حدق أدهم بفريدة يتمتم بذهول: { انتي متأكدة يا فريدة من الكلام اللي بتقوليه ده؟ انتفضت فريدة تزمجر من بين أسنانها: { أيوه يا أدهم، الحيوان ده ضحك عليكي ووهمك إن كل الشحنة اترمت في البحر قبل ما تدخل الميناء، بس الشحنة دخلت واتسلمت كمان. } وقف أدهم يترنح يشعر بالدماء تتدفق في رأسه: { الواطي الكلب بينتقم مني يعني. بكده وبعدين وبعدين؟ حدقت فريدة بحده تجلس أمام أدهم الشاحب كالأموات: { إيه مصلحته يا أدهم يعمل كده؟
وليه شركتنا اتعملت معاه في أكتر من صفقة؟ ليه عمل كده؟ غمغم أدهم بخفوت: { بسببها كل المصايب دي. بسببها. } رددت فريدة تسأله: { بسبب مين؟ رفع أدهم رأسه يتطلع إلى فريدة بتعب يظهر على ملامحه: { مريضة كانت عندنا في المصحة اسمها شمس، جت من شهر أو أكتر، ومن وقتها بدأ فهد يلمح بالتهديد. } سألته فريدة بحذر: { وإيه علاقة فهد بشمس؟ مراته ولا أخته ولا إيه؟ ضغط على أسنانه بقوة:
{ أخت مراته يا فريدة، ومتهمة في قضية قتل ومشكلتها كبيرة، ودخلت المصحة عندي عشان أخواتها عايزينها تتجنن، عايزينها تفقد أهليتها وتبقى تحت سيطرتهم. بس للأسف هربت والدنيا اتقلبت على دماغي. } تمتمت ببرود وهي تفكر: { وحتى لو كده، إيه مصلحته إنه يأذيك أنت؟ وليه؟ رفعت ساق فوق الأخرى لتكمل: { لا يا أدهم، فهد ده وراه سر كبير ولازم نتصرف يا أدهم. سيف لو عرف بموضوع الشركة مش هيسكت، وأساساً أنا وهو بقينا نقف لبعض لوحدنا. } نظر
إليها أدهم يزفر أنفاسه: { عايز أقولك إنه متغير معايا أنا كمان، ده زي ما يكون مش عايزني في المصحة معاه. مش عارف إيه المصايب اللي بتنزل على راسي دي. } ارتفع حاجب فريدة بغيظ: { اسمع يا أدهم، أنا مش هسمح إن فلوسي تروح عليا. أنا دخلت شريكة في الشركة دي عشان خاطرك أنت ونادر، لكن أخسر أكتر من مليون جنيه؟
لا مش هسمح بكده أبداً. أنت عرفني كويس، أنا مش بسكت على حقي. سيبلي بقا أنت فهد ده وأنا هتصرف معاه. المهم أنا لازم أمشي دلوقتي عشان في مصيبة مستنية في البيت. } اقتحم نادر غرفة المكتب غاضباً يهتف: { الكلام اللي سمعته منك ده يا عمتي صح؟ الشحنة اتسلمت؟ هزت فريدة رأسها بنعم. ليضغط نادر على فكيه بعنف يلقي نظرة نارية نحو والده: { مش قولتلك فهد ده كلب غدار ملوش أمان، مصدقتنيش! تنفست فريدة بضيق لتقل بحدة:
{ نادر سيب الموضوع ده عليا وأنا هتفاهم مع فهد ده. المهم موضوع مريم واللي اسمه كريم ده هتعمل فيه إيه؟ ضرب نادر على مكتب والده بغل: { مش هسكت يا عمتي، مريم ليا من زمان وأنتي عارفة كده، مش هسمح لحد ياخدها مني حتى لو دكتور سيف ويوسف موافقين. } ابتسمت فريدة بمكر: { يبقى تيجي النهاردة وتقول اللي اتفقنا عليه. } قال أدهم بهدوء: { والله يا فريدة أنا ساعات بخاف منك، طول عمرك شيطانة. } ضحكت فريدة بقوة تضيق عينيها بخبث:
{ لو مكنتش شيطانة وفكرت كويس، مكنتش عرفت آخد حقي من فلوس وعز عاصم السلحدار اللي كان السبب في إفلاس العيلة. } نظر لها أدهم باستغراب يسألها: { بس سيف أبو ولادك؟ اعتقدت إنك نسيتي الموضوع. } تهجم وجهها يقل: { عمري ما هنسى إن عاصم السلحدار كان سبب إفلاس أبونا وسبب مرضه أبداً. أنا ممكن أدوس على أي حد في سبيل اسم عيلة العزيزي. } رفع نادر حاجبيه بإعجاب: { يعجبني فيكي ذكائك الحاد يا عمتي، يا ريت ناريمان تكون في ربع ذكائك. }
انتبهت فريدة على نادر تسأله باهتمام: { هي فين ناريمان؟ لوى نادر شفتيه بابتسامة عابثة: { فوق في محاربها، حزينة على الكلب الواطي اللي اسمه أكرم. } زجره أدهم بغضب ينطق بحدة: { نادر بلاش تضايق أختك أكتر من كده. } طرقات خفيفة طرقتها فريدة على باب غرفة ناريمان تقل: { ناريمان افتحي، أنا عمتك. } أطلق نادر ضحكة ساخرة: { مش قولتلك حزينة على ابن تاجر العلف. } قالت فريدة بتكبر:
{ افتحي ناريمان، مش واحد زي ده يخليكي تحزني، ده حثالة ولا يسوى. افتحي يا بنت، أنتِ حفيدة العزيزي. } تمطع نادر يضع يده في جيوب بنطاله: { مفيش فايدة، سيبها هي حرة. } وقبل أن تغادر فريدة برفقة نادر اندفعت ناريمان بعينان متورمة وجسد نحيل ووجه أصفر مثل حبة الليمون تقل: { جوزي مش حثالة، ثم حولت نظرها لنادر بكره، ومش هيقلل من قيمته إنه ابن تاجر العلف يابشمهندس، أنتم السبب. } اقترب منها نادر وبعينيه يكمن
الشر يجذبها من ذراعها: { إحنا السبب في إيه يا هانم؟ مش أنتِ روحتي اتجوزتيه عشان تغيظي يوسف؟ أنتِ اللي عملتي كده في نفسك وفي الآخر رماكي زي الكلبة. } رفعت فريدة كفها بوجه نادر قائلة بغضب: { بس يا نادر، مش عايزة وجع راس، هي حرة. } وقبل أن تضع فريدة قدمها بأول الدرج اقتربت منها ناريمان تصرخ:
{ للأسف يا طنط، أنا مشيت وراكي وورا وعودك، وأنتي عارفة كويس يوسف مش بيحبني ولا عمره حبني، بس هو قرب مني وقتها لما هددته بالانتحار، وبعد ما اتجوزت أكرم كنتي زي الوسواس في وداني ومشيت وراكي زي الهبلة. } صرخت ناريمان تبكي: { أنا هرجع لأكرم وأعيش معاه. } رمقتها فريدة من رأسها حتى قدميها بغل لتقل بكبرياء: { يا خسارة يا ألف خسارة إنك من عيلة العزيزي. يلا يا نادر. } قرب نادر وجهه من ناريمان يهمس كفحيح الأفاعي:
{ لو رجعتي للحيوان بتاعك تخرجي من هنا ومشوفش وشك تاني. } عضت ناريمان شفتيها بغل: { هسيبلك كل حاجة يا بشمهندس، أشبع بيها يارب، بس تشبع. } أسند يوسف جسده على باب الغرفة يتأمل شمس وهي تساعد صغيرته في ارتداء حذائها بعد أن رفضت ملك بحنق مساعدة يوسف كالعادة. الآن أصبحت الصغيرة لا تسمح لأحد غير شمس في مساعدتها واختيار ملابسها. ابتسم لهم بحب يقل: { مش ملاحظين إنكم أخذتم وقت؟ يلا عشان أنا جعان جدا. }
أزاحت شمس خصلات شعرها المنسابة حول وجهها برقة تؤشر ليوسف: { لحظة واحدة، إحنا خلاص خلصنا وجهزنا. } أشارت ملك هي الأخرى تقلد شمس تقل بكلماتها الطفولية: { لحظة واحدة، جهزنا. } ضمّتها شمس لصدرها تقبلها بنهم على وجنتيها الممتلئة: { روحي أنتِ. } اقترب بخطوات هادئة يغمز لها بعينيه الساحرة بمكر ثم همس: { وأنا كمان روحك. } احمرّت خجلاً تراقب ملك المنهمكة في وضع بعض قطرات العطر: { وأنت كمان. } جذبها من خصرها
بخفة يسألها بصوته الأجش: { أنا كمان إيه؟ حركت شفتيها بتلبك تهمس: { روحي. } انحنى عليها يخطف من فوق ثغرها المكتنز قبلة سريعة قبل أن تلتفت ملك تحمل عروستها الباربي والتي أطلقت عليها اسم شموسة لتقفز بمرح تقول: { يوسف حو. } ابتعدت شمس عنه ترتجف من الخجل وهي تتأمله وهو يحمل ملك وينثر على وجهها الصبوح قبلاته: { جميل ملوكة فستانك وأنتي جميلة ياروح دادي. } شد قامته الفارعة يقل: { يلا اتفضلوا. }
سألته شمس بفضول وهي تحمل حقيبتها بيد واليد الأخرى تتمسك بملك: { مش هتقول إيه هي المفاجأة؟ شفتيه بابتسامته المهلكة: { لو قولتلك دلوقتي هتبقى مفاجأة إزاي؟ تنهدت شمس برقة تهديه إحدى ابتسامتها المثيرة التي تسيطر على قلبه وتشعل جسده بحبها. هتف مراد ثائراً بغضب في الهاتف: { مش قولتلك استنيني أجي معاكي لجين؟ إزاي تروحي مكان لوحدك؟ زفرت لجين أنفاسها بغضب: { مراد فيها إيه؟
أنا مكنتش قادرة أستنى أكتر من كده. أنت مش عارف شمس وحشاني إزاي؟ وبعدين أنا رايحة أوتيل كبير معروف مش رايحة مكان مهجور. } وضع مراد يده على رأسه يفكر ثم سألها بشك واندهاش: { هي صحبتك في أوتيل؟ مش في بيتها يعني؟ همهمت لجين بدلال: { امممم، في أوتيل. في الحقيقة هي عندها شوية مشاكل و... قطع مراد حديثها وهو يكاد يجزم أن صديقته لجين ماهي إلا شمس نفسها ليسألها مرة أخرى بجدية:
{ استنى استنى، قوليلي صحبتك دي اسمها شمس جلال الحسيني؟ جعدت لجين جبينها بدهشة تجيب بتحفظ: { أنت عرفت منين؟ ضحك مراد عالياً يضرب على مقود سيارته بفرحة: { أوك حبيبتي اقفلي، وبالظبط 10 دقايق هتعرفي كل حاجة. سلام. } هتفت لجين بحيرة: { مراد استنى، الو الو. } أغلقت هاتفها مندهشة لتقل: { مراد يعرف شمس إزاي ومنين؟ وصلت لجين إلى الأوتيل بعجلة تهرول إلى مكتب الاستقبال تسألهم عن قاعة الاستقبال (اللوبي)
والذي ينتظرها بداخله يوسف. اقترب النادل يهمس ليوسف: { الآنسة اللي حضرتك منتظرها وصلت يا دكتور. } ارتسمت على ملامح شمس الضيق وهي ترى يوسف يغادر دون أن ينطق بكلمة. رفعت ملك رأسها تسأل شمس بحنق: { دادي لااح فين؟ ثموسه. } عضت على شفتيها بغيظ تهمس: { مش عارفة ملوكة، بس يظهر إنه مستني حد مهم. } أطلقت الحاجة عنايات زغروتها بفرحة:
{ ألف مبروك ياحبيبي، والله دعيتلك من قلبي يسعدك ويعوض عليك ببنت الحلال يافرحة قلبي بيك يا روحي. } وبوجهه البشوش الذي تزينه علامة الصلاة هتف الحاج عزمي البكري والد كريم: { يازين ما اخترت يابني. الدكتور سيف راجل محترم وأنا أعرفه من زمان أيام ما كان بيصلي معايا كل جمعة في الحسين، برغم إنه ابن ناس بشوات، بس الشهادة لله راجل أصيل ومحترم، وكفاية إنها أخت يوسف. }
أحنى كريم رأسه مبتسم يقبل جبهة والده ثم يده، وبالمثل فعل مع أمه ليقول بسعادة صبغت على ملامحه: { وكل ده بفضل دعواتكم ليا. ربنا من عليا بعروسة بنت ناس وجميلة، وفعلاً يا حاج كفاية إنها أخت صاحبي عمري وباباها دكتور سيف. } لاحظ كريم على ملامح والدته الحبيبة الحزن والدموع تترقرق في عينها الزيتونية الجميلة والتي تشبه إلى حد كبير عينان كريم. ليجلس بجانبها يضمها إلى صدره بحنان جارف وعاطفة ابن بار: { الحاجة زعلانة ليه؟
مالك يا أمي؟ ردت عنايات بحزن: { هتروح لوحدك؟ مش هتاخدنا معاك ليه؟ لاحسن تكون العروسة زي المعوجة التانية. } تنحنح كريم مبتسم: { لا اطمني يا أمي، مريم مختلفة عن يارا تماماً والحمد لله. بس هي مجرد قعدة تعارف مش أكتر. } شهقت أمه معترضة: { مش أنت يابني تعرفهم كويس وصاحب أخوها؟ يبقى تعارف إزاي؟ زفر والده أنفاسه بحنق يرمق زوجته: { وبعدين معاكي يا أم كريم؟ سيبيه براحته يا حاجة، وقومي حضري الغداء خلي العريس يتغذى كويس. } لوت
الحاجة عنايات فمها غاضبة: { يعني أنت عايزة يروح لوحده يا حاج؟ تكلم كريم بهدوء قائلاً: { افهيميني يا ماما وبلاش تزعلي مني أرجوكي. أنا أعرف كل العيلة تقريباً معاد والدة مريم، وأعرف عنها من يوسف إنها ست متشددة، ومريم كانت مخطوبة لابن خالها ومحصلش نصيب، وتقريباً مامتها مش مقتنعة. حبيت أشوفها لوحدي وأتعرف عليها قبل ما آخدك أنتِ والحاج معايا، يعني مجرد تعارف في الأول. وطبعاً يا ست الحبايب مفيش أي حاجة هتم غير في وجودكم. }
ضربت أمه على صدرها وهي تشهق بحنق: { يعني إيه؟ هي ممكن أمها متوفقش عليك؟ هي متعرفش أنت مين وابن مين ولا إيه؟ اسمع يا كريم، لو أمها من الستات اللي بتتحكم يبقى بلاش منها الجوازة دي يابني، هي تطول واحد زيك. } نظر كريم لوالده يستنجد به. ليهتف والده بصرامة: { وبعدين معاكي يا حاجة؟ من أولها هتشتغلي شغل الحموات؟ ما قالك تعارف، خلصنا من الكلام الكتير وادعيله ربنا يوفقه. } وقفت الحاجة عنايات تدعي من قلبها بحب:
{ ربنا يجعل في وشك القبول يابني ويسعدك ويحنن قلب أمها عليك، ولا أنا حاسة من كلامك إنها ست قوية. } ابتسم كريم لها وهو يشعر بقلق هو الآخر، نفس إحساس أمه الصادق، متمنياً أن تمر تلك المقابلة على خير وسلام. صافح يوسف لجين مبتسم: { آنسة لجين، تشرفت بمعرفتك. } هتفت لجين بخجل: { أنا ليا الشرف دكتور يوسف. } لتسأله بلهفة واضحة: { فين شمس؟ حضرتك متعرفش وحشاني إزاي وهتجنن وأشوفها. } ابتسم لها ليرافقها يوسف
إلى قاعة الأوتيل يقل بلطف: { أنا حبيت أعملها مفاجأة قبل فرحنا وملقتيش أحسن منك مفاجأة لشمس، متعرفيش هي كمان نفسها تشوفك إزاي، حاولت تتصل بيكي كتير لكن للأسف معرفتيش أوصلك. } غمغمت لجين بسعادة: { مبروك يا دكتور، أنا بجد سعيدة عشان شمس، وأخيراً ربنا عوضها بيك، كفاية اللي عانته الشهور اللي فاتت. } هز يوسف رأسه بحزن: { ربنا يقدرني وأتمنى إني أقدر أعوضها عن كل ده. } دخل يوسف برفقة لجين السعيدة برؤية صديقتها الغالية.
لتلمحه ملك تهتف: { دااااااااااادي. } رفعت شمس رأسها على صرخة الصغيرة لتتسع عينيها بلمعة وهي ترى لجين تركض إليها تصرخ باسمها هي الأخرى لتقف. وقفت متسمرة في مكانها لا تصدق ما تراه عينيها، فهي في حلم جميل وأخيراً وبعد تلك المعاناة يجتمع شملها مع كل من تحبهم. لتتساقط الدموع من عينيها بغزارة تفتح ذراعيها وهي تتمتم بخفوت: { لج ج ين. } وهنا ارتمت لجين بين ذراعيها تعانقها وتبكي:
{ شمس حبيبتي الحمد لله إني شوفتك بخير أخيراً يا شمس، شوفتك ياه وحشتيني جدا جدا. } عانقتها بشدة ترتجف من هول المفاجأة: { لجين، كنت خايفة مش أشوفك تاني، وحشاني، مش مصدقة إني شوفتك، أنا أنا. } لتشهق باكية هي الأخرى. نظر يوسف حوله متأثراً بهذا اللقاء الحميمي بين شمس وصديقتها يشعر بأنه استطاع إسعاد شمس ورسم الابتسامة على شفتيها مرة أخرى.
بعد انتهاء دكتور عزيز، طبيب جلال الخاص، من أخذ عينة دم من فارس لمطابقتها بدماء هشام، والذي جاء للمشفى لعمل بعض الفحوصات والتحاليل نتيجة الصداع المزمن الذي يداهمه تلك الفترة، وقد عرف جلال عن طريق الصدفة من صديقه الدكتور عزيز واستغل جلال الفرصة وأتى بفارس لعمل تحليل DNA للتأكد من شكوكه تجاه رانيا وفهد. أمر الطبيب ممرضته أن تأخذ الصغير حتى يستطيع التحدث مع جلال في ذلك الأمر الخطير. خلع عزيز نظارته الطبية وجلس مقابل
جلال الهموم يربت على يده: { اشرب قهوتك يا جلال قبل ما تبرد وقولي لو التحليل أكد شكوكك هتعمل إيه؟ خصوصاً إن الولد متعلق بيك جدا وبهشام، هتعمل إيه؟ فرك جلال وجهه بحيرة يجعد بين حاجبيه: { مش عارف يا عزيز، أنا محتار. من جهة ابني ومن الجهة الثانية بنتي، أي نعم هما أقسى من الحجر، بس أرجع وأقول دول من لحمي ودمي والكلاب دول بيلعبوا بيهم. } أسند عزيز بظهره للخلف يطرق فوق طاولة المكتب:
{ لازم تفكر وتتأكد يا جلال قبل ما أعمل أي حاجة. أنت عارف الكلام ده مشكلة كبيرة جداً، واللي اسمه فهد ده مش سهل. } طرق جلال بيده فوق الطاولة بغضب: { أنا متأكد يا عزيز، وعرفت المعلومات كلها من شخص مهم وموثوق منه. } كأن جلال يقصد كريم: { كان حبيبها وخطيبها قبل ما تشتغل مع هشام، وطبعاً هي كانت السبب إنها تعرفوا على شروق، وبنتي حبته واتعلقت بيه، والكلب الحقير استغل النقطة دي. } زفر جلال أنفاسه بضيق:
{ المصيبة الكبيرة إنه كان عايز شمس، وكل مصيبة حصلت لشمس كان هو وراها. } سأله عزيز باهتمام: { تقصد إن فهد ممكن يكون بيحب شمس؟ لوى جلال شفتيه بابتسامة ساخرة: { أنا متأكد، عشان كده بحاول أبعد شمس على قد ما أقدر لحد ما تبقى في بيتها ويتحكم في القضية ببرائتها، وساعتها أكون جمعت كل الخيوط في إيدي وأقدر أدخل الكلاب دول السجن. } رد عزيز بهدوء:
{ بس الأدلة كلها يا جلال ضد شمس، مفيش غير شهادة نغم بس لصالحها، والباقي كله ضدها، حتى مفيش حد من الخدم شاف أو سمع حاجة. } فجأة انتفض جلال من مكانه يقف يبحلق في عزيز بدهشة: { عزيز، أنت نبهتني لحاجة مهمة جداً كانت غايبة عني. الله ينور عليك. } أخذ مفاتيحه ونظارته يقول في عجلة من أمره: { أنا لازم أمشي دلوقتي وأعمل حسابك بكرة إن شاء الله، أنت شاهد على كتب كتاب شمس. } وقف عزيز يسأله بدهشة: { طيب في إيه؟ طمني. }
ربت جلال على أكتافه بقوة: { بعدين بعدين، هتعرف كل حاجة. المهم التحليل يا عزيز يكون معايا قبل القضية. } هز عزيز رأسه باستغراب يطمئن جلال: { اطمن، هيكون معاك إن شاء الله قبلها. ربنا معاك ويقويك على مشاكلك. }
تلون وجه زينب بفاجعة شديدة وهي تعيد مرة أخرى اختبار الحمل، لتقع على أرضية الحمام الصلبة تضرب على رأسها وهي تبكي بخفوت حتى لا يسمعها والدها القلق عليها بشدة بسبب شحوبها ونقص وزنها. وقد لاحظ عليها القيء الصباحي والدوار الشديد الذي يداهمها تلك الأيام، وبدأ يلح عليها بحضور الطبيب لفحصها. وخوفاً من شكوكها حسمت أمرها بشراء اختبار حمل، وكانت المفاجأة حين رأت الخطين الحمر، تأكدت بأنها حامل وبأن تلك الأعراض التي تصاحبها يومياً ماهي إلا أعراض الحمل.
شهقت تحدث نفسها: { يادي المصيبة... يادي المصيبة! أعمل إيه؟ بابا لو عرف هيروح فيها. أتصرف إزاي؟ ظلت تبكي داخل الحمام فترة طويلة تضرب بطنها بشدة حتى شعرت بمغص حاد يقطع أمعائها. تحاملت على نفسها تقف وهي تقول بضعف وقلة حيلة: { لازم أتصل بحسام، لازم يعمل حاجة. مفيش غير إني أهدده إني هقول لبابا وأهله، مفيش غير كده. } خرجت من الحمام تحاول الصمود من شدة الألم حتى وصلت لسريرها تجلس عليه وتأخذ هاتفها
تتصل بحسام لتتفاجئ برسالة: الرقم غير موجود بالخدمة. قبضت على الهاتف بقوة تلعن ذلك الوغد الحقير وتحاول الاتصال مرة أخرى ولكن بدون فائدة. دفنت وجهها بين كفيها تبكي بحرقة قائلة: { أعمل إيه يارب؟ دي مصيبة وجت على راسي، أعمل إيه؟ لتمسك هاتفها مرة أخرى تضرب بعض الأرقام تتصل على منزل حسام. ليهتف أحد الخدم عليها ويسأله عن حسام. لتتفاجأ بأنه سافر منذ يومان مع زوجته في شهر عسل طويل. وهنا أغلقت الهاتف ترميه بقوة وهي تصرخ:
{ يا حقير يا واطي، منك لله. ربنا ينتقم منك زي ما دمرتني وقضيت عليا وعلى شرفي يا حيوان. } ظلت على حالها تبكي حتى غفت من شدة البكاء والتعب لتستيقظ على رنة هاتفها. تحاملت على نفسها تتطلع لشاشة الهاتف لتتسع عينيها ذهولاً وهي ترى اسم عدنان يزين شاشة هاتفها. بلعت ريقها تحاول السيطرة على صوتها الباكي لتجيب على الهاتف بلهفة غريق يتعلق بقشة نجاة: { الو عدنان. } هتفت مريم بقلق:
{ يا ماما عشان خاطري قابل كريم، ده شاب ممتاز، مش من الذوق إنه يجي وحضرتك ترفضي تقابليه. } تجهم وجه فريدة بغضب تصرخ فيها: { أنتِ هتعلميني إيه هو الذوق يا بت؟ أنتِ عايزة تموتيني بحسرتي؟ بقا تسيب ابن خالك ابن الأصول وعايزة تتجوزي واحد مانعرفش أصله. } ابتعدت مريم عن طاولة زينتها: { ماما ارجوكِ، بلاش سيرة نادر، أنتِ متعرفيش عمل إيه. } سألتها فريدة بمكر: { عمل إيه؟
اتكلمي، بس للأسف الزفت ده لف عقلك وبتختلقي مشكلة مع نادر عشانه. } تنهدت مريم تزفر أنفاسها بضيق: { اسمعيني يا ماما، أنا مش عايزة أتكلم عشان أخواتي وبابا عشان لو اتكلمت هتحصل مشكلة كبيرة. } عقدت فريدة ذراعيها أمام صدرها تقول بجمود: { اسمعيني انتِ، لو كان عندك حاجة كنتِ قلتيها، بس أنتِ مش لاقية حجة، وأنا مش موافقة على كريم ده، بس مفيش مانع إني أقابله. ولو حصلي حاجة وموت بدري هيكون بسببك أنتِ يا مريم. } قبلت
مريم فريدة بفرحة تعانقها: { إن شاء الله يا ماما هيعجبك، بس حضرتك شوفيه واحكمي. } ربتت فريدة على ظهرها بخبث تبتسم: { طيب كملي لبسك بسرعة. } قفزت مريم من فرحتها كطفلة صغيرة تدور بفستانها الأرجواني الرقيق: { إيه رأيك في فستاني يا ماما؟ حلو؟ هزت فريدة رأسها بابتسامة مزيفة تصطنعها: { جميلة حبيبتي، أنا في انتظارك تحت مع باباكي لحد ما أتصل بيوسف ومراد أشوفهم اتاخروا ليه. } خرجت فريدة من غرفة مريم تقول لنفسها:
{ للأسف أنتِ مش عارفة مصلحتك فين يا مريم، بس أنا لازم أتصرف وأبعدك عن الحقير ده بأي طريقة. } لتلتفت مرة أخرى وترجع لغرفة مريم تسألها بغضب: { مريم، هو يوسف بياخد ملك فين الأيام دي؟ البنت مش بتخرج معاه من بدري. } تلبلكت مريم تفرك يديها بتوتر: { م معرفش يا ماما. } زمت فريدة شفتيها تتمتم بغيظ: { ماتعرفيش ولا بتستعبطي؟ هو فعلاً أخوكي ناوي يتجوز؟ هزت مريم كتفيها تقول بتلعثم واضح: { مش عارفة يا ماما، لو أعرف أكيد هقولك. }
رفعت فريدة رأسها بتكبر تقول بعدم اهتمام: { آه، تقولي. أنا حاسة إني مش أمكم، متفقين عليا. على كل حال، ملك ماتهمنييش في حاجة، ياخدها معاه أي مكان، أساساً أنا رافضة يكون ليا حفيدة من أم معرفش أصلها من فصلها، واحدة بنت ليل اتلمت عليه ودبسّته في بنت الله أعلم بنته ولا... لتنتفض فريدة على صرخة قوية أرجفتها بقوة لتنتبه هي ومريم المصعوقة من حديثها القاسي على سيف يدخل الغرفة بغضب: { إنتِ إيه؟ مفيش حاجة عجباكي؟
حتى الطفلة اليتيمة بنت ابنك بتشككي في نسبها؟ خلاص انعدمت من قلبك الرحمة، مش شايفة غير نفسك وبس. } شدت قامتها تقول بلامبالاة وابتسامة باردة تشق ثغرها: { أنا حرة في رأيي، ويا ريت ماتتكلمش معايا بالأسلوب ده مرة تانية. } زجر سيف بغضب يقبض على راحة يده بقوة حتى لا يفقد أعصابه ويصفعها بقوة: { أنا هسكت بس عشان عريس بنتي اللي جاي، بس أقسم بالله يا فريدة حسابك معايا عسير جداً، وصدقيني هتندمي ندم عمرك. } وقفت مريم تبكي
أمامهما وهي تقول بحزن: { أرجوك يا بابا بلاش مشاكل عشان يوسف وعشاني، حرام بجد. } اقترب سيف من ابنته يضمها لصدره يقبل قمة رأسها بحنان: { ماتقلقيش، كل حاجة هتبقى تمام طول ما أنا موجود وماحدش هيقدر يزعلك أبداً. } غمغمت فريدة بتكبر ترفع رأسها: { هه، على فكرة يا سيف يا سلحدار، فريدة العزيزي عمرها ما تندم أبداً. } لتخرج من الغرفة تشتعل غيظاً. أما مريم فحاوطت خصر أبيها تقول بقلق:
{ معلش يا بابا استحمل ماما شوية، دي تعبانة وأنا بخاف عليها. } ضمها سيف لصدره أكثر يقول بيأس: { والله يابنتي أمك دي تتعب بلد، بس عشان خاطرك استحمل أي حاجة، أعمل إيه؟ للأسف أنتِ ورثتي القلب الطيب والحنون مني، بتخافي عليها أكتر ما بتخاف هي عليكي وعلى أخواتك. فريدة العزيزي عمرها ما هتنسى أبداً. } رفعت مريم رأسها تسأله: { مش بتنسى إيه يا بابا؟ داعب سيف وجنتها برقة يهز رأسه: { ولا حاجة حبيبتي، يلا كملي لبسك بسرعة. }
حدقت شمس ب لجين المتوردة ومراد وهو يتطلع عليها بحب لتصفق بيدها: { أنا لحد دلوقتي مش مصدقة لوجي ومراد. طيب إزاي؟ ضمها يوسف لصدره يقبل وجنتها القشدية: { النصيب حبيبتي، شوفتي بقا أنا ومراد وإنتي ولجين. } ابتسم مراد بفخر يمسك بيد لجين المتلبكة بالخجل: { خطفت قلبها من أول نظرة يا شموسة. } تجهم وجه يوسف بالغيرة يناظر مراد. ليرفع مراد يده يقول بضحكة عالية: { آسف يا جو، أقصد مدام شمس. } ارتجفت شمس بخجل:
{ لسه مابقتيش مدام شمس. } غمز لها بعينيه الساحرة: { كلها 24 ساعة وتبقى مدام يوسف سيف الدين. } تمتمت لجين باستياء: { مراد سيب إيدي بقا. } رمقتها شمس بخفة: { لوجي، فيه إيه؟ إحنا عرفنا كل حاجة، وكلها كام شهر، أنتِ كمان تبقي مدام مراد سيف الدين. } هتف مراد بحنق: { إيه؟ كام شهر؟ هو شهر واحد؟ تجهم وجه لجين بارتباك: { لا طبعاً لسه بدري. } شعر مراد بالضيق من طريقتها الجافة يهز رأسه باستياء. ابتسمت شمس
وأرادت تغيير مجرى الحديث: { أكيد يا مراد، قابلت نانا؟ إيه رأيك فيها؟ تمتم مراد بضيق واضح: { لذيذة جداً وواضحة ومش معقدة زي ناس. } هتفت لجين بضيق: { تقصد مين بالناس المعقدة يا مراد؟ تنحنح يوسف يهتف بمرح: { من فضلكم اتخانقوا بعيد عننا عشان العدوى ماتجيش فيا أنا وشمس. } ليميل عليها بجسده يهمس أمام شفتيها: { ولا إيه رأيك حبي؟ احتقن وجهها بالدماء تهمس برقة: { فين ملوكة؟ أشار مراد برأسه إلى طاولة قريبة:
{ ملك أديها تليفون فيه ألعاب وانسيه. } ليرن هاتف يوسف لينظر إلى هاتفه يخبط على رأسه بخفة: { أوبس، كريم ده زمانه على وصول. } رد يوسف على كريم الذي صرخ بقوة في وجهه: { أنت فين يا دكتور؟ أنا قدامي ربع ساعة وأكون في بيتكم، وأنت بتحب في عروستك. } ضحك يوسف بجاذبية خطفت قلب شمس بوسامته: { لا لا، حالا وحكون عندك يا عريس، مش عارف كلكم غيرتوا مني ولا إيه. أنا جاي حالا أنا ومراد، ماتقلقش. } أغلق يوسف هاتفه يغمز لمراد:
{ يلا، لاحسن كريم على نار. } ترددت شمس قليلاً تفكر قبل أن تقول بارتباك: { يوسف، لازم تعرف حاجة، أنت ومراد قبل ما تمشوا. } رمق يوسف شمس بطرف عينه يسالها بقلق: { فيه إيه يا شمس؟ قلقتيني. } لتقص شمس على يوسف ومراد ما حدث مع مريم بالتفصيل.
جلس كريم متأنق كعادته بكل ثقة وعزة أمام فريدة الحانقة من وقت وصوله، وبجانبها سيف المبتسم باشراق، وعلى الجانب الآخر جلس يوسف بهدوء ولكن بداخله نار مشتعلة يفكر بغضب كيف استطاع هذا الحقير أن يستدرج أخته بمنزله يحاول الاعتداء عليها. أما مراد كان لا يفرق عن يوسف في الغضب والحقد، ولولا يوسف وبكاء لجين لكان الآن يلقنه هذا الوغد درساً لن ينساه بقية حياته. قال سيف بود: { شرفتنا يا ابني. الحاج عزمي والحاجة ما شرفوش معاك ليه؟
تنحنح كريم بخجل: { في الحقيقة يا دكتور، أنا حبيت آجي الأول اتشرف بمعرفتكم، وقولت الحاج والحاجة يكونوا معايا وقت الاتفاق. } شعر يوسف بخجل كريم وارتباكه ليربت على قدمه بمرح: { اتفاق إيه يا كريم؟ إحنا متفقين من غير كلام. } ليوجه نظراته إلى أبيه: { ولا إيه يا بابا؟ هز سيف رأسه بالموافقة: { طبعاً متفقين على كل حاجة. كريم، أنت شاب ممتاز، وأي أب يتمنى لبنته شاب زيك. } لوت فريدة شفتيها بابتسامة ساخرة تقول
بكبرياء ينضح من مقلتيها: { بس أنا لسه ما وافقتش على أي اتفاق. } اتسعت عين سيف بذهول يرمقها. ضحك كريم بعفوية يمرر أنامله بخصلات شعره: { اللي حضرتك عايزاه، أنا تحت أمرك فيه. } غمغمت فريدة بهدوء: { اللي أنا عايزه هتنفذه مهما كان الطلب. } هز كريم رأسه بثقة: { أكيد طبعاً. } لتدخل مريم برفقة داده وداد تحمل صينية التقديم وخلفها وداد بالحلويات. جلست مريم بجانب مراد الملتزم الصمت ترمق كريم بطرف عينيها مبتسمة.
همست فريدة من بين أسنانها: { طلبي اللي عايزك تنفذه إنك تبعد عن بنتي نهائي. } شهقت مريم شهقة عالية تغطي فمها. ليصرخ سيف في وجهها بحدة: { فريدة! نظرت فريدة لسيف نظرة ساخطة تتمتم: { مش الأستاذ كريم قال لي اطلبي وأنا بطلب. } ترقرقت الدموع بعين مريم وارتسم على مراد الذهول، أما يوسف قال بحنق واضح: { ماما، أنتِ أكيد بتهزري صح؟ كريم جاي هنا عشان يطلب إيد مريم. } سخر كريم بتهكم مرير: { أفهم من كده إني مرفوض؟
رمقه سيف بغضب ليقول: { أنا هنا اللي من حقي أرفض أو أوافق. كريم، وأنا وافقت أديلك بنتي. } احتقن وجه سيف بالدماء يكز على أسنانه بغيظ مكبوت: { فريدة، يا ريت ما تتدخليش في أي حاجة. أنا هنا اللي أتكلم وأنتِ لا. كفاية قلة ذوق. } وقفت فريدة تقابل سيف بعينان تشع تكبر وغرور: { ودي بنتي وأنا مش موافقة. بنتي لا يمكن تتجوز واحد من عيلة مش معروفة. أنت نسيت أنت ابن مين وأنا بنت مين؟ استحالة بنتي تتجوز بالشكل ده. }
وقف كريم يرمق مريم المنهارة باكية بحزن. امتقع وجه يوسف وتمتم بتذمر: { ماما، من فضلك كفاية كده، وبعدين مريم بتحب كريم واختارته. } رمقت فريدة مريم بحدة: { أختك مستحيل تكسر لي كلمة. هي عارفة إني عايزة مصلحتها. } قرب سيف حاجبيه ينظر لمريم المرتجفة تبكي: { اتكلمي يابنتي، ده مستقبلك وحياتك. اتكلمي وبلاش ضعف قدام أمك، كفاية خوف منها. قرري مصيرك بإيدك يا مريم. }
حبست مريم أنفاسها ترمق كريم بحب وهو يقف على خط من النيران يستعد لمحاربة العالم من أجلها. ابتسم لها يوسف يهز رأسه بإشارة بأنه دائماً يسندها. وأخيراً رفعت مريم عينيها الزمردية المتألقة ببريق العشق أمام عينان متحدية متكبرة تناظرها بحدة وغضب، عينان تؤثر دائماً على قراراتها بتلك النظرة القاتلة. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تتكلم بكل قوتها: { أنا بحب كريم وموافقة عليه. من فضلك يا ماما، سيبيني أختار حياتي. }
عانقها سيف يقبل رأسها، أما كريم وقف أمام فريدة الحانقة تكاد أن تنفس نيران كتنين غاضب يرمقها بنظرات تحدي وتصميم. هزت رأسها بتكبر تقول: { أنا مش راضية أبداً عن الجوازة دي، واعتبري نفسك مالكيش أم أبداً. } لتغادر فريدة من بينهم بكل غضب حتى تخطتهم لتسمع مريم تهتف: { ماما، ماتقوليش كده، أرجوكي. } ليهتف صوت غليظ عالٍ بكل حماقة: { بس لازم العريس يعرفك على حقيقتك الأول بدل ما ياخد عروسة على عيبها. }
انقض مراد يركض على نادر يسدد له اللكمات القوية. ليرد نادر وبقوة على مراد، ليتدخل يوسف هو الآخر يلكمه بقوة وهو يلعنه ويسبه. صرخ سيف يحاول فض تلك المهزلة وانهارت مريم على صدر دادتها، تدخل كريم يفض الاشتباك الذي تحول فجأة إلى معركة من اللكمات والبوكسات يسددها يوسف ومراد بقوة لنادر الذي كان يرد هو الآخر بكل ما أوتى من قوة. صرخ بغضب: { إيه اللي بيحصل؟ حد يفهمني؟ يوسف أنت ومراد؟ إيه الهمجية دي؟ من إمتى ولادي يعملوا كده؟
نظر يوسف لنادر بشراسة لا يريد أن يتكلم بشيء مما حدث أمام كريم للحفاظ على سمعة أخته. لتركض فريدة على نادر تربت على رأسه وهي تهتف بحنق: { شوفت ولادك ياسيف بيعملوا إيه؟ بسبب الأستاذ. } تنفس كريم بحده يقول: { كفاية لو سمحتي يا هانم، أنا مش مستعد أسمع أكتر من كده. } { لا، هتسمع. أنا مش هسمحلك تدخل عيلتي وتاخدى بنتي، وإلا هتشوف مني كل أذى. أنت فاهم؟ اقترب سيف بكل قوته يجذب فريدة من ذراعها ليصفعها بشدة وهو يصرخ:
{ أنتِ زودتيها جداً، كفاية أوي. } ساد الصمت على الجميع. وفريدة تضع يدها فوق وجنتها وشعرها يغطي وجهها المتدفق بالدماء تقول من بين أسنانها: { أنت بتمد إيدك عليا يا سيف؟ رمقها غاضباً يقول: { ولسه وقت الحساب يا فريدة العزيزي. } غادر كريم بخطوات سريعة يتجه ناحية الباب تحت نظرات مريم الحزينة ويوسف خلفه يحاول اللحاق به. ليصرخ نادر بصوت متعب ومرهق والدماء تسيل من أنفه وشفتيه:
{ قبل ما تمشي يا عريس، لازم تعرف إن حبيبتك كانت معايا وفي حضني قبل ما تجيلك الفيلا بتاعتك. } اغمض كريم عينيه بغضب يتقدم بخطوات واسعة لنادر الواقف بكل عنجهية وغرور يضع يده بمنتصف خصره ليبتسم نادر باستفزاز: { إيه؟ مش مصدق؟ ليبتسم كريم هو الآخر ببرود ظاهري يقبض يده بشدة وفي غفلة من نادر سدد كريم ضربة قوية لنادر أفقدته توازنه نهائياً جعلته يترنح من شدتها ليجذبه من قميصه أمام عينان فريدة المتشدقة بحقد:
{ أنا واثق إنك الحقير اللي استغليت براءتها، اللي أنت ماتعرفوش إنّي عارف كل حاجة، وإياك تقرب منها تاني، وإلا حسابك هيكون معايا أنا. } ليلكمه كريم مرة أخرى لكمة أفقدته قواه. انهارت مريم تقع وهي تصرخ: { كدااااب واطى. } اقترب كريم من مريم يحملها بين ذراعيه يقبل رأسها أمام الجميع يقول بهدوء: { أهدي حبيبتي، أنا واثق فيكي أكتر من نفسي. } رفعت مريم عينيها تهمس لكريم قبل أن تفقد وعيها: { أنا بحبك كريم، ماتسبنيش. }
هتف كريم بغصة تحتل قلبه: { مريم حبيبتي، مريم. } ركض يوسف وسيف على مريم الفاقدة الوعي بين ذراعي كريم وهو يرتجف خوفاً عليها. يحملها بين ذراعيه ليتفقد يوسف نبضها يضرب على وجنتها برفق وكريم يتمتم بقلق: { طمني يوسف، مريم بخير. } هز يوسف رأسه: { اطمن كريم، هبوط في الضغط. } ركض مراد بزجاجة عطر ودادة وداد بكوب من الحليب المحلى. التفت سيف لفريدة المتسمرة مكانها بفزع ونادر الواقع بجانبها فوق الأريكة ينحني
عليه يتكلم من بين أسنانه: { أخرج من بيتي حالا ومش عايز أشوف وشك هنا تاني، ولا أنت أو أبوك لحد ما أصفّي حسابي معاكم. } هتفت فريدة بحدة: { سيف. } التفت إليها كالمجنون يجذبها من بلوزتها: { بنتِك مرمية قصادك وأنتِ خايفة على ابن أخوكي الكلب وابوكي الحرامي. لو مش عاجبك يا ريت تتفضلي تحصلي ابن أخوكي برا. } أشار إليهم بيده: { أنا عارف كل حاجة، وبنتك اللي بتتهمها في شرفها وقت ما راحت لكريم كنت أنا موجود هناك وعرفت كل حاجة. }
شهقت فريدة مذهولة تغمغم بارتباك: { تعرف كل حاجة؟ وقف يوسف هو الآخر بجانب والده بعد أن استعادت مريم وعيها: { وأنا كمان يا ماما عارف كل حاجة، وللأسف يا فريدة هانم، أنتِ ماتعرفيش حاجة عننا أبداً، ولا عمرك هتعرفي. } وقفت منى بفرحة تتطلق الزغاريد بجناح شمس وسط فرحة الجميع. وشمس ترتدي وتستعد بمساعدة مريم الشاحبة برغم جمالها الرقيق وأناقتها بفستان أحمر قصير من الشيفون.
ونغم المتألقة بفستان مميز بلون الذهبي طويل بفتحة كبيرة تكشف عن ساقيها وهي تساعد شمس في ارتداء فستان زفافها الرقيق: { وااااو شموسة، فستانك يجنن. } لتغمز بشقاوة: { معرفش إن ذوق دكتور يوسف رقيق بشكل ده. } أحمرت شمس خجلاً تحني رأسها لأسفل وهي تمرر يدها على فستانها بحب وتتذكر قبلة يوسف الشغوفة وهو يهديها فستان زفافهم.
وقفت لجين تضحك من قلبها تصفق لملك التي تولت فقرة الرقص مع أطفال منى التوأم واللذين يكبروها بعامين على الموسيقى. اقتربت لجين من مريم الجالسة تتفقد الأجواء من حولها بحزن يسيطر على ملامحها. ضمت لجين مريم تقبلها: { أهدي يا مريم ومتزعليش، وافرحي، وكل شيء هيكون بخير إن شاء الله. } فرت دمعة حزينة من عين مريم: { أنا مش مصدقة اللي حصل لحد دلوقتي. بسببى ماما سابت البيت وبابا تعب وضغطه عالي. } لتتنهد بحرقة:
{ ده غير اللي زعل مني لما قولتله نأجل موضوعنا لحد الأمور ما تهدأ. } أسدلت لجين أهدابها بحزن: { آسفة يا مريم، لكن مامتك موقفها غريب جداً. } ردت مريم بضيق: { ماما كل اللي يهمها شكل العيلة وابن مين، لكن إحنا لا. مش بتفكر فينا للأسف. } دخلت نغم عليهم تقل بمرح: { يلا قوموا من مكانكم، العروسة جهزت والعريس على نار. }
استقبل جلال وسيف المدعوين من أقرب الأصدقاء في قاعة الأفراح الخاصة بالأوتيل، وجلال الابتسامة لا تفارق وجهه، فابنته الجميلة ستتزوج وتصبح عروساً جميلة كما حلمت أمها الغالية دائماً بها. وفجأة طرق شخص على كتف جلال بهدوء ليلتفت وهو يبتسم يظن أن أحد المدعوين جاء لتهنئته. وكانت المفاجأة عندما رأى طارق يقف أمامه بقامته الشاهقة يقل بصوت هادئ: { مبروك يا حاج لأختي شمس. }
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!