بصق هشام ناحية شمس. {دي زي أمها عايزة تخطف راجل من على مراته، ومين جوز أختها.} حمل طارق شمس بين يديه، ينظر ناحية فهد بغضب قائلاً: {أنا مش مصدق إن شمس تعمل كده.} التفت فهد لطارق، يناظره بعيون متسعة وهو يحاول رسم البراءة: {طبعاً مش هتصدقني، مش أنا فهد الفقير اللي دخلت بينكم. طبعاً شايفه أخوكي يا هانم، أنا همشي وأسيب البيت عشان الكل يرتاح.}
بعد أن ألقى كلماته بتمثيل متقن، ذهب نحو غرفته وخلفه شروق التي رمقت طارق ونغم بغل. وقف هشام أمام طارق يقول بعصبية: {لازم بابا يتصرف ويجوزها لأي حد ياخدها من هنا، لازم نقنعه بدل ما أتصرف أنا.} ثم ذهب هو الآخر، وخلفه رانيا التي كانت على يقين بأن شمس بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب. تمسكت شمس بنغم، ترتجف بقوة وتبكي بكاءً مريرًا يفطر القلب ويمزقه:
{أنا معملتش كده والله معملتش، مش عارفة ليه عمل كده، أنا بريئة يا نغم بريئة.} ربتت نغم على شعرها بحنان، تقبل رأسها وتبكي معها: {مصدقاكي والله مصدقاكي، دي غلطتي إني سبتك لوحدك، أنا آسفة أنا آسفة.} جلس طارق على طرف السرير، يمرر أصابعه بين خصلات شعره بغضب، ويتذكر في الأيام القليلة الماضية حال شمس، أفعال شمس غير طبيعية تثير الجدل. دائماً تصرخ وتتوهم أشياء لم تحدث، أحياناً تبكي وتصرخ، وأحياناً أخرى تضحك بمرح.
يهز طارق رأسه لنغم بعد أن غفت شمس على صدرها: {نغم من فضلك بلاش تسيبها لوحدها.} عادت شمس مرة أخرى لواقعها، تبكي بحرقة بين ذراعي يوسف المتألم بشدة، ويشعر بألم حاد ينخر صدره وينهش روحه: {صدقني يوسف أنا بريئة، ماتسبنيش يوسف ماتسبنيش.} ضمه بين ذراعيه بقوة، يقبل جبينها وقال: {خلاص شمس، كل حاجة انتهت. أنا معاكي، وإنتي معايا، كل شيء انتهى.}
رفع ذقنها يتأمل وجهها الباكي وعيونها المتورمة من كثرة البكاء، وأنفها الصغير الأحمر، وشفتيها الكرزية المرتجفة، وهمس أمام شفتيها يقسم: {وحياتك عندي مش هسيبك أبداً، وهفضل معاكي إيدي بإيدك دايما.} ربت على ظهرها يمنحها بعض الطمأنينة والسكينة بعد موجة البكاء المريرة التي مزقته: {شمس كفاية كده، أنا هسيبك ترتاحي، ومش عايزك تفكري في حاجة غير إنك معايا بأمان.} أسدلت جفنيها ترتجف، تتشبث بيده بقوة قائلة بتردد:
{خليك جنبي يوسف، ماتمشيش، عايزة أتكلم أكتر.} جلس بمكانه مرة أخرى، ينظر إليها بعاطفة أغرقتها وهو يرد: {أنا جنبك دايماً.. بس مش عايزك تضغطي على نفسك أكتر.} رفعت عينيها إليه بتأثر وهي تحتضن نظراته العاشقة بنهم، قائلة بهمس: {عايزة أتكلم معاك كتيررر عن كل حاجة تعباني.} أغمض عينيه للحظات قبل أن يفتحهما ببطء، يتنفس هواء عشقها: {اتكلمي شمس.} شردت بوجهه قليلاً، تترقرق دموعها في عينيها:
{كنت غريبة، تصرفاتي غريبة، مش عارفة كان بيحصلي إيه، مرة أصرخ، مرة أضحك، لدرجة إني تخيلت فعلاً لوقت إن أنا اللي بكذب، مش فهد. مش عارفة كان بيحصلي إيه، مش عارفة.. حقيقي مش عارفة.} وضعت رأسها بين راحة يديها تبكي بقوة، تهز رأسها: {بس أنا مش مجنونة، صدقني مش مجنونة.} ملس على شعرها بحنان قبل أن يسألها بهدوء: {التخيلات كانت بتهاجمك؟ تخيلات؟
رفعت رأسها مستغربة، فهو يشعر بها تماماً ويفهم عليها قبل أن تتكلم. لتبتسم وسط شهقاتها، تقف أمامه بتوتر: {أيوه فعلاً تخيلات، زي إن حد ممكن يضربني أو بيحاول يقتلني، كنت دايماً مستغربة كل اللي حواليه، يوسف، حتى ماما درية قبل ما.} جلست مرة أخرى، تلقي بجسدها فوق المقعد وعينيها معلقة بالسماء، تتمتم بكلمات غير واضحة. جلس يوسف أمامها، يمرر أصابعه على وجناتها بحركة خفيفة: {شمس شمس، سمعاني؟ إنتي كويسة؟ ثواني هجيبلك قرص مهدئ.}
وقبل أن يتحرك للغرفة، قالت بحزن: {أنا مقتلتهاش يا يوسف، أنا مش قاتلة، ورحمة ماما ما قتلتها.} التفت إليها، يضمها لصدره بقوة: {شششش، أهدى أهدى، خلاص.} تمسكت بقميصه بقوة، تجهش بالبكاء وتتوالى شهقاتها، تقول بصوت متقطع: {أنا نزلت لقيت ماما درية واقعة وصرخت، بس الكل اتهمني، حتى طارق.} ابتعد عنها قليلاً، يمسد يدها: {لازم تاخدي حبة مهدئ.} تمسكت بكفه، تبتسم بتوتر: {أنا هادية صدقني.} داعب وجناتها برفق:
{عارف، بس عايزك تكوني أهدى وأقوى.} بعدها بقليل، شعرت بالاسترخاء والاستكانة، حملها بين يديه وهي تطوق عنقه بذراعيها، وعينيها الساحرة لا تفارق عينيه الحنونة. وضعها برفق فوق الفراش، يدثرها بالغطاء: {لازم تنامي عشان تبقي كويسة، ووعدك الصبح هكون عندك.} زمت شفتيها بحركة طفولية قبل أن تهمس برجاء: {ماتسبنيش، خليك جنبي لحد ما أنام، أرجوك.} ضحك بانطلاق وهو يتذكر ملك طفلته قبل أن يربت على رأسها هامساً، يحرك حاجبيه العريض:
{كانت عندي ملك طفلة، دلوقتي.. ملك وشمس نفس الطلب بتطلبه ملك.} مط شفتيه، يغمز لها: {بس بشرط على ملكة إني لازم.... قرب وجهه من وجهها ببطء، وهي تحدق به بعيون ذائبة من شوقها لقربه منها، يقبل خدها الناعم بشفتيه الممتلئة. توهج وجهها بشدة، تسأله بطفولية: {إيه الشرط؟ همس أمام شفتيها الحمراء: {الشرط وصلك حالا على خدك.}
لمعت عينيها ببريق، وهي تناظره بشغف. أزاح عينيه عنها حتى لا يتهور وينقض عليها. حاول أن يتماسك أمام بحور عسلها الصافية، ويخرج من هذا الجو المشحون بالعاطفة المتوهجة: {شمس ممكن أسألك سؤال؟ أومأت برأسها كالمنومة مغناطيسياً. {مين ماما درية؟ مامتك؟ نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بحزن: {مرات بابا وأم أخواتي هشام وطارق وشروق.} هز رأسه: {امممم، يعني هي مش مامتك؟ غصة من الألم احتلت صدرها:
{ماما اتوفت وأنا عندي 15 سنة، وبعدها انتقلت مع ماما للفيلا أعيش مع طنط درية وإخواتي.} تنهدت وهي تبتسم، وتخرج من داخل فستانها الوردي سلسلة معلق بها مصحف صغير، فتحته ليظهر بداخله صورتين صغيرتين، لتبتسم شمس ببراءة، تؤشر ليوسف: {دي ماما الله يرحمها، اسمها أميرة، هي سورية الأب ومصرية الأم.} شرد يوسف بلون العسل الشفاف الذي يطل من بؤبؤ عينيها الساحرة. ليبتسم ابتسامته الجانبية الجذابة: {مامتك تشبهك كتير.} ليهمس بصوته الحنون:
{أخدتي منها جمالها الهادي ونعومتها.} ارتعشت متأثرة بكلماته، يرتجف قلبها بشدة. لتهمس بصوت متحشرج وهي تشير للصورة الأخرى: {وده بابا حبيبي.} تنهدت بحرقة، تتراقص الدموع داخل مقلتيها: {مش عارفة هو مصدق اللي اتقال عني، ولسه بيحبني زي الأول ولا بيكرهني.} أخفت وجهها بين كفيها، تهز رأسها ببكاء مرير: {خايفة يا يوسف، يفتكر إني قاتلة، أنا ما قتلتهاش.} أمسك بيدها الباردة، يفركها يسألها برزانة وهدوء: {ما قتلتيش مين؟ احكي.}
رفعت وجهها أمام وجهه القريب منها جداً، لدرجة جعلت أنفاسهما تختلط معاً. حركت شفتيها ببطء تتأتأ: {ماما ماما درية، أنا خرجت من أوضتي على وقوعها، نزلت السلم بسرعة، والله يا يوسف كنت عايزة ألحقها.} لتنهمر دموعها، وهو يجففهم بيده: {بس للأسف كانت بتموت، اتجمع الكل على صرختي، وقتها حضنها هشام وبعدني عنها. وماما درية بتحاول تقول حاجة، بس آخر حاجة قالتها ليوسف هو اسمي، قالت شمس.} صرخت، منهارة بين ذراعيه، تستغيث به وهي تهتف:
{ليه قالت اسمي يا يوسف؟ بعدها الكل كرهني، حكموا عليا إني مجنونة، والكل شهد ضدي، نغم مرات أخويا طارق وبنت عمتي، هي كانت معايا ووقفت جنبي، وكمان لجين.} لتبتسم وسط دموعها الغزيرة، تهتف كطفلة صغيرة: {لجين.. لوجي.} ليستغرب يوسف فرحتها باسم لجين، يسألها: {مين لجين؟ ابتسمت برفق: {صديقتي الوحيدة وأقرب ليا من أختي، كانت دايماً معايا في كل الظروف.} شهقت، تنزل دموعها قهراً:
{آخر مرة شوفتها قبل ما أدخل المصحة، نفسي أشوفها، أكيد كانت بتسأل عني.} زفر يوسف أنفاسه: {ماشفتهاش من عشر شهور تقريباً على حد علمي، ومن تاريخ دخولك المصحة، تقريباً.} أومأت برأسها نافية: {مش عارفة مر عليا قد إيه في المصحة، نسيت الأيام ونسيت كل حاجة، كنت ميتة، دايماً ملازمني حالة غريبة مش عارفة كان بيحصلي إيه لحد ما.} قطعت كلماتها، تنظر له بابتسامة شاحبة:
{لحد ما إنت وصلت.. والغريب من يوم ما وصلت هنا، حالة التخيل اللي كانت ملازمني بدأت تختفي.} سألته بإستعطاف، تطلق تنهيدة متألمة: {يوسف أنا مش مجنونة صح؟ لمعت عيناه ببريق أمل وحنان، يومأ برأسه: {لا يا شمس، كل الحكاية إنك كنتي بتاخدي أدوية توصلك للحالة اللي كنتي عليها.} تغيرت ملامح وجهه بصرامة وجدية، قائلاً: {بس ليه.. ليه أخواتك يعملوا فيكي كده؟ ليه المؤامرة الحقيرة دي؟ ليه يتهموكي في قضية قتل أمهم؟ ليه الغريب؟
لما قابلت أخواتك، كان واضح جداً على هشام العصبية والغضب وقال كلام كتير بخصوص وصية. لكن طارق كان واضح عليه قلقان حقيقي عليكي، وكل اللي همه إنتي حصلك إيه.} هزت رأسها بحسرة، تجفف دموعها، مستغربة: {مش عارفة صدقني مش عارفة، وصية إيه؟ نظر يوسف للوقت، ليقف أمامها بهدوء، ويربت على رأسها: {الوقت أتأخر، أنا عايزك تنامي وترتاحي، وعايزك تثقي فيا تمام شمس.} تجمعت العبرات في مقلتيها بتأثر واضح: {أنا واثقة فيك جداً.}
انحنى، يقبل رأسها، يدثرها بالغطاء: {إن شاء الله همر عليكي بكرة عشان أطمن عليكي.} لوت شفتيها كطفلة شقية، تسأله بدلال غير مقصود: {وملك؟ ابتسم قائلاً: {مالها ملك؟ رمشت بأهدابها، تتودد له: {ممكن تجيبيها معاك؟ أطلق ضحكة عالية، أسرت روحها وسرقت قلبها، وهي تناظره بإعجاب: {اطمني، هي من غير حاجة دوشتني، عايزة شمس. يظهر إنكم هتكونوا أصحاب.} تنهدت بهدوء، وهي تبتسم: {إحنا بقينا أصحاب جداً، بحس في ملك شمس الطفلة المرحة.}
ليرد يوسف: {والجميلة كمان على فكرة، انتوا الاتنين أجمل من بعض.} قبل رأسها مرة أخرى، قبل أن يتركها تغرق في تضارب مشاعرها الجديدة على قلبها، وأناملها تحسس شفتيها المتورمة قليلاً من آثار قبلاته الشغوفة، لتضع رأسها فوق الوسادة، تبتسم وتردد اسمه بهمس: {يووووسف.} قبل أن تستسلم لنوم عميق ومريح لم تنمه من فترة طويلة.
جلس كريم يشرب قهوته المظبوطة، ينتظر يارا. بعد تفكير عميق في مستقبله معها، طلب مقابلتها للتحدث معها بشأن علاقتهما. نظر في ساعته السوداء الأنيقة، يتأفف من الانتظار. موعده معها في الثالثة عصراً، وقد فات أكثر من 45 دقيقة على الموعد المحدد. وكالعادة، لم تحضر يارا في موعدها. تملك منه الملل، يزفر بغضب من عدم احترامها للوقت. ليقرر الذهاب، وقبل أن ينادي النادل لدفع الحساب، دخلت يارا الكافتيريا بتلك الطلة المبالغ فيها من مكياج
صارخ وفستان قصير يكشف عن ساقيها، عارية الصدر، لتجذب إليها جميع الأعين. تتمايل في مشيتها بحذائها العالي، وهو يدق في الأرضية الخشبية، يصدر صوتاً قوياً رنان. فرك كريم جبهته، ينظر لها باشمئزاز ولا مبالاة. لقد مل من كثرة الحديث معها عن تغيير ستايل ملابسها ومكياجها، ولكن لا حياة لمن تنادي.
جلست أمامه تتفاخر بنفسها، وهي تشعر بكل الأعين تحوطها وينظرون إليها بإعجاب. دا عبت خصلات شعرها المموجه، تنظر لكريم: {حبيبي اتأخرت عليك.} رفع يده، ينظر لساعته، ثم مط شفتيه بسخرية: {لا أبداً، ما اتأخرتيش عن معادك غير ساعة بس، أنا هنا من ساعتين تقريباً بستنى حضرتك، وإنتي ولا هنا.} ضمت شفتيها للأمام بلامبالاة وبرود متناهي: {Sorry، كان عندي معاد مع الكوافير بتاعي، أخد وقت.} قبض كريم راحة يده، يتكلم من بين أسنانه:
{إنتي إنسانة مستهترة، كل مرة بتخليني أستناكي بالساعات عشان شوية حاجات تافهة، مرة كوافير، ومرة نادي، ومرة سبا، ومرة صاحبتي. إنتي إيه؟ مش بتزهقي؟ ضحكت بسخرية واستفزاز: {أهدا بيبى، إيه كل العصبية دي؟ إنت عارفني بحب الاهتمام بنفسي، والمواعيد دي مقدسة عندي.} زفر كريم أنفاسه بحنق: {أهم من معادي معاكي.} ابتسمت بغرور: {كريم مالك رخيم ليه النهاردة؟ طبعاً إنت مهم بيبى، بس الأهم شكلي وستايلى.}
حاول السيطرة على أعصابه من تلك المغرورة المستهترة، ليهز رأسه وينظر لها بتمعن، قبل أن يخلع من إصبعه دبلتها، يضعها أمامها مباشرة. تبادلت يارا النظرات بين كريم ودبلته بدهشة، تشهق: {إيه ده يا كريم؟ إنت قلعت الدبلة ليه؟ وقف أمامها، ينظر لها، يثبت عينيه على وجهها: {آسف يارا، إحنا ماننفعش بعض نهائي، إنتي شيء وأنا شيء تاني، آسف كمان مرة.} ذهب من أمامها، وهي في حالة من الذهول والصدمة، لتصرخ فجأة، تلقي ما فوق الطاولة بغضب:
{كرررررريم.} ساد الصمت في المكان، الكل ينظر لها، وهي تركض خلفه وتصرخ باسمه، وهو يمشي غير مهتم بصرخاتها. ركضت خلفه، تقف أمام سيارته، تضرب عليها بقوة: {انزل واتكلم معايا، أنا يارا المهدي، ومش يجرؤ إنه يسيبني.. انزل.} تملك الغضب من كريم، لينزل من سيارته بعيون مشتعلة ووجه أحمر، يجذبها من ذراعها بقوة وهو يصرخ: {إنتي أكيد اتجننتي واتهبلتي، إيه الغباء ده؟ خلاص خلااااااص، قولتلك كل واحد مننا يروح لحاله.} صرخت بوجهه بغل،
تكز على أسنانها: {لأ، أنا محدش يسيبني يا كريم، أنا اللي أسيبك، لكن إنت لأ، وأنا بحبك وإنت عارف كده.} خفضت صوتها وعينيها ممتلئة بالدموع: {كريم أنا بحبك، بليززز ماتسبنيش.} ابتعد عنها، يمشط شعره، ثم وقف أمامها مرة أخرى، يتكلم بهدوء: {اسمعي يارا، أنا ما أنفعكيش، كل واحد فينا بيفكر بطريقة مختلفة، من فضلك يا ريت ننفصل بهدوء.} رفعت رأسها للسماء، تضحك بسخرية: {ننفصل بهدوء؟
حلو أوي الكلام ده. اعترف إن في واحدة تانية دخلت حياتك، واحدة زيك من نفس مستواك، تقدر تجاريك في عيشتك وعيشة أهلك.} لم يتمالك كريم نفسه، لتنزل يده على وجنتها بصفعة قوية، جعلتها تترنح من قوتها: {اخرسي، أوعي تجيبي سيرة أهلي على لسانك القذر يا بنت رأفت المهدي، وأنا غلطان إني اتكلمت معاكي وضيعت وقتي.} ذهب من أمامها بغضب، لترفع رأسها تنظر لسيارته وهي تتحرك من أمامها. أغمضت عينيها، الشرار يتطاير منهم، تعض شفتيها حتى أدمتها:
{أنا هوريك يا كريم إزاي تتطاول عليا وتضربني، أنا هعرفك مين هي يارا المهدي.}
أغمضت عينيها الساحرة، وهي تضع رأسها فوق الوسادة، مشغولة البال، تفكر في هذا المزعج الذي اقتحم حياتها دون مقدمات. ابتسمت برقة، تتذكره مراد سيف الدين. لم يقتحم حياتها فقط، بل اقتحم تفكيرها بشكل غريب، يشغل بالها طوال الوقت. عينيه الرمادية تتخيلها بكل مكان. تنهدت بنفاذ صبر، تقف أمام المرآة، تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة، وتتذكر كلماته في وصف رقتها وجمالها الرقيق.
طرقت نهلة طرقات خفيفة على باب غرفة لجين الشاردة بكلمات هذا المزعج. أطلت نهلة برأسها من باب الغرفة: {هااااي لوجي، لسه ماجهزتيش؟ مطت شفتيها الرقيقه بحنق: {خالتوووو sorry، مش هقدر أروح معاكي الحفلة دي، أنا مش بحب جو الكلاسيكيات ده.} ضحكت نهلة ضحكة جميلة بوجهها المتورد كفتاة في مقتبل العمر، وهي ترتدي فستان قصير أسود من الجبير المقطع، وشعرها الأشقر ينساب خلف ظهرها كالحرير، تداعب شعر لوجي بحب:
{يلا يلا خالتو، قومي وبلاش كسل، الحفلة هتعجبك جداً، دي حفلة شبابية جداااا. يلا هستناكي، اجهزي.} هزت لجين رأسها بكسل: {أوك خالتو، ثواني وهكون جاهزة.}
وقف مراد خلف الكواليس مرتبك، ينظر لقاعة العرض بلهفة، يفكر فيها بتوتر، ينتظر قدومها حتى اقترب وقت العرض وخروجه مع الفرقة للمسرح. أشار إليه عدنان بأن يقترب لبدء العرض. دخل مراد المسرح بعد تصفيق حاد من الجمهور، لتبدأ الفرقة في عزف الموسيقى الصاخبة والغناء، واندماج البنات والشباب معهم. وأخذوا يرقصون على عزفهم، كان مراد يعزف على الجيتار وعيونه مشتتة، تنتظر رؤيتها بلهفة.
وصلت نهلة مع لجين إلى الباب الرئيسي لقاعة الحفل، لتتفاجأ لجين بصورة كبيرة لأعضاء الفرقة، يتوسط الصورة مراد بوسامته المعهودة. شهقت لجين من المفاجأة، تغمرها السعادة. ابتسمت لها نهلة، تهمس لها: {إيه رأيك في المفاجأة دي؟ ابتسمت لجين بارتياح: {خالتو، كنتي عارفة إنها حفلة لمراد؟ ابتسمت نهلة برقة، تومئ برأسها:
{أيوه كنت عارفة، ومارضيتش أقولك عشان كنت عارفة إنك هترفضى، ومراد جه لحد الجاليري ودعاني للحفلة، وطبعاً الدعوة كانت ليكي إنتي.} خفق قلبها بسعادة غريبة عليها، وهي تتمتم: {أصر إنّي أكون موجودة.} هزت نهلة رأسها: {مممممم، يلا ندخل بسرعة، الحفلة بدأت.}
كان سيف يقف بالخلف، يراقب ابنه الموهوب بالفطرة، وهو يعزف بمهارة على الجيتار، بعينين تشع فخراً وحباً لابنه الصغير الشقي. دخلت لجين بفستانها الأحمر المثير الحفل، وعينيها الزرقاء تبحث عنه وسط أصدقائه، لتنبهر بوقفته المميزة ووسامته القوية، وهو يحمل جيتاره ويعزف أغنية ذات نغمات هادئة، جعلتها تذوب شوقاً من رقة عزفه. وقفت بجانب نهلة المتحمسة بشدة، تصفق وتردد الأغنية، لا تفرق عن شابة صغيرة في مقتبل العمر، لتلفت نظر سيف الواقف بالقرب منهم، يتأمل تلك السيدة الشابة الجميلة التي تتمايل على أنغام الموسيقى.
وعلى المسرح، كان مراد الهائم يعزف بإحساس تلك الأغنية الهادئة، وعينيه الرمادية تبحث عنها وسط الحشد الهائل من الجمهور. ليلمحها بقلبه قبل عينه، وهي تقف بعيد، وعلى ثغرها ابتسامة هادئة. رفرف قلبه من السعادة، يتطلع عليها من بعيد بطلتها الجميلة التي تذيب قلبه عشقا بها.
وقفت ناريمان في شرفة غرفتها شارده، تتطلع للسماء وهي تضم جسدها بذراعيها، تتذكر زوجها وكيف أهملها من بعد آخر مكالمة بينهم، بعد أن طلبت منه الطلاق وهددته برفع قضية. لتتنهد بحزن، هل فعلاً أكرم سيخضع لطلبها ويطلقها؟ إهماله لها ذبحها بسكين بارد، وحرك بداخلها الشعور بالغيرة. سألت نفسها بحيرة: هل أكرم توقف عن عشقها وحبه الجنوني لها؟ هل ستخسره بغرورها وكبريائها كما خسرت من قبل يوسف؟
أكرم عشقها بجنون، أحبها بإخلاص. تذكرت كلماته الحنونة وهو يضمها لصدره الدافئ، ويلقي على مسامعها كلمات الحب والعشق. انسابت على خدها دموع الندم والخوف من خسارتها له هو الآخر. تلألأت مقلتيها بنيران الشغف، لتمسك بهاتفها، تدق رقمه. حاولت الاتصال بزوجها أكثر من مرة دون رد. هنا استشعرت طعم المرارة بحلقها، وأيقنت أن أكرم لا يرغب بها. دخلت غرفتها، تلقي بجسدها فوق الفراش، تبكي بحرقة، تفكر بمرارة يائسة، ليغيم إحساس بالأسى على ملامحها.
بعد فترة قليلة، رن هاتفها باسمه. جلست تمسح دموعها وتسيطر على صوتها الباكي، فتحت الخط بلهفة، تردد اسمه بشغف: {أكرم.} تنهد بعمق، قائلاً بخشونة ليست معتادة عليها: {نعم يا مدام ناريمان. اتصلتي بيا أكتر من مرة، في تهديد تاني عايزاني أسمعه؟ ولا عايزة تعرفي هطلقك إمتى؟ أخذت نفساً مرتجفاً، تسأله برقة وصوت هادئ: {أكرم، إنت ليه مش بتسأل عني؟ إنت هتطلقني؟ ضحك بسخرية، ينزع نظارته الطبية عن وجهه الوسيم:
{اعتبره سؤال ولا أمر إني أطلقك؟ وبعدين مش إنتي عايزة كده؟ عايزاني أبعد؟ أنا حققتلك أمنيتك يا مدام.} هزت رأسها وكأنه يراها: {لأ أكرم، أنا باتصل أسأل عنك، مش عشان أسألك عن معاد الطلاق.} استغرب طريقة حديثها الهادئ وأسلوبها الرقيق، ليسألها: {ناريمان إيه لعبتك الجديدة؟ ولا عشان يوسف؟ مفيش فايدة منه.} شهقت بلهفة: {أكرم ممكن نتقابل؟ الكلام في التليفون مش هينفع، لازم نتكلم مع بعض.} فكر قليلاً، ليقول بصوت جامد خالٍ
من المشاعر لم تتعود عليه: {آسف يا مدام، أنا مش فاضي، وعندي مؤتمر طبي في جنيف كمان يومين، ومش عارف هرجع إمتى.} عضت شفتيها، تمنع انسياب دموع القهر، تطلب منه بتهدج: {أكرم أرجوك، عايزة أشوفك قبل ما تسافر، أرجوك.} ضحك بسخرية، يهمس باستهزاء: {آسف، معنديش وقت لحضرتك، مستقبلي اللي أهملته عشانك أهم. عن إذنك، لازم أقفل، عندي مرضى كتير يستحقوا وقتي أكتر منك.}
قبل أن تتحدث، كان يغلق الهاتف بوجهها، لتبكي بحرقة. أما هو، جلس خلف مكتبه، يفرك رأسه، يعتصر الألم من طريقته الجافة في حديثه معها، ولكنه استجمع قوته، يقول لنفسه: {اجمد يا دكتور، ناريمان العزيزي، لازم تفهم إنها خسرتك للأبد.} نزل يوسف من سيارته، يفتح باب السيارة لصغيرته الجميلة، لتطير كالعصافير الصغيرة بفستانها الزهري الملون على شمس الجالسة بالحديقة بجانب ممرضتها الجديدة. ركضت ملك برقتها تهتف: {ثمّوثه.}
انتبهت لها، تفتح ذراعيها، والابتسامة تشق ثغرها الرقيق، تهتف هي الأخرى بسعادة: {ملك حبيبتي.} عانقتها الصغيرة، تلف ذراعها الصغير حول رقبتها، وشمس تقبلها بنهم واشتياق، والصغيرة تملس على شعرها، تبتسم بفرحة، وتهمهم بكلماتها غير المفهومة: {وحشتيني.} رفرفت بعينيها، تقبل يدها الصغيرة، وتهتف هي الأخرى: {وإنتي كمان وحشتيني.}
وقف يوسف بعيداً، يحدق بهم بسعادة، وعينيه البنية غارقة، تتأمل تلك الفاتنة بجمالها الهادئ، وشعرها الناعم وهو ينساب على كتفها بسلاسة، وجسدها المقسم في فستانها الأبيض المنقرش، تبدو كزهرة ناعمة تنمو أوراقها. انحدرت عينيه، تلتهما شفتيها الرقيقتين، برقت عيناه بالرغبة، وهو يتذكر ليلتهما معاً، وطعم شفتيها الناعمتين بين شفتيه القاسيتين. هز رأسه، ينفض تلك الأفكار عن رأسه.
رفعت رأسها، تنظر له بخجل، لتتورّد وجنتها بالاحمرار، تتذكر ما حدث بينهما. اقترب منها، يبتسم ابتسامته المدمرة: {عاملة إيه النهارده يا شمس؟ انتفض جسدها بقشعريرة من تأثير صوته الأجش، تؤمي برأسها وهي تضم ملك لصدرها: {كويسة الحمد لله.} هتفت ملك تصفق: {يوثف دادى خدنا.} لم تفهم شمس على الصغير، لتنظر ليوسف المبتسم لطريقة طفلته الشقية، يترجم لشمس كلمات ابنته: {أصل عيد ميلادها بكرة، وأنا وعدتها إني أخرجها وإنتي معاها.}
حملتها شمس بين ذراعيها، تهمهم لها بكلمات ناعمة، تقبلها: {happy birthday ملك الجميلة.} ضحكت الصغيرة مبتهجة، تداعب خدها: {حبيبتي ثمث.} استفسر يوسف من منى، ممرضة شمس، عن حالتها وردود أفعالها، لتحكي منى ليوسف عن شمس، بداية من استيقاظها المبكر على صرخة مدوية، وفي بداية الأمر خافت منها ولم تتقبلها، وبعدها أدركت ما حولها، وبدأت تتذكرها.
جلس يوسف بترقب، يستمع لمنى بجدية، ويدون ما قالت له عن حالة شمس الغير مطمئنة حتى الآن من تأثير تلك الأدوية الخاطئة.
راقبها بعيونه البنية الحنونة، وهي تركض خلف ملك تلعب معها كطفلة صغيرة شقية في عمرها وابنته الصغيرة سعيدة مبتهجة. لم يرى من قبل طفلته الجميلة تضحك وتصرخ بتلك الطريقة، والأهم، لا ترفض الطعام وتأكل بشهية من يد شمس. أغمض عينيه، يتخيلها بين أحضانه، تشعله وتحرك مشاعره. لم يشعر من قبل بتلك المشاعر الجياشة، حتى مع كلارا زوجته وأم بنته. آفاق من شروده على صوت هاتفه، ليرد بلهفة: {كريم إيه؟ طمني عرفت حاجة؟ طرق كريم
على مكتبه بأصابعه فوق ملف: {عرفت حاجات كتير جداً، أنا قدامي ملف قضية شمس جلال الحسين، وملف تاني فيه معلومات عن كل أخواتها.} تنفس يوسف بنفاذ صبر: {ااااايه؟ إتكلم يا كريم.} ضحك كريم بغير نفس، متأثر بما حدث مع يارا: {لأ مقدرش أقولك في التليفون أي حاجة، لازم أقعد معاك ونتكلم في حاجات كتير، أهمهم إنك لازم تحمي شمس وتحمي نفسك من تهمة الخطف.} انتبه يوسف على كلمات كريم، يقطب جبينه قائلاً: {تقصد إيه يا كريم؟ شمس في خطر؟
أطلق كريم تنهيدة قوية: {أيوه في خطر من أخواتها، وخصوصاً هشام الحسيني، ده غير اتهامك بالخطف.} حك يوسف ذقنه، يفكر وهو يتطلع عليها من بعيد، تحمل ملك وتدور بها: {طب إيه هو الحل في رأيك؟ ابتسم كريم بصوت ماكر: {اتجوزها لو عايز تحميها. اتجوزها يا يوسف.} تعالت دقات قلبه، هائم بها، وكلمات كريم تخترق قلبه وعقله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!