دخل الكافيه يبحث عنها بعينيه حتى وجدها تجلس شارده مستغرقه تماما بالتفكير. لاول مرة يرى تلك النظرة بعينيها، نظرة لم يراها سوى من اعين حادة تنظر اليه تحاول تعرية اسراره. لكن رغم ذلك تبدو فاتنة تسلب الالباب. التهم تفاصيلها بوحشية جائعة هامسا بغرور داخله. رغم ذلك التوتر الذي ينخر كيانه. "قريب اوى اوى يا مريم هتكوني بين ايديا ومحدش هيقدر ياخدك مني. انتي بتاعتي انا وبس."
جلس امامها وهو يرسم ابتسامة هادئة عكس تلك العاصفة اللي تدور بداخله كلما رآها. "روح قلبي وحشتيني اوى اوى اوى." قالها نادر وهو ينظر إلى اعماق عينيها يحاول أن يرى داخلها وبما تفكر. نظرت اليه بأعين فاحصة تحاول أن تتمسك بقرارها والا تضعف تحت أي تأثير منه. واكثرهم هي رابطة الدم بينهم. لكن لانها حياتها وعليها أن تتخذ قرارها دون الرجوع عنه نهائيا. فهو غيرها تماما ليس هناك تكافؤ بينهما بالمرة.
رفع ذقنه في شموخ وتعالي كعادته يبتسم في وجهها ويشعر من لمعة عينيها الفيروزية بشيء غير مبشر. نظر إلى فنجان القهوة الفارغ أمامهم يبتسم بسخرية. "من امتى بتشربي قهوة يا مريم؟ مطت شفتيها بحنق. "من زمان بس انت مش بتاخد بالك دايما يا نادر." نقر على الطاولة بأصابع متشنجة يستشعر في طريقة حديثها السخرية. ابتسم بمكر يستفزها بطريقته الباردة.
"اوعدك لما نتجوز هاخد بالي من حاجات كتير يا مرمر بس انتي أرضي عني. انا اتفقت مع عمتي اني احدد معاد كتب الكتاب والدخلة في يوم واحد اول ما يوصل دكتور سيف بالسلامة." حدقت به في هدوء تجيب بنبرة صارمة لم يتعودها منها من قبل. مريم دائما الفتاة الهادئة المطيعة الرقيقة لا تتحدث إلا برقة وخجل. ولكن مابها اليوم يشعر بأنها قوية صارمة غريبة الأطوار. "اتفاق مع عمتك هههه وانا فين من الاتفاق ده يا بشمهندس؟ انا ماليش رأي؟!
مش انا اللي هتجوز وانا اللي لازم أقول آه أو لأ." تشنجت ملامحه يكز على أسنانه وهو يردد جملتها الأخيرة بغضب. "آه أو لأ. هو انتي ممكن تقولي لأ؟ أومأت مريم رأسها بنعم. "أيوه هقول لأ. انا مش موافقة على كتب الكتاب والدخلة اللي حضرتك رحت من غير ما أعرف ولا كلفت نفسك تقول لي واتفقت عليها مع ماما. حتى بابا لغيت شخصيته واعتبرت موافقته شيء أكيد." تفحصها نادر باستغراب واستنكار يستهين بكلماتها بسخرية.
"أنا عارف ان عمتي هي صاحبة القرار الأول والأخير. وبعدين لو مزعلك اني اتكلمت مع عمتي من غير موافقتك." اقترب بيده يمسك كفها الصغير بقوة يضغط عليه. "أنا اهو بقولك كتب كتابنا ودخلتنا قريب لما دكتور سيف يرجع. إيه رأيك ارتحتي دلوقتي؟ شعرت بالسخرية والاستهزاء في كلماته وطريقته الباردة الجافة. لتسحب كفها من بين يده بقوة تقول برأس مرفوع وعيون تلمع بعدائية.
"اسمع يا ابن خالى، انت للأسف كعادتك بتستهزأ بكلامي وشايف إنك انت الصح والناس كلها غلط. دايما بتتعامل معايا على إني بنت صغيرة مطيعة ومغلوبة على أمرها. لكن لأ. فوق من أوهامك يا نادر بيه. مريم المطيعة اللي قدرت تضحك عليها وتستخف بعقلها وقلبها كبرت وبدأت تفهم وتميز." أخرجت من حقيبتها الجلدية علبة زرقاء كبيرة وضعتها أمام نادر بنفور. "اتفضل دي شبكتك." تجمدت ملامحه واكتست ملامحه بالغضب ليهمس بغل. "إيه الجنان ده يا مريم؟
انتي أكيد اتهبلتي. أنا عارف كويس مين ورا كل ده. أكيد يوسف بيه عايز ينتقم من ناريمان فيا أنا." انتفضت واقفة أمامه تخلع دبلتها تضعها فوق العلبة الزرقاء. "خليك ورا أوهامك. بس أحب أقولك يوسف ما يعرفش أي حاجة لحد دلوقتي. واسمع يوسف عمره ما حب أختك ولا في دماغه. كانت مجرد فترة مراهقة مر بيها زي ما أنا مريت بيها معاك. أنا وانت بعاد عن بعض. الفرق بينا زي الفرق بين السماء والأرض يا نادر. خليك إنسان متحضر وأقبل بالأمر الواقع."
وقف أمامها يجذبها من ذراعها بقوة ليلتفت إليهم بعض الأشخاص ينظرون إليهم. "مريم في واحد تاني في حياتك؟ اتكلمي." جذبها أكثر لصدره يصرخ. "اتكلمي يا مريم." نفضت ذراعها بقوة تنظر حولها. "انت إنسان مريض. سيب إيدي." نفضت ذراعها الذي تركت أصابعه علامات عليه. تركض من أمامه وهو يقف يصرخ عليها. "هعرفه يا مريم. هعرفه وهتكوني ليا غصب عنك. فاهمة؟ اختفت من أمامه وهو يلهث بأنفاس غاضبة تحرقه وتحرق غروره. ليهتف بشدة في الناس من حوله.
"آآآآآآآآآآآآآه بتتفرجوا على إيه؟ كل واحد يبص قدامه." جلس على الطاولة يمشط شعره يكاد أن يقتلعه من رأسه. ليمسك هاتفه بيد ترتجف يتكلم بغضب. "أيوه عمتي. لازم أشوفك حالا." ***
أسرع بخطواته نحو والده وهو سعيد بنجاحه ونجاح باقي فرقته التي أسسها بمجهوده هو وعدنان صديق مراهقته وشبابه. وخلفه عدنان يبتسم بسعادة. أقبل على والده الواقف بشموخ وقامة عالية وجمال واضح على ملامحه الأرستقراطية برغم تقدم العمر. فتح سيف والد مراد ذراعيه لابنه الصغير المدلل يعانقه بقوة وهو يربت على ظهره بحنان أبوي وصديق يهنئ صديقه على نجاحه الباهر. "معرفش إن الدكتور عازف رائع وصوته شجي كمان."
قهقه مراد عاليا يبادل والده العناق بمزحة خفيفة من مزحاته. "حبيبي يا دكتور. الفضل بعد ربنا ليك يا باشا." ابتسم بخفة ووسامة ينظر إلى الواقفة على بعد خطوات منهم بجانب خالتها المتألقة تنظر له بتمعن وابتسامتها الفاتنة لا تفارق شفتيها. ليستأذن من والده يشير برأسه لمكانها. "عن إذنك يا دكتور، استقبل ضيوفي."
التفت سيف برأسه ينظر إلى من يشير إليهم مراد لتلفت نظره تلك السيدة الفاتنة بجمالها الآخاذ للعقل بجانب تلك الفتاة الجميلة صاحبة العيون الصافية بلون البحر. غمز سيف لمراد بعينيه البراقة الشبابية. "نمس زي أبوك يا ولد. مش تعرفنا إحنا كمان."
ليفتح سيف ذراعيه لعدنان الذي يعتبر بمثابة ابنه عزيز على قلبه مثله مثل مراد. فعدنان نشأ يتيم الأب. وقد تعرف عليه مراد منذ 12 عام في رحلة للعائلة بمدينة القيروان بتونس. ومن وقتها عدنان ومراد أصدقاء لا يفارقان بعضهم. شد قامته الطويلة يذهب لهم بضحكته المميزة التي تكشف عن أسنانه البيضاء وعينيه الرمادية بلون الدخان تشع حيوية وجاذبية وغرام عاشق لتلك الجميلة ذات الشعر الذهبي بلون الشمس.
اللمعت عينيها بخجل يؤثر القلب وهي تراه يتقدم بخطوات واسعة والفرحة تزين وجهه الوسيم. هتفت نهلة بسعادة. "أوه مراد تجنن. صوتك وعزفك وإحساسك روعة. أقول يا دكتور ولا يا فنان." ضحك بقوة يقبل يدها بشياكة. "اللي يعجب حضرتك. أنا سعيد إنك قبلتي دعوتي وشرفتينا بالحضور. انتي وأنسة لجين."
قال جملته يختمها بـ "آنسة لجين" وهو ينظر لها بطرف عينيه الرمادية تلّون وجهها بحمرة الخجل. تبعد عينيها الصافية بلون السماء عن دخانية عينيه المشعة ببريق آخاذ. مطت نهلة شفتيها بدلال. "كنت لازم أحضر عشان أسمع صوتك وعزفك. انت والفرقة بجد رائعين يا مراد. مبروك نجاحكم." التفت لها بكامل جسده الرشيق ينظر لها بشغف يمس القلوب وعيونه تلمع بالحب. يمد يده لها. "آنسة لجين نورتي الحفلة." مدت يدها بتردد تلمس يده ببطء.
"مبروك دكتور مراد. كانت حفلة جميلة وممتعة." لمعت عيناه وهو يقبض على يدها بخفة ينطق بصوت أجش جعلها تتورد خجلاً. "الحفلة كانت هتكون ناقصة من غيركم. أنا سعيد بحضوركم." أجابت بصوت أبَح وعينيها تغرق في تفاصيله تتأمله جيداً وكأنها تراه للمرة الأولى وهي تسحب يدها بدلال فطري. "ميرسي يا مراد." تنحنحت نهلة بلباقة. "أوك يا مراد. إحنا لازم نستأذن منك عشان تشوف ضيوفك." انتبه كل منهم على صوت نهلة ليبتسم مراد بلطف.
"لأ طبعاً. أنتم معانا الليلة. وكمان لازم أعرفكم على دكتور القلوب." رددت لجين بابتسامة هادئة. "دكتور القلوب مين؟ ابتسم مراد باتساع يؤشر على والده الواقف بترقب بجانب عدنان. "دكتور سيف الدين السلحدار. والدي." ***
وقف شارداً خلف زجاج النافذة يراقبها عن قرب وهي تقفز وتصفق مرحاً مع صغيرته دون أن تمل أو تزهق. تتعالى ضحكاتهم البريئة محملة بالمرح والسعادة. زم شفتيه بشدة يفكر بجدية في كلمات كريم التي سلبت روحه وعقله. فهو فكر فيها بل أيقن الآن أنه أحبها وبشدة. ولكن فكرة الزواج لم تخطر على باله أبدًا. يتزوجها لكي يحميها. هكذا يفكر كريم بعقله في الحل السحري لحماية شمس من بطش من حولها. ولكن هو يفكر في الأمر بقلبه قبل عقله ليكتشف أنه الحل الأمثل ليضمن وجودها بجانبه دائماً.
أفاق من شروده على خطوات كريم الواثقة. جلس أمام كريم يستمع إليه بلهفة. "اسمع يا سيدي، أنا قدرت أحصل على معلومات عن كل أفراد عائلة شمس. كلهم تمام. ملفاتهم نظيفة جداً. وخصوصاً أبوها جلال الحسيني. راجل عصامي بدأ من الصفر لحد ما كون إمبراطورية الحسيني. طارق الحسيني شاب مفيش عليه أي كلام أو شبهات. وكذلك هشام. ولكن هشام معروف إنه حوت السوق اللي يقف قدامه بيفعصه." تراجع بظهره إلى الخلف يشبك أصابعه الأنيقة في بعضهم ليهز رأسه.
"كمل يا كريم." أومأ كريم برأسه يقلب في الملف الذي أمامه ليرفع رأسه ينظر إلى يوسف بعينيه الزيتونية الجامدة. "اسمع أهم معلومة قدرت أحصل عليها. ودي بقا المعلومة المهمة جداً واللي بيدور حواليها دايرة شكي." انتفض يوسف من على مقعده يتقدم بظهره للأمام. "إيه يا كريم؟ خير." بلل كريم شفتيه يهمس.
"فهد العمرى ورانيا الحسيني. رانيا مرات هشام. اتجوزها من سبع سنين تقريباً بعد ما اشتغلت سكرتيرة لمكتب هشام اللي كان وقتها بيدير مجموعة الحسيني للإنشاءات. رانيا من طبقة تحت المتوسطة. كملت تعليمها وحصلت على بكالوريوس تجارة بتقدير عالي أهلها للشغل في شركة الحسيني." زفر كريم أنفاسه يبتسم بمكر. "رانيا وقعت هشام في حبها في الوقت اللي كانت فيه مرتبطة رسمياً بفهد العمرى." تمتم يوسف بدهشة. "إيه؟ كانت مرتبطة بفهد؟
اللي هو جوز شروق الحسيني دلوقتي؟ هز كريم رأسه بالإيجاب. "أيوه. فهد ابن خال رانيا. شاب من مستوى طبقة رانيا. حبها من وهما مراهقين. ارتبط بيها لحد ما اتخطبت لهشام الحسيني. الوقت ده كان فهد عاطل. كل شغلته قعدة القهاوي ووقفة النواصي. بعد سنة من جواز رانيا بهشام اتبدل حال فهد وبدأ يؤسس شركة استيراد أدوية من الخارج. واتجوز شروق الحسيني وبقى فهد العمرى سليل الحسب والنسب حضرتك. والأهم من ده كله."
رمقه يوسف بذكاء قبل أن يجيب هو. "لسه على علاقة برانيا؟ هز كريم رأسه. "أيوه. لسه على علاقة بيها." ضرب يوسف بقوة على الطاولة بغضب وعروقه نافرة بحنق وعيناه تشتعل غضباً. "هما يا كريم. هما السبب في موت درية مرات أبو شمس. أنا واثق من كده. الحقايق بتوضح. وشمس بريئة من تهمة القتل. وكمان عقلها سليم جداً. بس بتعاني من اضطرابات نفسية نتيجة الأدوية اللي أخدتها." هنا عبس كريم يجعد جبهته ويزفر بحنق.
"ده بقا الموضوع المهم التاني اللي اكتشفته. قبل دخول شمس المصحة بست شهور عندكم. اتعرف فهد العمرى على دكتور أدهم العزيزي في مزاد كبير على صفقة أدوية." شحب وجه يوسف يرفع حاجبيه بدهشة. "خالي يعرف فهد؟ مش هشام؟ أومأ كريم برأسه. "خالك عرف هشام من خلال فهد." وقف يوسف يدور حول كريم بتوتر يمشط شعره الكثيف بقوة حتى كاد أن ينزعه من رأسه. وقف كريم أمام يوسف يسأله. "بتفكر في إيه يا يوسف؟ نظر إليه قبل أن يجيب بهدوء.
"أنا تقريباً عرفت مين السبب ورا حال شمس الغير طبيعي." مط كريم شفتيه بعدم فهم لما يتحدث إليه يوسف. "وصلت لإيه؟ تلونت ملامحه بالغضب. "متأكد اللي كان ورا حالتها هو الحيوان فهد. كان بيحاول يجننها بنوع من حبوب الهلوسة." أدرك كريم ما يدور برأس يوسف من شكوك ليكمل ما بدأه يوسف قائلاً. "وبما إن فهد اتعرف على دكتور أدهم. يبقى خالك هو اللي كان بيوصف الأدوية دي لفهد." أومأ رأسه يسحب نفساً عميقاً قبل أن ينطق بجمود.
"خالي هو السبب في كل حاجة. وأنا متأكد إن ورا كل ده هو فهد ورانيا." تفحص كريم باقي أوراق الملف ليخرج ورقة عليها بعض الأختام يقدمها ليوسف. "اقرأ صورة العقد ده وانت هتعرف ليه هما عملوا كده." أمسك يوسف بصورة العقد يقرأ محتواه بجدية واضحة على ملامحه. اتسعت عيناه بصدمة ينظر لكريم بدهشة. "جلال الحسيني كتب نص أملاكه باسم شمس." تمتم كريم يبتسم. "أيوه. أملاك قربت على 20 مليون." رفع يوسف حاجبيه بذهول تتشنج ملامحه.
"امممم. ولما شمس تتجنن وأبوها مريض يصبح الوصي عليها هشام. ولما يتحكم عليها إنها تعيش مريضة في مستشفى أمراض نفسية. ساعتها الأملاك دي هتتقسم عليهم هما. تفكير شيطاني حقير." تعالت ضحكتها المستمتعة مع الصغيرة التي ركضت بلهفة ترتمي في حضن أبيها تقبله. حملها كريم بخفة في الهواء يهتف بمرح كطفل. "ممكن ألعب معاكم شوية؟ ضحكت ملك تحرك قدميها الصغيرة في الهواء. "لأ. انت كبير." استمر كريم يناغشها وشمس تقف بالقرب منهم تبتسم.
لتلاحظ شروده يقف بعيداً يفكر بشيء يشغل تفكيره. اقتربت منه ووجنتيها تتقدّان بقوة تتذكر قبلاته التي نثرها فوق ملامحها وشفتيه وهي تغزو شفتيها حتى أدمتهم. تحكمت في جسدها المرتجف بشدة تهمس بخجلها المعتاد وصوتها الرقيق يشدو باسمه. "يوسف. انت بخير؟ التفت إليها يعانق عينيها بمقلتيه قائلاً بصوت أجش وهو يبتسم. "أنا بخير طول ما إنتي بخير يا شمس." ابتسمت بخجل يورد وجنتها وهي تسمع صوته الحنون.
"أنا حاسة إن فيه حاجة شاغلة بالك ومضايقاك." قطعت كلماتها وهي تشيح بعينيها بعيداً عنه. فيغرق هو في تلك الذكرى القريبة لعقله الممتعة لروحه والمبهجة لقلبه. إلى الآن لم يصدق ما حدث بينهم بالأمس. لقد عاهد قلبه أنه لن يتركها أبداً مهما حدث. فهي شمس دافئة احتلت قلبه الذي لم يحتله أحد من قبل. نظر حوله ليجد ملك تلعب مع كريم وتغفل عنهم. أمسك بكفها الصغير لترتجف بين يده قبل أن يسحبها خلفه قائلاً بعاطفة سيطرت على إحساسه.
"أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع يخصنا." *** في مطعم فخم احتفل مراد وعدنان بنجاحهم في دعوة من والده. وبعد إلحاح مراد على نهلة ولجين وافقا على دعوة العشاء برفقتهم. التف الجميع على طاولة الطعام. ابتسم سيف بامتنان لنهلة الجالسة بجواره. "أنا سعيد بمعرفتك نهلة هانم." أومأت برأسها إليه تتحدث بأرستقراطية. "ميرسي يا دكتور. وأنا أكيد سعيدة بمعرفة حضرتك انت ومراد." ضحك سيف بعيون تلمع وجاذبية معهودة في شخصيته.
"أنا شايف إن مراد مهتم جداً بلجين. أول مرة يعرفني على صديقة له." ليشير إلى مراد المستمتع بالحديث مع لجين التي تضحك بسعادة. ابتسمت هي الأخرى توافق سيف على كلامه. "أنا كمان مستغربة زيك يا دكتور. نادراً ما لجين تخرج مع صديقة ليها. هي كمان صداقتها محدودة جداً." غمز سيف بعينه الرمادية التي تشبه لحد كبير عيون مراد. "أفتكر في شيء خاص مابينهم." نظرت نهلة للجين واغرورقت عينيها بدموع كثيرة تهمس.
"أتمنى إن لجين تخرج من قوقعتها وتحب وتتحب. لجين عانت كتير بعد وفاة مامتها. وزي ما بنقول حرمت على قلبها الحب." تنهدت بعمق. "ساعات كتير الحب بيكون نقمة دكتور سيف." أجابها بهدوء بعد أن تنفس بعمق. "عندك حق. أحياناً الحب بيخنق صاحبه وبيكون عايز يهرب منه." اللمعت عيناه ببريق العشق وهي تسأله بصوتها الساحر. "انت نازل مصر امتى؟ نظر إليها يتأملها ليبتسم بمكر.
"ممكن كمان يومين عشان دكتور سيف ما أخدش إجازة من فترة وهننزل مع بعض." تجمدت ملامحها لثوان تشعر بالحزن. "أنا لسه إجازتي طويلة. واحتمال أسافر تونس أزور بابا." تجمدت ملامحه لتلاحظ توتره. فهمست باسمه. "مراد. انت معايا؟ تحركت يده ببطء من أسفل الطاولة يقبض على كفها بقوة لتشهق تنظر حولها. "مراد. أرجوك." هز رأسه بالنفي يبتسم بمكر تألق بعينيه يغمز لها بهمس.
"لأ مش هسيب ايدك. لجين كفاية نضحك على نفسنا. انتي عارفة كويس شعوري من أول يوم شوفتك وأنا حسيت إنك إنتي البنت اللي بدور عليها. ارجوكِ بلاش تبعدي عني." تراقصت الدموع بين أهدابها تترك كفها المتشنج يغوص بين يده. "مراد. أنا خايفة. الحب عذاب وأنا مش عايزة أتعذب." ضيق عيناه بعدم فهم يسألها. "كان فيه شخص في حياتك قبل كده؟ هزت رأسها نافية. "لأ. ماكنش فيه. أنا كنت ببعد عن أي شخص يقرب مني عشان ما أحبش وقلبي يتألم."
أخفضت رأسها تبلل شفتيها. "لكن للأسف الشخص الوحيد اللي معرفتش أصدّه هو إنت مراد." تنهد براحة يستنشق عطرها المثير برائحة اللافندر. "مش هسألك عن السبب دلوقتي عشان أكيد هعرفه. بس كل اللي بطلبه إنك تفتحي قلبك ولو شوية ليا. وصدقيني مش هغصبك إنك تحبيني أو تبادليني شعور الحب. بس خليكي جنبي لجين. أنا ما صدقت لقيتك."
صمتت ووجهها يقتحن بالدماء تشق شفتيها ابتسامة أمل تشعره بالسعادة. رن هاتفه ليخرجه من تلك اللحظات الرائعة لينظر للمتصل قائلاً بفرحة. "مريم يا دكتور بتتصل." أشاحت وجهها بعيداً عنه تشعر بالغيرة. ليبتسم مراد وهو يرد بمزحة من مزحاته. "إيه ده؟ آنسة مريم. أخيراً اتعطفت واتصلت تبارك لأخوها الصغير." انفرجت ملامحها تشعر بالراحة. ليكمل سيف. "مريم بنتي. بس للأسف مقدرتش تيجي تحضر الحفلة. لا هي ولا يوسف ابني الكبير."
سألت نهلة سيف باهتمام. "والهانم مامة مراد. ليه ما حضرتش معاكم تحتفل بنجاحه؟ هز سيف رأسه بلامبالاة. "الهانم مش بتحضر غير الحفلات الأرستقراطية. ومتعرفش للأسف إن ابنها هنا بيعمل حفلة. والا كانت قلبت الدنيا." تنحنحت نهلة تعتذر. "أنا آسفة يا دكتور سيف على تطفلي." ابتسم سيف بامتنان. "مفيش داعي للاعتذار يا هانم. دي الحقيقة." *** هتفت مريم بسعادة.
"مارو حبيبي. الحفلة كانت رائعة. وانت وعدنان وباقي الفرقة كنتم متألقين جداً. أنا فرحانة عشانك يا حبيبي." تألقت الفرحة بعيون مراد وهو يسمع صوت أخته وسعادتها من أجل نجاحه. ولكن لاحظ بصوتها نبرة سعادة تخصها وشعر من كلماتها وضحكتها الرنانة بشيء ما يحدث لها. مريم دائما كانت الأقرب لمراد. وبرغم أنها تسبقه بعمرها بسنتين ولكنه كان يشعر دوماً بأنه مسؤول عنها وعن سعادتها. سألها مراد بمكره المعتاد وهو يرفع حاجبيه مبتسم.
"مريومة غير أن حاسة بسعادتك وفرحتك بنجاحي. بس قلبي بيقولي إن السعادة دي وراها سبب تاني." تنهدت مريم تبتسم وعينيها الفيروزية الجذابة تلمع ببريق مبهر. "مراد أنا أخدت قراري وانفصلت عن نادر. القرار ده شجعني عليه وجود يوسف ووجودك جنبي." تقلصت ملامحها خوفاً تقول بنبرة حزينة. "برغم إني متأكدة إن فريدة هانم هتقلب الدنيا. بس ده قراري ومش هرجع عنه." صاح مراد بقوة سعيداً. "مريومة انتي بتتكلمي جد؟
أخيراً يا مريم عرفتي وفهمتي إن نادر ما يستاهلش جوهرة زيك. هو ده القرار اللي منتظر تاخديه من زمان. أنا دايماً جنبك وجو كمان. وماتقلقيش من ماما. أكيد دكتور سيف هيتصرف." كانت كلمات مراد بالنسبة لمريم قوة تستعين بها وتشعرها أنها اتخذت القرار الحاسم في حياتها. لتقفز بهلع من فوق فراشها على صوت صرخات عالية غاضبة تحفظها عن ظهر قلب وفريدة تقتحم غرفتها تهتف بغضب. "مرررريم."
أغمضت عينيها خوفاً من غضب أمها تغلق الهاتف وتقف أمامها ترتعش. لتقابلها فريدة بصفعة قوية على وجهها وهي تصرخ بجبروتها وتسلطها تسألها. "انتي إيه اللي عملتيه ده يابنت؟ انتي بتخالفي أوامري؟ تحسست وجنتها بألم والدموع تنهمر من عينيها بغزارة تواجه أمها بقوة لم تشعر بها من قبل. "أنا أخدت قراري يا ماما ومش هتجوز نادر مهما حصل." ***
ظلت بغرفتها تشتعل غضباً تفكر في مصيرها بعد موقف جلال الحسيني مرة أخرى وتلميحه الماكر بشأن فهد. فهي تعلم جيداً من هو جلال الحسيني الذي رفض من ست سنوات زواجها بابنه. ولكن تصميم هشام عليها وإقناع درية له جعله يتراجع عن موقفه ووافق على زواجها من ابنه بعدم رضا. والآن رجع جلال الحسيني بكامل صحته وقوته بعد أن كانت تنتظر كل يوم خبر موته. كزت على أسنانها بقوة تحدث نفسها.
"لازم تتصرفي يا رانيا. فكري كويس في حل. فهد لازم يعمل حاجة وإلا كل حاجة هتروح. كل خططك هتفشل." دخل هشام الغرفة يقطع أفكارها يتمتم بكلمات غير مفهومة. وقفت رانيا أمامه تسأله بقلق. "صحيح الكلام اللي سمعته ده يا هشام؟ عمي طلب المحامي ووقف كل إجراءات الميراث. اتكلم يا هشام." صرخ فيها صرخة أفزعتها. "أيوه يا رانيا. وسحب مني كل حاجة أنا وطارق لحد ما تظهر شمس. أبويا رجع تاني يا رانيا وكل اللي عملته راح. رااااااح."
برقت عيناها بالشر هامسة من بين أسنانها. "لازم تعمل حاجة يا هشام وإلا كل حاجة هتروح من بين إيدك. وازاي هتسمح لشمس اللي قتلت أمك إنها تاخد كل حاجة منكم؟ إزاي؟ تشنج فك هشام يجيبها بغل. "أقسم بالله هقتلها قبل ما تاخد حاجة من حقنا. لازم أحاسبها على موت أمي وحقنا اللي عايزة تاخده." وسوست له بجانب أذنه كالشيطان تهمس.
"لازم تلاقيها قبل أبوك وإلا كل حاجة هتبقى ملكها وأنت مش هتاخد حاجة من حقك. اسمعني كويس يا هشام. فكر في نفسك وفي ابننا. وانسى طارق وشروق. كل واحد منهم يتصرف في حقه." استمع إلى كلماتها السامة لتظلم عيناه بغضب أسود كالجحيم وهو يقسم بقتل شمس وحرق قلب جلال الحسيني عليها. *** اقتحم فهد مكتب أدهم بشركته التي يمتلكها في الخفاء. وقف أدهم يستقبله بتوتر. "اتفضل يا...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!