مر أكثر من نصف اليوم ويوسف يتجول برفقة خاله دكتور أدهم، يتابع الحالات ويتعرف على أجواء المصحة ونظام العمل بها. تعرف على جميع الحالات وتفقد قاعة التأهيل النفسي. كان جاداً بملامحه الوسيمة، يتابع بهدوء تحت نظرات دكتور أدهم المتوترة وخوفه من سؤال يوسف عن غرفة 212 المخصصة لشمس. دخل يوسف مكتبه بعد أن تفقد أغلب الغرف والأقسام. جلس على مقعده خلف مكتبه الفخم ينظر لشهادته المعلقة على جدران المكتب كما تركها.
طرق باب المكتب لتطل سعاد بوجهها البشوش. "قهوتك يا دكتور يوسف، اتفضل." كعادته وطبيعته الودودة، ابتسم يوسف لسعاد. "اتفضلي يا مدام سعاد، إنتي لسه فاكرة قهوتي." ابتسمت سعاد برقة، فهي في العقد الرابع من عمرها، ولكنها امرأة جميلة مهذبة. عملت مع يوسف في بداية تخرجه وكانت عوناً له بكل شيء. أشار يوسف بيده لتجلس أمامه. "والله أنا فرحانة جداً إن حضرتك رجعت تاني وسطنا يا دكتور، إنت غلاوتك من غلاوة دكتور سيف."
هز يوسف رأسه بامتنان وهو يرتشف قهوته التي صنعتها سعاد. "وأنا كمان سعيد إني وسطكم يا مدام سعاد، وأتمنى إنكم تتقبلوني وسطكم." شهقت سعاد بخفة. "نتقبلك إزاي يا دكتور، إنت صاحب المصحة وكلنا لينا الشرف نشتغل معاك. اسمح لي يا دكتور أسألك، بنتك عاملة إيه؟ ابتسم يوسف بفرحة ليخرج من حقيبته إطاراً خشبياً متوسطاً يحمل صورة ملك صغيرته. "إيه رأيك في ملوكتي؟ شوفتي كبرت إزاي." نظرت سعاد للصورة وهي تحملها بين يديها.
"بسم الله ما شاء الله، نسخة منك يا دكتور. زي القمر، ربنا يبارك لك فيها ويجعلك عوض عن أمها." شرد يوسف قليلاً وعيناه لمعت بغيمات من الدموع. "يارب يا سعاد." طرق باب الغرفة ليدخل عامل الأمن يحمل سلة من الزهور. استلمتها سعاد من يده قائلة: "لدكتور يوسف." وضعت سعاد سلة الزهور على مكتب يوسف ووضعت أمامه الكارت، قائلاً: "لحضرتك يا دكتور." وقف يتأمل الباقة وحمل الكارت ليقرأ: "أتمنالك بداية موفقة، نورت مكتبك ونورت مصر كلها.
الإمضاء: نيرو." لوى شفتيه بابتسامة ساخرة وهو يتذكر تدليله لحبيبته القديمة ناريمان. وقفت سعاد. "عن إذنك يا دكتور، في حالات لازم أشرف عليها. حضرتك تؤمرني بحاجة؟ وقف بقامته الشامخة أمام سعاد. "لا، أشكرك يا سعاد. بس من فضلك عايز ملفات الحالات اللي هباشرها، وكمان عايزك معايا دايماً لو مش هتضايقك." فرحة عارمة احتلت سعاد، أخيراً ستعمل مع يوسف كما سبق وتترك العمل مع دكتور أدهم المتسلط.
"تحت أمرك، كل الملفات هتكون عندك وأنا معاك دايماً يا دكتور. عن إذنك." التفت سعاد لتخرج من مكتب يوسف ليستوقفها صوته الأجش الصارم. "سعاد، عايز ملف غرفة 212 من فضلك." شعرت بـ دلو ماء بارد ينزل فوق رأسها. لا تريد أن تلتفت له وإلا سينكشف تلبكها أمام يوسف. ولكن سؤاله لها مرة أخرى جعلها تلتفت وتتصنع الابتسامة. "سمعتيني يا سعاد؟ هزت رأسها بنعم. "أمرك يا دكتور، هيكون عندك مع الملفات." ***
تجمع الجميع حول سرير جلال. نغم وهي تبكي بحرقة وتتذكر عندما دخلت غرفة خالها لتجده ممدداً على الأرض فاقداً الوعي. "خالي حبيبي، خالي! يا طارق الحقيني! ليخرج طارق بمنامته على صراخ زوجته ليحمل والده بين يديه ويضعه على الفراش ويتصل بطبيب والده وصديقه دكتور عزيز الجبالي. سأل طارق دكتور عزيز بقلب مفطور من القلق على والده. "خير يا عمي، بابا ماله؟ طمني أرجوك."
حقن عزيز ذراع جلال بحقنة منشطة للقلب وهو يتابع بصمت نبضات قلبه التي بدأ يستجيب للحياة. لينظر إلى طارق نظرة غامضة. "اطمن يا بشمهندس، أبوك راجل قوي ومش بيستسلم بسهولة. هو بس حاول يقف، ولكن يظهر إنه جهد عضلة القلب." تنفس طارق بارتياح، أما شروق التي ظهر على وجهها الخوف أن يكتشف دكتور عزيز، صديق والدها من زمن قبل أن يكون طبيبه الخاص، أمر تغيير الأقراص، انسابت الدموع على وجنتيها بخوف حقيقي. "طيب يا أونكل، بابا هيكون بخير؟
هيفوق إمتى؟ أغلق عزيز حقيبته وسحب مقعداً كبيراً وجلس أمام جلال يتابع الحالة. "شويه يا شروق، متقلقيش. جلال راجل قوي وبيحارب مرضه، هو بس محتاج دعم منكم." ابتسمت رانيا بكبرياء واضح. "دعم إزاي يا دكتور؟ إحنا كلنا حواليه وجنبه، في أكتر من كده دعم؟ رفع عزيز عينيه لتقابل عيني رانيا الجاحدة. "الدعم يا مدام رانيا إنكم تحققوا طلبه مش تقفوا حواليه." عقدت حاجبيها باستنكار ويدها تلتف حول صدرها. "وإيه هو طلبه بقا يا دكتور؟
نظر عزيز لجلال الذي بدأ يستعيد وعيه وقال مؤكداً. "شمس،،،، جلال دعمه هي شمس." دخل هشام برفقة فهد في هذه اللحظة ليستمع لكلمات دكتور عزيز. ابتسم بخبث وتمكن بقدرة هائلة أن يسيطر على أعصابه. "أكيد يا عمي، أنا مش ساكت وبدور على شمس في كل مكان بعد هروبها لما قتلت أمي." وقف عزيز يصافح هشام وقال وهو يبتسم. "طبعاً يا هشام، أنا عارف كويس إنك مش ساكت. بس أرجوك إنت وطارق كثفوا مجهودكم شوية وحققوا طلب أبوكم إنه يشوفها وتبقى جنبه."
خرج الجميع من الغرفة، رانيا تشتعل غيظاً وشروق تخاف أن ينكشف أمر الأقراص. أما هشام، زفر بضيق وهو يأمر الجميع الاجتماع بغرفة مكتبه. لتخرج نغم معهم، لكن يستوقفها صوت عزيز. "نغم بنتي، لو سمحتي حضري طبق خضار شوربة مع صدر فرخة لجلال." ونظر لها نظرة فهمتها نغم سريعاً بأن عزيز يريدها بشيء مهم. هزت رأسها. "حاضر يا أونكل، هحضر الغدا لخالي بسرعة." *** أمرت فريدة وداد بغضب وهي تشعل سيجارتها.
"اعمليلي فنجان قهوة بسرعة يا وداد، أنا دماغي هتفرقع من مراد وعمايله دي." جلست وداد بجانبها. "يا هانم، أهدي شوية وبلاش تحرقي أعصابك. مراد شاب وصغير وعايز يسافر ويعيش زي الشباب صحابه." صرخت فريدة بغضب. "جرى إيه يا وداد؟ إنتي هتعلميني إزاي أتعامل مع ابني؟ وقفت وداد وهي على وشك البكاء ورأسها لأسفل. "أعوذ بالله يا هانم، أنا أعلمك؟ إنتي يا ست الهوانم. أنا آسفة."
أطفأت فريدة سيجارتها بالمطفأة وقد شعرت بعصبيتها المفرطة في حق وداد. فزفرت أنفاسها وقالت بنبرة أكثر هدوء. "معلش يا وداد، أنا عصبية شوية. وكمان بعد الشد اللي حصل بين يوسف ونادر، مش عارفة ولادي حصل لهم إيه. متزعليش مني." هزت وداد رأسها بتفهم. "لا يا ست فريدة، أنا مقدرش أزعل منك أبداً. ما تقلقيش، إن شاء الله مش هيحصل غير كل خير."
دخلت مريم بصحبة ملك الصغيرة يضحكان ومريم تركض خلفها لتلحق بها. ركضت ملك بسرعة لتعانق فريدة التي رسمت الابتسامة على ثغرها عند دخول الصغيرة. "روحي نانا، وحشتيني جداً." داعبت الصغيرة شعر جدتها الأشقر وهي تقبلها. "وحشيني نانا قد بحر." قهقهت فريدة ورفعتها على قدميها. "رحتي النادي مع مريومة؟ هزت الصغيرة رأسها بسعادة. "وسبحت في البيسين مع مريومة." جلست مريم مقابل أمها وهي مرهقة من اللعب مع الصغيرة والسباحة معها.
"يااااه يا نانا، دي ملوكة شطورة وفازت عليا في السباحة." صفقت الصغيرة وهي تركض حول جدتها وعمتها. "أنا سطولة وفزت على مريومة، هقول لدادي." ابتسمت فريدة بسعادة. "دادي لسه في شغله وقرب يوصل. يلا، اطلعي مع دادا وداد عشان تغيري هدومك وتاكلي قبل دادى ما يوصل." هزت الصغيرة رأسها وركضت تعانق داده وداد بحب لتحملها وداد لغرفتها. تنهدت فريدة ثم التفتت لمريم المرهقة. "إنتي يلا غيري هدومك وتعالي، عايزة أتكلم معاكي."
أدركت مريم ما تريد فريدة الحديث عنه لتقول بحنق. "ماما، لو سمحتي أنا تعبانة ومش عايزة أتكلم في حاجة دلوقتي." نظرت فريدة بعينيها الحازمتين إلى ابنتها لتقول بعصبية. "والله كويس، إنتي تعبانة والأستاذ عايز يسافر يريح أعصابه. هو أنا إيه؟ مش عارفة أمشي كلمتي عليكم." زفرت مريم بنفاد صبر. "مالك يا ماما حبيبتي؟ أنا قولت تعبانة وعايزة أستريح بس.. مقولتيش مش هتكلم. وبعدين مين اللي سافر؟ بعدت فريدة خصلات شعرها عن وجهها بعنف.
"مراد بيه سافر دبي مرة واحدة من غير ما ياخد رأيي حتى." *** وقفت مريم وقبلت فريدة وهي تضم كتفيها وقالت. "ماما حبيبتي، ارجوكِ أهدي عشان متتعبيش. وبعدين مراد مش صغير، راح دبي يا ماما مرحش المريخ. عن إذنك هغير هدومي وأنام شوية وبعدها أنزلك نتكلم في كل حاجة." هربت مريم من أمام نظرات فريدة الغاضبة وهي تبتسم. أما فريدة، أشعلت سيجارة أخرى وقالت بغضب. "نتيجة دلالك يا سيف بتتطلع عليا أنا." ***
جلست أمام المرآة بغرفتها تضع على بشرتها الكريم وهي تلف منشفة زهرية حول جسدها المرمرى وخصلات شعرها تقطر على جسدها. وطارق يجلس أمامها على الفراش ينعكس وجهه بالمرآة ينظر لها بحب وشغف. ابتسمت بخجل وحمرة وجهها تزدها إشراقاً. "مالك يا طارق بتبصلي ليه كده؟ اشتدت نظرته شغفاً وهو يلعق شفتيه بإغواء. "حرام يعني أبص على مراتي الجميلة ده؟ يبقى حرام عليا لما أشوف الجمال ده كله قدامي ومابصش؟ أبقى أكبر مغفل."
ضحكت بخجل وهي تمشط شعرها الحريري ليشير لها من المرآة أن تقترب منه. "نونتي الحلوة، تعالي هنا جنبي." هزت كتفيها بدلال ووجه طفولي يحمر خجلاً. ليقترب منها بخفة ويحملها كطفلة صغيرة بين يديه. رفست بقدميها الرشيقة وهي تضحك بأنوثة. "بس يا طارق، نزلني." وضعها فوق الفراش وعيونه تتجول على بشرتها الناعمة لتشيح عينيها بعيداً. لينهال على وجهها بشفتيه الساخنتين بقبلاته الناعمة ويلقي بكلمات الغزل على مسمعها.
"عيون طارق وقلب طارق وحب عمره، بعشقك نونتي، بحبك كل يوم أكتر من اليوم اللي كان قبله. بحبك وأنتِ مستخسرة عيونك وعينيّ يتقابلوا." قهقهت بتفاجئ من كلمات الأغنية التي ألقاها ورفرف قلبها من رقة كلماته. لتداعب صدره الصلب بأناملها الرقيقة وهي تسرح بصفاء عينيه الفيروزيتين. "وأنا كمان بعشقك يا طارقوتي، يا قلبي وروحي وعمري."
ارتشف شفتيها الناعمتين الكرزيتين بين شفتيه يسحقها بقوة ويده تعبث بالمنشفة الزهرية لتسقط عن جسدها الناعم كاشفاً تضاريسه الرقيقة. قبل عنقها بشدة نزولاً لمقدمة صدرها يقبله ويترك عليه علامات شغفه وحبه واشتياقه لها. عانقته بشدة وهي تدفن رأسها بين حنايا رقبته وتقبله. ثم همست بخفوت مثير. "طاطا حبيبي." ابتسم طارق وداعب وجنتها. "لسه فاكرة طاطا؟ كنتِ دايماً تناديني كده وإنتي صغيرة." قبلت شفتيه برقة.
"عمري ما أنسى أي موقف أو أي كلام كان بينا يا روحي." ضمه أكثر لصدره يسحق جسدها بين ذراعيه القويتين. "وإنتي كل حياتي نغم، ارجوكِ متزعليش مني أبداً." هزت رأسها وأناملها تداعب شعر صدره. "أنا عمري ما بزعل منك عشان عارفة إنت بتحبني قد إيه، بس نفسي تسمع كلامي." تنهد بغضب وسحب سيجارة من علبته الموضوعة على الكومود بجانبه. "تاني يا نغم؟ مش بتملي من الموضوع ده؟ جلست على ركبتها أمامه.
"طاطا حبيبي، وإيه يعني نجرب مرة كمان عشان خاطري؟ أخرج دخان سيجارته بعصبية وهو يقف يرتدي شورت. "نغم حبيبتي، إحنا عملنا العملية دي 4 مرات، مرتين في مصر ومرة في أمريكا ومرة في ألمانيا، ومافيش فايدة. أنسي يا نغم، أنا مش عايز ولاد." دمعت عيناها وبدأت الدموع تنساب على وجنتيها. احمرت أنفها بشدة وهي ترتجف. "لكن أنا نفسي أبقى أم يا طارق، أرجوك بلاش تحسسيني إني عجزة. نجرب مرة كمان أرجوك." مال بجسده وقبل جبينها قبلة عميقة.
"أوك يا نغم، بس اديني فرصة أرتب أموري ونطمن على بابا." قفزت بسعادة كالطفلة تعانقه بشدة وتضحك وهي تعانقه بحب. تابع في الجزء الثاني من الفصل الثالث. *** جلس مراد برفقة صديقه عدنان بكافيتريا المطار ينتظران موعد رحلته إلى دبي. يحتسوان النسكافيه ويتحدثان عن رحلتهما. أطلق عدنان صافرة طويلة. "شوف يابني المزز، ياما نفسي ارتبط بمزة من دول." رفع مراد حاجبيه بتذمر. "أنا بقا جالي إحباط من صنف الحريم كله." ضحك عدنان ونظر لمراد.
"عندك حق طبعاً، جيرمين دي تجيب إحباط لشباب العالم. في حد يرتبط بواحدة اسمها جيرمين؟ أعوذ بالله، دي كان عليها بوز أوف عقد." زفر مراد أنفاسه بضيق. "والنبي ماتفكرني! وقال إيه أمي كانت عايزاني أتجوزها! ده أنا كنت هموت ناقص عمر. بس اسكت، كتك نيلة بتفكرني ليه." أشاح عدنان بيده وأشار على فتاة أجنبية. "هي دي المزز اللي تفتح النفس. أنا عايز أتزوج واحدة كده وأسافر معاها زي أخوك يوسف، مراته كانت قمر."
تنهد مراد بمرارة حزناً على أخيه. "الله يرحمها، كلارا كانت جميلة وكانت بتعشق يوسف." ثم ضرب عدنان بخفة فوق رأسه. "بطل نق بقا ويلا، بوابة الطيارة اتفتحت." وقف عدنان يحمل آلته الموسيقية وحمل مراد جيتاره وهو يهز حاجبيه بسعادة. "يلا بينا على دبي يا معلم، نمرح ونلعب." صرخ عدنان بسعادة. "جايلك يا دبي." ليركضوا بسعادة إلى الطائرة. ***
أخرج يوسف من درج مكتبه ألبوم صور وتصفح بعض الصور التي تجمعه مع أصدقائه. ليتوقف عند صور معينة تجمعه بأصدقائه. "كريم عزمي وأكرم فهمي." ليبتسم وهو يحمل هاتفه. *** بمكتب كبير بمجمع النيابة العامة، وقفت سيدة في أواخر الثلاثينات تبكي وتنوح. "والله أنا مظلومة يا باشا، المخدرات دي ولا أعرف عنها حاجة." نظر بسخرية وقال بصوت شامخ. "يعني يا بدرية، تحريات المباحث غلط وإنتي اللي صح؟ اللفة دي خرجت من بيتك يا مفترية؟
نص لفة حشيش وربع كيلو بانجو وتقولي مظلومة." ارتجفت السيدة أمامه وقالت بتلبك. "يا باشا، أنا بطلت الكلام ده من زمان، أنا بخاف على عيالي." مسح وجهه بغضب وبصوت غاضب تكلم. "بتخافي على عيالك ومش خايفة على عيال الناس؟ بصي بقا، أنا قدامي حرز وشهود ومش عايز لف ودوران يا ست انتي." نظر إلى الكاتب بجانبه.
"أمرنا نحن كريم عزمي، وكيل نيابة شرق، بتجديد حبس المتهمة بدرية الحلو بالحبس على ذمة التحقيق 15 يوم، على أن يتم التجديد في نفس الموعد." صرخت السيدة وهي تتصنع البكاء. "وربنا حرام، ده ظلم." دق الجرس ليدخل الحارس ويأخذ المتهمة للحبس. اتكى برأسه للخلف وهو يشعر بالإرهاق يحتل جسده ورأسه. ليدق هاتفه. فتح الهاتف ليقول بصوته المميز. "حققت مع كام مجرم النهارده." هتف بفرحة. "يوسف سيف الدين! وأنا أقول مصر نورت ليه." ***
تنهدت بتوتر. "يعني إيه؟ مش عايز تطلق؟ أنا مش عايزاك، مش طايقاك، طلقني بقا." صدر الصوت الرجالي العميق عبر الهاتف هادئاً مستكيناً. "لا يا ناريمان، مش هطلقك واللي عندك اعمليه." ثم تبسم بهدوء وهو يحرك قلمه. "اوعي تفتكري إني بحبك أو بموت فيكي زي زمان. إنتي ولا حاجة بالنسبالي، بس زي ما خسرت نفسي وخسرت صاحبي بسببك، لازم أخليكي تخسري إنتي كمان." صرخت عليه بغضب بعد أن فقدت أعصابها. "بقا كده يا أكرم؟
طيب أنا هرفع قضية خلع وأعرف أطلق منك." تنهد بسخرية. "وأنا هرفع قضية ناشز عليكي وهطلبك في بيت الطاعة. قضية قدام قضية، وحلني بقا. إنتي عارفة حبال المحاكم في مصر طويلة يا روحي." شدت شعرها بغضب. "إنت مصمم بقا على المشاكل؟ هز رأسه وهو يضحك باستفزاز ليصلها صوت ضحكته المستفزة التي تحفظها جيداً.
"أيوه مصمم. وعلى فكرة، إنتي ولا تهميني في حاجة، بس عايز أذلك يا ناريمان العزيزي. وخد بالك، يوسف عمره ما هيفكر فيكي، إنتي انتهيتي بالنسبة ليوسف زي ما انتهيتي بالنسبة ليا. سلام يا زوجتي العزيزة." أغلق الهاتف لتشتعل غضباً وتلقي الهاتف بقوة وهي تصرخ بغيظ. "يا حقيرررررر! *** دخل أدهم على صوت صراخها مفزوعاً. "في إيه يا ناريمان؟ أنا مش هخلص من عصبيتك دي، إنتي بقيتي لا تحتملي." وقفت أمام أبيها تهز كتفيها بعصبية.
"اتصرف يا دادي، الحقير ده مش عايز يطلقني وبيهددني إنه هيرفع قضية ناشز وكمان يطلبني في بيت الطاعة. اعمل حاجة." جلس أدهم على الأريكة وارجع ظهره للخلف مستنداً. "أعملك إيه؟ مش ده اختيارك من الأول؟ ماسمعتيش كلام حد ورحتي اتجوزتيه وسبتي يوسف عشانه؟ وقولتلك أنا وأخوكي وعمتك مليون مرة ده مش مستوانا. اتحججتي بكلام فارغ، قال إيه بيحبني وهيكون زي العجينة في إيدي. أدي العجينة الطرية بقت ناشفة يا مدام."
جلست أمامه تضع رأسها بين يديها. "خلاص يا دادي، مش وقت الكلام ده. أرجوك ساعدني." وقف متوجهاً إلى مكتبه يتكلم بعصبية وتوتر. "اسمعي يا ناريمان، أنا عندي مشاكل ومش عارف أحلها. من يوم ما شرف سي يوسف بتاعك، سبيني أحل مشاكلي وبعدين أشوف مشكلتك." ذهبت خلفه ووضعت يدها فوق أكتاف والدها وابتسمت بخبث ودهاء. "حل مشكلتي يا دكتور، وأوعدك بعدها يوسف هيبعد عنك نهائي وينشغل بيا أنا." فكر أدهم قليلاً وابتسم بتوتر.
"طيب يا حبيبتي، سبيني أفكر وأشوف هعمل إيه مع الواطي ده." *** ابتسم كريم بفرحة. "وحشتني جداً يا جو، حمدلله على سلامتك." تعالت ضحكات يوسف. "بقا يا ندل ولا تسأل عليا من أسبوعين من ساعة آخر مرة كلمتك فيها ولا تتصل تشوف وصلت إمتى." داعب كريم شعره وتنحنح. "إنت في مصر من يومين؟ شوفت متابع أخبارك إزاي؟
بس أعمل إيه، الأيام اللي فاتت كنت مشغول أوي والله يا يوسف. عندي كام قضية فساد من اللي قلبك يحبهم وكنت مشغول على الآخر. بس عرفت من مراد إنك وصلت بالسلامة إنت وملك. قابلته من امبارح في النادي الصبح وقالي." "ولا يهمك يا صديقي، أنا عاذرك. بس لسه الفساد في البلد دي مش هننتهي منه، آمال ثورة إيه بس اللي اتعملت." تنهد كريم بحزن. "الفساد زاد يا دكتور مش بيقل. المهم، مش هشوفك انت بجد واحشني. فين أيام زمان وقهوة الفيشاوي؟ فاكر؟
شرد يوسف قليلاً وابتسم. "طبعاً فاكر يا كيمو. دي أيام تتنسي بردو؟ فاكر لما كنت إنت والرخم أكرم تغلسوا عليا وتقولوا ابن الذوات في الحسين على قهوة الفيشاوي." ضحك كريم بشدة. "طبعاً فاكر، كنت بتتغاظ مننا أوي. وأيامها قلت إيه رأيكم؟ أنا هشتري شقة هنا. كانت أيام يا يوسف، بجد مفتقدك." سكت يوسف قليلاً ثم سأل كريم بتردد. "بتشوف أكرم؟ شعر كريم بالإحراج من يوسف وسؤاله عن أكرم.
"طبعاً بشوفه كل يوم خميس بنسهر شوية نتعشى ونروح القهوة نلعب طاولة للصبح. بس قولي بصراحة يا جو، إنت لسه شايل منه بسبب ناريمان بنت خالك؟ أرجع يوسف رأسه للخلف وزفر أنفاسه بهدوء. "كنت شايل، بس دلوقتي أحلف لك بحياة ملك، ولا في راسي الموضوع. لدرجة إني نفسي أشوفه وأغلبه في الطاولة زي زمان. بس ياترى هو عايز يشوفني؟ ابتهج كريم من تصريح يوسف وقال بفرحة.
"ده نفسه يشوفك. ومن يوم ما عرف إنك وصلت وهو فرحان، بس مكسوف يكلمك خصوصاً إن بنت خالك المصون طالبة الطلاق." هز يوسف رأسه بأسى على صديق عمره الذي كاد أن يخسره بسبب حقد وطمع ناريمان. "للأسف عرفت وحزين على أكرم، لأني عارف ناريمان كويس قد إيه إنسانة أنانية. بس النصيب." ابتسم ليقول بمرح. "شكل أكرم عمل حاجة وحشة في حياته."
ليقهقه كريم على خفة دم يوسف ومرحه الذي افتقده في فترة موت زوجته. ولكنه عاد يوسف الظريف المحبوب كما كان. طرق باب مكتب كريم ليدخل شخص آخر سوف يتم التحقيق معه. ليحدث كريم بصوت هادئ. "بقولك يا جو، عندي شغل دلوقتي مضطر أقفل. بكرة خميس، إيه رأيك نتقابل؟ ارتفعت زاوية فمه بابتسامة. "طبعاً نتقابل بكرة إن شاء الله في الحسين. ويا ريت أكرم يكون موجود عشان وحشني." *** اتصلت آمال على أدهم وهي متوترة.
"الو، أيوه يا دكتور، الحقنا. دكتور يوسف طلب من سعاد ملف شمس وكمان سألها عن الحالة. نعمل إيه؟ وقف أدهم بغضب وضرب طاولة مكتبه بيده. "إيه؟ إزاي؟ أنا سايبه وكل حاجة تمام؟ ولا سألني؟ وبعدين معاك يا يوسف؟ إنت هتلعب معايا ولا إيه؟ طيب اسمعي يا آمال، خلي سعاد تقدمله الملف عادي، مفيش حاجة تقلق. وإنتي اطلعي بشمس للجنينة شوية وبلاش أي أدوية دلوقتي، وأنا جاي حالا. وزي ما فهمتك إنتي وسعاد، تقولوا إيه ليوسف."
عرق بارد أغرق جبين أدهم وشعر بأنه يوسف سوف يكشف كل شيء قريباً. فرك كف يده بتوتر وقال بهدوء يسبق العاصفة. "ماشي يا يوسف، وماله. ألعب شوية وأنا هلعب معاك." *** فتحت آمال باب الغرفة بعنف ودخلت بغضب لتجدها تجلس على الأرض أمام النافذة تضم قدميها لصدرها ورأسها بينهم. لتشقق بخفة وتشعر بالخوف من وجود آمال أمامها. شدتها من ذراعها بقسوة. "تعالي يا ست هانم، شكلنا هنروح في داهية بسببك. يخربيت اليوم اللي شفناك فيه."
انسابت دموعها على وجنتيها المتوردة وشفتيها الزهريتين بلون الورد. تحركت بتلبك تهمس بزعر. "مششش عايزة أتكهرب." لوت آمال شفتيها. "تعالي، مفيش زفت كهرباء. إحنا عارفين نعمل حاجة من اللي قاعد فوق قلبنا ده. الدكتور أمر تخرجي للجنينة." اقتربت من شمس بعيون قاسية جامدة. "وأياكي، أياكي تنطقي بكلمة مع حد. أنا هراقبك كويس، وإلا مش هرحمك أنا ودكتور أدهم. فاهمة؟ هزت رأسها بخوف وذعر وهي تنكمش على نفسها. ***
ارتدت فستان حرير أحمر مغلق من الصدر والظهر كاشف عن أكتافها وذراعيها. ضيق من الصدر وواسع حتى منتصف ركبتيها يظهر قدميها الرشيقتين. رفعت شعرها بطريقة عشوائية تتدلى منه خصلات ناعمة تداعب بشرتها الناعمة. وقف طارق يتأملها بعيون عاشق بعد أن ارتدى بدلة سوداء وقميص أبيض ناصع. اقترب منها وطبع قبلة عميقة فوق أكتافها. "هو القمر نزل على الأرض ولا إيه؟ ابتسمت ويدها تحوط خصره. "يسمح لي حبيبي أختار الكرافتة على ذوقي."
أخرجت ربطة عنق سوداء منقوشة بلونين الأبيض والأحمر ولفّتها حول عنقه برقة وهي تقبله برقة. قبل يدها وغمز بعينه. "جاهزة؟ أشارت له بإصبعها. "ثانية واحدة حبيبي، أدي خالو الأدوية بتاعته وأجيلك حالا." رفع طارق حاجبيه بتعجب. "طيب ما شروق أو رانيا، أي حد منهم يدي الأدوية لبابا." تلعثمت قليلاً لتقرصه بخفة من وجنتها. "شروق خرجت مع فهد ورانيا مشغولة مع فارس في درس البيانو، ومافيش غيري. أسيب خالو من غير أدوية؟ ثواني بس يا طارق."
هز رأسه بتفاهم وقبل جبينها. "حبيبتي الجميلة، ربنا يخليكي لينا يارب." *** خرجت بها آمال للحديقة لترفع شمس رأسها تنظر للغروب الشمس وتستنشق الهواء النقي. لقد مر وقت طويل وأشهر كثيرة، لا تعلم عددها، لما ترى شيء أو أشخاص غير ثلاثة فقط وهم سعاد وآمال ودكتور أدهم. جلست بها آمال تنظر لها باستغراب ثم ابتسمت بسخرية.
"أول مرة أشوفك بفستان، مكنتش أعرف إنك حلوة كده. بس الحلو حلو الطبع، وإنتي قاتلة ومجرمة. اللي يشوفك يقول عليكي بريئة." *** نظرت لها بحزن عميق يتغلغل داخل قلبها. لا تلوم هذه الغريبة في شيء. أخواتها أقرب من لها من أي شخص. ظلموها وتركوه تتعذب ويتفنون في عذابها، وفي النهاية ها هي ملقاة في مصحة نفسية. فهل هذه الغريبة سترأف بحالها؟
استمعت لكلماتها بصمت ودموعها لا تتوقف. نظرت أمامها لتجد رجلاً مسناً يجلس على طاولة ويقرأ الجريدة. شقت ثغرها ابتسمت رقيقة وهي تتذكر والدها الحنون. تنهدت بحزن ورددت بينها وبين حالها. "بابا حبيبي، وحشتني أوي. ياترى قالولك عني إيه؟ ياترى صدقت إني قتلت طنط درية وإني حقيرة وواطية طمعت في جوز أختي."
شردت قليلاً في ملامح الرجل الذي ذكرها بوالدها الحبيب لتتذكر. والدها يجلس بحديقة الفيلا يحتسي فنجان الشاي كعادته وبيده الجريدة اليومية. ركضت كعادتها كالفراشة الملونة بفستانها الأصفر القصير وقدميها الصغيرتين تلمس العشب النادي. اقتربت منه وقبلته بقوة على وجنتها. "يا صباح الفل على أجمل بابا في الدنيا." ضمها والدها لصدره وقبل رأسها. "روح قلب بابا، شمس حياتي. مافيش جامعة النهارده ولا إيه؟
وضعت إصبعها الصغير داخل فمها وهي تحرك مقلتيها بشقاوة وسعادة. "لا، مفيش. أنا هخرج النهارده بعد إذنك مع طارق ونونه." قاطعتها درية بحنان. "مفيش خروج غير بعد الفطار." ركضت عليها بمرح. "طنط درية حبيبتي، صباح الورد." ابتسمت درية بحنان وهي تضمها لصدرها. "برضه مش هتخرجي من غير فطار. اتكلم يا جلال." قال جلال وهو يقلب صفحات الجريدة. "درية عندها حق. كلي الأول، أكيد طارق فطر هو ونغم. افطري إنتي كمان واخرجي معاهم."
قبلت والدها وزوجة أبيها التي تعاملها بحنان ولطف. "حاضر، هفطر. عن إذنكم." *** مر على باقي المرضى قبل أن يغادر المشفى وسعاد بجانبه تتابع في صمت. انتهى من معاينة مرضاه. "سعاد، عايز أشوف مريضة 212." تلعثمت سعاد قليلاً وأخذت نفساً عميقاً. "شمس." نظر لها وابتسم قليلاً. "اسمها شمس، اسم حلو." ابتسمت سعاد بصدق. "أيوه والله يا دكتور، شمس وهي شمس زي القمر. ربنا يشفيها." وضع إمضائه على بعض التقارير وسأل سعاد بصوت أجش.
"حالتها إيه؟ أنا لسه ما قرأتش تقرير الحالة." تنحنت سعاد قليلاً تجلى صوتها. "حالة انفصام في الشخصية وأعراض البارافرينيا." رفع رأسه ببطء. "انفصام وبارافرينيا؟ دي حالة معقدة جداً. بيجيلها هواجس." هزت سعاد رأسها بحزن وهي مضطرة للكذب. "أيوه يا دكتور، مثلاً أخوها عايز يقتلها، ورمت مرات أبوها من الدور الثاني وماتت. ده غير... شعرت سعاد بالخجل ونظرت لأسفل. "بيجيلها حالة هوسية مصحوبة ب..... فهم عليها يوسف وسألها.
"اتهمت حد بالاغتصاب أو التحرش؟ "أيوه يا دكتور، جوز أختها." هز رأسه وهو يضم شفتيه. "حالتها صعبة جداً، بس عايز أشوفها. هي دخلت المصحة إمتى؟ ردت سعاد بحرص. "من سنة وست شهور. أبوها صديق شخصي لدكتور أدهم. هي بره في الجنينة يا دكتور." *** دخل يوسف مكتبه ونزع البالطو وارتدى جاكيت بدلته الرمادية. "تمام، أشوفها بكرة إن شاء الله عشان اتأخرت على ملك. وجعت راسي اتصالات." نظرت سعاد لفرحة عيونه بذكر ابنته.
"الله يخليه لك يا دكتور يوسف ويبارك لك فيها." *** دق هاتف آمال لتبتعد عن شمس تتحدث بالهاتف. جلست تتأمل الأزهار الملونة. إنه وقت الغروب وأشعة الشمس البرتقالية تعكس لونها على الزهور. لتخرج فراشة ملونة من بين الزهور تطير وتحلق حول شمس التي وقفت كالطفلة تقفز فرحاً بالفراشة، فهي تعشق الفراشات بألوانهم الزاهية.
وقفت بابتسامة رقيقة تراقب الفراشة وهي تطير وتحلق لبعيد. خرج يوسف للحديقة في طريقه للمغادرة، ولكن استوقفته هذه الفاتنة الجميلة التي تبتسم وتقفز بسعادة كطفلة صغيرة. وقف يتأملها من بعيد، من أطراف قدميها الناعمتين الصغيرتين حتى جبينها. مرت عيونه ببطء على ساقيها الناعمتين المكشوفتين من فتحة فستانها الملون الرقيق وهو يحتضن قوامها المتناسق ووجه جميل مزدهر في نفس التناسق ذو شعر كستنائي ناعم مجموع خلف رأسها كذيل فرس يصل لبعد خصرها. حتى وصلت عيناه إلى عينيها.
حينها، لا يعلم تحديد ماذا حدث وكم مر من الوقت يتأملها. اختفت الفراشة بين الأزهار لتختفي ابتسامتها هي الأخرى وترجع كما كانت تجلس بمكانها. اقترب منها ببطء شديد ليجدها شاردة الذهن ونظراتها مثبتة على أحد الورود وكانت تلك الوردة ذابلة وبها أوراق عديدة متساقطة. فأقترب منها وهو يضع يده في جيوب سرواله وقال بصوت دافئ وهو يرمقها بنظرة رقيقة. "ليه مركزة على الوردة دي بالذات مع إنها دبلانة؟
تفاجأت شمس من الصوت المفاجئ الذي اخترق الصمت حولها ورفعت وجهها لتنظر لذلك الدخيل، فتقابلت مع بحور العسل في عينيه الصافيتين قبل أن تقول. "الوردة دي تشبهني، خسرت كل ورقها وهتدبل وتموت زي ما أنا خسرت كل اللي أعرفهم وبقيت وحيدة مستنية نفس مصيرها." ثم وجهت نظرها مرة أخرى للزهرة. تفاجأ يوسف من نبرة اليأس في صوتها وشعر بحجم معاناتها وقال.
"بس إحنا البشر مش زي الورد، ولو واجهنا صعوبات ومحن في حياتنا مش لازم نستسلم لليأس ونستنى نموت."
فأطرقت شمس رأسها دون أن تعقب على كلامه وشردت ثانية. فهي تخاف الاحتكاك بالناس، تكاد تجزم أنها نسيت نبرة صوتها، ولكن هذا الدخيل أخرج صوتها وشعرت لثوانٍ قليلة في وجوده بالأمان والراحة. التفت يوسف ليغادر وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة صغيرة لا يعرف سببها. وفي تلك الأثناء، التفتت شمس لتراقب رحيله. فلمحت شخصاً جعل الذعر يدب في قلبها. إنه هو، جاء ليعذبها. ولم تشعر بنفسها إلا وهي تذهب مسرعة لتنادي على يوسف. "استنى، استنى."
وحين استدار يوسف لها، ارتمت شمس في أحضانه باكية وهي تهذي بكلمات متقاطعة وشهقات متتالية. "أنا خايففففه، أنا خايييييفه، ماتسبنيش." ازدادت شهقاتها وارتجف جسدها الصغير بين يديه التي لفها باحتواء حول خصرها واليد الأخرى تربت على رأسها. أشفق عليها بشدة وبصوته الهادئ الحنون بنبرته الساخنة. "متخافيش، ششششش. مفيش حد هيقدر يقربلك. ارجوكِ أهدى."
أحست شمس بالأمان والراحة بين ذراعيه لأول مرة منذ فترة طويلة. لم تحتمِ بين ذراعين. فكانوا آخر ذراعين ضمتها بينهم والدها وهو يربت على ظهرها. "متخافيش يا شمس، أنا هنا جنبك يابنتي. إنتي معملتيش حاجة." ليسقط بعدها أمام عيونها فاقداً الوعي ولم تره بعدها. *** شهقت آمال تلتفت حولها. "يادي المصيبة! ديه راحت فين؟ لتلتفت تجدها تعانق يوسف وتدفن رأسها في صدره العريض. شهقت آمال من المفاجأة واقتربت بسرعة وهي تردد. "يا نهار أسود!
صرخت بدون وعي. "شششمس... إنتي بتعملي إيه؟ لتبتعد شمس عن يوسف بسرعة وصدرها يعلو ويهبط خوفاً. اقتربت آمال بحذر. "أنا ااا أسفة يا دكتور يوسف، هي سهتني ومشيت." أومأ يوسف رأسه بحذر ونظراته متجمدة على آمال وقال بصوت لا تعبير له. "إزاي متخديش بالك من المرضى كويس؟ ها؟ وإزاي أساساً تتعاملي مع مريضة وتشخطي فيها بالشكل ده؟ لينا حساب بعدين. اتفضلي دخليها أوضتها." هزت آمال رأسها بخوف وهي تتمسك بيدها وتأخذها لغرفتها. ***
اتجهت نغم للمطبخ لتحضير وجبة العشاء الخاصة بخالها الحاج جلال قبل أن تغادر للعشاء برفقة زوجها. سمعت صوتاً من الصالون لتقف قريبة من الباب المغلق تستمع لحديث هشام مع طارق وفهد وشروق ورانيا. قال هشام بصوت غاضب. "إحنا لازم نجهز بيت المزرعة قريب وشمس تقضي الفترة هناك قبل جلسة المحكمة، ودكتور أدهم هيباشرها عشان اللي اسمه يوسف ده." زفرت شروق أنفاسها بحنق.
"أوف، أنا اتخنقت من الموضوع ده. لازم نخلص منها وبسرعة، ياما بالسجن ياما بالموت." شهقت نغم ووضعت يدها فوق فمها. ولكن حديث طارق طمأن قلبها وهو يصرخ على شروق. "موت؟ لا لا لا، أنا مش هسمح بجريمة زي دي تاخد عقابها بالقانون. وكفاية أصلاً حالة الجنان اللي هي فيها." نطقت شروق بغل وغيظ. "وأمك اللي قتلتها الهانم اللي خايف عليها؟ مش زعلان عشانها؟ ضرب الحائط بيده وتكلم من بين أسنانه.
"شروق، إنتي طول عمرك مش بتحبي شمس وكلنا عارفين كده. مش موت أمي اللي مزعلك أوي كده، شمس كانت أقرب لماما منك." صرخ هشام بشدة. "بس إنت وهي، مش وقت لعب عيال ده دلوقتي. لازم نشوف طريقة بسرعة، لازم نخلص القضية. باقي عليها شهر ولازم نشوف حل يخلصنا من يوسف سيف الدين وبسرعة." ساد الصمت بينهم، كل منهم يفكر بطريقته. *** أغمضت فريدة عينيها تأخذ نفساً عميقاً. "مش فاهمة، يعني إيه مش عايز كتب كتاب دلوقتي؟ هانم."
شدت مريم ذقنها وتكلمت بهدوء. "ماما، ارجوكِ افهميني. أنا لسه معرفش حاجات كتير عن نادر. كل اللي أعرفه إن المهندس الناجح، ابن خالي. حضرتك اللي اخترتيه وأنا وفقت، لكن كتب كتاب لا يا ماما صعب." حدقت بجمود لمريم. "أنا مش عارفة إيه اللي حصل. إنتي شديتِ نفسك بيوسف يا مريم، بس أنا اللي هقوله هيمشي. وخليكي متأكدة، بابا اللي مستني رأيه هيوافق على قراري. فاهمة؟ وقفت فريدة بكل غرور وعنجهية وقالت بصوت أمر.
"باباكي هيوصل من دبي الشهر الجاي. اعملي حسابك، كتب الكتاب في نفس الشهر ومش هقبل مناقشة." فتجمدت كل كلماتها على شفتيها من قرار فريدة الصارم. *** دخلت نغم غرفة جلال تحمل صينية الطعام. "أنا آسفة يا خالو، اتأخرت عليك." هز جلال رأسه وابتسم لنغم. أطعمته بيدها وبعد الانتهاء من طعام العشاء، أخرجت علبة صغيرة من حقيبتها بها أقراص. "اتفضل يا خالو، ده علاجك الجديد ودكتور عزيز متأكد إنك هتكون بخير على العلاج ده."
رفع جلال رأسه يبتهل بالدعاء لله عز وجل أن يتعافى حتى يستطيع أن يرى صغيرته شمس. شردت نغم قليلاً وهي تتذكر حديثها مع دكتور عزيز. "اسمعيني كويس يا نغم، أنا شاكك إن الأدوية دي بتتبدل. جلال صحته بتتأخر جداً." شهقت نغم ونظرت للأدوية بدهشة. "تفتكر إن في حد بيبدلها؟ هز عزيز رأسه. "أنا متأكد، عشان كده أنا هسلمه أدوية تانية جلال ياخدها، بس احتفظي بيها في مكان محدش يقدر يوصله. وفي خلال شهر صحة جلال هتبدأ تتحسن."
فكر عزيز قليلاً وقال. "وبالنسبة للأدوية دي، أوهمي الشخص أي كان اللي بيبدلها إن جلال مستمر عليها وهنشوف النتيجة." انزعجت نغم بشدة وارتسم على وجهها القلق. "إحساسي بيقولي إن ورا الموضوع ده فهد أو رانيا، وطبعاً شروق عارفة. مهما كانت قسوة هشام مستحيل يفكر يأذي خالو. حاضر يا أونكل، هنفذ كلامك." أفاقت نغم من شرودها على رنين هاتفها. "الو، أهلاً لجين، أخبارك إيه؟
(بخير حبيبتي، نغم أنا آسفة لأني انشغلت عنك الأيام اللي فاتت، كانت عندي رحلات كتير. أنا دلوقتي على الطيارة بستعد للرحلة لدبي، حبيت أطمن، في أخبار جديدة عن شمس؟ وقفت نغم بجانب النافذة تتكلم بصوت خافت.
"لجين، اسمعيني كويس. أنا سمعتهم بيتكلموا إن في دكتور اسمه أدهم بيعالج شمس، بس الواضح إنه على اتفاق مع هشام. وفي دكتور تاني اسمه يوسف في الموضوع ومن الواضح إنه موترهم. بس كده، ده اللي قدرت أوصله. أنا محتارة وبالي مشغول على شمس." تنفست لجين بضيق وبنبرة غاضبة قالت. "أنا مش عارفة ليه شمس بيحصل فيها كده. نغم، أنا هوصل مصر بعد 3 أيام ويريت أشوفك عشان نعرف هنعمل إيه في المشكلة دي. لازم نوصل لحل." هزت نغم رأسها.
"إن شاء الله هنلاقي حل ونوصل لشمس." أغلقت نغم الهاتف واقتربت من جلال قبلته على جبينه بحنان. "إن شاء الله يا خالو هتبقى كويس وشمس هترجع لك بسلامة." وخرجت من الغرفة تستعد لدعوة العشاء مع زوجها الحبيب. *** أغلقت لجين الهاتف وشردت لوهلة تفكر في وضع شمس وكيف ستتمكن من إيجادها. لتستفيق من شرودها على صوت زميلتها. "لجين، يلا المسافرين هيبتدوا يطلعوا." فهزت رأسها وهي ترتدي قبعتها. "أوك."
وخرجتا من المقصورة للترحيب بالركاب. في تلك الأثناء صعد مراد وعدنان للطائرة وأخذا أماكنهما وبعد برهة أعلن الكابتن عن الاستعداد للإقلاع. وبدأت لجين جولتها لتفقد المسافرين وتلبية طلباتهم. كان مراد يتمطط على كرسيه كقط كسول، فضربه عدنان على كتفه وهو يهتف به. "عيني يا بني آدم، مش مستلفها." فوقفت لجين إلى جانبهما تضم يديها وقالت بلطف. "في حاجة يا أفندم؟ عايزين حاجة؟ "أوباااا!!
" عبر عدنان وهو يصفر في حين تسمرت نظرة مراد عليها منبهراً بجمالها الآخاذ. طرف بعينه ثم قال ببلاهة. "عسل." (Pardon !!! {عفوا!! لضم عدنان شفتيه ليكتم ضحكته. فقطبت لجين حاجبيها واحتدت ملامحها ثم قالت ببرود حاد. "ممكن لو سمحت تقولي حضرتك... عايز... إيه... في مسافرين تانيين لازم أشوف طلباتهم." فاتكأ مراد بمرفقه على ذراع الكرسي وأسند ذقنه على كفه وابتسم ملا شدقيه ابتسامة استفزتها وسألها قائلاً.
"هو استفسار بسيط، هو إنتي حلوة كده من عند ربنا ولا في مناسبة خاصة؟ اتسعت عينا لجين وقد احمر وجهها غضباً وردت بانفعال. (Nnnnnn c trop tu dépasses tes limites Mr) {لا هذا كثير، أنت تتجاوز حدودك سيدي.} فاخذ مراد يرمش بعينيه وقد أرخى ذقنه أكثر على كفه. "حد قالك قبل كده إنك بتحلوي أكتر لما تتعصبي؟ فاقتربت لجين منه أكثر وهي تشير له بإصبعها والشرر يتطاير من عينيها وقالت وهي تشد على أسنانها بغضب.
"اسمع يا شسمك، barre tes limites خير الك، اش تسخايل في روحك الصخطه هذا مرمزك و مبلدك و مثقل دمك تو زعما زعما عامل فيها ضامر، يعجبكشي تو اا الهموم الجامده هالصباح." لتتنفس بقوة وغضب تكاد تشبه تنين ينفث النيران. تدلى فك مراد ببلاهة وهو يطالعها بنظرات يلوحها الغباء ليقول. "هو إنتي بتشتميني ولا أنا إحساسي غلط؟ لينفجر عدنان ضحكاً ضحكة مدوية وهتف. "جوووول الحوت على بنت بلادي معلللللمة." فالتفت إليه مراد بسرعة وهمس بغضب.
"إنت يا غلس، ترجم لي يعني إيه أنا اتهزأت!!! فزاد ضحك عدنان أكثر لتنظر إليه لجين وهي تبتسم باستخفاف وقالت. "يسخف مسكين، اعمل فيه لربي وترجمله." وتركتهما وغادرت، بينما بقي عدنان يضحك فرماه مراد بنظرة غاضبة وقال وهو يضيق عينيه. "عارف لو ما ترجمتليش البت دي كانت بتقول إيه، هرميك من الطيارة وأبقى خلصت البشرية منك." فأجاب عدنان من بين ضحكاته. "طيب... طيب هقولك بس بشرط." "إنت هتتشرط كمان؟ انجز." فارتخى عدنان في جلسته وقال.
"عرفني إن جي، أترجم لك وإلا هقلب على تونسي وأدي دقني لو فهمت مني كلمة." وأرفق كلماته بابتسامة عريضة وحاجباه يتراقصان. فزفر مراد أنفاسه وقال. "طول عمرك سافل، طيب هعرفك عليها." فهب عدنان وعدل جلسته وهو يشرح بفرح. "إنت كده عيني، بص يا سيدي، الاخت الكريمة كانت بتقولك... الزم حدودك وإنت فاكر نفسك مين يعني، وقالتلك يا رمة وإنگ فاكر نفسك ظريف ودمك خفيف و... بس كده." "أنااااا!!! " رد مراد بانفعال مشيراً لنفسه.
فضم عدنان شفتيه وهز رأسه مؤكداً. "إييييييون إنت." *** حطت الطائرة في مطار دبي وبعد إنهاء الإجراءات خرج مراد وعدنان من باب المطار وكانت هناك سيارة أجرة واقفة، فاخذ مراد يلوح لها ثم ركض نحوها ليصطدم فجأة بفتاة التي سرعان ما رفعت رأسها ليهتفا معاً. "إنت/إنتي!!!!!! إلى اللقاء مع الفصل الرابع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!