رجع يوسف من مراسم دفن جثمان نادر وهو محطم نفسيا وجسديا. كان ذلك المشهد المهيب حين استلم هو ووالده دكتور سيف بعض من أشلاء نادر، والتي لها عامل نفسي سيئ على يوسف.
وبعد سماع أدهم بخبر وفاة ابنه في حادث انفجار، لم يتحمل وسقط في مكانه مصابًا بشلل نصفي. ومن جانب آخر، ناريمان المحطمة نفسيًا وجسديًا في تلك الأحداث المؤثرة، لم يستطع يوسف التخلي عن عائلته برغم مواقف نادر الحقيرة لآخر وقت من حياته، والتي كشفها كريم ليوسف وسيف قبل أن يأتي خبر وفاة نادر بساعات قليلة. *** تمدد فوق فراش ملك مجهد بعد أن نزع حذائه، ولم يستطع حتى أن يبدل ملابسه. مدد جسده فوق الفراش، يغمض عينيه.
اندفعت ملك داخل غرفتها، تقفز فرحًا بعودة والدها بعد غياب دام لأكثر من 36 ساعة. تقبله من وجهه، وأنامله الصغيرة تداعب ذقنه النامية. فتح يوسف عينيه على وجه طفلته الجميلة وعينيها البريئة، ليضمها لصدره بحنان. يستنشق رائحة شعرها. وضعت الصغيرة رأسها على صدر والدها، تغمغم بصوت نعاس: "وحشتيني يا يوسف." ضمها لصدره أكثر، يقول بخفوت وهو يداعب خصلاتها الناعمة: "روح قلب بابا، انتي كمان وحشتيني جدًا."
رفعت رأسها من فوق صدره، تبتسم له لتظهر تلك الغمازتان التي تزين وجنتيها. "ماما كمان وحشتك." هز رأسه مبتسمًا: "انتي ومامتك وحشتوني قد الدنيا." دخلت شمس عليهم لتبتسم برقة وهي ترى ملك تنام فوق صدر يوسف، وترفع ساقيها بالهواء، وأناملها الصغيرة الممتلئة تعبث بشعره حتى أصبح مبعثرًا بطريقة فوضوية، ولكنها تعطيه هالة من الجاذبية الخطيرة. اقتربت شمس منهم، تقول لملك وهي تتصنع الدهشة: "انتي لسه صاحية؟
يلا عشان تنامي بسرعة وتسيب بابا كمان يرتاح." وقفت ملك فوق سريرها، تقفز وضحكتها الطفولية تتعالى بكركرة طفولية. "لأ، مس نام وقتي يا ثموسه، أنا عايز يوسف." تربصت بها شمس، وفي غفلة منها انقضت عليها تجذبها لحضنها، تعض رقبتها بخفة لتزداد ضحكات ملك. تقول شمس لها: "اسمها عايزة، مش عايز. انتي بنوتة جميلة." ثم مطت شفتيها كالاطفال، تنظر ليوسف النائم فوق الوسادة يتأملهم بصمت، والابتسامة لا تفارق شفتيه.
"بابا تعبان وعايز ينام هو كمان. يلا نامي في سريرك عشان نصحى الصبح إن شاء الله ونروح نشتري حاجات حلوة كتير." اقتنعت ملك بكلمات شمس السحرية، لتهز رأسها بالموافقة دون أي اعتراض. رمقته بحب، تهمس برقة وهي تضع ملك بجانبه: "يوسف قوم ع الحمام، خد دش دافي يريح جسمك لحد مانيم ملك وأحضرلك العشاء." قال بدهشة ظهرت على ملامحه: "هي ملك مش هتنام في أوضتك؟ هزت كتفها بدلال، تهمس بصوتها العذب:
"ملك هتنام هنا في أوضتها، وانت هتنام في أوضتنا يا دكتور." أصابه الدهشة أكثر وهو يناظرها بعشق لا ينتهي. خرج من الغرفة بعد أن قبل ملك، ليدخل حمام غرفتهم الخاص، ليجدها جهزت كل شيء باهتمام. حوض الاستحمام ممتلئ بالمياه الدافئة مع رغوة الصابون العطرة برائحة الخوخ، وروب الحمام الخاص به ذات اللون الأبيض. خلع ملابسه بفرحة، يشعر باهتمامها به وبملك. ***
تمددت بنصف جسدها، تعانق ملك وترتل بصوت عذب بعض الآيات القرآنية القصيرة، وملك تردد خلفها بتلعثم، حتى استسلمت للنوم في آخر آية من سورة الفاتحة. لتكمل شمس باقي الآية، تملس على شعر ملك، ثم دثرتها بالغطاء جيدًا، تاركة بعض الإضاءة الخفيفة. خرجت من الغرفة تحضر العشاء ليوسف، الذي انتهى من حمامه وخرج بروب الحمام، يجلس فوق سريره الواسع يشاهد بعض الأخبار التي تعلن عن الحادث المثير للجدل. ***
قبل أن تدخل إلى غرفتهم، وقفت تنظر إلى نفسها بالمرآة المستطيلة المعلقة بالرواق. ترتب شعرها وتتفحص بخجل قميصها الأسود الطويل، والذي يكاد يكون محتشمًا من أعلى بفتحة الصدر الصغيرة والحمالات العريضة. أما عن الجزء السفلي، فكان ذا فتحتين طويلتين تكشف عن كامل ساقيها حتى الأعلى. ولكن مع إجهاد يوسف، يبدو أنه لم يلمح تلك الفتحات. حركت شفتيها بحذر حتى لا تفسد أحمر الشفاه الوردي. نظرت إلى نفسها برضا، لتعود بعدها وتضحك قائلة:
"انتي مالك يا شمس؟ اتجننتي؟ لتكمل كلامها بابتسامة تعلو وجهها: "بس لازم يشوفني كده دايمًا، لأحسن توتي بيعصبه." جاءه اتصال من أكرم، يستفسر منه عما حدث وسمعه بالأخبار، وأنه الآن في طريقه للمطار للرجوع إلى مصر. انتهى من مكالمته مع أكرم، يقف يخلع روبه حتى يرتدي ملابسه المنزلية. لكنه تفاجأ بشهقة عالية أصدرتها شمس، والتي لفتت بوجهها للحائط، وجهها يشع احمرارًا.
أغلق الروب مرة أخرى، يبتسم بمكر. فرغم ما يعانيه من توتر وإجهاد، ولكن رؤيته لزوجته المذهلة تخفف عنه كل شيء. اقترب منها يجذبها لصدره، ليصبح ظهرها ملتصقًا بصدره، ثم غمرها بالقبلات الرقيقة من بداية وجهها نزولًا إلى رقبتها، يهمس بصوته الرخيم: "وحشتيني يا شموستي." همست بنبرة مستسلمة: "انت كمان وحشتني حبي." لتقطع كلمتها، تشعر بالخجل. أدار جسدها ليصبح وجهها مقابل وجهه. رفع ذقنها، يغمغم أمام شفتيها بأنفاسه الساخنة:
"افتحي عيونك وقوليها، عايز أسمعها من بين شفتيك المسكرة." ليطبع قبله قصيرة فوق شفتيها. همست بحياء يزين ملامحها: "إيه اللي عايز تسمعها؟ قبل شحمة أذنها، يغمغم: "حبيبي." تلعثمت، تحاول أن تبتعد عن جسده الذي يجذبها كالمغناطيس. تجلى صوتها: "يوسف، يلا علشان تتعشى قبل ما يبرد الأكل." حملها بين ذراعيه، يضعها فوق الفراش. وبغير عادته، تمسكت برقبته حتى وضعها لينام بجانبها.
ولكن بياض وصفاء بشرتها لفت نظره عندما انكشفت ساقيها من فتحات القميص. حبس أنفاسه وهو يشعر أن ضربات قلبه قد بلغت مداها. قالت بصوت خافت وهو يمرر يده على وجهها: "انتي جميلة جدًا شمسى، أنا بحبك قوي." تلك المرة، لم تستطع مقاومة جاذبيته بشعره المبلل وخصلاته المنهدلة فوق جبينه وذقنه النامية بطريقة مغرية وشفتاه المحمرتان. اقتربت بفمها من شفتيه، تقبله برقة ممزوجة بعشق، ثم ابتعدت قليلاً، تقول بخفوت: "بحبك جدًا يا دكتور."
مشطت تفاصيل وجهه بعينيها الذهبيتين اللامعتين بوميض العشق. تحضن وجهه بكفيها، تكمل بهدوء: "بعشق تفاصيلك وكلامك، أماني وراحتي في حضنك." مررت إصبعها فوق عينه، ليغمضها بمتعة. "عيونك داري ودنيتي الحلوة. معاك بحس إني اتولدت من جديد. أول دقة قلب كانت ليك، وأول إحساس بمعنى الحب كانت ليك انت وبس." فتح عينيه ببطء، لا يصدق ما يسمعه. يسأل نفسه: هل ما يسمعه صحيح أم هو في حلم من أحلامه اليومية الجميلة، والتي دائمًا بطلتها شمسه؟
أومأ برأسه دون أن ينطق، حتى لا يقطع تلك اللحظة السعيدة. فقط يرمقها بنظرات عشق ممزوجة بحميمية. يقربها منه وينقض على شفتيها في قبلة جامحة أفقدته صوابه، وهو يرفعها ضامًا إياها إلى صدره. يغمغم بصوت مفعم بالأحاديث والعاطفة الجياشة: "متبعديش عني أبدًا يا شمسى. أنا مصدقت لاقيتك. حرمت الحب على قلبي سنين، علشان كنت متأكد إني هلاقيكي. انتي نصي التاني اللي بيكملني." ضمت نفسها إليه أكثر، تتنهد بأنفاس ثقيلة وجسد مرتخي بين يديه.
"كل يوم كنت بحلم بيك، برغم إني ولا مرة شفت وشك، بس كنت بحس بيك وانت بتقف بعيد وتبص لي. لحد ما جيت في مرة وخدتني ومشيت معاك من غير كلام. ولما قمت الصبح من نومي في المصحة، كنت بدور عليك." بانفاس لاهثة من العشق، قالت بصوت ضعيف متهدج من الخجل وعيناها تلمع: "عارف اليوم ده كان امتى؟ قال بصوت أجش متأثر بعاطفة، وقد فقد توازنه من رائحة عطرها المختلطة برائحتها الخاصة: "امتى؟ اقتربت ثانيًا من شفتيه، تذوب أمامه:
"اليوم اللي شوفتك فيه في المصحة وحضنتك." أكملت تداعب ذقنه وبشرته الناعمة: "وقتها حسيت بالأمان والخوف انتزع من قلبي. حسيت بحضن بابا وحنان ماما في حضنك. انت مكنتش خايفة ولا قلقانة وانت معايا يا حبيبي." لم يفهم ما الذي يحدث، ولكن يبدو أن هذا الحوار بينهم قد أسقط كل دفاعاتها ليجعلها في هذه الحالة من العشق. ضمها أكثر لصدره، حتى تكمل كلماتها التي تطرب أذنه وتملأ قلبه بعشقها. تنهدت بحرقة، تحرك رأسها بين جنبات صدره،
مدمدمة بيأس يتملك منها: "خايفة أرجع المصحة تاني وأبعد عنك انت وبابا وملك. خايفة أتحرم منكم تاني. خايفة جدًا يا يوسف. أرجوك متتخليش عني." قال بحنان جارف وهو يبتسم: "أتخلى عنك إزاي يا شمسى؟
وانتي حياتي. أنا مصدقت لاقيتك ومليتي حياتي بحبك وحنانك. أنا وملك الطفلة اليتيمة اللي محسيتيش بحنان الأم غير معاكي انتي. أنا متأكد حتى لو كلارا كانت موجودة، مكنتش ممكن تهتم بملك زيك. كلارا كانت عملية لإبعاد الحدود، حتى حملها بملك كانت رافضاه. بس أنا صممت إنها متنزليش ملك وقتها." حدقت بعينيه الشاردة، تهمس: "معقول؟ كانت رافضة وجود ملك وهي بتحبك؟ قبل شفتيها، يقول بعد تنهيدة طويلة:
"كلارا كانت عملية وكل مفهومها عن الحب مبني على فكرة واحدة. أنا معرفتش معنى الحب ولا حسيت بيه غير وأنا معاكي انتي وبس. من وقت ما لمحتك وانتي ساكنة جوايا، مبعدتيش عن بالي لحظة واحدة، كأنك امتلكتيني يا شمسى. أنا اللي برجوكِ متبعديش عنا أنا وملك أبدًا." ضمته لصدرها الحنون، وهو يتشبث بقميصها مثل الطفل الصغير. داعبت خصلاته المبتلة، تقول: "لو بعدت، هيكون مش بإيدي." غمر وجهه برقبتها، يلتهما ليترك علامات شغفه وعشقه.
"متقوليش كده تاني يا شمس، وخليكي متفائلة." قبلت جبهته وهي تزيح رأسه بعيدًا: "أنا آسفة حبيبي، ضيقتك بكلامي وانت أساسًا تعبان من موضوع ابن خالك، الله يرحمه." جلس فوق الفراش، يمسح وجهه المجهد، يقول: "ويغفر له كمان على اللي عمله، والا كان ناوي يعمله مع مريم. نادر كان بيتاجر في أعضاء البشر، ونهايته تقريبًا كانت زيهم. ربنا يسامحه ويهون عليه ليلة الحساب." وقفت تجذبه من ذراعه وهي تبتسم:
"العشاء أكيد برد، هسخنه تاني علشان تتعشى وتنام." وقبل أن يضمها لصدره، اعتلى أذان الفجر ليبتعد عنها. يقبل خدها: "هدخل أتوّضأ وأنزل أصلي في المسجد وأرجع إن شاء الله أفطر بقى." أومأت برأسها، تغادر الغرفة. وقبل أن تخرج، وقفت تسأله بقلق: "يوسف، بابا وعدني إنه هيزورني قريب هو وطارق ونغم، وكلمني النهارده بس كان صوته تعبان، حتى نغم حاسة إنها متغيرة وحزينة. انت تعرف حاجة ومخبّي عليا؟ اهتزت شفتيه بابتسامة مبهمة، يقول بتلعثم:
"لما أرجع من الصلاة هقولك على كل حاجة." شعرت بقلق من كلماته القليلة، ولكن تحلت بالصبر حتى يرجع ويقص عليها ما يخفيه الجميع. *** في مدينة الضباب، وفي إحدى النوادي الليلية للقمار، جلس فهد يقامر بأموال زوجته المخدوعة، والتي بكل غباء سلمت أموالها التي ورثتها عن أمها لفهد بموجب توكيل عام. خسارة تلو الأخرى على طاولة القمار داهمت فهد. ليضحك أحد الرجال المشتركين معه في تلك اللعبة القذرة، يقول بلغته الأم الإنجليزية:
"اليوم يخصمك الحظ سيد فهد." وهو يسحب الأفيش الفائز كما يطلقون عليه. رده عليه فهد وهو يشعل سيجارًا فاخرًا بنفس اللغة: "ولكن الحظ معك سيد إسحاق. أتمنى لك الفوز دائمًا عزيزي. Good luck." وقف فهد يشتعل غيظًا وحنقًا من هذا اليهودي غليظ الدم. وهو يجلس فوق البار يطلب مشروبه الخاص من كوكتيل الخمور. جلست بجانب فهد فتاة شقراء ترتدي شبه فستان من قلة قمشه، تداعب صدره العاري الظاهر من فتحة قميصه.
"Oh, Fهد habibi, don't worry, متضايقش." قربها من خصرها، يضعها فوق فخذيه: "Maria, أنا مضايق جدًا وعايز أبقى مبسوط. إيه الحل؟ همست بشحمة أذنه بكلمات تبدو بذيئة المعنى، ليضحك بسخرية: "لأ لأ، انتي فهمتي غلط. مش وقته. أنا كل اللي عايزه إن إسحاق الحقير ده يخسر كل اللي كسبه. اتصرفي وخدّي كل حاجة معاه. عايز يرجع بلده يدوب بتذكرة السفر." غمزت الفتاة الشقراء صاحبة العيون الزرقاء بكل إثارة واغواء، تمرر لسانها المشؤوم بحلقه:
"Sure habibi, بس Maria عايزة تعرف نصيبه كام من فلوس إسحاق الغبية دي." التهم شفتيها بقبلة عنيفة، يلمس نحرها: "انتي بس هاتي فلوسه، ونصيبك هيكون كبير بقى. دي غير ليلة جميلة هتقضيها معايا يا مثيرتي."
تحركت ماريا، تظهر مفاتنها، الابتسامة المغرية ترتسم على شفتيها المطلية بأحمر شفاه ناري. تجلس بجانب الرجل الفائز، والذي يبدو عليه أنه ضليع ومتمكن من تلك اللعبة. بعض كلمات من ماريا همهمت بها ماريا للرجل، أفقدته صوابه، ليقف ويسحبها خلفه إلى غرفته بنفس الفندق.
رمقه فهد من بعيد بنظرات مشبعة بالإعجاب، يرسل لها بعض القبلات، ثم استدار إلى عامل البار يطلب كأس آخر من الكوكتيل. فتح هاتفه يستطلع بعض الأخبار، ليتفاجأ بخبر قتل نادر العزيزي في حادث مروع. ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم بحث عن من أهم ومن يريد الانتقام منه بسخاء. أصبح شغله الشاغل بعد معرفته بزواج شمس من نادر قبل موته بساعات قليلة، هو الانتقام والتشفي من يوسف سيف الدين. بعد الصور والأخبار عن يوسف، جعلت فهد تنتفخ أوداجه غضبًا هادرًا بانفعال،
يكز على أسنانه: "يووووسف سيف الدين! يظهر أن أوانك قرب، وهتكون من المرحومين. انت أخذت مني شمس قلبي اللي عشانها بحفر في الصخر وبدوس على أي حد يقرب لها. تقوم انت تاخدها مني يا حقير! ضرب على طاولة البار بالكأس حتى تهشم بقبضة يده. شعر بالدماء تغرق قبضة يده. حدق بدمائه بعيون جاحظة تخرج لهبًا حارقًا، ليضحك بصوت عالٍ لفت انتباه من حوله، ثم تنفس غضبًا، يقول بفحيح:
"شمس عشانك انت عرفت طعم الدم، وعشانك هدمر الدنيا، بس تكوني ليا وملكي أنا وبس. أنا وبس حبيبتي وقلبي. انتي ملكية خاصة لفهد العمرى، ومحدش يقدر ياخدك مني أبدًا." *** أصبحت مثل الأشباح بعيونها المنتفخة التي تحاوطها الهالات السوداء، وبشرة شاحبة خالية من الدماء، وجسد هزيل، فقط يكسوه طبقة من الجلد الشاحب. بحثت بجميع غرف شقتهم في لندن عن مخدر الهيروين أو حقن الكوكايين التي علاماتها تظهر على ذراعيها بطريقة ملفته للنظر.
كالمجذوبة، والألم ينهش بلحمها وينخر في عظام جسدها، تصرخ بوجع، تضرب رأسها بقوة بالحائط حتى سالت الدم من جبهتها. أمسكت هاتفها بيد مرتعشة، تدق لزوجها الذي تركها من يومين تعاني من شدة الألم. رد عليها بضيق ونفاذ صبر: "عايزة إيه يا شروق؟ قولتلك عندي شغل مش فاضيلك." تمتمت بتلعثم، كلمات غير مفهومة من شدة الألم: "فففهد، همو ووو ت، آلا لم، فظيي، ع ع." صرخ بها بقوة، يقول: "أعملك إيه؟
انتي خلاص بقيتي مدمنة ولازم تتعالجي من القرف ده. وبصراحة، أنا خايف أرجع البيت أتعدي منك، لا تكوني مريضة بمرض معدي. أنا تعبت منك ومن قرفك." صرخت بجنون، تكسر كل شيء بالشقة: "عاااايزة فلوو س، أنا." زفر أنفاسه بضيق، يهتف: "خسرت كل حاجة بسببك. انتي نحس ووشك شؤم عليا. اتصرفي انتي. انتي عارفة المكان هنا في لندن، روحي واتصرفي وسيبيني في حالي." أغلق الهاتف بوجهها، ليتركها تصرخ بنحيب وعويل من شدة الألم.
برغم من شحوبها وذبولها، إلا أنها ما زالت تحتفظ بجمالها، الذي يعود مع بعض لمسات من مساحيق التجميل. ومع فستان عاري الظهر حتى المنتصف، قصير يكشف أفخاذها، بكمام قصيرة تغطي الوريد المؤشم بعلامات الحقن، وتسريحة شعر جنونية، استعادت بعض أنوثتها التي ستحرص على استغلالها الآن بحواري لندن للحصول على حفنة من مخدر الهيروين أو حقنة من الكوكايين.
استقلت سيارتها، تقود بجنون حتى وصلت إلى إحدى الأماكن المشبوهة، والتي يديرها بعض أشخاص من جميع جنسيات العرب. تدخل إلى ذلك الوكر المشبوه بجرأة، ليستوقفها صوت رجل ضخم الجثة داكن البشرة، يبدو عليه أنه من أصول أفريقية، يحدثها بالإنجليزية: "What do you want, my beautiful?" استنشقت بشدة، تحك أنفها: "I want drugs, and I don't have any money." لمس الرجل إحدى مفاتنها، يقول بحقارة:
"You don't have money, but you have a beautiful and sexy body, and there is someone who wants to get that shapely body in exchange for some grams of heroin."
أومأت برأسها موافقة، وهي تسلم جسدها ونفسها لبعض الرجال المقززين. ومن حظها المؤسف، قبل أن يجتمع على جسدها بعض الرجال، هاجمت الشرطة البريطانية الوكر، وقبضت على الجميع. ومن ضمنهم شروق الحسيني، وهي في حالة من الهياج العصبي والهستيريا، حتى فقدت وعيها بين ذراعي أحد رجال الشرطة. ***
وقفت مريم بجانب ناريمان المنهارة، تستمع إلى تشخيص الطبيب المعالج في حالة والدها، وهي تبكي بحرقة. والطبيب يخبرها بكل جدية مهنية بأنه حالة أدهم في تأخر نتيجة إصابته ببعض جلطات على المخ والقلب، تسببت في شلل نصفي وحالة من اللاوعي. فقدت ناريمان قدرتها على التحمل، تبكي بحضن مريم، التي انهمرت دموعها هي الأخرى على حالة خالها المتأخرة. برغم من الأذى الذي حل بها من نادر، ولكنها تشعر بالحزن على موته بتلك الطريقة البشعة.
جلست ناريمان بالاستراحة المجاورة لغرفة العناية المركزة، تقرأ بعض آيات القرآن وتدعو لأبيها بالشفاء. فبعد خسارتها أكرم وموت أخيها، تحطمت نفسيتها. وها هي تجلس أمام غرفة العناية تنتظر في أي لحظة موت أبيها. ربتت مريم فوق كتفها، تقول بحزن: "ناريمان، اهدّي حبيبتي علشان البيبي. إن شاء الله خالو هيقوم بالسلامة." أومأت ناريمان برأسها، تمسح عبراتها، وهي تقول بصوت حزين:
"شكرًا يا مريم، أنا تعبتك معايا اليومين اللي فاتوا. انتي ويوسف وأونكل سيف، مش عارفة أرد معروفكم إزاي." ضمتها مريم بحنان، تقول باعتراض: "معروف إيه؟ ده خالي وانتِ أختي." نظرت لها ناريمان بأسف: "أنا اعتقدت بعد اللي عمله نادر فيكي وبابا في أونكل سيف، استحالة تقدروا تسمحوا. بس اتضح لي العكس." تنهدت بحرقة، تكمل: "اللي مستغربة منه موقف طنط فريدة. تصوري؟ جت مرة واحدة تطمن على بابا، وبعدها مشوفتهاش تاني." هزت مريم رأسها بيأس:
"أنا كمان مستغربة تصرف ماما جدًا، بس أقول إيه." وأثناء حديث مريم مع ناريمان، لمحت مريم من خلف زجاج الغرفة أكرم يسير في ممر المشفى، يقترب منهم. تمسكت مريم بيد ناريمان الشاردة، تقول مبتسمة بفرحة: "ناريمان، دكتور أكرم." شهقت ناريمان وكأنها استردت روحها الضائعة: "أكرم فين؟ أشارت مريم برأسها، حينها كان يقف أكرم على باب الغرفة بوسامته وشخصيته المسيطرة.
حدقت في وجهه بلهفة، تتمنى أن تركض عليه وتضع رأسها فوق صدره وتترك العنان لدموعها تنهمر على صدره. شعرت مريم بالخجل، تنحنحت مرحبة بأكرم: "حمدًا لله على سلامتك دكتور أكرم، اتفضل." بادلها أكرم الترحيب بلباقة، وهو يرمق ناريمان المتسمرة بمكانها تتأمله. قالت مريم: "ناريمان، أنا هروح الكافتيريا أجيب حاجة نشربها." خرجت من الغرفة لتترك المجال لناريمان وأكرم في الحديث بحرية. اقترب منها، يمد يده بتحفظ:
"البقاء لله في نادر، والسلامة على دكتور أدهم." لم تستطع منع نفسها عن إلقاء نفسها بين جنبات صدره، تتمسك بقميصه، وهي تبكي بحرقة وشوق ولهفة: "أكرم! ليه سبتني؟ ليه؟ أنا محتاجاك... محتاجالك." رفع رأسها، يبتعد عنها قليلاً، ثم امسك بيدها، يجلسها على المقعد، ثم جلس بالمقعد المقابل، وهو يمسك بيدها. ثم تنهد بألم على شحوبها وضعفها بتلك الطريقة. فهو تعود دائمًا أن يرى ناريمان القوية المتسلطة، ولأول مرة يراها بهذه الحالة.
يقول بمواساة: "أنا جنبك يا ناريمان ومش هسيبك." ابتسمت وسط عبراتها الساخنة، تشعر بالأمل. ولكن سرعان ما اختفت تلك الابتسامة وهو يقول بجدية ونظرات جامدة لم تتعودها منه: "مش عشان انفصلنا يبقى ممكن أتخلى عنك في ظروف زي كده. إحنا هنفضل أصدقاء."
استنتجت أنه لم يعلم بحملها، وإلا كان حديثه تغير وتمسك بها. ولكن صممت بينها وبين نفسها أن لا تخبره بحملها، حتى تستطيع أن تكسب قلبه وحبه مرة أخرى بكونها ناريمان التي تعشقه وتحبه بجنون، وليس لأنها أم طفله المنتظر. *** ملست نغم بحنان فوق جبين فارس النائم وسط الأجهزة. لا يشعر بشيء. قبلته وخرجت من الغرفة لتجد جلال يقف حزينًا، باكيًا على حال حفيده، مقهور القلب. طمأنت نغم جلال، تقول:
"خالي، أرجوك تعالى ارتاح شوية. انت واقف على رجلك من كام يوم. وبعدين لازم نشوف شمس، لأنها منهارة من ساعة ما عرفت الخبر. ويوسف بيحاول يهديها لحد ما تشوفك وتطمئن عليك، ومش لازم تشوفك بالشكل ده. إن شاء الله فارس هيبقى بخير." تنهد جلال مقهورًا، وهو لا يريد أن يتحرك من أمام غرفة فارس. وغصة تستحكم حلقه:
"الدكتور قالي إنه في شبه غيبوبة، وكل أعضاء جسمه مستجيبة، لكن المخ رافض الاستجابة، زي ما يكون بيهرب من اللي شافه. صعب يا نغم على طفل عمره 6 سنين يشوف أمه مهما كانت بتدبح قدامه بالشكل ده. الولد شبه ميت." كز على أسنانه بقوة وجحيم مستعر يخرج من حدقات عيناه: "آه لو يقع في إيدي الكلب اللي عمل كده، هقتله بإيدي وأخلص الناس من شره. بس هو فين؟ واخد بنتي فين؟ مش عارف عمل فيها إيه."
احتدمت نظرات نغم بقلق، تدمدم بشفاه مقلوبة وعلى وجهها علامات الرعب والخوف، تقول بتردد: "تقصد مين يا خالي؟ فهد هو اللي عمل كده في رانيا، وفارس يبقى... !!!!! معقول يا خالي؟ هز جلال رأسه بالموافقة، يغمض عينيه العاصفة بنيران القهر والخوف على طارق وشمس بالأخص، لأنه يكاد يعلم الآن أن فهد كل هدفه هو شمس فقط. "هو الكلب الواطي. أنا متأكد إنه حب يخلص منها عشان يدخل هشام السجن، وميبقاش قدامه غير شمس وطا...
قطع كلامه حينما لمح العبرات تهاجم عيناها، وجهها تهجم بالخوف. "أرجوك يا خالي، عشان خاطري، بلاش طارق يعرف أي حاجة دلوقتي. أنا خايفة عليه جدًا من فهد. ولازم يوسف يعرف عشان يقدر يحمي شمس منه. فهد مجرم يا خالي وممكن يعمل أي حاجة." ضمه جلال لصدره، يضغط على جسدها المرتجف، والصمت الصاخب يخيم على المكان. يحدث نفسه: "مش فاضل يا جلال غير إنك تتأكد من حاجة واحدة. مين كان شريكه في قتل درية؟ شروق ولا رانيا؟ ***
اجتمع طارق برؤساء الأقسام ليباشر عمل المجموعة، الذي توقف لفترة بعد حادث هشام. وتابع نزول أسهم مجموعة الحسيني بالبورصة نظرًا للأحداث التي تمر بها المجموعة. بعد اجتماع دام أكثر من ثلاث ساعات، خرج طارق مرهقًا للغاية بسبب الأعمال والصفقات المتوقفة. دخل مكتبه يطلب من سكرتيرته الخاصة قدحًا من القهوة حتى يستطيع مواصلة الأعمال المتراكمة عليه بكثرة.
فتح هاتفه ليتلقى عدة مكالمات من رقم يدل كوده أنه من لندن. اندهش طارق، فقبل اجتماعه أجرى بعض الاتصالات مع فرع لندن وتمم على مجريات العمل بالفرع. ليرن هاتفه بنفس الرقم مرة أخرى. فتح طارق الخط ليهتف رجل: "مرحباً، السيد طارق الحسيني." أجاب طارق بجدية: "نعم، معك طارق الحسيني. تفضل سيدي." أجاب الطرف الآخر بلباقة وجدية إنجليزية: "سيد طارق، أنا دكتور 'ولسن'، أحدثك من مصحة نزارالييف لعلاج الإدمان."
اعتدل طارق في جلسته، ونظرات التراقب تظهر بعينيه الزرقاء، وهو يقول بصوت يملؤه القلق: "مرحباً دكتور. ما الأمر؟ تحدث أرجوك. استمع لك." لعن في تلك اللحظة برود الإنجليز في محدثاتهم وأسلوبهم الدقيق بكل شيء. ما دخله هو بصحة لعلاج الإدمان؟ أجاب الطبيب بتلك النبرة الباردة، يقول:
"أعتذر لك بشدة سيد طارق، ولكن الأمر متعلق بالسيدة شروق الحسيني، وقد حصلنا على رقمك الخاص من هاتفها. السيدة شروق تم القبض عليها بأحد الحانات بلندن، وهي فاقدة الوعي تحت تأثير سلبي من عدم تعاطيها مخدر الهيروين." وقع من يده قدح القهوة الساخن، وهو يقول بذهول وصدمة واضحة من نبراته المستكينة: "أختي؟ أنا مدمنة هيروين وتم القبض عليها بحانة؟ أعتذر دكتور، ولكن حضرتك متأكد أنها شروق الحسيني؟ همهم الطبيب بتلك الجدية:
"نعم، سيد طارق. السيدة شروق جلال الحسيني. أرجوك سيد طارق، السيدة في حالة هياج عصبي، وقد تطورت مراحل التعاطي لدرجة الأولى، ويجب أن يأتي أحد من عائلتها لاستلامها قبل أن نتخذ قرارًا بترحيلها من لندن فورًا بواسطة السلطات المصرية." ***
دخلت فريدة الفيلا مندفعة بغضب، لتقابلها السيدة وداد، مديرة الفيلا، بالترحيب. تقدم لها التعازي في وفاة نادر، ولكن فريدة كعادتها وعنجهيتها صرخت بها بتذمر، تسألها عن زوجها، وتجاهلت ما تقوله لها، لتجيبها وداد بأنه بمكتبه. فتحت فريدة باب المكتب، تقف أمام سيف الجالس خلف مكتبه يقرأ كتابًا عن جراحة القلب. دوى صوتها في أذن سيف بغل، وهي تقول بكبرياء:
"انت إزاي توافق يا دكتور يا بن الأصول، إن بنتك يتم خطوبتها وكتب كتابها الخميس الجاي، وانت عارف إن ابن خالها لسه متوفى، وخالها بين الحياة والموت. لدرجة دي معدوم الأصول انت وولادك؟ رفع سيف رأسه، يخلع نظارته الطبية، ويضعها بهدوء مصطنع فوق طاولة مكتبه. يبتسم بهدوء جعل أعماقها تموج بالغضب:
"أنا أعرف الأصول كويس يا هانم، مش محتاج واحدة زيك تعلمني. الحمد لله أمي وأبويا الله يرحمهم ربوني ع الأصول والواجب. متعلمتيش على إيد كومبارس." عقدت حاجبيها، تهتف باهتياج: "أرجع وأقول إيه يا دكتور يا عظيم؟ مهما وصلت لمكانة علمية وماجستير ودكتور وزمالة من أعرق الجامعات، هتفضل زي ما انت من أصل فلاحين، معرفش التقدم ولا الأرستقراطية."
انتفض من على مكتبه، يقف أمامها كالعاصفة، وبعيون ملئها الغضب. رفع يده، وبكل ما أوتيه من قوة صفعها على وجهها، ليلتقط على الفور ذراعها بقوة، يثنيه خلف ظهرها لتتألم، تصرخ: "سيب إيدي يا همجي! هي حصلت تمد إيدك عليا؟ أنا بكره اليوم اللي اتجوزتك فيه، واليوم اللي خلفت منك فيه. سيب إيدي! قربها أكثر، يلوي ذراعها، ثم أمسك بشعرها الأشقر باليد الأخرى، يجذبه بقوة لتصرخ:
"الفلاح الهمجي اتساهل معاكي كتير لسبب واحد، يا بت العزيزي، هو ولاده وبس. وبما إنك أم قاسية وولادها بيكرهوها، يبقى ملوش لازمة التساهل. لازم تعرفي مقامك كويس أوي...
الفلاح ابن الفلاح هو اللي انتشلك من الضياع في حواري باريس، وانتي بتشتري جرسونات بعض ما أبوكي الباشا بقى ع الحديدة. الفلاح ده هو اللي لبسك المجوهرات والألماظات وعملك رصيد في البنك، هو اللي عملك مقام في مجتمعك القذر الحقير. أتحمل برودك وقلة اهتمامك، أستحمل جفافك وتقليل عائلته قدام ولاده، بس عشان أنا من أرض طيبة وبذرة نظيفة. أولادي بقوا زي فلاحين، ولاد أصول، مش ولاد****." هتفت تصرخ بعويل، وهي تحاول أن
تخلص ذراعها من بين يديه: "أنا مش بحبك ولا عمري حبيتك. خلفت منك بس عشان أورثك. أنا بكرهك يا سيف، بكرهك! ضحك بسخرية شديدة، يقول بلهجة تشفي وانتقام: "مش أكتر مني يا فريدة. والحمد لله ربنا عوضني بالأحسن منك، اللي هتجوزها وأعيش معاها أسعد أيام حياتي، لأنها باختصار ست جميلة وفيها كل الصفات، مش زيك حيوانة فلوس وتسلط. لو مكنش ولادي، كنت طلقتك ورميتك من زمان، بس خلاص ولادي كبروا وكل واحد اختار حياته، وانتي مليكيش مكان وسطنا."
ترك ذراعها، يدفعها بعيدًا عنه حتى سقطت أمام باب مكتبه بقوة. جزت على شفتيها حتى أدمتهم، وعيناها تشتعل بالنيران، رافضة أي دموع تنهمر أمامه. لتقول بغل اشمئزاز يخرج من فمها بحقد: "مبقاش فريدة العزيزي لو مخلتكش تندم يا سيف يا سلحدار." وقفت تخرج من باب مكتبه بغضب، وقبل أن تضغط على مقبض الباب، هتف بكل سخرية والابتسامة تزين وجهه: "فريدة يا عزيزي، انتي طالق... طالق...
طالق. مش عايز أشوف وشك تاني، وإياك تقربي من ولادي. ساعتها هتشوف سيف تاني عمرك ما شفتيه." استقبلت طلاقها بصدمة تضرب قلبها بطعنات الخسارة والذل، ولكنها صمدت أمامه بكل كبرياء، تهز رأسها وتخرج من الفيلا، وهي تقسم أن ترجعها، ولكن بعد أن تنتقم منه شر انتقام. ***
في حفل عائلي بسيط يضم بعض الأقارب والأصدقاء، احتفل عدنان وزينب بعقد قرانهما وزفافهما. وبعد معرفة والد زينب بما حدث لها، وبعد إصرار عدنان على إتمام زواجه من زينب، أصر والدها على إتمام الزفاف بالفيلا في أسرع وقت حتى يطمئن قلبه أنها أصبحت مسئولة من رجل يعتمد عليه مثل عدنان.
تم عقد القران، وكان سيف والد مراد شاهدًا على العقد تقديرًا من عدنان لمكانة سيف. أما الشاهد الثاني، فكان "علي" أخو عدنان الكبير، الذي حضر من تونس لحضور زواج أخيه والوقوف بجانبه. بعد إتمام كتب الكتاب، تعالت التهاني والزغاريد في الفيلا. كانت زينب تشعر بالخجل والخوف، وتفكيرها منحصر بشيء واحد على عدنان: هل ما زال يحبها ويعشقها مثل قبل؟ أخرجها من تفكيرها عناق مريم، وهي تهتف بسعادة: "زيزو، انتي زي القمر. مبروك يا عروسة."
غمزت بعينيها، تشير إلى عدنان الواقف بصحبة كلا من كريم ويوسف ومراد وأخيه أيضًا، يطلقون الضحكات العالية. تقول: "عدنان كان هياكلك بعيونه يا زيزو. ماشاء الله بيحبك جدًا." رسمت زينب ابتسامة سعادة على شفتيها لتمثيل دور العروس السعيدة بعريسها، ولكن من داخلها حزن عميق وقهر أنها خذلت والدها، الذي طبع بدوره قبلة باردة فوق جبينها دون أن يبتسم لها. وعدنان، الذي كان يعشقها حد الجنون، ولكن بغبائها خسرت هذا الحب الكبير. سألت صديقة
أخرى مشتركة لزينب ومريم: "زيزو، انتي ليه غيرتي فستانك اللي اخترناه مع بعض؟ قالت زينب بخفوت وهي تنظر إلى عدنان: "عدنان قالي لأ عشان مكشوف، وهو اللي اختار الفستان ده بنفسه." في هتاف جماعي، قالت الفتيات: "واااو! بيغير عليكي وبيحبك جدًا يا زيزو." أومأت رأسها بتلك الابتسامة المصطنعة: "عندكم حق." سأل كريم يوسف بترقب: "شمس عاملة إيه دلوقتي؟ أجاب يوسف بحزن وهو يضع يده في جيوب سرواله:
"من ساعة ما عرفت بموضوع أخوها ومبطلتش عياط. لدرجة إني سايب ملك مشاركها العياط هي كمان. وبعد ما كانت ناويّة تيجي معايا، طبعًا قالت لأ، وعقدة منتظرة باباها ومرات أخوها." هز كريم رأسه بيأس وزعل: "بصراحة، الله يكون في عون الحاج جلال. الراجل ده مش عارفة هيلاقيها منين ولا منين." كان مراد يقف بجانبهم شارد الذهن بملامح جامدة خالية من أي تعبير، غير عادته المرحة. ليقترب منه عدنان ويعانقه وهو يربت على ظهره:
"عقبالك يا مراد. أما نفرح بيك قريب إن شاء الله." رفع شفتيه بسخرية وعيناه ممتلئة بالحزن: "لأ خلاص، أنا صرفت نظر عن الجواز. أنا كده تمام." نظر له كريم يسأل يوسف بخفوت: "هو مراد ماله؟ شكله مضايق." رمقه يوسف بحسرة، يهمس لكريم: "هو ولجين سابوا بعض، ومحدش يعرف السبب." انتهى حفل الزفاف، وبدأ الجميع بالانصراف، ليوصي والد زينب عدنان عليها بقلب مكسور:
"زينب أمانة في رقبتك. يمكن أنا انشغلت عنها كتير بشغلي وسفرياتي ومعرفتش أحافظ عليها. جه دورك انت يا ابني." عانقه عدنان، يقبل قمة رأسه: "متقلقش يا عمي، زينب في عيوني وجوه قلبي." *** خرج يوسف برفقة كريم ومراد وسيف، الذي استقل سيارته وبجانبه مريم، التي تكاد تطير من فرحتها، فا بعد يومان سيعقد قرانها هي الأخرى على من اختاره قلبها. وقف كريم يودعها بقبلة فوق جبهتها، لتحمر خجلًا. تنظر ناحية والدها وإخوتها
المشغولين بحديث مع والدهم: "كريم، بابا وإخواتي هياخدوا بالهم." أطلق ضحكة صاخبة خرجت من أعماق قلبه، يمسك لها بحب: "كلها يومين وآخد راحتي وأبقى جوزك." قلبت شفتيها وعيناها تترقرق بها الدموع: "أنا زعلانة جدًا يا كريم، حاسة إني السبب في طلاق بابا وماما." حضن كفيها، يرفعهم إلى شفتيه، يقبلهما: "آسف يا مريم، بس فعلاً مامتك زودتها جدًا، وكثر خير دكتور سيف إنه استحملها. مامتك دي متسلطة." دفعته من كتفه بخفة، تقول بتذمر:
"كريم، دي ماما. هزعل منك." نظر ناحية والدها ويوسف ومراد المنهمكين بالحديث حول طلاق أمهم، يخطف قبلة سريعة من فوق وجنتيها المتوردة: "متزعليش يا ستي، حقك عليا. انتي وفريدة هانم، بس المهم حبيبتي متزعلش مني." ابتسمت برقة، تقول بعشق يلمع بمقلتها الزمردية: "بحبك يا كيمو." *** استقل سيف سيارته مع مريم، ثم ودع كريم ويوسف ومراد، وهو الآخر يستقل سيارته. ليقول يوسف لمراد بجدية: "سيب عربيتك وتعالى معايا عشان شمس عايزاك في موضوع."
أومأ مراد برأسه، يتجه مع يوسف لسيارته. وأثناء سيرهم ناحية السيارة، مرت بجانبهم سيارة جيب كبيرة بزجاج أسود بسرعة كبيرة، لينطلق من سيارة بعض طلقات الرصاص التي أحدثت صخبًا بالمكان، لتتوجه الطلقات لصدر يوسف، لتصيبه ويسقط على أثرها غارقًا وسط دمائه. إلى اللقاء مع الفصل الواحد وعشرون.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!