الفصل 15 | من 33 فصل

رواية شمس لا تغيب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة سعد

المشاهدات
16
كلمة
7,951
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

صرخت شروق بجنون، تمرر أصابعها بين خصلات شعرها المبعثر بفوضوية. "الحقني يا فهد بسرعة، مش قادرة. راسي هتنفجر من الوجع." وقف بغرفة النوم يبتسم بخبث، ثم خرج من الغرفة يرسم على ملامحه التأثر وهو يهتف بحنق مفتعل. "هو ده اللي كنت عامل حسابه، هتاخدي على الحبوب دي ومش هتعرفي تبطليها أبدا." ركعت شروق أمامه، يرتعش جسدها بقوة، تهتف كالمجنونة.

"وجع في جسمي وفي راسي يا فهد، هات الحبوب وبعدين اصرخ زي ما انت عايز، بس الحقني بسرعة أرجوك." وضع فهد حبة بيضاء أمامها يقول بغضب. "اتفضلي، بس اعملي حسابك دي آخر واحدة خلاص، مفيش تاني." وضعتها بفمها بسرعة، تشد شعرها بشدة حتى كادت أن تقتلعه من مكانه، تدلك جسدها المتألم. وبعد فترة قصيرة بدأ مفعول الحبة في التفاعل، ليهدأ جسدها من تلك الطعنات المؤلمة. تغمغم بلا وعي وهي تضحك.

"مش ممكن، سحر غريب في الأقراص دي، بتسحب الوجع كله من جسمي ومن دماغي." وقف فهد أمامها بتشفٍّ، يصب كأس من عصير البرتقال، يقل بحنان مزيف. "اشربي ده يا قلبي وهتبقي كويسة. ماتعرفيش أنا قلبي بيوجعني إزاي وأنا بشوفك كده قدامي. ياريتني ما كنت اديتك منها في الأول، أنا آذيتك." مدت يديها إليه تقربه منها بشغف، ثم قبلته بعشق فوق شفتيه. "حبيبي، أنت ذنبك إيه؟ يظهر إنّي اتعودت عليها بسبب الصداع ووجع جسمي." هز رأسه بمكر متأثر.

"بس حبيبتي المشكلة إن ده آخر قرص، ومش عارف ممكن صاحبه يجيب منه تاني ولا لأ. أصل الأقراص دي مش موجودة في مصر، دي بتيجي من أمريكا." زفرت أنفاسها بضيق. "طيب وبعدين يا فهد؟ أنا لو ماخدتش على الأقل كل يوم قرص، ممكن أتجنن. أنا حالتي بتسوق كل يوم." هز رأسه بيأس، يمُط شفتيه بقله حيلة. "هحاول أشوف حد يجيب لي، بس الشريط غالي جدا يا شروق." أومأت رأسها موافقة.

"مش مشكلة حبيبي، الفلوس، بس المهم أرتاح. وأنا هبقى أروح دكتور أشوف حل." انتفض من مكانه يصرخ دون وعي. "لا طبعا دكتور، ممكن يديلك أي حاجة تانية تتعودي عليها أكتر. أنا هتصرف." عانقته بقوة، تداعب خصلات شعره برقة. "قد كده خايف عليا؟ حياتي! ربت على ظهرها برقة وهو يبتسم. "أنتي ماتعرفيش أنا بخاف عليكي إزاي يا شروق، أنتي روحي." تنهدت بشوق، تغلق عينيها، تشعر بارتخاء جسدها بين يده، تقول بخفوت. "أنت كل حياتي يا فهد." ***

اتسعت عيون جلال، ينظر إلى طارق بذهول لا يصدق أنه أمامه. التفت خلفه يتأكد من وجود هشام هو الآخر. ولكن طارق هتف سريعًا. "ماتقلقش يا حاج، أنا لوحدي، محدش معايا." اقترب سيف بحذر بعد أن لاحظ شحوب جلال، يقول بقلق. "خير يا حاج، في حاجة؟ ابتسم جلال بحبور، يهز رأسه نافيًا، ليقف بشموخ، يشير إلى طارق. "دكتور سيف، أقدم لك ابني طارق."

حالة من القلق سيطرت على سيف خوفًا من وجود طارق وحدوث مشكلة قد تؤثر بالتأكيد على الزفاف. ولكن ابتسامة طارق الودودة بعثت الاطمئنان والراحة في نفس كل من سيف وجلال، الذي يعرف جيدًا ابنه البار وابتسامته الحنونة. مد طارق يده يصافح سيف بكل احترام وتقدير، ليكمل جلال التعارف. "طارق، أقدم لك دكتور سيف الدين السلحدار، والد دكتور يوسف، جوز أختك." صاعقة من الذهول ضربت طارق، يحاول أن يستوعب ما قاله والده. ليقول بهمس.

"يوسف سيف الدين؟ هز جلال رأسه بنعم. "أهلاً بيك يا أستاذ طارق." قالها سيف بتوجس لطارق المتفاجئ بقوة. نظر طارق لوالده بتساؤل، ليربت جلال على كتفه. "أيوه يا طارق، يوسف هو اللي أنقذ أختك من اللي كانت فيه وساعدها وطلبها مني." *** ابتسم كريم بطرف شفتيه على يوسف المتوتر بعصبية، وهو يقف أمام المرآة ينظر للكدمة التي تزين أسفل ذقنه. يغمغم بحنق. "أعمل إيه في الزفت ده؟ من امبارح بحط فيه تلج ومش عايزة تروح من وشي."

حاول كريم السيطرة على ابتسامته حتى لا يزيد من غضب يوسف أكثر، يقول بهدوء. "معلش يا عريس، أهو عشان تبقى مميز عننا شوية." نظر يوسف ناحية كريم بحنق، يقذفه بالوسادة. "وكمان بتهزر! طرق باب غرفة يوسف ودخل جلال مبتسمًا، يقول بمرح. "أول مرة أشوف العروسة تجهز قبل عريسها." ضحك يوسف يهتف بسعادة. "خلاص يا عمي، أنا جهزت، بس كنت بحاول أداري المشكلة اللي في وشي اللي بسبب الأستاذ ده." ليشير إلى كريم. ربت جلال على ظهر كريم بمودة.

"عقبالك يا ابني مانفرح بيك قريب إن شاء الله. وانت يا دكتور، يلا المأذون مستني." وقف يوسف بكامل أناقته ووسامته في بدلة توكسيدو سوداء وقميص أبيض ناصع البياض، وببيون أسود من الستان. أمام جلال الذي عانقه بشدة، يضرب على ظهره برقة. "ألف مبروك يا ابني، شمس أمانة كبيرة في رقبتك. أنا عارف ومتاكد إنك بتحبها وهتبقى معاك في أمان وسعادة." بادله يوسف العناق، يقول بسعادة واضحة في نبرات صوته الأجش. "شمس حياتي يا عمي، وجوه قلبي."

تنهد جلال براحة، يبتعد عن يوسف، ثم قال بهدوء. "بس في واحد عايز يبارك لك ويتعرف عليك الأول، ممكن يدخل." ابتسم يوسف بحبور. "طبعًا يا عمي، أنت بتستأذني؟ خليه يتفضل." ليخرج جلال لثوانٍ خارج الغرفة ويعود وهو يتمسك بيد طارق المتوتر. نظرات من القلق والخوف سيطرت على يوسف وهو يبحلق في طارق الواقف أمامه. اقترب طارق من يوسف المتسمر في مكانه، متفاجئ، يمد يده بود. "ألف مبروك يا دكتور عليك أختي."

اغتصب يوسف ابتسامته، يحاول أن يبدو طبيعيًا، ليصافح طارق بتوتر، يرد. "الله يبارك فيك يا بشمهندس." شعر جلال بتوتر الأجواء بالغرفة، ليردف بهدوء وهو يربت على ظهر طارق. "طارق جاي يقف مع أخته يوم فرحها يا دكتور، ماتقلقش." صمت يوسف قليلاً، ينظر لكريم ثم لجلال، ليهز رأسه متفهمًا. "أنا كل اللي يهمني شمس، مش عايز أي حاجة توترها أو تضايقها في يوم زي ده. لكن بالنسبة لي أنا، أقدر أحافظ على مراتي كويس." ابتسم طارق بخجل، يتنهد.

"اطمن يا دكتور، أنا مستحيل أظلم أختي مرة تانية. أنا عارف كويس إني جيت على أختي وظلمتها." لتترقرق الدموع بعينيه ويحمر وجهه تأثرًا. "وصدقني مش عايز أظلمها مرة تانية." ضمه جلال بقوة لصدره، وهو يشعر بألم ابنه وندمه الشديد على ما فعله بحق أخته. ليقول بحنان. "أنت ماتعرفش طارق كويس يا يوسف، بس مع الأيام هتعرف إن ابني كان ماشي ورا وهم، وأخيرًا فاق منه ورجع طارق الطيب الحنون مرة تانية."

أنهى كريم هذا الحوار العاطفي بمرحه المعتاد. "تمام جدًا لحد كده، بس إيه ذنب العروسة معاكم؟ اتأخرت عليها جدًا." تنفس يوسف بعمق، يبتسم بوجه طارق المتوتر. "يلا بشمهندس عشان تبارك لشمس."

ارتسمت ملامح القلق والتوتر على وجه يوسف وجلال، خوفًا من ردة فعل شمس في مواجهة أخيها عند رؤيته. كانت كل خطوة يخطوها طارق برفقة أبيه إلى جناح شمس طعنة قوية تغرس في قلب يوسف، قلقًا عليها. ولولا تمسك كريم إلا يذهب معهم، لكان على رأسهم يضمها لصدره ويحميها من تلك المواجهة الصعبة. *** وقف عدنان ببهو الفندق، يمشي ذهابًا وإيابًا متشنج الملامح، ينظر في ساعته بقلق وهو يزفر أنفاسه بضيق. حتى هتف به مراد غاضبًا.

"إيه يا ابني ماتهدى كده واتقل شوية، رايح جاي خيلتني." نفخ عدنان بضيق، يشيح بيده غير مبالٍ لمراد. لوى مراد شفتيه بابتسامة عابثة، يسأله. "هي مش قالت لك هتيجي؟ يبقى خلاص أهدى." تمتم عدنان بحنق. "كان لازم تروح تجيبها أنت يا مراد، افرض إنها ماجتش، أعمل إيه أنا؟ أنت صديق أنت." نطق مراد بجدية مصطنعة. "آه وماله، أروح أجيب زيزو وأدخل بيها قدام لجين عشان تكمل؟ هو أنت عبيط يابني؟

أنا أكدت عليها لو ماجتش هزعل منها وهاخد موقف منها، وهي قالت لي جايه. وحضرتك كلمتها وقالت لك هتيجي، يبقى قلقان ليه؟ سيبني أروح أشوف يوسف عامل إيه هو كمان بسبب أخو شمس اللي حضر ده." وفجأة دون أي مقدمات، أطلق مراد صفارة، يبتسم بمكر. "ده أنت شكلك النهاردة هتتجوز مع يوسف."

التفت عدنان سريعًا، ينظر خلفه ليقف متسمرًا وهو يرى زينب تقف أمامه بكامل أنوثتها وجمالها الهادئ، تتألق بفستان زهري قصير مغلق الصدر دون أكمام، يظهر مفاتنها، وشعرها الأسود اللامع ينساب خلف ظهرها مموج، مع القليل من الزينة التي تبرز جمالها الهادئ برقة، تخطف العقول برغم من شحوب وجهها. اقتربت بهدوء، تحاول رسم ابتسامة مبهجة فوق شفتيها المكتنزة، تهمس برقتها المعهودة. "مبروك يا مراد، عقبالك." غمز مراد لها بخفة وهو يبتسم.

"عقبالك انتي كمان يا زيزو، إيه الجمال ده." احنت رأسها خجلًا، تنظر لعدنان المتسمر مكانه بطرف عينيها. تنحنح مراد، يضرب عدنان بخفة. "زيزو، عدنان معاكي طبعًا، على راحتكم. أنا لازم أشوف يوسف شوية وهرجع عشان عايز أعرفك على لجين." تركهم مراد وغادر بعد أن همس لعدنان بغيظ. "اتحرك يا ابني، أنت إيه بقيت تمثال." تنحنح عدنان، يخرج صوتًا هادئًا. "عقبالك، مش بتقولوا كده في مصر؟

هزت رأسها مرتبكة بنعم دون أن تتكلم. لاحظ عدنان توترها ونظراتها الزائغة، تحاول أن تخفي عينيها عنه بارتباك واضح. أشار عدنان بأناقة لزينب أن تتقدمه لدخول قاعة الزفاف. *** طرقات خفيفة على باب جناح العروس جعلت الفتيات من حولها تقفز فرحًا.

تنفست بعمق، تشعر بدقات قلبها كطبول الحرب تقفز داخل صدرها، وجنتيها القشدية تتوهج بالاحمرار القاني. تمسكت بفستانها الأبيض المائل للون حبات السكر البراقة، ترتجف. لتقف مريم بجانبها، تضع بعض اللمسات الأخيرة، ولجين تلتقط بعض الصور الفوتوغرافية. لتهرول نغم لباب الجناح، تفتحه بضحكة مبهجة وهي تقول. "اتفضل يا عر... شهقت نغم بصدمة، تتراجع للخلف وهي ترمي بعينيها، لا تصدق ما تراه، لتهتف بتلعثم. "طاارق!

رمقها بطرف عينه بنظرات مبهمة غير معروفة، يقبض على راحة يده بعصبية. ليتدخل جلال لفض حرب تلك النظرات، يقول. "مالك يا نغم يابنتي؟ مش عارفة جوزك ولا إيه؟ يلا طارق، ادخل لأختك يا ابني." اتسعت عيناها بعدم تصديق، وهي ترمق حبيبها قبل أن يكون زوجها، يقف أمامها. مر طارق من جانب نغم المذهولة، وجسدها أصبح كقطعة ثلج من هول المفاجأة ومن ما ينتظرها بعد ذلك. تنحنح جلال قبل أن يخطو إلى غرفة شمس.

وقف مشدوهًا أمام جميلته، كما يطلق عليها دائمًا. ليناظرها بفرحة، كبح شعوره القوي برغبة في البكاء. يقترب منها وهي تهتز برقة، ليتحرك حولها فستانها المنفوش بعدة طبقات من التل المشغول بخيوط فضية لامعة. أحنى والدها رأسه، يقبل قمة رأسها بعمق، وهو يربت على وجنتها، قائلاً. "حبيبة قلبي بقت عروسة زي القمر." لفت ذراعيها حول خصره، تغمغم بخجل. "ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا بابا." مسح جلال دمعة كادت أن تفر من عينه، يقول.

"عندي لكِ مفاجأة حلوة، صدقيني هتسعدك جدًا وهتفرحك." رفرفت بأهدابها الطويلة، تقول بفرحة. "مفاجأة؟ ليهتف جلال بحب. "طارق أخوكي." وقبل أن يكمل، دخل طارق بخطوات هادئة، يتطلع بوجه شمس الملائكي بلهفة. لم يتوقع الجميع، ومن ضمنهم جلال، ردة فعل شمس. وعم الذهول على الجميع، وهي تهرول تحمل فستانها، ترتمي بحضن طارق بشوق طال لعدة أشهر، تتعلق برقبته كطفلة صغيرة حصلت على هدية.

حملها طارق بين ذراعيه، يدور بها بضحكة عالية، وهي تدفن وجهها بحنايا رقبته، تقول بخفوت. "طارق حبيبي، أخويا." وكأنها طمست آثار الماضي من عقلها، ويتذكر قلبها فقط حنيته ولهفته عليها. فشمس دائمًا كانت فتاة طارق المدللة التي يخاف عليها ويدللها بشغف وحب أخوي. انسابت دموع طارق فوق وجهه، يغمغم بأسف. "شمس، سامحيني. أنا آسف يا أختي، آسف." حضنت وجهه الوسيم بين كفيها، تتطلع عليه بشوق.

"مسامحاك يا طارق، وعمري ما زعلت منك. أنت أخويا الغالي." اقترب منهم جلال، يضمهم لصدره، ويقبل كل منهم، وهو يبتهل إلى الله بالحمد والشكر. كان مشهد مؤثر على كل من في الغرفة. لتمسح نغم دموع فرحتها بهداية زوجها إلى طريق الصواب. أما مريم، فخرجت تركض لتبشر يوسف بهذا اللقاء الحميمي بين شمس وطارق، ليطمئن قلبه من الخوف والقلق المسيطر على روحه وعقله. ***

نهض سيف من مكانه، يستقبل نهلة التي دخلت قاعة الزفاف، تبحث بعينيها عن لجين. تباطأت خطواتها وهي تراه يقترب منها بابتسامة أنيقة يرسمها على شفتيه، وهو يرمقها بنظرات إعجاب تتدفق من مقلتيه الزرقاء. وقف أمامها يرحب بها. "أهلاً يا نهلة هانم، شرفتينا." ابتسمت برقة، تصافحه. "ألف مبروك يا دكتور." لتسأله بخجل يظهر على ملامحها الناعمة. "لجين فين؟ مش شايفة ها." مط شفتيه بابتسامة مرحة. "مع العروسة في جناحها ونازلين حالا."

هزت رأسها بنعم، وهي تمنحه ابتسامة ناعمة تسحره بنعومتها. جلست بجانبه على نفس الطاولة بعد أن أزاح المقعد بشياكة لها. تنحت نهلة، تقول بخفوت. "مدام فريدة فين عشان أبارك لها." تجمد وجه سيف بملامح الأسى، يردف بعبوس. "فريدة هانم للأسف ماتعرفش إن النهارده فرح ابنها الكبير." حملقت فيه نهلة جاحظة، مصعوقة مما قال. ليهز سيف رأسه بأسف. "ال هانم بعيدة كل البعد عن ولادها، وماتعرفش حاجة عنهم نهائي."

عضت على شفتها السفلى، تحدق به، تشعر بما يعانيه من قهر في حديثه. "أنا آسفة يا دكتور." هز كتفه بعدم اهتمام. "مفيش أسف يا نهلة، دي الحقيقة، ومش أنتِ أول حد يسأل عنها." حدقت فيه بخجل فتاة صغيرة تشعر بارتباك. ليلاحظ سيف ارتباكها، يعتذر. "أنا آسف إني قولت نهلة بدون ألقاب، بس حقيقي يا نهلة، أنا يمكن ما عرفتكِ إلا من مدة صغيرة، بس حاسس إني أعرفك من زمان، وياريت كنت فعلاً أعرفك من زمان، كان أكيد في حاجات كتير اتغيرت."

حبست نهلة أنفاسها، وأطرقت ببصرها أرضًا. ولكنه قال بسرعة قبل أن تقول شيئًا. "نهلة، أنا محتاج لك جدًا. أنا عارف إن راجل في سني ملوش الحق إنه يقول الكلام ده، بس صدقيني، أنا محتاج حد يكون جنبي، يشاركني همي وتعبى، ومفيش غيرك ممكن أقدر أحكيله وأرتاح معاه." تنهدت نهلة، ثم رفعت بصرها نحوه، وابتسمت قائلة. "أنا جنبك يا دكتور في أي وقت، إحنا أصدقاء، والصديق لا يمكن يتخلى عن صديقه وقت الشدة."

تمتم سيف بهيام، وقد رسمت كلماتها البسيطة الضحكة على وجهه العابس. "يبقى شيلي الألقاب دي، وناديني سيف وبس، طالما إحنا أصدقاء." هزت رأسها موافقة، تهمس بابتسامة دافئة، تمنحه الثقة. "يبقى سيف بس من غير دكتور." *** تابع في الجزء الثاني من الفصل. الفصل الخامس عشر. الجزء الثاني. ***

وقف بجانب والده وأخيه، ينظر لها بلهفة، وهي تخطو الدرج، تنزل بهدوء، تتابط ذراع والدها، ووجهها مخفي خلف طرحة من التل، زاد من جاذبيتها وجمالها. ليزداد شوقه لمن سرقت قلبه من أول نظرة. بينهم، فاشتعلت لهفته عليها، يقترب من بداية الدرج. ليسلمها والدها إليه، قائلاً بسعادة. "شمس، أمانة في رقبتك ليوم الدين." ليعانق حماه مبتسمًا. "شمس في قلبي يا عمي."

لم يستطع السيطرة على دقات قلبه السريعة، لتتألق عيناه بالفرحة. ليرفع طرحتها التل من على وجهها، يكتم أنفاسه انبهارًا بجمالها الأخاذ. ينظر إلى ملامحها الرقيقة، وهي تتألق بزينة خفيفة تبرز جمالها الهادئ. قبل جبهتها بحب، يهمس أمام شفتيها المطلية بملون شفاه وردي. "مبروك يا شمسى." أغمضت عينيها خجلًا، ترتجف بشدة، ليضمها لصدره وسط تصفيق وزغاريد المدعوين.

التف الجميع حول طاولة مستديرة مزينة بالورد، ليجلس المأذون، وعن يمينه الحاج جلال والدها، وعلى يساره دكتور سيف والد يوسف. ليطلب المأذون الهويات الشخصية للشهود. ليشهد على عقد القران كريم ودكتور عزيز، صديق جلال. وبعد تلاوة الآيات القرآنية وإتمام مراسم القران، هتف المأذون في مكبر الصوت بجهر. "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." ليتعالى التصفيق والمباركات للعروسين وسط فرحة الجميع.

قفز يوسف بفرحة، يضمها، متناسيًا جميع من حوله، وهو ينهال عليها تقبيلًا، وهو يحملها من خصرها بسعادة. ترقرقت الدموع بعينيها، وهي ترى فرحة وسعادة الجميع من حولها. ركضت ملك بين أحضان يوسف، ليحملها بين يديه ويقبلها بنهم، يقول بسعادة. "فرحانة يا ملوكة عشان دادى؟ هزت ملك رأسها، تصفق بفرحة، تقول. "كده شموسة بقت مامي يوسف." ترقرقت الدموع بعينيه، يداعب وجنتها الناعمة. "أيوه حبيبتي، شموسة بقت مامي."

ارتمت الصغيرة بجسدها على شمس، تنهال عليها بالقبلات، وشمس تضمها لصدرها بحنان. "حبيبتي ملوكة، أنا مش هسيبك أبدًا، أنتِ حياتي." *** لفت نغم ذراعيها حول خصر طارق، تضع رأسها على صدره باغواء. "أنا فرحانة جدًا عشان شمس. حبيبي شايف قد إيه يوسف بيحبها، وهي كمان سعيدة جدًا." ابتسم طارق بسعادة واضحة على ملامحه، وزرقة عينيه تلمع بوميض خاطف. "الحمد لله إني سمعتك، وإلا ما كنتش حضرت فرح أختي." شهقت نغم تسأله.

"أيوه صح، أنت عرفت إزاي؟ كتم ضحكته بصعوبة، مصطنع الجدية. "نسيت جواز سفري ورجعت أخده، لقيتكِ واقفة في التراس بتتكلمي في التليفون، وسمعتكِ بتقولي آسفة يا شمس، أخوكي لسه ماشي حالا، وما كنتش أقدر آجي قبل ما أطمن إنه سافر." هز رأسه بعدم اهتمام، ليكمل. "بس يا مدام، اتأكدت إنكِ عارفة مكان شمس، مشيت وراكي وعرفت كل حاجة." رفرفت باهدابها، تقول بخجل، وهي تداعب شعر ذقنه باغراء. "آسفة حبيبي لو خبيت عنك، بس كنت خايفة من...

عبست ملامحه، يقول بضيق. "كنتي خايفة متى؟ لا أعرف وأسجن أختي أو أدخلها تاني مصحة؟ هزت رأسها نافية. "أبدا أبدًا والله حبيبي، بس كنت خايفة هشام يعرف. أنت قلبك طيب وما تعرفش الكره، يا طارق، بس للأسف هشام وشروق كانوا مسيطرين على تفكيرك." سحبت نفسًا عميقًا، ترمقه بطرف عينيها. "أنتِ ناسيه لما شهدت مع شمس؟ هشام طلب منك تطلقني." لتكمل بصوت باكي، والدموع تتجمع بمقلتيها. "كنت خايفة تعرف وتطلق...

وضع إصبعه فوق شفتيها، يضمها لصدره بقوة. "إياكِ تنطقيها أبدًا، أنتِ حب عمري يا نغم، وإخلاصك وحنيتك لأختي وبابا عندي بالدنيا. انسى هشام وشروق وكل دول، وتعالى نبارك لشمس ويوسف." شبت على أطراف أصابعها، تقبل وجنته بشوق، تهمس بجانب أذنه. "بحبك يا ابن خالي." ***

التفت الجميع حول شمس على ساحة الرقص، يرقصون ويصفقون بسعادة. ليرقص مراد وعدنان برفقة لجين ومنى وبعض أصدقاء مراد ويوسف على أغنية شعبية. ليكتفي يوسف بمشاهدة شمسه وهي ترقص وتغني بسعادة، وضحكتها تملأ قلبه بالسعادة. لتكن مفاجأة مريم لأخيها وزوجته أغنية لمطربة محبوبة اختارتها مريم على ذوقها، لتشارك شمس الرقص على تلك الأغنية التي كانت بمثابة رسالة واضحة لكريم الغاضب منها، يرمقها بعبوس. "ودوني على بيت حبيبي نعيش مع بعض فيه.

دا بقالنا مدة طوبة طوبة م الحب بنبنيه. أنا لابسة الطرحة ومش سايعانى الفرحة وأنا وياه. ارموا الورد علينا وباركولى بيه." اتسعت عيناه بعدم تصديق، ليضحك بخفة لها، وهي ترقص وتغني مع المطربة بانسجام، وعينيها متألقة بحب. "هسمع كلامه وتحت أمره في اللي يقولي عليه. وبأي شكل هريحه لو حتى يطلب إيه. وإن جبت منه بنت يارب تبقى شبهه. وإن كان ولد هدعيله يتربى بإيديه." يارا. "بيت حبيبي". لتبتسم له بخجل، وهي تردد كلمات الأغنية بسعادة.

لتقترب مريم من يوسف الواقف مبتسمًا، تجذبه بشدة لينضم لشمس في رقصتها. وبعد إلحاح شديد، انضم يوسف بخجل. يرقص معها على أغنية هادئة، ليضمها من خصرها إليه، يركن ذقنه بجانب رأسها، يهمس بشغف في أذنها كلمات الأغنية الرومانسية للمطرب المفضل له. "ولا أي كلمة حب اتقالت في يوم مابين اتنين. تسوى حلاوة كلمة منك قلتهالي. عيد قلت إيه كده تاني وتالت. أنا قلبي كله حنين. ولا يطفي ناره حبيبي غير لو عيدتهالي. عارف بتعمل فيا إيه؟

كلمة حبيبي زي اللي أول مرة بيحس بأمان." عمرو دياب. "خليك معايا". ليرفع رأسها تنظر إليه بحب، فيقابلها بنظرات شغوفة، يقبل جبينها ويهمس برقة. "بحبك يا شمسى." انضم طارق ونغم للرقص بجانبهم، وصديق آخر ليوسف وزوجته. أما مراد فحمل لجين من خصرها عنوة، يرقص معها، وهي تهتف بحنق. "مجنون! نزلني." ليغمز بشقاوة. "لازم نتدرب كويس عشان فرحنا." لتستسلم لحضنه الدافئ، تضع رأسها فوق صدره، تتنفس عشقه. ***

أمال عدنان إلى زينب الشاحبة، ونظرات الحزن تملأ عينيها الواسعة. "تحبي ترقصي يا زيزو؟ هزت رأسها بـ "لا"، تقول بجفاف. "لا مش عايزة." وهي تحاول السيطرة على دموعها، ولكن خانتها تلك الدموع اللعينة، لتنهمر فوق وجنتها، وقلبها يئن وجعًا. عبس عدنان بريبة، يسألها باهتمام. "مالك يا زيزو؟ أنتِ فيكِ حاجة متغيرة. أنا مش عارفها. أنتِ مش زيزو أبدًا اللي أعرفها المرحة الجميلة، في إيه شاغل بالك ومخليكي حزينة بشكل ده؟

تركته في حيرته وقلقه، لتخرج لحديقة الأوتيل، لتترك العنان لدموعها وقهرها على تركها حب صادق وكبير، وانجرفها خلف مشاعر مزيفة دمرتها ودمرت براءتها. شعرت بيده تمسد كتفها بهدوء من الخلف، يهمس بجانب أذنها بصوت حزين. "كل ده عشانه يا زينب، هو ميستهلش إنسانة زيك أبدًا." سحب نفسًا عميقًا، ليقول بشغف. "زيزو، أنتِ غالية جدًا، ولازم اللي يفوز بيكِ يكون عارف قيمتك كويس، وإلا مش هيحافظ عليكي أبدًا."

التفتت تنظر إليه بعينين مغروقتين بدموع الحسرة والندم على ضياع هذا الحب من بين يديها، تقول بتعلثم. "أنت إزاي كده؟ إزاي بتحس بيا بالشكل ده؟ وأنا... أنا تجاهلت كل مشاعرك دي وارتبطت بإنسان... لتنهمر دموعها بغزارة على وجنتيها، وكأنها أغلال من النيران تحرق قلبه وروحه، وهو يراها متألمة أمامه. لم يشعر سوى بذراعيه وصدره يضمونها إليه بحنان وحب أكثر. يلامس شعرها بنعومة، يغمغم بصوته الحنون، وهو يمرر أصابعه فوق وجنتها الناعمة.

"بلاش تبكي يا زيزو، دموعك غالية عندي جدًا." شعرت زيزو بالقهر من قلبها، لأنه تجاهل ذلك الحب، ليتشنج جسدها بين يده، تبتعد عنه منتفضة. هتف بقلق، يقف أمامها. "بالله عليكي يا زيزو، مالك؟ فيكِ إيه؟ متقلقينيش عليكي كده. أرجوكي قلبي مش متحمل أشوفك منهارة وحزينة بشكل ده عشان واحد كلب ولا يسوى. ليه بتعذبي نفسك وتعذبيني ليه يا زيزو؟ اقتربت منه تتشبث بثيابه، وانهمرت دموعها ببكاء، قائلة بشبه صرخات.

"دبحني يا عدنان، دمرني. أنا مبقتش زيزو البريئة اللي أنت بتحبها. أنا بقيت... ابتعدت عنه ببطء، ونظرت بألم إليه، قائلة برعشة تهز جسدها. "اغتصبني يا عدنان، اغتصبني. ضحك عليا واستغلني، أخدني لبيته بحجة، وهناك دمرني وقضى عليا. وللأسف، أنا هدفع الثمن كله لوحدي يا عدنان. وعارف زاد أكتر... أنا... أنا حامل. حامل حامل حامل يا عدنان. عارف يعني إيه حامل؟

واجهشت بالبكاء، وهي تغطي وجهها بيديها، تقع راكعة فوق العشب، تئن بألم، تتضرع بالدعاء بين شقاتها. "يارب خدني، يارب." جمرات تحرق قلبه وروحه، جمرات تشعل قلبه بألم كالجحيم. الألم ينهش بلحمه، روحه تنسحب من جسده كهلاك. نظر إليها لا يصدق ما تفوهت به، وفي لحظة يفك عقدة ربطة عنقه، وهو يشعر بالاختناق.

لينحني أمامها، يمسك بيديها، ويبعدهم عن وجهها، ونظر بعينيها بتساؤل، وكأنه يتوسلها أن تنفي ما قالته، لكن ذلك الانكسار الذي رآه بعينيها أكد له كل شيء. أكد له بأنها قتلته قبل أن تقتل روحها، بأنها حكمت عليه بالموت البطيء بتريق حبها المسموم الذي يجري بدمه وشرايين قلبه. رفعت رأسها مسكورة القلب والكرامة.

"أنا مبقتش زيزو يا عدنان، أنا خلاص تلوثت بالعار. بقيت مليش ثمن، مينفعش أقف وأرقص وأغني جنب بنات أشراف حفظوا على نفسهم وشرفهم وعفتهم." لتصمت قليلاً، ترفع عينيها بعينيه الجامدة بدموع متحجرة داخل مقلتيه. "للراجل اللي يستاهل الحب والإخلاص." تصلب جسده، يشيح بوجهه بعيدًا، ليقاطعها بجمود قائلاً. "بلغي والدك إني جاي بكرة عشان أتقدملك يا زينب." نظرت إليه وهي لا تدرك ما قاله للتو، هل ما تسمعه صحيح؟ لتتمتم بصوت ضعيف.

"عدنان، أنت بتقول إيه؟ أحاط وجهها بيديه، قائلاً بصلابة أكثر. "متخافيش يا زينب، بس لازم المشكلة دي تتحل، وبأسرع وقت، ومش لازم حد يعرف باللي قولتيه دلوقتي، حتى مراد، سمعاني؟ حتى مراد." وقفت تبتعد عنه، وهي تهز رأسها بنفور. "لا لا يا عدنان، مش هقدر. أنت مالكش ذنب تتحمل غلطة غيرك. أنا غلطة ولازم أتحملها لوحدي." قاطعها بحزم، وهو يضمها إلى صدره بقوة، وبداخله يشعر بالتمزق، وكأن روحه قد ماتت وقلبه تجمد، يقول بوجع.

"لا يا زينب، ذنبي ولازم أصلحه. لازم أصلح غلطتي إني أنا سبتك، ومعرفتش أحارب عشانك وآخدك بالقوة. أنا كمان السبب يا زينب، كنت جبان وضعيف، معرفتش أحافظ على حبي وقلبي اللي هما أنتِ يا زينب." في تلك اللحظة، خرج مراد إلى الحديقة الفندق ليبحث عنهما، ليجد زيزو بين ذراعي عدنان، ليتركهما سويًا، وهو يظن أنه أخيرًا اعترف عدنان بحبه لها. *** قفز فارس بين أحضان والده، يجلس فوق ساقه، ليضمه هشام لصدره، يقبله بحب.

"ابني بقى شاب ووسيم." ليهمز لرانيا الجالسة، تنظر إلى تلك المشهد بحسرة، وتتمنى في نفسها لو كان فارس الآن في حضن أبيه الحقيقي. "يظهر إني عجنت يا روني." ليهتف مرة أخرى، يخرجها من شرودها. "رانيا، سرحتي في إيه حبيبتي؟ أحمرت رانيا، وقالت بتوتر. "أنا معاك أهو يا هشام، في إيه؟ ابتسم بسخرية، يهز رأسه. "ولا حاجة." نظر فارس لهشام بتساؤل، ثم قال بعبوس. "بابا فين عمتو؟ هي سافرت؟ رد هشام ببساطة. "حبيبي، عمتك مع عمو فهد في بيتهم."

قوس فارس حاجبيه بغضب. "أنا مش بسأل عن عمتو شروق، أنا بسأل عن شمس." انتفضت رانيا، تصرخ على فارس بغل. "إيه ده؟ مش قولت لك إن أنسى شمس، دي عمتك بس، اسمها شروق، شروق، فاهم؟ تهجم وجه هشام، ينظر لها بغضب، يكز على أسنانه. "رانيا، إيه؟ براحة شوية، هو مقلش حاجة غلط عشان كل النرفزة دي." ابتسم هشام، يحضن وجه فارس بيديه. "حبيبي، عمتك سافرت بعيد، واحتمال كبير مترجعش دلوقتي." تمتمت رانيا من بين أسنانها بغيظ. "يارب ماترجع أبدًا."

قبل هشام رأس ابنه، يضمه لصدره بحنان. "يلا يا بابا، روح نام عشان بكرة أنا وأنت هنقضي يوم مع بعض." أحاط فارس عنق هشام، ينثر على وجهه القبلات. "أنا بحبك جدًا يا بابا." بعد أن غادر فارس، وقف هشام يزفر بخشونة. "إيه يا رانيا؟ ليه تصرخي فيه بالشكل ده؟ فارس صغير يا رانيا، بلاش تملي رأسه بالحقد." وضعت يدها بخصرها، تلتفت إليه، تقول بحنق. "يسلااااام! أنا اللي بملي رأسه بالحقد، وأنت هه؟

اسمع يا هشام، كله من أبوك ده، هو شغال قدام الولد شمس، شمس. تقدر تفهمني؟ هو فين طول النهار والليل؟ ونغم هانم فوق يا هشام بيه، في حاجة بتتعمل من ورا ظهرنا؟ زفر هشام بعنف، ثم وقف قائلاً. "إيه؟ مش فاهم. إيه سبب حقدك على شمس بالشكل ده؟ أوعى تحاول تقنعني عشان أمي، أنا وأنتِ عرفين كويس إنكم ما كنتوش متفقين، وبالنسبة للفلوس والميراث، أنا باخد حقي منها، أنتِ بقا إيه سبب الكره الغريب ده؟ أكيد في حاجة أنا مش عارفها."

تلبكت رانيا، تشيح بيدها. "حاجة إيه بقا إن شاء الله؟ طيب ما أختها مش بتحبها، ولا أنا بس اللي دايما في الصورة؟ مط هشام شفتيه باعتراض. "والله ما عارف حاجة، أنتِ بقيتِ غريبة جدًا. وبعدين مالك كل شوية بابا ونغم؟ أنتِ عاملة عليهم مراقبة؟ ابتسمت بسخرية. "ولا مراقبة لا حاجة، أنا بس بسأل عن خروجهم الكتير." ضرب هشام كفيه ببعضهم.

"بابا دايما عند دكتور عزيز، أنتِ عارفة إنه صاحب بابا وبيحب يروح يقضي معاه الوقت، ونغم معروف يعني، لما طارق بيسافر بتروح عند عمتي تقعد معاهم. إيه الغريب بقا؟ أشاحت بوجهها بعيدًا، تقول بعدم اهتمام. "لو هتقضي اليوم بكرة مع فارس، أنا بقا عندي كام مشوار لازم أخلصهم." التفتت إليه، تقول بحده، وملامحه مكفهرة. "إيه حكاية الخروج الكتير اليومين دول؟

جلست بجانبه، تضع رأسها فوق صدره بدلال، تمرر أصابعها على صدره باغواء، وهي تقبل زوايا فمه. "أنت بتغير عليا ولا إيه؟ التقط شفتيها، يسحقهما بقبلة شغوفة، يسند جبهته فوق جبهتها. "طبعًا بغير عليكي وبحبك، واللي يفكر يبصلك بس، أسحقه." ابتلعت ريقها بتوتر، تعض على شفتيها. "طيب يلا نقوم ننام، الوقت اتأخر." رمقها بنظرة مبهمة، ليشرد قليلاً، ثم سألها بقلق. "لو مت، هتتجوزي بعدي؟

شهقت بذعر من سؤاله الغريب، خوفًا أن يكون يشعر أو يشك بشيء. لتهتف بذعر، تدعي الاهتمام والخوف. "إيه الكلام ده يا هشام؟ ليه بتقول كده؟ حبيبي بعد الشر عنك، ربنا يخليك لينا." وضع رأسه بين يديه، يسحب نفسًا عميقًا، يقول بحزن يخيم على صوته. "مفيش شر، الموت بيجي أي وقت، وأنا خايف عليكي أنتِ وفارس لو جرالي حاجة، وظهرت شمس، مش عارف ممكن تعمل إيه، وبابا يعمل إيه. أنتِ عارفة هو ممكن يبيعنا كلنا عشانها، ماعدا شخص واحد."

ليبتسم بخفة. "فارس، بابا بيحبه جدًا وبيخاف عليه، وده مطمني، بس محدش يعرف لو شمس ظهرت هيحصل إيه." فرك وجهه بقوة، يقول بصوت مثقل. "أنا أخدت قرار، أنا هتكتب كل حاجة أملاكها باسمك أنتِ وفارس، وكده هبقى مرتاح." عضت شفتيها بقوة، تمنع نفسها من الضحك والسعادة التي انتابتها، تردف بمكر يشع من عينيها. "إيه الكلام ده يا هشام؟ متقلقنيش، أنت بخير." شحب وجهه، ليفكك الصداع مرة أخرى برأسه، يلوي شفتيه بعبث.

"متخافيش يارانيا، أنا بخير، يلا ننام عشان حاسس بإرهاق وعايز أنام." *** خرجت مريم من القاعة، تبحث عن كريم المختفي منذ وقت. وقفت بمنتصف بهو الأوتيل، لتلمحه يجلس برفقة جلال في زاوية الفندق، منغمسين بالحديث، وواضح أنه حديث مهم بسبب تركيز كريم الشديد مع جلال، حتى أنه لم ينتبه لوجودها وهي تقف أمامه. قال كريم بصرامة.

"اطمن يا عمي، الموضوع ده لو حصل هيغير القضية ويكون الحكم في صالح شمس أكيد. سيبني أتصرف عشان مش عايز حد يعرف نهائي، حتى يوسف. الموضوع ده لازم يكون سر بينا." ربت جلال على كتفه بحزم، يبتسم. "ربنا يبارك لك يا ابني ويحفظك، أنت ونعمة الصديق بجد." ابتسم كريم بهدوء، يقول. "حضرتك متعرفش يوسف عندي إيه، وشمس بقت أخت ليا، والأهم بقا إني اكتشفت إن حضرتك صديق بابا، يبقى مش عايزني أهتم؟

غمغم جلال بالدعاء، ليلمح بطرف عينيه مريم الواقفة على بعد خطوات منهم. تنهد جلال، يقف. "تمام يا بني، شوف الموضوع، وأنا معاك، وأي حاجة توصلها قول لي." وقف كريم مقابله. "إن شاء الله يا عمي، ربنا هيسهل، وهوصله على طول." اقترب جلال، يعانق كريم، ليهمس بجانب أذنه. "عروستك واقفة هناك. ها، براحة يا ابني، خد الأمور براحة، هي ملهاش ذنب في اللي حصل." ليلتفت كريم ببطء، يرمقها بعبوس، ليهز رأسه متفهمًا.

"إن شاء الله يا عمي، ربنا يسهل." جلست أمامه، تهتف بغضب رقيق. "ممكن أفهم مالك؟ من ساعة ما بدأ الفرح ومن قبلها مكلمتنيش ولا كلمة، وكل ما أشوفني بقرب تبعد عني." عقدت ذراعيها أمام صدرها، تضيق عينيها المتألقة ببريق زمردي، تقلب شفتيها كطفلة. "ممكن أفهم مالك؟ رفع حاجبه الأيمن باستنكار، يلوى شفتيه. "يسلام! مش عارفة مالي ولا بتستهبلي يا مريم؟ فتحت فمها تشهق بحركة مثيرة، أرجفت قلبه وتصلب جسده بها، ليتنحنح بخشونة.

"اقفلي بؤقك ده، إيه غلطت في إيه؟ زمجرته بدلال أنثوي. "أنا بستهبل يا حبيبي." عقد حاجبيه بتساؤل. "حبيبي؟ والله." اقتربت منه تبتسم برقة، ومقلتيها الزمرديتين تتوهجان ببريق خاطف، تعدل ربطة عنقه، وهي تهمس أمامه شفتيه باغراء. "آسفة حبيبي، بس دي ماما." أبعدها عنه، يتنفس بصعوبة، يشعر بسخونة جسده وتصلبه من قربها الحميمي الذي أفقد توازنه، يقول بصعوبة. "تاني؟ ماما؟ تاني؟ مش كفاية رفضتي حتى نقرأ الفاتحة، وقولتي لأ عشان ماما؟

اسمعي يا بت الناس، أنا مش بحب كده، يا أه يا لأ." حولت امتصاص غضبه برقتها، تهمس. "معلش يا كريم، أنت شايف اللي حصل كله، وأنا السبب فيه. ماما بسببى سابت البيت وكم... صرخ فيها بغضب، لتنتفض، ترجع للخلف. "وأنا واللي أمك قالته عليا، والكلب الواطي ابن خالك؟ كل ده وتقولي معلش؟ اسمعي يا مريم، قراري، وقولي لي، وأنا راضي بأي قرار تاخديه."

ليغادر مندفعًا من بهو الأوتيل، وهي تركض خلفه، تهتف باسمه، وقد بدأت دموعها تنساب على وجنتها، بعد تأزم الموقف بهذا الشكل بينهما. "استنى يا كريم، أرجوك، وبلاش تزعل، خلينا نفكر بتفاهم." زجرها بنظرة غاضبة لم تتعودها منه. "نتفاهم على إيه يا مريم؟ على موقف مامتك مني، ولا تهديدها المباشر ليا إنها ممكن تأذيني في شغلي كله، وأنا شايفك ساكتة، مفيش أي رد فعل منك؟ قبض على كفها بشدة، يسألها.

"لآخر مرة يا مريم، هسألك، أنتِ عايزاني ولا لأ؟ مامتك قدام الكل، خياراتك ما بيني وما بينها." مسحت دموعها، ترتجف، لتهمس متلبكة. "كريم، أنا عايزك طبعًا وبحبك، بس ماما مريضة بالقلب، وأنا خايفة عليها تتعرض لأي أزمة بسببى، عشان كده لازم أفكر. أي خطوة، مينفعش أعارض أمي، أنا مش يوسف أو مراد، أنا بحب ماما وبخاف عليها." نفرت عروقه غضبًا، يصيح بصرخة أمامها.

"والدك موافق ومعانا، ومراد أخوكي، ويوسف طبعًا من غير سؤال، بس أنتِ اللي ضعيفة، أنتِ اللي مش قادرة تخرجي من سيطرة فريدة هانم العزيزي. أنا اتهنت بسببك، واتهددت في شغلي كله، ده عشانك أنتِ، وفي الآخر تقولي لازم أفكر." شعرت بالحيرة، فهي لا تزال تقف في موقف لا تحسد عليه، تخاف على أمها من أزمة صحية تعرض حياتها للخطر، وتخاف أن تفقد كريم للأبد. أغمضت عينيها، تهمس.

"أرجوك يا كريم، افهمني، وخليك مكاني، أنت شفت اللي حصل قدامك، على الأقل بابا يرجع ماما البيت." زم شفتيه، لينطق بجدية وجمود. "عمري ما هكون مكانك أبدًا يا مريم، لأنك ضعيفة، وأنا عمري ما كنت ضعيف أبدًا. أنتِ اخترتي، يبقى تتحملي نتيجة اختيارك، وفي كل الأحوال، مستني قرارك، وصدقيني مش هزعل منك أو ألوم عليكي." ليتركها ويدخل القاعة، وتقف هي حائرة بين قلبها وعقلها. ***

أوشك الفرح على الانتهاء، وحان وقت تبديل الخواتم. ليقف أمامها، يفوقها طولاً، عينيه مثبتة عليها، وحولهم تصدح موسيقى رومانسية هادئة، جعلتها تشعر بإحساس لا يوصف، بين القلق والسعادة، وتلك النظرات الحنونة التي تراها بأعين من حولها، كل منهم يتمنى لها السعادة والفرحة. لترى أعين أخرى أصبحت وطنًا لها، أعين تنظر إليها بعشق كبير، دافئ، وحب واحتواء، حلمت بهما منذ نعومة أظافرها، شيء خيالي، كالفارس الأسطوري وحصانه الأبيض، وكأن

أحلامها تتحقق. إنه حقًا كالفارس، فارس وسيم رائع، التقطها على حصانه واحتضنها إلى صدره، واحتواها بكل حب وحنان وأمان، رسم لها طريق السعادة، توجها ملكة على عرش قلبه، أسكنها داخل عينيه، وأغلق عليها. شعرت معه ما هو الحب الحقيقي، وما هي السعادة.

لكنها تشعر بالخوف من أن تتبدد سعادتها بلحظة ما، خائفة أن تصطدم بواقع مرير ومكائد تنتظرها، خائفة من شيء ما لا تعرفه، وإلا كانت اقتلعته من قلبها حتى تعيش حياتها الجديدة بدون خوف. نعم، فما زالت قضيتها والحكم فيها يشكل عائقًا مريرًا بحياتها، ولكن وجود يوسف بجانبها كالحصن المنيع، تشعر معه بأمان العالم، وأنها دوما ستكون بخير، وقريبًا ستنتهي تلك الغمة وتنزاح. ولكن خوفها الأكبر من شيء مخفي لا تعلمه، يقبض قلبها ويؤلم فؤادها. خائفة أن تختفي تلك الابتسامة التي تنير قلبها قبل شفتيها، وتعذبه قبل أن تعذب نفسها. تنهدت، تنفض رأسها من تلك الأفكار، وتعيش تلك اللحظة بكل سعادتها، لحظة تتوجها أمام الجميع زوجة له.

أما يوسف، فسعادته تغمر قلبه، وتتلألأ بعينيه، وفي ابتسامته المتألقة على شفتيه. ارتجف جسده برعشة لذيذة حين تقترب منه، في خفقات قلبه القوية، رغم أنه يرى نظراتها الخائفة، وذلك القلق الذي يعصف بين مقلتيها كالنيران التي تحرق قلبها، لكنه أقسم أن يحميها، وأن يمحو دموعها، وأن يرسم السعادة دومًا بعينيها.

بعد نقل الخواتم، صفق الجميع، وتعالت صيحات الفرح بالمباركات، ليقترب منها بشدة، وقد تخللت يديه على خصرها، وجذبها إلى صدره أكثر، هامسًا بعذوبة أذابت قلبها وروحه. "بحبك." لتعبر لها عن فرحتها هي الأخرى، ولكن بطريقتها، وهي تتعلق بعنقه، وتدفن رأسها بين حناياه، تعب روحها من عبقه الأنيق. ليرفع وجهها، يداعب وجنتها بنعومة، وشفتيه توشم شفتيها بقبلة سريعة، تطور لهيبه المشتعل من قربها.

وقفت شمس ويوسف يستقبلون التهانئ، ويستعدوا للمغادرة لعش الزوجية السعيد. عانق جلال شمس، يقبل جبهتها، وسيف يعانق يوسف، ويربت على ظهره، وهو يقول بمرح. "ربنا معاك يا عريس." ليضحك يوسف بسعادة. "دعواتك يا دكتور." ليأتي طارق، ويقبل شمس بحب، يهتف ليوسف. "مبروك يا دكتور، ربنا يسعدكم." شبت شمس على أطراف أصابعها، تقبل طارق، وهي سعيدة. "كانت أحلى مفاجأة النهاردة يا طارق، ربنا ميحرمني منك." ليفتح مراد باب السيارة.

"يلا بقا يا عريس عشان نوصلك." ارتجفت شمس، ويوسف يمسك يدها، ويقول بابتسامة عريضة. "يلا حبيبتي." نظرت له بارتباك، لتتسمر مكانها. "أمال فين ملك؟ نظر يوسف حوله، قائلاً. "لسه كانت في إيدي حالا، أكيد مع مريم." هتفت شمس. "لازم أشوفها قبل ما أمشي." لتأتي ملك متذمرة مع كريم، تهتف بحنق. "يوسف، أنا ألعب." انحنى يوسف أمامها، يمسح فمها الصغير الملطخ بالشوكولاتة، وضمها لصدره، يقبلها. "مش قولت لك بلاش تجري كتير بالشكل ده؟

شايفه وشك... اسمعي كلام دادي، وأنا هكلمك كل يوم، أوك؟ هزت رأسها، تبتسم. "أوك، أمسي بقا يوسف عشان ألعب." ضحك يوسف بخفة، يضربها من الخلف. لتهتف شمس بشهقة قوية. "ملوكة، مش قولت لي إنك هتيجي معانا؟ اندهش الجميع من شمس، لتضحك نغم، وهي تتكلم من بين أسنانها، تهمس لها. "تيجي معاكي فين يا شمس؟ إزاي؟ قال مراد بمزاح. "تيجي معاكم إزاي بس؟ إيه يا يوسف؟ عبس يوسف، ينظر لمراد، ليكتم مراد وكريم ضحكاتهم، وهنا يروا يوسف يشتعل من داخله.

غمزت شمس لمريم بعينها، تقول. "أصلها قالت لي إنها هتعيط عشان عايزاني، وأنا خايفة." حرك يوسف رأسه بينهم، ينظر بدهشة، ثم مط شفتيه، يقول. "حبيبتي، بس ملك مش بتعيط، دي عايزة تلعب." سألها يوسف بحنان. "ملوكة، أنتِ هتعيطي، ولا أنتِ بنوتة جميلة؟ نقلت الصغيرة عينيها بينهم في حيرة، لتقول بعد تفكير طويل. "لا، هعيط عشان عايزة شموسة." ضحكت شمس بمتعة، ترفع كتفها ليوسف.

أما هو، فقد جن جنونه، وحاول أن يتمالك نفسه أمام الجميع، ليمرر يده بشعره، يترجى مريم بنظراته أن تنقذه من تلك المؤامرة. اقتربت مريم من ملك، تداعب وجنتها. "ملوكة، مش قولتي هتيجي معايا عشان الصبح نروح الملاهي وندخل السينما؟ رفعت ملك رأسها، تنظر لشمس بحيرة. لتهز شمس رأسها بـ "لا"، فتفهم عليها الصغيرة، وتتمسك بفستانها، ترفع كتفها، وتقول بحنق. "لاء، أنا عايز دادي وشموسة."

بعد محاولات فاشلة دامت أكثر من نصف ساعة، استسلم يوسف للأمر الواقع، وكانت ملك هي أول من تخطو داخل البيت، وهي تمسك شنطة ورقية كبيرة ممتلئة بالحلويات التي أهداها الجميع إغراءً بها، ولكن بدون فائدة. ليغلق يوسف باب الشقة، يشتعل بحرقة، وشمس وملك تتناولان الشوكولاتة بتلذذ أمامه. إلى اللقاء مع الفصل السادس عشر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...