الفصل 19 | من 33 فصل

رواية شمس لا تغيب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة سعد

المشاهدات
17
كلمة
8,298
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

أغلق طارق هاتفه وهو يقترب من جلال. "دي شمس يا بابا، بتسأل عن حضرتك. قولتلها إنك مشغولة شوية عشان فيه شوية مشاكل في المجموعة، بس يوسف عرف إني قولتلها وقالي إنه جا حالا." ربت جلال فوق ظهر طارق بقلق. "كويس إنك قولت كده يا ابني. أنا مش عايزها تتأثر بحاجة وتعيش سعيدة. كفاية قلقها كل ما يقرب موضوع القضية والحكم. وبحمد ربنا إنه كرمها بيوسف." هز طارق رأسه وملامح الندم على وجهه.

"أنا آسف يا بابا على اللي حصل، وأسف إني اتسرعت في حكمي على أختي، بس الظروف... ضمه جلال لصدره والألم يعتصره. "ربنا يستر ونطمن على أخوك." ساد الجو مشحون بالتوتر والقلق. جلال يقف يستغفر الله ويدعو بقلب أب مفتور على بكريه، وبجانبه طارق، هو الآخر يمشي ذهابًا وإيابًا في قسم الشرطة القريب من الحادث. صاح جلال بقلة صبر. "هو إيه اللي بيحصل جوه؟ حد يفهمني ابني عمل إيه؟ استغفر الله العظيم وأتوب إليه...

استغفر الله العظيم وأتوب إليه. الرحمة من عندك يا رب." وقف طارق بجانب والده يحاول أن يهدأ من قلقه ومن أي انفعال يمكن أن يؤثر على صحته بشكل سلبي. "أهدأ يا بابا أرجوك. دلوقتي يخرج أستاذ رأفت ونعرف منه كل حاجة. بس حضرتك أهدأ." نظر جلال لطارق بعينان تغرقها الدموع. "ليه يا طارق؟ سبته يمشي ليه يا ابني؟ انت عارف إنه مش هيسكت وهيروح يدور على الفاجرة دي. منها لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيها زي ما دمرت ابني."

انتبه طارق لباب مكتب ظابط المباحث يفتح ويخرج منه هشام مكبلًا بسوار من الحديد، وقميصه الأبيض ملطخ بالدماء، ووجهه يبدو عليه الشقاء والقهر. وكأن عمره الرابع والثلاثون قد تضاعف. ركض جلال بهزيمة، وقبله طارق إلى أخيه وهو يقول بذهول وقلق: "هشام! إيه اللي حصل؟ انت عملت إيه؟

اقترب جلال من ابنه فلذة كبده يضمه لصدره وهو يبكي. فكل ما يحتاجه هشام الآن هو ضمة صدر حنونة ومواساه. ولأول مرة بحياته يشعر أنه مكبل الأيدي، لا يستطيع ضم والده والبكاء على صدره. الندم ثم الندم اعتلى ملامح وجهه. فأين كان هذا الاحتياج عندما كان حرًا طليقًا يفعل ما يحلو له؟ لماذا أساء إلى هذا الصدر وتعبُه وأبْكاه على ابنته؟

ابنته أو أخته، تلك الكلمة التي رفض أن يرددها طول 21 عامًا وهو عمر شمس، التي كان يرفض وجودها بينهم ودائما يتبرا منها أمام الجميع. وقد أتى وقت الانتقام الإلهي وتحققت عدالة السماء على الأرض. "بسم الله الرحمن الرحيم... (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يوخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار) ... صدق الله العظيم."

وها قد أتى هذا اليوم. وصورة شقيقته تتجسد أمامه بكل ما عانت من ألم وظلم. انتبه من شروده على والده وهو يحاوط وجه ويقول ببكاء رجل انهزم قلبه: "ليه يا هشام؟ ليه تضيع نفسك يا ابني؟ ليه تعمل كده؟ قاطعه الضابط المكلف بحراسة هشام. "لو سمحت يا حاج، كفاية كده عشان رئيس المباحث ما يعملش مشكلة معايا." ربت جلال على كتف ذلك الشاب الصغير. "معلش يا ابني، كلمة واحدة بس أسمعها منه." زفر الضابط الشاب أنفاسه يقول: "طيب، بسرعة أرجوك."

لقد ظهر لهذا الضابط الشاب مكانة جلال وهشام من علو وهيبة، غير الصرح الكبير من عدة محامين، أكبرهم المحامي المشهور رأفت السعيد. حدق هشام بوالده وطارق وهو يردد بتعب: "أقسم بالله يا بابا ما قتلتها. كان نفسي أقتلها بإيدي وأغسل عاري، بس المجرم سبقني. أنا دخلت لقيتها مدبوحة يا بابا، صدقني أنا بريء."

حالة من الذهول والصدمة انتابت جلال ليشعر بأن ساقيه لا تحمله ليفقد التوازن، ويسنده طارق، الذي تظهر على ملامحه التأثر والغضب والحزن. مشي هشام برفقة الظباط إلى مصيره وهو الحبس الانفرادي إلى أن يتم التحقيق وجمع المعلومات، مع العرض غدًا على النيابة العامة. خرج رأفت السعيد مع أربعة من تلاميذه من مكتب ظابط المباحث، وقد ظهرت على ملامحه اليأس. اقترب منه طارق يسأله بلهفة: "طمني يا أونكل رأفت، خير؟ حاول جلال الوقوف ولكن المحامي

رأفت اقترب منه يقول بهدوء: "ارتاح يا جلال وبلاش تتعب نفسك. إن شاء الله نقدر نحل الموضوع." هتف جلال بذعر: "طمني يا رأفت، ابني هيحصله إيه؟ ابني مظلوم، مظلوم! هز رأفت رأسه بقلة حيلة يقول بلغة القانون:

"الموضوع صعب جدًا جدًا يا جلال. للأسف فيه شهود على هشام، منهم حارس العمارة اللي ضربه هشام وهو بيحاول يمنعه يطلع الشقة، مع بعض الجيران اللي سمعوا أصوات صريخ قبلها. ده غير شركة خدمات التاكسي اللي هشام عرف منها العنوان. الكل شاف هشام وهو ماسك أداة الجريمة، السكينة وهي في رقبتها." هتف طارق بحنق: "بس ده مش ممكن! هشام لا يمكن يعمل كده أبدًا."

أخذ جلال يردد الاستغفار والدعاء وقلبه يئن وجعًا مما سمعه، ولكن خطر بباله شيء مهم ليقول بقلق وهو يستعيد قوته واقفًا: "فارس فين؟ فارس؟ هو بخير؟ ابن ابني فين؟ حصله إيه؟ هز المحامي رأسه بأسف: "للأسف الشاهد الوحيد هو فارس، لكن الولد جاله صدمة عصبية ونقلوه على المستشفى تحت حراسة مشددة وغايب عن الوعي. يظهر إن الولد شاف اللي حصل كله ومستحملش." جعد جلال جبينه يفرك رأسه بألم واضح، ثم استجمع قوته وتفكيره يقول:

"اسمع يا رأفت، اللي هقوله كويس. لو فيه إثبات إنها جريمة شرف، إيه ممكن يحصل؟ هتف رأفت بسرعة وبإتقان: "أكيد حكم مخفف طبعًا، لأن القانون ينص على كده. لو تعدى بالضرب يبقى براءة، ولكن في حالة القتل أكيد حكم مخفف، على الأقل خمس سنين سجن. بس المشكلة إن هشام ما اتكلمش ولا كلمة، كل اللي قاله: أنا بريء." أغمض جلال عينيه ليكمل طارق بنبرة أمل:

"لو الدليل موجود، تحليلات هشام اللي عملها واللي بتثبت قدرته على عدم الإنجاب، ده غير شهادة الأطباء." هتف رأفت بنفس نبرة الأمل والحماس: "تبقى اتحلت طبعًا، وممكن من خلال النقض يكون إن شاء الله فارس اتعالج ويقدر يشهد بكل اللي شافه." فتح جلال عينيه على وسعهما، ثم هتف هو الآخر: "لا يا طارق، لا يا ابني. انت نسيت فارس مينفعش الولد يعرف حاجة كده إن هشام مش أبوه." رد طارق بحنق: "إزاي يا حاج؟

يعني تبقى الأدلة في أيدينا ونسيب أخويا يدخل السجن؟ وافق المحامي على رأي طارق يحاول أن يقنع جلال بهذا الأمر. "طارق عنده حق يا جلال بيه، لازم نثبت بالأوراق وشهادة الأطباء إن هشام بيعاني من عدم الإنجاب." هتف جلال بغضب: "لا يا رأفت، مش على حساب الطفل ده. مش كفاية شاف أمه وهي بتدبح قصاده، يبقى كمان يعرف إنه ابن حر..... قطع الكلمة بيأس يستغفر.

"استغفر الله العظيم، الولد كده ممكن تدمر نفسيته. أنا عارف إني باجي على ابني، بس ده ذنبه اللي لازم يكفّر عنه. هشام كان قاسي على أبوه وأخته وعلى نفسه قبلنا، وده عقاب المولى عز وجل، وأنا واثق إنه هيخرج منها على إيد فارس." ردد طارق بصوت متوسل: "يا بابا، ممكن بعد كده نقدر نعالج فارس، بس هشام بالشكل ده هيضيع." ربت رأفت على أكتاف جلال. "فكر يا جلال، كده الموقف هيكون صعب جدًا."

أتى يوسف مهرولًا إلى القسم ليلمح من بعيد جلال وطارق برفقة المحامي. اقترب يوسف من جلال يعانقه بموازاة. "إن شاء الله خير يا عمي، قدر الله وما شاء فعل." بادله جلال العناق يقول بصوت محبط: "الحمد لله رب العالمين على كل حال يا ابني. المهم شمس عرفت حاجة؟ هز يوسف رأسه: "لا، اطمن يا عمي، شمس متعرفش أي حاجة." ثم توجه إلى طارق يوازره هو الآخر. "طارق، اطمن، هشام هيكون بخير." عرف جلال يوسف إلى محاميه.

"رأفت، اعرفك بدكتور يوسف سيف الدين، جوز بنتي شمس." ألقى رأفت التحية على يوسف بكل احترام يقول: "طبعًا يا حاج جلال، الدكتور يوسف غني عن التعريف."

بعد أن وضع ملك على سريرها الذي كان ينام عليه هو بدلًا منها، وكان يعاني فيه بالوحدة بسبب بعده عن شمسه، وأيضًا نظرًا لطوله الشاهق، فكانت تلك أيضًا معاناته الأخرى. عليه دثرها بالغطاء جيدًا وقبل جبهتها وأنار ضوء خافت وخرج من الغرفة يشعر بالسعادة. أنها المرة الأولى التي سينفرد فيها بشمسه.

دخل غرفتهم ليجدها تجلس على المقعد أمام المرآة تمشط شعرها المنساب حتى خصرها، تنظر له بتوتر من خلال المرآة. وقف خلفها ينظر لها بنظرات مليئة بالشغف والإعجاب. تسارعت أنفاسها وكأنها تعدو هاربة من خطر داهم، وهو يقترب منها والابتسامة لا تفارق شفتيه. أخذ الفرشاة من يدها يقول بصوت أجش: "ممكن أنول الشرف ده وأسرحلك شعرك؟ انتابتها حالة من الخجل الشديد، فهي تشعر أن هذا الأمر البسيط يحتوي على حميمية كبيرة. اعترضت بخجل.

"متتعبش نفسك." نظر إلى صورتها في المرآة يقول بحنين: "مفيش تعب، أنا متعود على كده." حاولت التغلب على خجلها وهي تشعر بالفرشاة تتحرك على شعرها بانسياب لتسأله بخجل مصحوب بالغيرة: "انت كنت متعود على كده مع مامت ملك؟ ضحك بصوت مرتفع يقول بصراحة: "أنا عمري ما عملت كده مع كلارا أبدًا. أنا منكرش إن كلارا كانت زوجة عظيمة، بس مش عارف هتصدقيني لو قولتلك إني أنا وكلارا كنا بالنسبة لي صديق قبل ما تكون زوجة."

ضمت حاجبيها تسأله بتوجس: "كنت بتحبها؟ ابتسم وهو مازال يمشط شعرها بمتعة:

"كان حب عشرة وحياة. حتى علاقتنا الحميمية كانت عملية مفهاش أي نوع من الحب. كلارا كانت مساعدة ليا في التمريض، اتعرفت عليها، اهتمت بيا، جمعتنا صداقة قوية، وكانت مستعدة إن الصداقة تتطور، ولكن أنا رفضت من غير جواز، ولقيت نفسي بجوزها. وبعدها بكام شهر حملت بملك وازداد الرابط الأسري بينا. وبعد ولادة ملك روحي وقلبي بدأ ظهور المرض، وتوفيت بعدها على طول. لكن قلبي معرفش معنى الحب الحقيقي." اقترب من أذنها يهمس بخفوت:

"غير مع شمسِ وبس، زي ما يكون كان القلب حالف ما يدق غير ليها هي وبس." لتقل له وهي تعض شفتها بغيرة واضحة كعين الشمس، تهمس بصوت يكاد يكون مسموعًا: "طيب وناريمان؟ وضع الفرشاة بهدوء ثم جذبها برفق يجلس بها على حافة فراشهم، ينظر في عينيها البندقيه الرائعة:

"ناريمان مكنش ليها أي دور في حياتي يا شمسِ، غير إنها بنت خالي. حاولت ماما تقربها مني كتير، وطبعًا كانت ديما تملي دماغها بأوهام إني ممكن أحبها وارتبط بيها. بس ناريمان كانت بالنسبة لي زي مريم. حاولت إني أشوفها حبيبة أو زوجة وأتقرب منها، بس معرفتش أبدًا. أنا محبتش يا شمس غيرك انتي. مشوفتيش ولا حسيت ولا عشقت غير شمس الحسينى، البنت الجميلة الرقيقة اللي أول ما لمحتها عرفت إنها نصيبي وقدري."

ترقرقَت دموع الفرحة بعينيها تنظر له بحب. ليكمل حديثه وهو يحاوط وجهها: "ناريمان اتجوزت أعز صديق ليا، هو أكرم. وبسبب ماما دمرت حياتها بإيدها. واليومين اللي فاتوا دول هي حاولت الانتحار بعد ما أكرم طلقها. للأسف." شهقت شمس بحزن: "طلقها؟ هز رأسه بأسف:

"أيوه طلقها، وما يعرفش إنها حامل منه. علشان كده يا شمسِ، أنا لازم أقف جنبها لحد ما أكرم يرجع ويردها لعصمته من جديد. برغم اللي خالي عمله معاكي، وإنه حاول يأذي بابا كتير، بس ناريمان محتاجة أخ ليها يقف جنبها. وللأسف أخوها حيوان، ما يعرفش غير الفلوس والمصلحة وبس. عرفتي ليه أنا لازم أكون جنبها يا حبيبتي؟ هزت رأسها بطاعة ترد بهمس: "عرفت. أنا كنت بس... رفع ذقنها يقبلها برقة يتنهد: "انتي إيه يا شمسِ؟ اتكلمي."

أدارت وجهها الذي يشع احمرارًا: "ولا حاجة يا يوسف." رفع حاجبيه يسألها بمكر: "انتي بتغيري عليا يا شموستي؟ هزت رأسها موافقة. ضحك وهو يكاد ينقض عليها بقبلات عشقه: "مش عيب إن الزوجة تعترف لحبيبها وجوزها بغيرتها. وبعدين أنا كمان بغير عليكي من أي حد." جعد جبهته ينظر إلى بيجامتها ثم أشار برأسه إلى رسمة تويتي: "أنا حتى بغير عليكي من تويتي ده، إزاي يبقى واقف كده وبيضحك على أملاكي؟ أطلقت ضحكة صاخبة أصابت صميم قلبه من عذوبتها

ترد عليه بصوت طفولي: "بس دي رسمة يا يوسف." قال بحنق: "ولا حتى لو رسمة. هو إزاي يقف في المكان ده كده، وكمان بيضحك؟ حاسس إنه بيغيظني. وبعدين تعالي قوليلي هنا، انتي لابسة بيجامة ملك ليه؟ شهقت بقوة تقف أمامه بكامل أنوثتها وجمالها الهادئ: "إيه؟ بيجامة ملك؟ إيه دي بيجامتي أنا! وبعدين تويتي أنا بحبه واشتريت أنا وملوكة زي بعض، لأنها هي كمان بتحبه جدًا."

ارتعشت شفتيها وهو يميل عليها بأهداب مسدلة، يحرك يده ببطء فوق تضاريسها المتفجرة، يدفن وجهه برقبتها يقبلها بنهم عليه، ليهمس أمام أذنها: "أنا مبحبش حد يقرب من ممتلكاتي الخاصة، حتى لو تويتي المبسوط ده وبيضحك."

ذابت بين ذراعيه التي تتحرك أسفل ملابسها برقة، يلمس بشرتها الناعمة بأنامله. ابتعدت عنه ببطء شديد. ابتسم لها ليقترب منها مرة أخرى. امتدت يده إلى كتفها تتحرك بلمسات ناعمة على عنقها ومنها حتى نحرها المكشوف أمامه وتزينه تلك الفراشة الماسية، ليتوقف وهو يرمقها بنظرات مشبعة بإغواء، وهي ترتجف بين يده. حرك حاجبيه قائلًا بمرح:

"طيب، أنا راضي إنه يبقى في المكان ده عند ملك. نقول ملوكة لسه صغيرة، بس عندك انتي إزاي ده بيقتحم ممتلكاتي الخاصة؟ ابتسمت من بين خجلها الواضح تسأله بصدق وهي تتمتم: "يوسف! انتي بتتكلمي جد؟ لا مش ممكن." تحرك من أمامها إلى غرفة الملابس، يفتح الخزانة الخاصة بها، ثم أخرج رداء ناعم من الحرير بلون الزمردي طويل يلمس كعبيها، ومن أعلى مفتوح بستار يكشف الصدر والظهر، ثم مد يده لها بحب: "أنا اخترتلك ده على ذوقي، ممكن تلبسيه."

ضمت حاجبيها والخوف من القادم يحتل فؤادها ويرعش أوصالها خوفًا: "يوسف أنااااا أنا... هز رأسه متفهمًا يردف بحنان وهو يضم وجهها الصغير بين كفيه، يهمس أمام شفتيها بصوته الأجش: "عارف إنك مش مستعدة، وأنا مش مستعجل، بس بحب أشوفك بالحاجة اللي بحبها، ولا إيه رأيك؟ حدقت بعيونه البنية المشعة بالحب، قبل أن تردف بنفس النعومة: "اللي تشوفه، أنا موافقة عليه." غمز بعينيه الشقية وهو يسبل أهدابه مرة أخرى:

"طيب، أنا شايف إني محتاج أدوق العسل حالا." لم ينتظر موافقتها، مرر أنامله بين خصلاتها الناعمة، يقبل شفتيها المنفرجة بقبلات حارة مجنونة جعلتها تصدر أنينًا عميقًا جعلها تتجاوب معه مستسلمة لذلك الغزو من شفاهه.

خرجت من غرفتها بعد ارتدائها ثوبها الناعم، ترفع شعرها بطريقة عشوائية تتدلى منه خصلاته البندقيه الناعمة التي تتماشى مع لون عينيها الرائعة، لتجد أمامها كأسين من مشروبها المفضل، الشوكولاتة المثلجة، وقطع من الكيك بالشوكولاتة. تعلقت نظراته المشتعلة بها بنظرة مغوية. أمسك يدها برقة يضمها لصدره، وهي تسمع صوته الأجش يداعب أذنها بحميمية يهمس: "مكنتش أعرف إن ذوقي حلو كده." عانقت خصره بخجل قائلة: "عجبك عليا؟

جلس على الأريكة المخملية البيضاء يضمها لصدره أكثر: "طبعًا عجبني، بس أنا أقصد ذوقي في اختيار شمسِ." كلماته اعتصرت فؤادها وزادت من نبضات قلبها، لتدفن رأسها في صدره خجلًا تهمس بصوتها العذب: "يوسف." غمغم بسعادة: "عيون يوسف وقلبه." رفعت وجهها تقل بتعلثم: "أنا آسفة." وقبل أن يتكلم، وضعت أناملها الصغيرة فوق شفتيه ليقبلهما: "ممكن تسمعيني؟ نظر لها باهتمام ليومئ برأسه، لتهمس:

"أنا عارفة إني مقصرة في واجباتي كزوجة، ولكن صدقني غصب عني. أنا خايفة أكون في حلم جميل وأصحى منه على واقع بشع تكون نهايته سجن أو مصحة للأمراض النفسية. خايفة من اللي جاي ياخدني منك ومن ملك، وألاقي نفسي لوحدي بتعاقب على تهمة أنا معملتهاش." ضمها لصدره بشدة يقول بنبرة يتخللها الحزن: "شمس، ليه بتقولي كده؟

تفاءلوا بالخير تجدوه. حبيبتي، خليكي واثقة دايمًا في ربنا، وتأكدي إنه مش هيتخلى عنك أبدًا. وأنا واثق إن شاء الله كل حاجة هتعدي بسلام وهترجعي لبيتك مع جوزك وبنتك." رددت في خشوع: "إن شاء الله. بس عايزآك توعدني." قال بضيق يسيطر على نبرته: "بإيه يا شمسي؟ قربت شفتيها من ذقنه تطبع قبلة رقيقة جعلته يذوب عشقًا: "لو حصل وربنا مرضيش إني أرجع معاك، إنك تكمل حياتك وتنسان... تلك المرة هو من وضع أنامله فوق شفتيها يهز رأسه نافيًا:

"ششششش. مش عايز أسمع أي كلام تاني. ومقدرش أوعدك بحاجة غير إنك هتكوني سعيدة معايا إن شاء الله دايمًا، وهتكوني أم لملك وإخوتها." تنهدت بعمق تتشبث بملابسه أكثر والدموع تلمع بمقلتها العسلية: "خايفة يا يوسف، كلها كام يوم ويتحدد مصيري كله." قبل قمة رأسها بحنان متدفق، ثم ابتسم في وجهها يقول بلوعة تعتصر قلبه: "إن شاء الله خير، ومصيرك محدش يعلمه غير ربنا، وأنا واثق فيه."

قطع حديثهم رنين هاتفه ليبتعد قليلًا، يمسك هاتفه ليعود لمرحه وخفة ظله وهو يقول لها مبتسمًا: "والله أنا اللي خايف على مصيري من أكرم." فتح الهاتف يهتف: "انتوا حد مسلطكم عليا ولا إيه؟ ضحكت شمس وهي تقف لتمشي وتتركه يتحدث مع صديقه على انفراد، ولكنه تمسك بيدها كطفل صغير يومئ برأسه أن تجلس بجانبه. ضحك أكرم يقول: "ألف مبروك يا عريس، بقا كده تعملها وأنا مسافر؟ طيب كنت استنى لما أرجع عشان أحضر فرحك." رد يوسف متذمرًا:

"آه استنى، كنت أكيد هتجوز بعدها بسنة. لا يا دكتور، أنا كنت مستعجل، مش زيك. مصدقت أخلص وأطلق." زفر أكرم أنفاسه بشدة: "ناريمان اللي اختارت فراقنا بإيدها يا يوسف، وأنا حققت رغبتها. هي كانت عايزة ننفصل وأنا نفذت." قال يوسف بنبرة غاضبة: "أكرم، انت لازم تنزل مصر إن شاء الله قريب جدًا." سيطر القلق على أكرم وتجعدت ملامحه يسأل يوسف متوجسًا: "خير يا يوسف؟ فيه إيه؟ ناريمان بخير؟ رد يوسف بهدوء:

"ناريمان انتحرت يا أكرم، وأنقذناها في آخر وقت." هتف أكرم بهستيريا وملامحه تتلوى بألم: "انت بتقول إيه يا يوسف؟ ناريمان انتحرت؟ طيب طمني عليها يا يوسف، هي بخير؟ أرجوك يا يوسف طمني." سيطر البكاء على صوته ليسمع يوسف شهقة فلتت منه. ليقل يوسف سريعًا: "اطمن يا أكرم، هي بقت بخير، بس نفسيًا ناريمان محتاجاك جدًا. لازم تبقى جنبها، الكل بيضغط عليها خصوصًا نادر بمساعدة فريدة هانم أمي." شردت شمس تحدث نفسها:

"يظهر فريدة هانم دي كارثة، ربنا يستر منها." فقد نادر السيطرة على نفسه، يقول وهو يعزم الأمر في قراره: "أنا هنزل مصر على أول طيارة."

مسح مراد وجهه بكفيه في تعب، فهو مجهد ومشتت ومستنفذ عاطفيًا وبدنيًا، فمنذ أسبوع كامل وهو يعاني من لُجين عدم الاهتمام، البرود، وتصلب المشاعر. استمع إلى حديثها يحاول مجاراتها للنهاية بقدر المستطاع، ولكنه أوشك بالفعل على الانفجار غضبًا وغيظًا، خاصة ولُجين تستمر في اتخاذ القرارات دون الرجوع إليه. وبعد أن أنهت حديثها عن فراقهم، نظر لها بهدوء مستفز يقول: "يعني انتي عايزة ننهي كل حاجة بينا كده من غير أي أسباب؟

هزت رأسها بالموافقة دون أن ترفع عينيها في عينيه خوفًا أن تضعف أمامه. أجاب بنفس الهدوء المستفز: "أوك، أنا معنديش مانع، بس الأول عايز أعرف، فجأة كده من غير سبب أخدتي القرار ده، ولا فيه أسباب أنا مش عارفها؟ هزت رأسها برفض، بينما يؤيدها قلبها الأحمق في الرجوع عن قرارها، تهمس: "مفيش أي أسباب تانية غير إننا مش هننفع نستمر." ابتسم بسخرية يقول: "مش هننفع نستمر؟

سبب مقنع. وطبعًا المفروض إني أقدم الطاعة العمياء وأوافق على قراراتك، بس أحب أقولك إني مش مقتنع وبقول إن فيه سبب." نظرت له بحنق تسأله: "تقصد إيه؟ إن فيه سبب؟ اقترب منها يقول بغضب: "يمكن فيه حد تاني أحسن مني قدر يفوز بقلبك ويحقق اللي أنا مقدرتش أعمله." هتفت تقول بنفس الغضب: "مراد، من فضلك لاحظ إن تلميحك جارح."

وهنا لم يستطع الصمود في اللامبالاة التي أصبحت عليها، ليصرخ عليها بغضب جعل من حولهم يلتفون إليهم، ليضرب بيده فوق الطاولة بعصبية لم تتوقعها لُجين: "تلميحي جارح، ولكن اللعب بمشاعري وقلبي مش جارح. مراد النهارده نرتبط، حاضر. مراد النهارده ننفصل عن بعض، حاضر. الهانم تقرر وقت ما هي تحب، ومراد عليه الواجب والطاعة." وقفت أمامه غاضبة تحاول أن تخرج من المكان، ولكنه جذبها بقوة لتجلس أمامه، ليصرخ صرخة أفزعتها:

"أنا لسه مخلصتش كلامي، ولا الهانم خايفة على برستيجها قدام الناس؟ هجمت الدموع مقلتيها، تحاول أن تتمسك وهي تشعر بأنها جرحته بعمق، فمراد الهادئ المرح انقلب إلى رجل مجروح يحاول أن ينقذ كرامته: "اسمعيني كويس، لو انتي رافضاني ورافضة حبي وقلبي، صدقيني يا لُجين، أنا كمان رافضك، ومن اللحظة دي انتي بره حساباتي وحياتي للأبد. أنا متعودش أجري ورا واحدة بترفض وجودي في حياتها." مسحت دموعها تقول بسخرية:

"طبعًا مش متعود على كده، عشان انت دايما اللي بترفض وتسيب، عشان انت الراجل. الست بالنسبة لك لعبة تتسلى بيها وقت ما تحب، وبعد دورها ما ينتهي تسبها عشان تدور على واحدة تانية تشبع نقصك." لم يشعر بنفسه إلا ويده تتهاوى على وجنتها بصفعة قوية لم تتوقعها، ليقف هو تلك المرة يقول بمرارة استحكمت حلقه: "أنا مش عايز أشوف وشك تاني، وأنا آسف لنفسي ولقلبي إني دخلتك حياتي وحبيتك."

خرج كالعاصفة من المكان، لا يرى غير تعبير وجهها البريء بسخرية، وكلامها الجارح يتردد على مسامعه. غادرت هي الأخرى تبكي بشدة وهي تعلم علم اليقين بأنها جرحت كرامته ودهست كبرياءه، ولكن عقدتها بأنه سيخونها وسينتهي بها الأمر على يده جثة هامدة كانت كاللعنة تستحوذ على تفكيرها وقلبها. أمسكت بهاتفها تتصل بمن تفهمها وتقدر معاناتها، لتهتف وسط شهقاتها: "شمس، أنا ومراد انفصلنا." تابعت في الجزء الثاني من الفصل. "انت عايز منها إيه؟

واحدة رافضآك ومش عايزة تستمر معاك، واختارت واحد تاني غيرك، وانت بردو مصمم على اللي في دماغك، انساها بقى وكفاية عذاب." صرخ بأعلى صوته وعيناه تلتهب بشرًا: "أنا مش عايز غير إني أكسر نفسها وأخلي حبيب قلبها يعرف إنها مجرد واحدة واطية وحقيرة. وبعدين مريم دي بتاعتي أنا وليا أنا وبس، فاهمة؟ انتي عليكي تنفذي اللي طلبته منك وبس، وأكيد حقك محفوظ." ظهرت الشياطين على وجهها تمسكه من جاكيته بقوة:

"أنا مش لعبة في إيدك يا نادر. انت إيه؟ مش بتحس ولا بتفكر غير في مريم وبس، وأنا ماليش مكان في قلبك في حياتك أبدًا. عشر سنين وأنا معاك، راضية وساكتة وبنفذ كل طلباتك من غير اعتراض. عارفة كل حاجة ومستحملة وساكتة، بس انت بتستغلني وبتستغل نقطة ضعفي في حبك." توهجت عيناه بالشر، ليضغط على عنقها بشدة حتى كادت أن تختنق بين يديه، وهو يحاصرها بغضب ويده تضغط أكثر على عنقها. رفست بكامل قوتها، ولكن جسده الضخم كان الأقوى، يهمس

أمام وجهها المحقن بالدماء: "أياكي تجيبي السيرة دي تاني أو تفكري مع نفسك فيها، ساعتها هقتلك بإيدي، فاهمة يا رشا ولا مش فاهمة؟ ترك عنقها لتسعل بشدة تحاول أن تسترد أنفاسها الضائعة. ركضت إلى النافذة تفتحها وتستنشق الهواء وهي مازالت تسعل. جلس على مكتبه بكل عنجهية وتسلط، ينظر لها وهي أنفاسها الضائعة ودموعها تسيل فوق وجهها بغزارة. وبعد أن شعرت بالارتياح واستعادت توازنها، عدلت ملابسها المبعثرة، تقول بصوت مختنق من البكاء:

"أمرك يا أستاذ نادر، مش هجيب سيرة أي موضوع ممكن يجرح كرامتك ورجولتك، وهنفذ كل أوامرك." ضحك بعبث يخرج من درج مكتبه علبة حمراء مستطيلة يضعها أمامها: "وديه أول دفعة من حسابنا، إسورة ألماس." ضحكت بسخرية: "عارفك كويس، بتموتي في الألماس يا رشا هانم." وضعت العلبة داخل حقيبة يدها دون أن تنظر فيها، تردف بهدوء: "عايزني أنفذ إمتى؟ فكر قليلًا ثم ابتسم بمكر: "يوم الخميس الجاي الصبح." ابتسمت هي الأخرى بمكر يتألق في عينيها:

"يعني قبل الخطوبة بكام ساعة؟ انت حقيقي جبار." ابتسم ساخرًا منها: "لازم يعرف حبيب القلب إنها كانت معايا قبل ما تكون معاه. مشكلة يا رشا زهران إنك لسه متعرفيش كويس مين هو نادر العزيزي، ولازم كريم عزمي يعرف هو بيلعب مع مين."

اقتربت منه تضع قبلة هادئة فوق شفتيه بإغواء تعلم جيدًا أنه لم يتأثر بها. خرجت من مكتبه لتبدل ابتسامتها الهادئة إلى ابتسامة مليئة بالحقد والانتقام. أخرجت هاتفها تتصل برقم تحفظه عن ظهر قلب. ليجيب الطرف الآخر عليها يقول بصوته الرخيم: "رشا زهران، أخيرًا." ابتسمت وهي تركب سيارتها منطلقة إلى مكان آخر: "مستر فايز، أنا آسفة على اتصالي المفاجئ، بس انت عارف إني بلجأ دايمًا ليك وقت الشدة." ضحك الرجل يقول:

"وانتي عارفة إني تحت أمرك في أي وقت يا حلوة، كفاية إخلاصك في توصيل المعلومات، انتي عيني في مصر يا رشا." أخذت نفسًا عميقًا وغصة موجعة تستقر بجانب ات قلبها، ولكن نادر قد حسم الأمر ووضع كلمة النهاية بنفسه: "عندي ليك أخبار مش سعيدة بالمرة، مستر فايز." تهجم وجه الرجل يسألها بقلق: "خبر إيه يا رشا؟ قولي بسرعة." ردت بابتسامة تشق شفتيها:

"نادر العزيزي، الشكوك بدأت تحوم حواليه، والبوليس بدأ يشم خبر، وانت عارف كويس لو واحد وقع يبقى الكل هيقع، يا مستر فايز." وقف فايز سعدان بمكتبه الكائن بلندن، يلف حول نفسه. لقد صعق بهذا الخبر، ولكن هو يدين بالفضل إلى رشا بأنها أخبرته بالوقت المناسب. ليستدعي أحد رجاله يأمره: "نادر العزيزي اتكشف، ولازم يتصفى." حالة من الذهول والصدمة انتابت رجل فايز سعدان ليهمس بفحيح الثعابين:

"بس نادر العزيزي من رجالتنا المهمين يا سيد فايز." أجاب فايز بغضب: "مش مهم، المهم يتصفى في أقرب وقت قبل ما كل حاجة تنكشف. وبعدين فيه الأهم منه في مصر، وانت عارفه كويس. اعمل اللي قولته لك عليه وبسرعة، ومش عايز أي أخطاء، فاهم؟ التصفية لازم تظهر عادية، قضاء وقدر." هز الرجل رأسه يخرج من مكتب فايز، ثم عاد مرة أخرى يسأله: "نادر بس ولا أبوه كمان؟ رفع فايز رأسه يقول باستخفاف:

"لا، أبوه منتهي أساسًا، ومع خبر ابنه هيكون منتهي تمامًا. المهم عندي هو نادر دلوقتي." أومأ الرجل رأسه بطاعة: "أمرك يا سيد فايز." جلس فايز على مكتبه يفتح حاسوبه الخاص ليبعث إيميل خاص إلى شخص ما، نصه يحتوي على بعض الكلمات المبهمة: "استعد قريب، أنت هتكون القائد والمتحكم بزمام الأمور في مصر."

جلس عدنان مع والد زينب، السيد كامل، يناقش بعض الأمور بخصوص حفل الزواج، في انتظار نزول زينب. طلب كامل من الخادمة أن تستعجل زينب، لقد مر أكثر من نصف ساعة ولم تنزل زينب. ووسط حديثهم، أطلقت الخادمة صرخات مدوية وهي تهتف بعلو: "الحقني يا كامل بيه، الست زينب واقعة على الأرض وغرقانة في دمها."

صدمة ارتسمت على وجوه كل من عدنان ووالد زينب، ليركض عدنان لغرفتها كمجنون، ووالدها خلفه. ليتفاجئوا بها ملقاة فوق الفراش وجزئها الأسفل ممتلئ بالدماء، ليفهم عدنان المذعور على حبيبته أنها تعرضت لنزيف وربما فقدت جنينها. بالمشفى التخصصي، بعد أن دخلت زينب قسم الطوارئ، جلس والدها أمام الغرفة بحزن يسأل عدنان الواقف أمام الباب بقلق وخوف: "نزيف إيه ده يا ابني؟ وليه يحصلها كده؟ بنتي حصلها إيه؟ وقف عدنان بجانبه

يحاول تهدئته من الذعر: "أهدأ يا عمي، إن شاء الله خير. حضرتك ارتاح وأنا هتابع مع الدكتور." كان يحاول عدنان إبعاد كامل عن غرفة الطوارئ حتى لا يعرف بحمل زينب، ولكن خروج الطبيب الآن وركض كامل عليه أفسد كل شيء، والحقيقة ستنكشف لا محالة. وقف الطبيب المختص بأمراض النساء يسأل عدنان: "حضرتك جوزها؟ نظر كامل بدهشة إلى الطبيب ثم إلى عدنان، الذي يغزو وجهه الشحوب. هز عدنان رأسه: "أيوه، أنا جوزها يا دكتور، ممكن تطمنا عليها؟

هز الطبيب رأسه بأسف وقال بعملية مهنته: "يظهر إن المدام اتعرضت لضغط شديد وإرهاق جسدي. ده غير إنها من الواضح بتعاني من فقر الدم، علشان كده الجنين نزل وحصلها نزيف." ترددت كلمة جنين على مسامع كامل لينظر للطبيب بدهشة وذهول وهو يردد بهستيريا: "جنين؟ جنين؟ إيه؟ أنا بنتي كانت حامل؟ أكيد انت غلطان يا دكتور، بنتي أنا حامل."

لاحظ الطبيب ذهول عدنان وصدمة كامل، لينسحب بهدوء من هذا الموقف الصعب بعد أن طمأن عدنان على حاله زينب المستقرة.

دخل كامل الغرفة كالإعصار، وعلى وجهه ملامح غضب وحنق من تلك النائمة فوق الفراش الأبيض ومحاليل السيريوم معلقة بيدها، وعلى وجهها شحوب وإرهاق. وقف أمام السرير ينظر بقهر إلى ابنته التي كسرت قلبه ونفسيته. بعد أن أنهى عدنان كلامه مع الطبيب، دخل إلى الغرفة يغلق الباب خلفه وعيناه لا تفارق زينب، حبيبته النائمة، برغم شحوبها كملاك، وبقلبه وخزات من الألم والتعب. دون أن يرفع كامل عينه عن ابنته، سأل عدنان بغضب:

"انت كنت عارف إنها حامل عشان كده استعجلت الجواز؟ لم يجب عدنان، ليسأله كامل تلك المرة بصوت عالٍ حزين غاضب: "رد عليا، كنت عارف عشان كده قولت تستر عليها وتجوزها عشان حامل منك؟ رفع عدنان عينيه لينظر للرجل بدهشة، من الواضح أنه فهم أن حمل زينب سببه هو، وأنه أقام معها علاقة. لم يستطع الرد، وفضح سرها وخطيئتها، فقط أومأ رأسه بالموافقة. ليصرخ كامل بصوت أفآق زينب من نومها، يقول بسخرية وهو يشد عدنان من قميصه: "ليه تعمل كده؟

أنا بحبك زي ابني، ليه تغدر بيا؟ لما انت ناوي تتجوزها، ليه يا ابني تستعجل وتدوس على كرامتي وشرفي؟ انت ندل وهي حقيرة." التزم عدنان بالصمت، وترك هذا الرجل الطيب الحنون، والذي هو يعتبره والده، يفعل به ما يشاء، لعله يستريح. ولكن صوتها المتعب المهزوم جاء ببحة يتخللها البكاء، تقول بوهن وضعف: "مش عدنان يا بابا، سيبه." التفت الرجلان لصوتها، ليركض عليها، يدفن وجهه في شعرها الأسود اللامع:

"زينب، حمدلله على السلامة، انتي بخير، اطمني." دمعة حزينة تلتها أخرى نزلت من زاوية عينيها، وهي تقول: "الحمد لله إنه نزل، وكان رحيم بيا." اقترب منها أبوها يصرخ بها وهو يقبض على شعرها ويهمس أمام وجهها بحسرة: "لما هو مش عدنان، مين الكلب اللي فرطتي في شرفك عشانه يا حقيرة؟ انطقي قبل ما أقتلك." تدخل عدنان يحاول أن يبعده عن زينب، ولكن كامل كان يشد شعرها بقوة، ألمتها، لتصرخ بأنين:

"صدقني يا بابا، أنا مفرطتش في شرفي، برحمة ماما وحياتك عندي، هو ضحك عليا واستغل سذاجتي وإني بثق فيه، لكن أنا أقسم لك على القرآن الكريم إني عمري ما فكرت أفرط في شرفك." كانت تتكلم بوهن وتعب والألم يفتك ببطنها. ضاقت عين والدها يتأملها بغضب: "لما هو مش عدنان، يبقى مين؟ كان يراقب ما يحدث بقلب مفتوح، يحاول أن يتدخل، ولكن غضب كامل كان مسيطرًا. وبعد شروده في بعض الأشخاص، قال بغل يصك على أسنانه: "حسام العدوي؟ هو الكلب ده؟

مفيش غيره. اتكلمي يا حقيرة يا بت****، هو اللي عمل كده؟ هو؟ هزت رأسها بألم ودموعها لا تتوقف عن النزول. قال كامل بصوت متهدج ضائع: "أنا آسف يا ابني، ظلمتك زي ما بنتي ظلمتك." لم تحمله ساقيه التي أصبحت هشة، ليسنده عدنان قائلًا بهدوء: "أهدأ يا عمي واقعد استريح، أرجوك." أحنى الرجل رأسه ينظر للأرض: "استريح فين؟ بعد ما بنتي كسرتني، مفيش راحة يا ابني." رفع رأسه ينظر لزينب التي تنظر للجهة الأخرى وهي لا تتوقف عن النحيب:

"أنا بحلك من أي مسؤولية يا ابني. الطفل اللي كنت عايز تتجوزها عشانه راح، وهي بعد ما تخرج هتروح البلد عند عمها الكبير لحد ما نشوف واحد من المستأجرين يتجوزها."

شهقت تنظر إلى والدها وإلى القلب الذي أحبها بشدة ومن أجلها يمكن أن يفعل المستحيل، تستنجد به بنظراتها المرعوبة. بادلها النظرات بحزن، يعلم أنه يحبها بل يحترق شوقًا من أجل هذا الحب. يعلم جيدًا أنه لا يستطيع أن يقترب منها كزوج ويمارس حياته الطبيعية معها، ولكن يعلم أيضًا أنه لا يستطيع أن يتخلى عنها أو يتركها تضيع، فهي مسئولة منه، وما حدث يعتبره تقصير منه شخصيًا. ابتلع عدنان ريقه براحة وهو يتنهد بداخله، يقول قراره الأخير

بشأن تلك العلاقة المبهمة: "عمي كامل، أنا هستمر في جوازي من زينب، وأنا أولى بيها من أي حد تاني. وصدقني الموضوع مش هيفرق معايا كتير." رفع الرجل المهزوم عينيه إلى هذا الشاب اليافع الشهم، والذي تجمعت فيه كل صفات الرجولة والنبل، يردف بخفوت: "وانت ذنبك إيه يا ابني تتحمل عاري وعار بنتي؟ انت شاب ولك ألف فرصة تحب فيها وتتحب من بنت حلال زيك تقدر تحافظ على شرفها ليك وبس. ذنبك إيه بس؟

جلس بجانب كامل يرمق زينب المنهمكة بالبكاء والنحيب، يهمس بخفوت حتى لا تسمعه: "ذنبى إني بحبها يا عمي، بحبها جدًا جدًا." دخلت مبنى النيابة العامة وهي ترتجف من الخوف، ولكنها قد عزمت الأمر، ولا مجال للتراجع مهما كلفها الأمر. بكامل أناقتها وجمالها الساحر وعطرها الصاخب، وقفت بكل صمود وشموخ أمام باب مكتب كبير يحمل لافتة نحاسية منقوش عليها اسم السيد كريم عزمي، وكيل النيابة. تنحنحت تجلي صوتها المحشور تسأل الحارس:

"ممكن أقابل السيد كريم عزمي؟ رد الرجل بصوت جهوري غليظ: "نقول مين وإيه سبب الزيارة يا فندم؟ أخرجت من حقيبتها الجلدية الأنيقة كارت شخصي تعطيه للحارس تقول: "ده كارتي الخاص، وسبب الزيارة شخصي." نظر كريم بالكارت الشخصي الذي يحمل رائحة نفاذة، يردد بهدوء: "رشا مهران، سيدة أعمال، وموضوع شخصي." مط شفتيه بعدم فهم، ثم قال للحارس: "خليها تتفضل."

دخلت تتهادى بجسدها الرشيق وجمالها وأناقتها يبرزان مفاتنها، بداية من تنورتها القصيرة وبلوزتها الشيفون وشعرها الأشقر الذي ترفعه كذيل فرس. وقف كريم يستقبلها باحترام: "أهلاً وسهلاً، اتفضلي ارتاحي... أمريني." ابتسمت رشا برقة تحدث نفسها: "ليها حق طبعًا، مريم تختارك وتفضلك على نادر العزيزي. من الواضح إنك بتشع رجولة وحيوية." رفع كريم حاجبه باندهاش ينظر لتلك الشاردة، ثم سألها مرة أخرى: "حضرتك طلبتي تقابليني؟ خير؟

أخذت رشا نفسًا عميقًا تستعيد توازنها الذي فقدته بسبب كريم وشخصيته، تقول بجدية: "أنا مش هطول على حضرتك. الأمر الشخصي اللي عايزآك فيه يتعلق بخطوبتك، مريم سيف الدين وابن خالها نادر العزيزي." استقام كريم في جلسته ينظر إلى رشا باهتمام مصحوب بقلق، لتبدأ رشا بسرد كل ما تعرفه عن نادر وخطته لكريم، الذي كان يستمع إليها بكل تواجد وغضب.

خرج كريم من مكتبه ينفث لهبًا حارقًا يكاد أن يدمر كل شيء وأي شيء أمامه. لقد تعدى نادر العزيزي كل قواعد اللعبة، ولن يسمح له أبدًا أن يدمر مريم. ركب سيارته الشخصية دون أي حراسة له، واندفع بسيارته على أقصى سرعة إلى مقر شركة نادر العزيزي.

كان نادر يستعد للخروج من الشركة لمتابعة بعض الأعمال والتوريدات التي ستصل اليوم إلى ميناء الإسكندرية. اندهش من وصول تلكس له لمتابعة الشاحنة القادمة بنفسه والسفر الليلة إلى الإسكندرية، ولكن تلك الأوامر سيف على رقبته ويجب أن تنفذ، ولا يمكن أن يعتذر عنها. صرخت سكرتيرة نادر: "يا أستاذ استنى عندك! انت يا أستاذ! ولكنه تجاهل صرختها وركل باب المكتب بقدمه، يقف أمام نادر يزفر أنفاسًا مشتعلة من بين شفتيه المتبرمة.

تأسفت السكرتيرة لنادر: "أنا آسفة يا بشمهندس، مقدرتش أمنعه." أشار نادر المبتسم بسخرية إلى سكرتيرته، وبتعالٍ يأمرها أن تنصرف وتغلق الباب خلفها. اقترب الخصمين من بعضهما، وكل منهم بقلبه حقد وغضب للآخر، يكفي أن يصنع حريقًا هائلاً. ولكن ما أثار دهشة نادر هو زيارة كريم المفاجئة وتعمد التجاهل واللامبالاة. نظرات نارية مشتعلة من مقلتيه الزيتونية رمقت نادر، ليبدأ كريم حديثه قائلًا من بين أسنانه:

"انت مستعجل على نهايتك يا نادر يا عزيزي، وحفرت قبرك أو ممكن نقول سجنك بإيدك." ضحك نادر باستفزاز ضحكة عالية ليقول بفحيح الثعابين: "وانت بتلعب بالنار يا كريم يا عزمي؟ أوعى تفتكر سلطتك وحصانتك هيخوفوني. لأ، انت بتحلم. أنا عندي حصانة أكبر منك بمراحل." ابتسم كريم تلك المرة، ولكن بثقة وتأكيد:

"آه، عارف كويس الحصانة بتاعتك. طبعًا فايز سعدان بيعرف يحمي رجاله كويس. بس خليك واثق إنك انت وفايز سعدان قريب أوي هتكونوا قصادي، بحقق معاكم وتحت إيدي كل الأدلة." ارتسمت ملامح القلق على نادر، ولكنه تحلى بشجاعة وحاول السيطرة على اضطرابه، يهمس بحماقة: "بس ساعتها مريم هتكون مراتي ومعايا، واحتمال أم ولادي. وانت بره حساباتها. مريم قريب هتكون معايا، وهتتفاجئ، صدقني."

حالة من الضحك والابتسامة المشرقة تهلل بها وجه كريم، استمرت ضحكاته العالية حتى دمعت عيناه من شدة الضحك. شعر نادر بالاستفزاز والغضب، ليصرخ: "بتضحك على إيه يا كريم باشا؟ لسه وقت الضحك مجاش." رفع كريم وجهه يناظر نادر بنظرات قاتلة وهو مازال يبتسم، ثم سعل سعلة خفيفة يقول بعدها: "بضحك على غبائك بصراحة. أولًا، يوم الخميس مريم هتكون معايا طول اليوم." غمز بعينيه يهمس لنادر: "احتمال تكون بيتي في حضني أنا، مش حضنك انت."

ثم ابتعد عن نادر المشتعل وكاد أن يهشم رأس كريم، ليعض على شفتيه قائلًا لنفسه: "رشاااااااااا، هقتلك يا فاجرة." ليكمل كريم باستفزاز أكبر، وكانت تلك الحقيقة هي القنبلة التي ألقاها كريم بوجه نادر المحتقن غيظًا: "أنا مستعد أسبلك مريم لو قالت إنها عايزآك، معنديش مشكلة. المهم عندي ساعتها بقا، انت هتقدر تساعدها وانت تقريبًا زيك زيها، ولا إيه؟ نار مشتعلة هبت في عقل وجسد نادر، صرخاته هزت أركان الغرفة بل الشركة كلها، وهو يهمهم:

"انت بتقول إيه؟ أنا سليم، أنا أرجل منك انت. أنا محدش يقدر يكلم عليا ولا كلمة، انت فاهم؟ هب أمام كريم حتى يسدد له بعض اللكمات، ولكن كريم كان الأسرع، أخرج مسدسه المرخص يصوبه أمام رأس نادر، وهو يقرأ تقرير:

"نادر أدهم العزيزي، في يوم 15 نوفمبر سنة 2011، على طريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، عملت حادثة ودخلت على أثرها المستشفى العسكري. وده تقرير من المستشفى إنك أصبت إصابات خطيرة، ومنها إصابة في الحوض والمثانة أدت إلى ضعف عام، أو بمعنى أصح ضعف جنسي، أفقدك القدرة على ممارسة حياتك الطبيعية كرجل بشكل عام، وبالتالي انت لا تصلح لزواج كفاية، ولا تحب أكمل."

قالها كريم وهو يضغط على رأس نادر بمسدسه. شعر نادر بأنه على وشك السقوط في تلك اللحظة وهو يستمع إلى الحقيقة العارية أمام كريم، والتي تكشف ضعفه كرجل. ولكن رشا الحقيرة كشفت كل شيء. برغم رضاها وتقبلها لحالة نادر لأنها تعشقه، ولكن حقيقة أنه يعشق مريم أصابتها بالجنون. شعر كريم بضعف نادر واستسلامه وهو يقول بحالة هستيريا: "مريم ليا، مش هتقدر تاخدها مني أبدًا. أنا سليم، أنا مش مريض. أنا هدمرك وهدمرها."

أنزل كريم مسدسه يضعه بجرابه الجلدي المعلق بصدره، ليقل لنادر بنبرة تحذيرية: "أنا بحذرك لآخر مرة، ابعد عن مريم نهائيًا، وإلا مش هرحمك. وقريب أوي هتكون مشرف في السجن، انت وكل اللي وراك."

شعر نادر أنه تحطم وبدأ أمره ينكشف أمام الجميع، وكريم عرف كل شيء عنه، وبالتأكيد مريم ويوسف والجميع سيعلم. أمسك برأسه الذي كاد أن ينفجر، يريد الانتقام من رشا ومن كريم ومن الجميع. يتخيل إذا علم فايز سعدان بأنه انكشف، لن يرحمه. يجب أن يفكر في التخلص من كريم في أقرب وقت، ولكن بعد إتمام تلك الصفقة. تماسك وقرر إنهاء إجراءات الميناء، وبعدها سيبدأ انتقامه من رشا زهران.

قاد سيارته بسرعة هائلة حتى خرج إلى خارج المدينة، كان يقود السيارة وهو مشتت الذهن يفكر في كريم وحديثه. وبعد وقت ليس بقصير، بدأ يشعر بصوت بمحرك السيارة. قرر أن يتوقف بجانب الطريق ليرى ما يحدث بسيارته، ولكن لم يعلم أنها النهاية. وعندما تتوقف سيارته على سرعة معينة ستكون نهايته المحتومة، لتنفجر السيارة وتدوي بصوت هائل هز الطريق، جعل السيارات الأخرى في تغيير مسارها، لتتحول السيارة إلى كتلة من النيران، ودخلها جثة نادر، أو بمعنى أوضح، أشلاؤه.

إلى اللقاء مع الفصل العشرون.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...