليه حيوان؟!
لوت ثغرها ونظرت أمامها لتقول:
- آه هو، حد جيه عاكسني بعدها وهو دافع عني وضربه وكنت بتكلم معاه عادي يعني.
أوقفتها وغمزت عينها لتقول بتساؤل:
- عادي بردو؟! ده أنتي صاحبتي وأكتر واحدة عارفاكي.
تركتها وسارت قبل أن تقول بعدم رضا:
- يووه يا ميرا متبقيش رخمة بقى أنا تعبانة وعايزة اروح الباص أنام.
***
خرجوا جميعهم من منطقة الأهرامات وساروا شارع طويل ليوصلهم إلى موقف السيارات وأثناء سيرهم لاحظت «إيلين» رجل يفرش الأرض ببعض الكتب والروايات فنظرت إلى «إلياس» قائلة:
- إلياس ممكن تيجي معايا هنا.
نظر إلى ما تشير إليه ثم عاد ببصره إليها قائلًا:
- ايه ده عايزة تشتري روايات وكتب؟ أنا عارف عنك كل حاجة بس اول مرة اعرف إنك بتقرأ.
هزت رأسها بمعنى لا وأوضحت:
- أنا فعلا مكنتش بقرأ بس ده بسبب إني مكنتش بخرج خالص من المنطقة ودلوقتي شكل الكتب والروايات دي شدني أوي وحاسة إني عايزة اقرأ.
ابتسم ووضع يده على كتفها ليقول بحب:
- ماشي يا ستي هجيبلك كل اللي عايزاه بس بشرط مفيش حاجة فيهم تشغلك عن المذاكرة.
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بحماس شديد:
- حاضر اوعدك إني مش هقرأ فيهم غير لما اخلص المذاكرة اللي عليا.
ابتسم وربت على ظهرها بحب قبل أن بنظر إلى البقية قائلًا:
- ثواني يا ماما..ثواني يا مراد، هنجيب حاجة علطول.
وبالفعل توجع معها إلى بائع الكتب ونظرت هي بإعجاب إلى الكتب وشعرت بسعادة لا تعرف مصدرها، بدأت تشير إلى الكتب التي جذبت انتباهها ونظر «إلياس» إلى البائع قائلًا:
- كل اللي تشاور عليه هاتهولي.
وبالفعل نفذ ما طلبه منها ووضع الكتب بحقيبة من البلاستيك قبل أن يحاسبه «إلياس» ويرحل معها عائدًا إلى المنزل.
بعد مرور ساعة ونصف وصلوا أخيرا إلى المنزل لكنهم توقفوا بعد ما شاهدوه. كانت سيارة سوداء تسد مدخل الحارة في بدايتها وأمامها ثلاثة من رجال الحماية. ضيق «إلياس» ما بين حاجبيه وسحب «إيلين» ليجعلها خلفه بعد أن شعر بوجود شيء غريب، تقدموا بصورة طبيعية إلى داخل الحارة حيث منزلهم وفجأة صاح أحد المارة قائلًا:
- مش تقول يا إلياس إنك مهم كدا.
نظر له بعدم فهم وتابع سيره إلى منزله الذي كانت تقف أمامه سيارة سوداء أخرى، في تلك اللحظة خرج «مرزوق» من السيارة وردد بابتسامة:
- يااااه يا إلياس، مين كان يصدق إن بعد السنين دي كلها نتقابل مرة تانية؟!
رواية شمس الياس الفصل الثالث عشر 13 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
وصلوا أخيراً إلى المنزل، لكنهم توقفوا بعد ما شاهدوه.
كانت سيارة سوداء تسد مدخل الحارة في بدايتها، وأمامها ثلاثة من رجال الحماية. ضيق إلياس ما بين حاجبيه وسحب إيلين ليجعلها خلفه بعد أن شعر بوجود شيء غريب.
تقدموا بصورة طبيعية إلى داخل الحارة حيث منزلهم، وفجأة صاح أحد المارة قائلاً:
- مش تقول يا إلياس إنك مهم كدا.
نظر إليه بعدم فهم وتابع سيره إلى منزله الذي كانت تقف أمامه سيارة سوداء أخرى. في تلك اللحظة خرج مرزوق من السيارة وردد بابتسامة:
- يااااه يا إلياس، مين كان يصدق إن بعد السنين دي كلها نتقابل مرة تانية؟!
نظر إلياس إلى صغيرته وردد بهدوء:
- اطلعي فوق يا إيلين وأنا شوية وجاي.
نظرت إيلين إلى هذا الغريب قبل أن تقول بتساؤل:
- مين ده يا إلياس ويعرفك منين؟
لم يتمالك أعصابه وردد بغضب:
- بقولك اطلعي يا إيلين ومتسأليش كتير، ممكن ولا لا؟!
شعرت بالحزن لما قاله وهزت رأسها بالإيجاب قبل أن تتجه إلى الأعلى وخلفها كريمة، بينما توجه مراد إلى إلياس وقال بجدية:
- أنا معاك يا صاحبي.
ابتسم وربت على كتفه قبل أن يلتفت إلى عمه لينظر إلى وجهه بتحدي قائلاً:
- تفتكر اللقاء ده كان صدفة ولا من تخطيط حد؟
ضيق ما بين حاجبيه ليقول بعدم فهم:
- مش فاهم قصدك.
ابتسم وتقدم خطوة تجاهه ليقول:
- أقصد إنكم معرفتوش إني موجود غير بعد موت ياسر.
مثل عدم فهمه وردد بحيرة مزيفة:
- أنا مش فاهم حاجة يا إلياس، كل الحكاية إني عرفت بوجودك من ظابط أعرفه في القاهرة كان بيحقق في قضية واكتشف إنك هنا بالصدفة، وبعدين ده لقائك بعمك بعد السنين دي كلها؟! فين الحضن؟
ضحك بسخرية من كلمته الأخيرة وأردف:
- صدقني دي آخر حاجة ممكن أفكر فيها، خلينا من بعيد لبعيد أحسن يا مرزوق باشا، ما شاء الله شايفك.
مقترب منه خطوة حتى أصبح مواجهًا له ليقول بجدية:
- أنا عضو مجلس الشعب ده غير إني رجل أعمال ناجح جداً، أي حد من عيلة مرجان مهم، أنت نفسك مهم يا إلياس، ده أبوك الله يرحـ...
في تلك اللحظة تبدلت تعابير وجهه للغضب ورفع إصبعه في وجهه ليقول بنبرة تحمل التهديد:
- سيرة أبويا متجيش على لسانك، اعتبره تهديد اعتبره تحذير اعتبره زي ما تعتبره، أمين؟
رفع كتفيه ليقول بعدم رضا:
- مالك يا إلياس؟ أنت بتشيلنا ذنب مش ذنبنا ليه؟ مش أنت اللي هربت وأنت صغير، بص أنا مش هجيب سيرة الماضي ولا عايز أفتكر اللي حصل، أنا جايالك علشان أقول إنك من عيلة مرجان وليك مكانة، وإلياس هادي رأفت مرجان ميقعدش في منطقة زي دي، مكانك في قصر مش شقة في بيت قديم ومنطقة معدومة بالشكل ده.
ابتسم بعد أن عقد ذراعيه أمام صدره ليقول بسخرية:
- المنطقة المعدومة دي هي اللي عملتني راجل وخلتني أشيل مسؤولية، البيت القديم ده عيشت فيه ذكريات كتير حلوة وصاحبت فيه صاحب جدع وسندي دلوقتي وأكتر من أخ، المنطقة دي عرفت فيها ناس جدعة بجد وكل همها تعيش يومها وترضي ربنا مش بيخططوا من ورا الواحد علشان يؤذوه، أنا هنا راضي ومبسوط.
رسم ابتسامة مزيفة على وجهه ليقول بحب مصطنع:
- يا إلياس أنت زي ابني هاني، لو مش بعتبرك كدا مكنتش جيت هنا ولا وقفت أتكلم معاك دلوقتي، على فكرة القصر اللي هتقعد فيه ده بتاع والدك الله يرحمه يعني بتاعك أنت مش فلوسي أنا ولا فلوس حد من أعمامك علشان تبقى مقرر بجد وكمان فيه حاجة.
التفت وأشار بيده ليخرج شخص من سيارته وكان يحمل حقيبة، تقدم هذا الرجل وصافح إلياس ليقول بابتسامة:
- محمود البدري المحامي الخاص بوالدك الله يرحمه، الصراحة قبل وفاة والدك بفترة كتبلك القصر والشركة وحط مبلغ كبير في حسابك في البنك، لكن الشركة للأسف مع الوقت وقعت واتقفلت بسبب إن مفيش إدارة ليها، لكن مقرها موجود وتقدر تفتحها من جديد، ده غير فيه كذا شاليه في كذا مكان باسمك وممتلكات تانية كتير، اختفاؤك كان موقف كل حاجة ودلوقتي حضرتك ظهرت وأنا هبدأ كل الإجراءات علشان تستلم كل ده.
ابتسم مرزوق وردد بهدوء:
- تسلم يا متر، تقدر ترجع تاني للعربية وأنا هكمل كلام مع ابن أخويا.
- تمام يا مرزوق بيه.
رحل المحامي بينما نظر هو إلى إلياس ليقول بابتسامة:
- وبمناسبة رجوعك أنا هعمل عزومة ألم فيها العيلة كلها ونحتفل برجوعك، ها يلا نتحرك دلوقتي.
وضع يديه في جيب بنطاله وأخذ شهيق طويل قبل أن يخرج الزفير بهدوء قائلاً:
- مش هاجي معاك دلوقتي، هجهز نفسي وأجي بس مش لوحدي.
ابتسم بعد أن فهم القصد من جملته وأردف بهدوء:
- البنت دي مش من مقامك، أنت المفروض تتجوز هانم ومن عيلة كبيرة.
ضحك إلياس على ما قاله وفجأة تبدلت تعابير وجهه للغضب قائلاً:
- صدقني يا مرزوق باشا أنت لو جبت سيرتها بالشكل ده تاني هتزعل مني، وأنا زعلي وحش، البنت دي تبقى كل حاجة في حياتي مش بس مراتي، دي أهم عندي من أي حاجة وأي حد.
وضع يديه هو الآخر في جيب سترته وأردف بهدوء:
- اللي تشوفه يا إلياس، كل اللي تعوزه اعمله، هضطر أمشي بقى علشان الشغل بس ياريت تجهز وتسافر بكرة بدري علشان نحتفل بكرة برجوعك.
لا يرد عليه وتركه ليرحل، بينما اقترب مراد من إلياس وردد بتساؤل:
- غريبة يعني يا إلياس! أنت بجد هتروح؟ أوعى تسيبني يا صاحبي.
ابتسم إلياس ونظر إليه ليقول بهدوء:
- هروح يا مراد، دي الفرصة الوحيدة علشان أقرب منهم وأنتقم، وبعدين أنا قولتلك قبل كدا لو عرضوا عليا فلوس الدنيا كلها مش هوافق، لكن الفلوس دي فلوس والدي الله يرحمه، أنا من هنا من المنطقة دي وهفضل كدا طول عمري، أنا هرجع هنا تاني بس بعد ما أنتقم منهم كلهم، أنا مش هسيبك يا مراد، أنت ووالدتك هتيجوا معايا إسكندرية.
***
وصلت أماني إلى شقة خالتها بعد علمها بعودتها، وما إن وصلت حتى رددت بعدم رضا:
- يعني تسيبيني يا خالتي وتروحي مع البت اللي اسمها إيلين دي علشان تفرحيها، أنا أطيق العمى ولا أطيقها.
عقدت كريمة ما بين حاجبيها لتقول باعتراض:
- ليه كدا يا أماني، إيلين قلبها طيب وغلبانة، متعرفيش أنتي الدنيا عملت فيها إيه علشان تقولي عليها كدا يا حبيبتي.
رفعت أحد حاجبيها لتقول بسخرية:
- والدنيا عملت فيها إيه بقى الست هانم دي.
على الرغم من تحذير إلياس لها بعدم معرفة أحد لحالة إيلين في الماضي، لكنها قررت إخبارها بهذا الأمر لعلها تعود عن ما تفكر فيه:
- إيلين دي إلياس لقاها مرمية قدام باب جامع من 18 سنة، تخيلي بقى لما تكون طفلة لسة في اللفة وأهلها يرموها في الشارع؟! إيلين عاشت بعيد عن أهلها اللي استغنوا عنها واتحرمت من حنان الأم والأب، اتحرمت من الأسرة، شافت أيام صعبة وقاسية، عرفتي الدنيا عملت فيها إيه؟!
لم يؤثر فيها هذا الحديث بل جعل ابتسامة هادئة تسيطر على وجهها بعد أن خطر ببالها فكرة شيطانية.
***
عاد إلى شقته مرة أخرى ليجدها تجلس بملابسها شاردة، حتى إنها لم تنتبه لحضوره، فعلم حينها أنها تفكر في ما فعله معها بالأسفل، سيطر الحزن عليه واقترب منها حتى جلس إلى جوارها وأردف بهدوء:
- متزعليش يا إيلين، مكانش قصدي أزعقلك، أنا بس مضغوط والراجل اللي جالي ده كان سبب كبير أوي في الوضع اللي أنا فيه ده، أوعدك أحاول مزعلكيش تاني.
انهمرت عبرة من عينها قبل أن تنظر إليه قائلة:
- أنت زعقت ليا جامد يا إلياس، فيها إيه لو فهمتني بهدوء وقولتلي هقولك بعدين بس اطلعي دلوقتي؟! أنت علشان ربتني من وأنا في اللفة هيبقى ليك الحق في إنك تزعق فيا؟ ده حتى الأب اللي بجد عمره ما يزعق لبنته بالشكل ده بدون سبب.
شعر بحزنها الشديد ولف ذراعه حول رقبتها قبل أن يضمها إلى صدره قائلًا:
- حقك عليا جت فيكي أنتي، وبعدين أنتي عارفة إن مش ده تعاملي معاكي، صدقيني أنا كنت مضغوط وعفاريت الدنيا كانت بتتنطط في وشي، ميبقاش قلبك أسود بقى.
احتضنته هي الأخرى وأردفت بنبرة هادئة:
- أنت عارف إني مقدرش أزعل منك يا إلياس، المهم إنك بخير دلوقتي والراجل اللي زعلك ده مشي.
***
كانت تسند رأسها على زجاج الحافلة التي كانت عائدة إلى الإسكندرية وكانت شاردة تماماً، استيقظت صديقتها من نومها ونظرت إليها لتجدها مستيقظة فاعتدلت وقالت بهدوء:
- إيه اللي صحاكِ؟
أجابتها وهي تنظر إلى الطريق أمامها من نافذة تلك الحافلة:
- أنا منمتش أصلاً.
عقدت ما بين حاجبيها لتقول بحيرة:
- ده أنتي كنتي هتموتي وتنامي وبتقولي عايزة ترجعي الباص علشان تنامي!
رفعت كتفيها ورددت بلا مبالاة:
- عادي أنا كدا كدا مش بعرف أنام في الطريق، لما أروح أبقى أنام بقى.
رفعت أحد حاجبيها لتباغتها بهذا السؤال:
- بتفكري فيه؟
ضيقت ما بين حاجبيها لتقول بعدم فهم:
- بفكر في مين؟
غمزت لها بعينها ورددت بابتسامة:
- هيكون مين يعني، اللي اتخانقتي معاه.
لوت ثغرها وأردفت باعتراض:
- يابنتي أفكر في مين ده أنا لسة عارفاه النهاردة ومش هنشوف بعض تاني.
التفتت أكثر لها وقالت باهتمام واضح:
- مطلبتيش منه الفيس بتاعه أو أي حاجة تتواصلي معاه بيها؟
حركت رأسها بمعنى لا ونظرت إلى الفراغ وهي تقول:
- لا كنت مستنية هو يطلب بس مطلبش، بس عادي يعني.
***
نشرت أماني ما عرفته من خالتها بالمنطقة بأكملها، وساعد على نشر الخبر نساء تلك الحارة فهن ماهرات في تلك الوظيفة بالتحديد.
على الجانب الآخر ذهبت إيلين إلى المركز التعليمي بعدما أخبرت إلياس الذي وافقها، واتجه هو ليجهز الأشياء التي سيحتاجها هو وصغيرته للسفر إلى الإسكندرية.
مر الوقت وأعد لها عشاء خاص لتأكل معه عند عودتها، وقف على مقربة من الطعام وفرك كفيه ليقول بابتسامة:
- حلو أوي كدا.
في تلك اللحظة استمع لصوت فتح الباب خلفه فالتفت لكي يستقبلها لكنه تفاجئ بوجهها الشارد.
دلفَت إلى الداخل بخطوات بطيئة وشاردة حيث كانت تنظر إلى الفراغ وعلامات الصدمة تسيطر على وجهها بأكمله.
اعتقد في البداية أنها تعاني من الإرهاق، لذلك ابتسم وقال بهدوء:
- يلا يا ستي جهزت العشاء وحاجة آخر جمال وراحة.
لم تجب عليه وجلست على المقعد القريب منها بشرود تام مما جعله يعقد ما بين حاجبيه بحيرة.
تقدم تجاهها وردد بتساؤل:
- مالك يا إيلي؟ حد ضايقك وأنا أندمه على اليوم اللي اتولد فيه؟!
انهمرت عبرة من عينيها ورفعت رأسها كي تواجهه، وأردفت بضعف:
- أنا فعلاً بنت خالتك؟
شعر بالصدمة من سؤالها فهذا يعني أنها علمت شيئاً ما، لذلك ردد بحيرة مصطنعة:
- أنتي بتهزري يا إيلين؟ أكيد بنت خالتي.
ضيقت نظراتها ورددت بانكسار واضح:
- لسة بردو بتكذب عليا؟ رد على سؤالي يا إلياس.
في تلك اللحظة تأكد أنها علمت الحقيقة بشكل ما مما جعله يضع يديه في جيب سترته ليقول بجدية:
- هتفرق معاكي إذا كنت ابن خالتك ولا لا؟
نهضت من مكانها وزاد بكائها وهي تقول بحدة:
- أيوه هتفرق معايا يا إلياس، هتفرق في إنك كذبت عليا السنين دي كلها، هتفرق في إني بالصدفة لقيت كل بنات السنتر بيتكلموا ويقولوا إنك لقيتني قدام جامع، هتفرق في نظرتهم ليا ونظرة أهل الحارة ليا، هتفرق في إني طلعت بنت... طلعت بنت...
وضع يده أمام فمها ليمنعها من تكملة حديثها ونظر إلى عينيها ليقول بهدوء:
- أنتي مش كدا يا إيلين، أنا مكدبتش عليكي، أنتي طلبتي تعرفي الحقيقة وأنا قولتلك هعرفك كل حاجة بعد ما تخلصي ثانوية عامة، يعني كان هيجي اليوم اللي هقولك فيه، طز في نظرات الناس وفي كلامهم، إيلين أنا كنت هربان من الدنيا وفجأة صوت عياطك شدني، كان عندي مليون سبب أهرب ومفكرش في صوت العياط ده لكن مقدرتش، قربت ولقيتك على الأرض، الدنيا غدرت بيا وغدرت بيكي في نفس الوقت، مجاش ليا قلب أسيبك وشيلتك وطلعت أجري وأنا مش عارف رايح فين ولا بعمل كدا ليه، كل اللي عارفه إن مصيرك زي مصيري وربنا حطني في المكان ده وفي الوقت ده علشان أخليكي تشوفي النور وفي نفس الوقت تنوري أنتي حياتي، أنا مكدبتش عليكي يا إيلين، أنا بس أجلت الكلام ده علشان ميأثرش عليكي ولا على مذاكرتك لأني عايزك أحسن مني، عايز أشوفك مهندسة كبيرة علشان تواجهي الدنيا بقلب جامد وتقولي رغم كل اللي حصل ده أنا نجحت وحققت حلمي، عايزك أحسن حد في الدنيا، إيلين أنتي بنتي فاهمة يعني إيه بنتي؟
زاد بكائها أكثر وأردفت بضعف من بين بكائها:
- بنتك اتكسرت يا إلياس، أنا مش قادرة أوصفلك أنا حاسة بإيه دلوقتي، تخيل تكون ماشي أسعد حد في الدنيا لأنك قربت خطوة كبيرة أوي من حبيبك وفجأة تحصل حاجة تخليك أسعد واحد في الدنيا، بعد إذنك يا إلياس سيبني لوحدي.
تركته وركضت إلى غرفتها لتنفجر في البكاء بعد أن أغلقت الباب بإحكام، بينما تابعها هو بنظرات حزينة، كان يعتقد أنه سيسعدها بهذا العشاء الذي تعب في تحضيره لكنه تفاجأ بما حدث.
جلس مكانه ووضع رأسه بين كفيه ليقول بصوت غير مسموع:
- يارب حلها من عندك.
***
انتهى أخيراً من فعل ما حرمه الله ونظر إلى تلك الفتاة التي كانت تجلس على الفراش ثم تقدم ليضع مبلغاً من المال بجوارها قبل أن يقول:
- البسي وخلصي واقفلي الباب وراكي.
تركها ورحل من شقته ثم توجه إلى الطابق الأسفل قبل أن يطرق على الباب، انتظر لبعض الوقت قبل أن يفتح له صديقه الباب وهو يقول بابتسامة:
- في معادك يا باشا، إيه الكلام؟!
ابتسم هاني وقال بسعادة:
- فل الفل، قولتلي النوع الجديد ده اسمه إيه؟!
خرج بعد أن أغلق الباب خلفه ليقول بحماس:
- كيدفارا، مش قولتلك رايق.
***
على الجانب الآخر كان مرزوق بداخل مكتبه ويتحدث مع مساعده الخاص بخصوص شحنة جديدة من المخدرات حيث قال بجدية:
- عايزك تتواصل مع الناس برا، فيه شحنة كبيرة من كيدفارا جاية، بعد ما الشحنة القديمة اتباعت كلها في وقت قصير وعملت مكسب كبير كان لازم أطلب شحنة أكبر، مش عايز مشاكل يا ضياء.
نهض ضياء من كرسيه وردد بجدية:
- تمام يا باشا هظبط معاهم التفاصيل وهبلغك بكل جديد.
***
- أنا مش فاهم بني آدم زي ده هيجي هنا يعمل إيه؟!
قالها سليم لوالده بغضب بعد أن علم بسفر عمه له القاهرة مما جعله يجيب عليه بهدوء قائلًا:
- أكيد مرزوق فاهم هو بيعمل إيه، مش عايزك تحطه في دماغك لأن كدا كدا إلياس هيموت.
رواية شمس الياس الفصل الرابع عشر 14 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
ارتفع صوت آذان الفجر ليشق صمت الليل المظلم ويعلن عن بداية يوم جديد.
استيقظ إلياس الذي لم يشعر بنفسه ونام محله على الأريكة. كان يشعر بالبرد كثيرًا لأنه نام بدون غطاء.
نهض من مكانه بصعوبة ثم توجه إلى المرحاض ليتوضأ. وما إن انتهى حتى ذهب إلى غرفته وسحب سترته الشتوية الثقيلة ليرتديها قبل نزوله إلى الأسفل.
دقائق قليلة كانت كافية لكي يصل إلياس إلى المسجد القريب من المنزل. حيث تقدم ووقف لكي يصلي سنة الفجر. فهو حينما يكون مستيقظًا لأداء صلاة الفجر لا يفوت تلك السنة. فهو قد استمع من شيخ هذا المسجد من قبل حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان يقول الشيخ بعد رفع الأذان: "ركعتَا الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها". وعن عائشةَ رضِي الله عنها، قالت: "لم يكُنِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على شيءٍ مِن النوافلِ أَشدَّ تعاهُدًا منْه على رَكعتَي الفجرِ".
لذلك كان يحرص كل الحرص على أداء تلك السنة قبل أداء صلاة الفجر.
مر الوقت وانتهت الصلاة قبل أن يتجه إلياس إلى الحاج خلف. الذي نظر إليه باهتمام ليقول الأول بجدية:
- أنا مسافر النهاردة أنا وإيلين يا حاج خلف. جيه الوقت اللي كنت مستنيه وقولتلك عليه.
نظر إليه نظرة تحمل القلق، فهو يعتبره ابنا من ابنائه وردد بهدوء:
- إلياس يابني عقاب ربنا هيجيلهم في الدنيا والآخرة. خليك ومتدخلش عالمهم لأن الناس دي ملهاش أمان. دخولك وسطهم يعني دخولك جحر التعابين والتعالب.
ابتسم إلياس ليجيبه بإصرار وقد اتخذ قراره:
- متقلقش يا حاج خلف. أنا دخلت الجحر ده من زمان. أنا معنديش حاجة اخسرها وفي نفس الوقت ربنا معايا. جيه الوقت اللي ينتهي فيه ظلمهم. ادعيلي بس يا عم خلف وسيبها على الله.
ربت على كتفه بهدوء ونظر إلى عينيه ليقول بثقة:
- أنت راجل وجدع يا إلياس. أنا واثق إن ربنا هيبقى معاك ويحميك منهم لأنك نضيف من جوا. هدعيلك يا أبو قلب ابيض. هدعيلك ربنا ينجيك وينصرك عليهم وتنهي ظلمهم.
ابتسم ورفع يده لكي يقبلها قبل أن يقول:
- بس مش عايز حاجة تانية غير الدعوة دي يا والدي.
حضنه خلف بقوة لكي يودعه، بينما تنفس الآخر قائلًا:
- مش هتأخر إن شاء الله.
رحل إلياس عائدًا للمنزل. وما إن دلف حتى وجد العشاء الذي جهزه بالأمس مما بث الحزن بداخله. فهو أراد أن يكتمل اليوم على خير لكن ما حدث كان عكس ذلك. تنفس بهدوء ثم توجه إلى غرفته وقام بتجهيز المتبقي من أشيائه استعدادا للسفر.
مر من الوقت ساعتين قبل أن تستيقظ إيلين من نومها. خرجت من غرفتها لتجد إلياس يمارس رياضته الصباحية وهي الضغط. تجاهلته واتجهت إلى المطبخ. فسمع هو صوتها لذلك اعتدل وتوجه تجاه الصوت قبل أن يقول بتساؤل:
- كويس إنك صحيتي. جهزي كتبك وحاجاتك المهمة علشان هنسافر اسكندرية النهاردة.
رفعت أحد حاجبيها ورددت بتساؤل:
- ليه؟
أدار ظهره لها واستعد للرحيل وهو يجيبها:
- كدا هنقعد هناك فترة وهنقلك لمدرسة هناك تكملي فيها.
تحرك خطوتين بعيدا عنها لتوقفه كلماتها المفاجئة:
- ولو قولتلك مش هسافر.
التفت ونظر إليها نظرة غير راضية. فهو اعتقد أنها تعاقبه على اخفائه أمر عائلتها لذلك ابتسم وردد بهدوء:
- أنا مش باخد رأيك. أنتي هتسافري سواء برضاكي أو غصب عنك.
رحل وتركها لتبكي. فهي لم تتوقع هذا الرد منه. بداخلها نار تحترق ولا تستطيع التحدث. فهي ألقت اللوم على إلياس الذي لا ذنب له. هو فعل كل شيء لأجلها لكنها لم تتحمل كذبه عليها. كما أن صدمتها في معرفة ماضيها جعلت عقلها مشوش للغاية.
التقطت أنفاسها وقررت الذهاب إليه لسؤاله في بعض النقاط الغامضة المتعلقة بحالتها تلك. وبالفعل سارت حتى وصلت إليه. فهو كان يتابع ممارسة الرياضة. وقفت أمامه وأردفت بتساؤل:
- عرفت إن اسمي الحقيقي شهد واسم عيلتي إزاي وأنت أصلا لقيتني في الشارع.
لم يجيبها وظل يتابع مرانه. وما إن انتهى حتى اعتدل ونظر إليها قائلًا:
- في أول مرة غيرتلك فيها هدومك. لقيت شهادة ميلادك في الهدوم.
ضيقت نظراتها بعدم فهم لتسأل مرة أخرى:
- لو رموني في الشارع فعلشان ميكونش ليا وجود وافضحهم إزاي فيه شهادة ميلاد؟
ابتسم واقترب منها خطوة ليجيبها بجدية:
- الموضوع مش زي ما أنتي متخيلة. أمك محطتكيش قدام جامع علشان السبب ده. علشان سبب تاني خالص.
اتسعت حدقتاها بصدمة وأردفت بتساؤل:
- أنت عرفت منين؟ أنت قابلتها؟
أدار ظهره لها ليتابع ممارسة الرياضة وهو يقول:
- السؤال ده الإجابة بتاعته مش دلوقتي. أنا جاوبتك على سؤالين علشان بس أرضي فضولك. لكن باقي الحكاية هتعرفيها لما تخلصي ثانوية.
لم تتحمل وصرخت بصوت مرتفع لتعبر عن رفضها لما يقول:
- لا يا إلياس أنت هتقولي على كل حاجة ودلوقتي. مش عايزة اعرف من الشارع. متبقاش أناني بقى. أنت ايه مش حاسس بيا واللي حاسة بيه؟
اعتدل بعد أن ضغط على شفتيه من شدة الغضب والتفت ليواجهها بعينين مشتعلتين. وأردف بنبرة حادة:
- اقسم بالله يا شهد لو صوتك علي عليا تاني لهخليكي تشوفي وش مني عمرك ما شوفتيه. أنا مش بعد اللي عملته تيجي وتعامليني بالطريقة دي. اللي عايز اقوله هقوله في الوقت المناسب. لكن طريقتك دي هتخليني اتعامل معاكي بوش محبش اعاملك بيه. غوري حضري كتبك وهدومك علشان ساعة وهنمشي.
تفاجأت بطريقته الحادة معها ولم تستطع الوقوف أمامه. لذلك ذهبت لتحضير ما طلبه منها. فهي لم تراه بهذا الغضب من قبل.
***
فرد ذراعه بتعب بعد أن خرج من سيارته. نظر إلى ساعته وردد بعدم رضا:
- ورجعنا لقرف الشغل تاني.
زفر بقوة وتقدم إلى داخل الشركة. وقبل ذهابه إلى مكتبه قرر الذهاب إلى والده الذي طلب منه الحضور إليه عبر مكالمة هاتفية.
مر على مكتب دورا فلم يجدها. لذلك تقدم إلى مكتب والده وفتح الباب دون أن يطرق عليه. مما جعل بكار يقول بعدم رضا:
- مش تخبط على الباب يا زفت أنت.
تقدم بلا مبالاة وجلس على المقعد المقابل له قبل أن يقول:
- أنا زهقان النهاردة يا بابا متقوليش خبط على الباب والشغل ده أنا ابنك. وبعدين ده مكتب مش حمام يعني. المهم قولي لماذا استدعيتني إلى هنا.
استاء من طريقته في المعاملة. فهو تمنى أن يكون ذراعه الأيمن في كل شيء مثل سليم الذي يعلم كل شيء عن عمل والده الأصلي وذراعه الأيمن في كل شيء. لكن ما حدث مع كرم لم ينال رضاه. زفر بقوة قبل أن يجيبه:
- هنبقى كلنا موجودين في قصر عمك مرزوق النهاردة.
رفع حاجبيه بتعجب قبل أن يقول باستياء:
- ايه يا بابا هي حكاية ولا ايه ما احنا كنا لسة هناك. بقولك ايه لو ده حوار علشان تخليني اقابل مريم فأنا بقولك دلوقتي أهو انسى.
هز رأسه بالرفض وصاح فيه:
- يابني اسمع للآخر ومتقاطعنيش. ابن عمك هادي اللي يرحمه إلياس طلع عايش وهيرجع اسكندرية النهاردة وهنتجمع كلنا علشان نرحب بيه.
اتسعت حدقتاه بصدمة ونهض من مكانه ليقول بعدم تصديق:
- أنت بتهزر يا بابا صح؟ إلياس عايش؟!
هز رأسه بالإيجاب وأكد على تلك المعلومة:
- أيوة عايش وأكيد مش ههزر في حاجة زي دي. إلياس هيجي النهاردة وهتشوفه بنفسك.
ابتسم بسعادة وخبط بكفه الأيمن على كفه الأيسر ليقول بحماس:
- يااااه يا إلياس، بعد السنين دي كلها تظهر؟!
نظر إلى والده ثم تابع:
- تعرف يا بابا لو مكانش حصل اللي حصل كان زماني أنا وإلياس دلوقتي اكتر من اخوات. إحنا فضلنا عشر سنين نلعب وننزل ونلف مع بعض. اختفاء إلياس بعد الفترة دي كان صدمة ليا وفضلت 3 سنين احاول اتخطى غيابه لأننا كنا مع بعض 24 ساعة وكنت متعود على وجوده. أنا مش مصدق إنه راجع تاني. أخيرا خبر حلو.
استاء بكار أكثر من تعلق ابنه بـ إلياس. فهو لا يريد هذه الصداقة بينهما لأنه يعلم أن نيته هي الانتقام. ولا يعرف كيف سيتصرف شقيقه الأكبر مرزوق في هذا الأمر.
***
انتهت إيلين من تجهيز الحقائب الخاصة بها واتجهت مع إلياس لتوديع كريمة التي حزنت كثيرا على رحيلهما. لذلك وعدتهما أنها ستسافر إليهما في اقرب وقت. بينما اخبر مراد صديقه بأنه على استعداد للسفر معه إلى مدينة الإسكندرية.
ما هي إلا دقائق قليلة حتى كانوا بالاسفل مع حقائبهم. كانت هناك سيارة تنتظرهم وخرج السائق بمجرد رؤيته لـ إلياس وردد بابتسامة:
- مرزوق باشا باعتني ليك يا إلياس بيه. سيب الشنط وأنا هحطها في العربية واتفضل أنت واللي معاك.
هز رأسه بالإيجاب وفتح باب السيارة الخلفي ثم أشار بيده إليها لتدخل دون أن يتفوه بكلمة واحدة. بالفعل استقلت السيارة وتبعها هو ليجلس بجوارها. قبل أن يتقدم مراد ويستقل المقعد الأمامي بجوار السائق.
انتهى السائق من وضع الحقائب وعاد إلى السيارة لتبدأ رحلة العودة. عودة كلٍ من إلياس و إيلين إلى مدينتهما التي تحمل لهما ذكريات سيئة للغاية.
كان إلياس شاردا طوال الطريق ورغبت إيلين في التحدث معه عدة مرات. لكنها كانت تتراجع في اللحظات الأخيرة. فهو لن يُجيبها على شيء الآن. ظلت على تلك الحالة حتى قررت أخيرا التحدث وأردفت بنبرة مترددة:
- إحنا رايحين اسكندرية ليه؟
نظر إليها نظرة لم تعرف معناها ثم عاد لينظر أمامه مرة أخرى وهو يقول:
- علشان ده المكان اللي اتولدنا فيه. هنا كل حياتنا.
رفعت أحد حاجبيها لتقول بعدم رضا:
- قصدك حياتك. أنا مليش حياة هنا.
زفر بقوة ونظر إليها بنظرة غير راضية وهو يقول:
- أنا كمان مليش حياة هنا بس الحياة دي هنعملها احنا. مجبرين على كدا.
- وليه مجبرين؟ مش أنت اللي قولت على المكان اللي كنا فيه هو اللي لمنا وبعيد عن كل الناس المؤذية؟
نظر من نافذة السيارة وردد بهدوء:
- مفيش مكان مفيهوش أذى. بدليل اللي حصلك قبل ما نسافر. الأذى حصل واحنا هربانين منه فليه نهرب؟ ما نرجع لنقطة البداية ونواجهه.
ضمت ما بين حاجبيها واستنتجت سبب عودته. لذلك قالت بتساؤل:
- يعني أنت راجع دلوقتي علشان تواجه كل اللي اتسببوا في الأذى ليك؟
ابتسم ووجه بصره تجاهها ليقول:
- مش بس ليا. ليكي كمان.. أهلك موجودين وأنا أعرفهم. بس مش هتعرفي حاجة عنهم غير لما أنا اقولك.
هزت رأسها بعدم رضا لتقول بنبرة هادئة:
- مين قالك إني عايزة اعرف حاجة عنهم؟! اللي رموني في الشارع بالطريقة دي مش عايزة اعرف عنهم حاجة. هبيعهم زي ما باعوني.
- مش وقت الاختيار دلوقتي. الاختيار بعد المواجهة.
كانت على وشك التحدث لكنها شعرت بدوار شديد مما جعلها تضع يدها على رأسها بتعب. فانتبه هو لها وقال بنبرة تحمل القلق:
- مالك؟ فيه حاجة؟
أجابته وهي تغلق عينيها من شدة الدوار:
- دايخة أوي. قوله يوقف العربية مش قادرة يا إلياس.
أمسك بيدها وردد بصوت مرتفع:
- اقف يسطا على جنب شوية.
نفذ السائق ما قاله وتوقف بالسيارة على جانب الطريق. بينما خرج إلياس والتف حول السيارة ثم قام بفتح الباب من جهتها وساعدها على الخروج لكي تستنشق الهواء.
في تلك اللحظة ردد مراد باهتمام:
- فيه حاجة يا إلياس؟
هز رأسه بالنفي وأجابه بهدوء:
- لا مفيش يا مراد دي إيلين دايخة شوية.
رفعها بكلتا يديه ليُجلسها على السيارة من الخارج ونظر إلى الفراغ قائلًا:
- عاملة زيي بيجيلك دوار ودوخة من العربيات.
في تلك اللحظة أمسكت بيده وقبضت عليها بقوة مما جعله ينظر إليها. فرددت هي بعينان دامعتان:
- أنا آسفة يا إلياس. مكانش ينفع أعلي صوتي عليك أو اكلمك بالطريقة دي. سامحني أنا كنت مضغوطة بسبب اللي حصل ومكنتش عارفة بقول ايه.
وضع يده الأخرى على يدها التي تقبض بها على كفه الأيسر وردد بحب:
- طالما اعترفتي بغلطك فأنا مش زعلان. وعلى فكرة ده تاني تشابه بينا وهو إنك وقت الزعل بتبقي عصبية بس ده مش عليا طبعا ياختي.
ابتسمت وأردفت بهدوء:
- اوعدك إني مش هكررها تاني. وبعد كدا متتكلمش معايا برسمية كدا زي ما كنت بتتكلم في العربية من شوية.
نظر إلى الفراغ أمامه وردد بابتسامة:
- متحاوليش تضايقيني وأنا مش هتكلم برسمية.
ثم نظر إليها وتابع:
- كفاية كدا ويلا بينا نتحرك. هنقف في اقرب استراحة واجيبلك واجيبلي حاجة للدوخة علشان الطريق.
بالفعل استكملوا طريقهم وأثناء الطريق نظر إلياس إلى صغيرته وردد بابتسامة:
- تعالي في حضني.
جذبها ولف ذراعه حولها ليقول بحب:
- من 18 سنة كنت جاي من الطريق ده وأنتي معايا. كنت شايلك في حضني وخايف عليكي من كل اللي حوليا. دلوقتي بعد السنين دي كلها راجع معاكي بس وأنتي كبيرة وعروسة وبردو في حضني.
سندت عليه وأغلقت عينيها قائلة:
- أنا مستعدة اروح أي مكان طالما هكون معاك. زمان مكنتش فاهمة علشان اقولك اللي هقوله ده بس بجد يا إلياس أنت راجل بمعنى الكلمة. راجل من وأنت طفل. غيرك كان هيشوفني مرمية وكان هيكمل هروب ومكانش هيحطني في دماغه. لكن أنت رغم الظروف دي كلها خدتني من وسط الضلمة ومن الشارع وهربت بيا. مش بس كدا ده أنت اتشغلت وتعبت وشقيت في السن ده علشان تصرف عليا وتكبرني وتعلمني وتخليني حاجة محترمة. أنت اللي زيك خيال يا إلياس مش موجود في الواقع. أنت خيال لأي حد يعرف قصتك. لكن حقيقي وواقعي ليا أنا. أنا مهما وصفت حبي ليك مش هقدر اعبر بردو. شكرا علشان أنت في حياتي يا إلياس.
***
انتقلوا جميعهم إلى قصر هادي الذي أمر مرزوق بإعادة ترميمه وتجهيزه قبل يومين لاستقبال إلياس. كان اللقاء في البداية بقصر مرزوق. لكنه نقله لقصر شقيقه حتى يكون إلياس مطمئنًا أكثر في منزله. كانت حديقة القصر مُجهزة بشكل فاخر للإستقبال الحافل وكانوا جميعهم يتحدثون عنه. منهم من ذكره بالخير ومنهم من غضب بسبب عودته ومنهم من كان يخطط للتخلص منه قبل أن يتخلص هو منهم.
- ياااه يا سما مش مصدق إني هشوف إلياس تاني. كنت باجي هنا كل يوم واقعد طول اليوم معاه وساعات كان يجيلي هو. كانت أيام طفولة جميلة وكانت هتبقى أجمل لو كملت.
قالها كرم الذي كان متحمسًا وسعيدًا لعودة ابن عمه الغائب.
بينما رددت سما بابتسامة:
- واضح إنك أخيرا لقيت صاحب ليك من ولاد عمك.
رفع أحد حاجبيه وأردف بنبرة تحمل السخرية:
- يعني بذمتك هو فيه حد من ولاد عمي يتصاحب؟! يعني هاني وكان علطول برا مصر ولما رجع محدش بيشوفه أصلا وسليم ده بقى يقول للتكبر قوم وأنا اقعد مكانك وعامل فيها اللي محصلش ولا عمره هيحصل. أنا واثق إن إلياس مش هيبقى زيهم. عمي هادي الوحيد اللي كنت بحبه والوحيد اللي كان بيساعد أي حد محتاج والوحيد اللي كان بيعاملني زي ابنه. ابنه لازم يبقى زيه وده اللي شوفته في فترة معرفتي بـ إلياس.
على الجانب الآخر نظرت مريم إلى سليم الذي كان يقف بجوارها ورددت بحيرة:
- يعني لو إلياس عايش إزاي قعد السنين دي كلها بعيد عن الإسكندرية وبعيد عن فلوس أبوه.
نظر إليها سليم وأردف بابتسامة سخرية:
- موضوع إلياس ده أصلا مش داخل دماغي بربع جنيه. إزاي هرب في السن ده وإزاي عاش الفترة دي كلها بعيد وليه بعد السنين دي كلها يقرر يظهر. أكيد راجع يقشط فلوس العيلة.
رفعت أحد حاجبيها ونظرت إليه لتقول باعتراض:
- أنت لسة مشوفتوش علشان تتهمه إتهام زي ده. كل واحد وله أسبابه بردو. اشمعنا كرم يعني اللي مبسوط برجوعه.
ضحك ونظر تجاه كرم قبل أن يقول بسخرية:
- كرم ده أصلا تافه. بيصبر نفسه بالفترة اللي قعدها مع إلياس في طفولتهم وفاكر نفسه خلاص لقى صاحب عمره. ميعرفش إن إلياس ده أكبر خطر.
عقدت حاجبيها بتعجب لما يقول. فهو يتحدث عنه وكأنه عدو له وليس ابن عمه. مما جعلها تتحرك مبتعدة عنه.
كثرت الأحاديث التي كانت تخص إلياس بينهم وظل هذا الحوار بينهما قائم حتى استمعوا لصوت قدوم السيارة. فوقفوا جميعهم في صف واحد بعد أن سيطر الصمت عليهم. تعلقت الأنظار بتلك السيارة وانتظروا نزوله منها.
ماهي إلا ثوانٍ قليلة حتى ترجل إلياس من السيارة ليوجه بصره إليهم جميعًا وبداخله نار تحترق. فها هم قتلة أبيه!
في تلك اللحظة تقدم سليم وقد جحظت عيناه ليقول بصدمة:
- هو أنت؟!
بينما تقدم كرم ومعه شقيقته سما ليقولا في صوت واحد:
- أنت؟
هنا ابتسم إلياس ونظر تجاه كرم وهو يقول بعدم تصديق:
- مش معقولة؟! أنت بتاع الهرم والخناقة. معقولة أنت كرم!
لم يقف كرم هكذا وركض ليحضنه بقوة قبل أن يقول بحب:
- سبحان الله. امبارح اشوفك ومعرفكش والنهاردة اتفاجئ إنك إلياس. وحشتني يا ابن عمي.
ارتاح إلياس كثيرا له. فمن الواضح بأن ابن عمه لم يسير على نهج والده. شعر بطيبة قلبه. كما أن ايامه معه في طفولته جعلته يحن له كثيرا وكأنه وجد أخ له من ماضيه.
في تلك اللحظة خرج مراد هو الآخر من سيارته بعد أن رآها بعينيه. نعم هي التي شغلت تفكيره بالأمس بعد أن تحول شجارهما لصداقة. كيف تحدث صدفة كهذه؟!
تبعته إيلين التي ترجلت من السيارة وسارت تجاه إلياس قبل أن تمسك بذراعه.
انتقل بصر كرم إليها قبل أن تجحظ عيناه بصدمة ليقول بعدم تصديق:
- دورا؟
رواية شمس الياس الفصل الخامس عشر 15 - بقلم عبد الرحمن احمد الرداد
بينما تقدم «كرم» ومعه شقيقته «سما» ليقولا في صوت واحد:
- أنت؟
هنا ابتسم «إلياس» ونظر تجاه «كرم» وهو يقول بعدم تصديق:
- مش معقولة؟! أنت بتاع الهرم والخناقة، معقولة أنت كرم!
لم يقف «كرم» هكذا وركض ليحضنه بقوة قبل أن يقول بحب:
- سبحان الله، امبارح اشوفك ومعرفكش والنهاردة اتفاجئ إنك إلياس، وحشتني يا ابن عمي
ارتاح «إلياس» كثيرا له فمن الواضح بأن ابن عمه لم يسير على نهج والده، شعر بطيبة قلبه كما أن ايامه معه في طفولته جعلته يحن له كثيرا وكأنه وجد أخ له من ماضيه.
في تلك اللحظة خرج «مراد» هو الآخر من سيارته بعد أن رآها بعينيه، نعم هي التي شغلت تفكيره بالأمس بعد أن تحول شجارهما لصداقة، كيف تحدث صدفة كهذه؟!
تبعته «إيلين» التي ترجلت من السيارة وسارت تجاه «إلياس» قبل أن تمسك بذراعه. انتقل بصر «كرم» إليها قبل أن تجحظ عيناه بصدمة ليقول بعدم تصديق:
- دورا؟