نظرت إليه بدهشة غريبة قبل أن تسأله بريبة، رافعة إحدى حاجبيها: -وإنت مالك ومال سمرة يا ممدوح؟ أجابها متشدقًا: -جرى إيه يا سعاد؟ دا وقت غيره برضوا؟ البنية لما عرفت إنها هربانة من أهلها وإنتي مراعيها، بصراحة صعبت عليا، خصوصًا لما شفت الواد ابن عمها ده اللي شكله ما يطمنش. -آه.. طيب يا أخويا متحملش همها إنت.. هي واعية وتعرف تتصرف كويس. همت لتصعد الدرج ولكنه أوقفها مرة أخرى بيده: -هتتصرف إزاي بس وهي غريبة عن البلد؟
هي ليها حد هنا نازلة عنده؟ زفرت بضيق هاتفة بحنق: -وإنت مالك يا ابن الناس إن كان ليها ولا ملهاش؟ أهي قاعدة مع ناس كويسين وخلاص.. سيبني بقى أطلع للعيال، أوووف. قالت الأخيرة وهي تصعد الدرج، وهو نظر في أثرها يتمتم بصوت خفيض: -ماشي يا سعاد، أنا ليا صرفة برضوا. *** -لو سمحت أنا مسمحلكش تكررها تاني. قالتها بغضب عاصف، ووجهها أصبح كتلة حمراء ملتهبة، فتراجع هو رافعًا ذراعيه باستسلام: -خلاص والله، أهو خلاص.. اهدى بقى ومتزعليش.
هدأت أنفاسها قليلًا وهي تحاول السيطرة على غضبها، فتابع هو: -أنا مكنتش أعرف إنك عصبية أوي كده وغضبك سريع لدرجادي.. بس أنا مش ماقصدتش حاجة وحشة.. أنا بتصرف بطبيعتي. حاولت إحكام عقلها رغم شعورها بعدم الراحة من نظراته المتفرسة لها والغير بريئة، فردت أخيرًا بهدوء: -ماشي حضرتك.. أنا فهمت وجهة نظرك، بس ياريت إنت كمان تكون فهمت إني مبحبش الهزار بالأيد ولا غيره. مال برقبته يردف مبتسمًا: -ولا غيره!!
إزاي بقى في حد ما بيضحكش ولا بيهزر! ارتدت للخلف حينما وجدته عاد لأسلوبه مرة أخرى، فقررت إنهاء الجدال معه قائلة بابتسامة متكلفة: -على فكرة أنا اتأخرت عن لبنى هانم.. عن إذنك بجى. قالتها وتحركت على الفور دون انتظار رده، كانت تسرع بخطواتها لشعورها بنظراته المتفحصة تخترق ظهرها، حتى اصطدمت برؤوف وهو خارج للحديقة، فتراجعت بحرج شديد: -أنا آسفة ماكنتش واخدة بالي. حاول إخفاء ابتسامته ليسألها بجدية: -بتجري ليه؟ في حاجة؟
هزت رأسها تنفي، واستأذنته للدخول، فشعر ببعض الحيرة وهو ينظر لأثرها، ليفاجأ بتيسير وهو قادم يصيح عليه كعادته: -أؤوفه حبيبي وحشتني يا غالي. عقد حاجبيه سائلًا: -تيسير!! إنت هنا من إمتى؟ اقترب بخطواته قائلًا: -أنا واصل حالا دلوقتي.. ليه في حاجة؟ أومأ برأسه نافيًا: -لا مفيش حاجة.. تعالى اتفضل. *** وفي الجنوب.
كان جالسًا على مقعده يتلاعب بهاتفها الذي أهداه لها حينما كان هائمًا بعشقها، وهو يبني أحلامًا سعيدة لحياتهم القادمة معًا. كم مرة هاتفها عليه وأسمعها كلمات العشق والغزل، وهي تبادله الرد بخجل، فتزيد من اشتعال عشقها بقلبه. لماذا جعلته يحلق في سماء عشقها كالمغيب، ودون سابق إنذار تركته يسقط على رأسه، ليفيق على هذه الحقيقة المؤلمة والموجعة، بهروبها قبل الزفاف بأيام قليلة. صاحبة القلب المتحجر!
لقد دهست على قلبه ولم تبالي بجرحه ولا كرامته، كتركها لهذا الهاتف أيضًا. تنفس بعمق وهو يغمض عينيه ويسأل نفسه هذا السؤال للمرة المائة: -لماذا تركتني ولم تفصح عن السبب؟ لماذا تركتني في هذا الوقت تحديدًا؟ لماذا؟
اعتدل في جلسته ليتفقد هذا الهاتف الذي فتحه سابقًا لفحص سجل المكالمات ومعرفة من يحادثه خلال رحلة بحثه عنها، ليجده ينفتح مرة أخرى تلقائيًا دون عناء، فيبدو أنها لم تضع كلمة سرية لفتحه. تعجب داخله أن امرأة في ذكائها ولا تضع باسورد لهاتفها لحمايته من التطفل والسرقة.
تصفح ما بداخله فوقعت عيناه على صورتها، فتسمرت نظرته عليها، فهي جميلة بشكل مبهر وسارق للعين، ولكنها غدارة وخائنة. هم ليدخل في الرسائل لعله يجد دليلًا على خيانتها، ولكنه استوقفه صياح شقيقته التي دلفت إليه فجأة: -تعالى شوف أبوك يا رفعت. رفع أنظاره إليها مجفلًا: -مالوا أبويا يا مروة؟ -بيزعق ومبهدل الدنيا جوه مع أمي! دلف إلى غرفة أبيه ليجده ما زال يصيح بصوته العالي على زوجته نفيسة، ملوحًا لها بالعصا
العتيقة كي لا تقترب منه: -إياكم حد فيكم يجرب مني يا ولاد الـ... غوروا من وشي، مش عايز أكل ولا شرب منكم. اقترب منه بروية: -مالك بس يا بوي؟ إيه اللي مزعلك؟ لوح أيضًا ناحية رفعت بالعصا: -وإنت كمان غور معاهم، مش عايز حد فيكم.. ما أنا كده كده ميت، عايزني في إيه. خاطب رفعت والدته الملتصقة بالحائط سائلًا: -هو إيه اللي حصل؟ نفيسة ودمعتها ساقطة على وجنتيها:
-كان بيسألني على ميعاد الفرح وأنا قلتله هأجله وبس كده مزودتش كلمة حتى! صاح الرجل بصوته العالي: -عشان بتخبوا عليا ومعتبريني "ميت"، بس بياكل وبيشرب. تقدم نحوه بخطوات بطيئة: -ليه بتجول كده بس يا بوي؟ أجفلهم الثلاثة سائلًا بحدة: -هو الواد قاسم راح فين؟ أنا عايز أشوفه. مروة بدهشة: قاسم! ردد خلفها وهو يخاطبهم:
-أيوه قاسم، وقبل أي حاجة أنا عايزكم تحكولي كل اللي حاصل من ورايا.. يا أما والله لأحلف ما أحط لقمة في معدتي لحد ما أموت. *** عرفتي آخر الأخبار يا أما؟ هذا ما قالته رضوى وهي تتقدم بخطواتها لداخل غرفة نعيمة، التي رفعت أنظارها إليها مجفلة: -إيه هي بقى آخر الأخبار؟ جلست على طرف الفراش بجوارها تردف: -مش أنا جوازتي اتأجلت واحتمال كبير تتلغي! ضربت نعيمة بكفها على صدرها بجزع:
-فال الله ولا فالك يا بنتي.. إنتي ليه بتجولي كده بس؟ ابتسمت بسخرية مريرة: -فيه إيه يا أما؟ اشحال إن ما كنتي إنتي بنفسك جايالي زمان.. "لازم سمرة تتجوز رفعت عشان جوازتي أنا تتم بقاسم".. مش دا برضوا كلامك يا أما؟ أسدلت نعيمة أجفانها مدعية النظر في قطعة الملابس التي تحيكها من أجل زوجها، فتابعت رضوى: -وادي المحروسة هربت والجوازة اتأجلت والمحروس خطيبي محدش عارفلوا طريق.. أكيد بيدور عليها ولا يمكن هرب معاها؟ تركت نعيمة
ما بيدها تنهرها بغضب: -عيب عليكي يا رضوى، دي بت عمتك دي اللي بتخوضي في عرضها. -تاني يا أما بتدافعي عنها.. حتى بعد ما خربت جوازة بتك وجطعت فرحتها.. إنتي إيه يا شيخة، عملاك إنتي كمان سحر زي ما بتعمل للرجالة اللي بيجروا وراها ويسيبوا مصالحهم؟ أنا تعبت وجرفت، تعبت منكم ومن حظي اللي مش راضي يتعدل واصل. قالت الأخيرة وهي تنهض عن الفراش، فنادتها نعيمة قبل أن تخرج من الغرفة: -رضوى يا بنتي. التفتت إليها ترد على مضض: -نعم!
عايزة إيه تاني يا أما؟ نعيمة بحزن: -اتغيرتي جوي يا رضوى من يوم ما اتخطبتي لـ قاسم.. السواد ملا جلبك يا بنتي، أنا مبجيتش عارفياكي. حدقت في والدتها بنظرات مبهمة، ثم خرجت من الغرفة دون أن ترد بكلمة واحدة عليها. ***
وعودة للعاصمة، فبعد أن أنهى جلسته مع تيسير، الذي أتى في زيارة مفاجئة لهم على غير العادة، توجه لغرفة مكتبه لمراجعة بعض الملفات المطلوبة في عمله، وعلى باب الغرفة وقف متسمرًا حينما رآها جالسة على كرسي بجوار مكتبه منهمكة في قراءة إحدى الكتب أمامها. ظل على وضعه لدقائق لا يعلم عددها، وهو لم يمل من مراقبتها كالمسحور، حتى رفعت هي أنظارها دون قصد، فنهضت مجفلة تعتذر: -رؤوف بيه! معلش أنا آسفة، ماخدتش بالي والله.
تقدم هو إليها مبتسمًا برحابة: -لا ولا يهمك عادي.. أنا أصلًا مش مضايق. أكملت بحرج: -لا، إنت عندك حق تضايق.. بس بصراحة أنا الرواية شدتني جوي ومدريتش بنفسي وأنا بسحب الكرسي وأقعد وأندمج فيها. -هي رواية إيه اللي عجبتك؟ ممكن أشوف؟ تناول الرواية من يدها، فتملكته الدهشة حين رأى الغلاف، فعقد حاجبيه بحيرة يسألها: -هو إنت بتقري في الأدب الروسي؟ أجابته بعفوية: -عادي يعني.. أنا أساسًا بحب القراية وبحب أتعرف على ثقافات الشعوب.
ترك الرواية بيده وعيناه تعلقت بأعينها وهي مسبلة جفونها بخجل، ليردف أخيرًا: -المكتبة كلها مفتوحة ليكي يا سمرة، تقري منها اللي يعجبك وفي أي وقت كمان. أومأت برأسها بابتسامة خجلة: -متشكره جدًا حضرتك، أصل أنا بصراحة بعشق قراية الروايات. -كويس أوي. -عن إذنك بجى. -طب خدي الرواية معاكي بقى، كمليها قبل ما تنامي. تناولتها منه بسعادة تحاول جاهدة لإخفائها.
بعد أن خرجت، جلس على حافة مكتبه شاردًا لفترة ليست بقليلة، ثم ما لبث أن تناول هاتفه، ضغط على إحدى الأرقام التي تخص إحدى الشخصيات، ولم ينتظر طويلًا، فقد آتاه الرد سريعًا: -رؤوف بيه! يا أهلاً وسهلاً! يا راجل أخيرًا افتكرتنا. -عزت باشا... وإنت حد يقدر ينساك برضوا. -لا يا عم، أنا لازم أشوفك.. المكالمة دي ما تنفعش. -قريب إن شاء الله أجلك زيارة.. هو إنت لسه برضوا بتخدم في الصعيد؟ -آه يا باشا، واترقيت كمان.
-ألف مبروك يا عم، تستاهلها والله.. طيب حيث كده بقى أنا عايز منك خدمة صغيرة. -أؤمر يا باشا. -الأمر لله.. شوف يا سيدي، أنا عايزك تستعلملي عن اسم.. ثواني كده، هاجيبلك البطاقة. *** بعد أن أنهى طعامه على عربة الطعام الشعبية. جلس مرة أخرى على إحدى الطاولات الصغيرة للقهوة التي أصبحت المقر الدائم لهم في النهار وسيارته مأوى للنوم ليلاً. "محسن" وهو يهرش بأصابعه على أنحاء متفرقة من جسده:
-وبعدين بقى يا "قاسم" إحنا هانفضل هنا لحد امتى؟ تحدث والسيجارة في فمه وهو يحاول إشعالها: -هي حكاية.. ماقولتلك مش متحرك غير لما ألاقيها. ارتفعت يده ليهرش خلف عنقه مردفاً بضيق: -أيوه بس أنا تعبت من نومة العربية.. وجسمي كله بياكلني عايز أسبح وأغير خلجاتي. نفث دخان سيجارته على وجه "محسن" ليقول: -قولتلك مش هاتحرك غير وهي في يدي.. تحب أغنيهالك عشان تفهم. صاح عليه بسأم:
-طب يا عم ماتتحركش بس للأجل.. احجز لنا في لوكاندا ولا فندق.. ناكل وكله زينة ونرتاح شوية ونتسبح. ارتفعت زاوية فمه ليقرعه بحديثه المتهكم كالعادة ولكن أوقفه رنين هاتفه فوجد الاتصال من رفعت، فتح يرد عليه قائلاً: -الوو... أيوه يا رفعت. -أيوه يا "قاسم" سيب اللي في يدك وتعالى شوف أبوك. -أيوه بس أنا لسه بأدور... قاطعه بحزم: -فوضها دلوقتي وتعالى على طول أبوك مُصر إنه يشوفك. -يا ابوي بقولك لسه بأدور.
-بقولك أبوك طالب يشوفك.. أنت لسه هتلت وتعجن. اخلص يالا وتعالى بسرعة. زفر حانقاً بعد أن أنهى المكالمة. -نبرت فيها يا ابن الفجرية. أجفل "محسن" يومئ بسبابته ناحية صدره قائلاً بدهشة: -أنا!!! هو أنا عملت إيه بس يا "قاسم"؟ -أيوه أنت، وما تسمعش نفسك تاني.. خليني أشوف الفجري التاني ده كمان. بهت وجه "محسن" وهو يرى هذا المجنون وهو يتهمه بأشياء مبهمة دون سبب. ومن جانبه تناول "قاسم" الهاتف ليطلب رقماً آخر وبعد قليل:
-الوو.. أيوه يا عم ممدوح أنت فين؟ خرجت "سعاد" من المبنى السكني الذي تقطنه وهي واضعة حقيبة الملابس التي تخص "سمرة" على كتف ذراعها. فبعد اختفاء المدعو "قاسم" وصديقه اطمأنت هي، فوجدت الفرصة سانحة لإيصال الأمانة لأصحابها، ولحسن حظها أن اليوم هو إجازة لها من محل الملابس الذي تعمل فيه. ومن ناحية قريبة، كان مستنداً بظهره على الحائط، عيناه تراقب المارة وهو يتحدث في الهاتف: -يا عم بقولك ماردتش تقول لي أعمل لها إيه بس؟
-اتصرف يا ممدوح.. أنا الوقت بيسرقني وعايز أعرف أي خبر عنها. حك بأطراف أصابعه على جبهته بملل: -طب وأنا أعمل إيه بقى؟ وأنت أساساً مش صابر، دي حاجة عايزة وقت وأنت مستعجل يا عم. صاح عليه بصوت عالٍ: -يا ممدوح اتصرف.. أنا تعبت من قعدة الشارع ده، غير إن أهلي طالبيني في البلد بسرعة. -أووف طب...... قطع جملته حينما رآها تمر أمامه وحقيبة الملابس التي رآها سابقاً على كتف ذراعها. لمعت عيناه حينما استنتج هوية صاحبتها.
-أنت رحت فين يا أخ؟ أفاق من شروده على صوت "قاسم" المزعج: -استنى يا "قاسم" انت ثواني. قالها وهو يتحرك بخطوات مسرعة حتى اقترب من القهوة، فأشار بيده لعامل القهوة: -واط يا سوكه تعالى هنا ياض. أومأ الفتى برأسه قائلاً: -ثواني يا عم "ممدوح" أشوف الزباين وجايلك حاضر. اقترب منه يجره من ياقة قميصه، وهو يتناول صينية الشاي ويضعها على أقرب طاولة. أجفل الفتى مندهشاً: -جرا إيه يا عم ممدوح انت هاتقبض عليا ولا إيه؟ -تعالى بس.
قالها وهو مستكمل في جذبه من ملابسه حتى ابتعد به عن زبائن القهوة. -شايف الست اللي واقفة مستنية الميكروباص دي وحاطة شنطة ملابس صغيرة على كتفها. قالها بإشارة على "سعاد" فأومأ الفتى برأسه. -شايفها يا عم ممدوح.. مش دي الست طليقتك برضو؟ -عفارم عليك.. عايزك بقى يا حلو، تمشي وراها النهاردة وتعرف لي المكان اللي هاتوصلي فيه الشنطة دي مظبوط. برق "سوكه" بعينيه متسائلاً بفضول:
-ينهار أسود يا عم ممدوح هي الست مراتك.. هاتشتغل في الصنف ولا إيه؟ ضرب بكفه يده على رأسه من الخلف: -لم نفسك ياض وبطل غباوة بدل ما أعجنك. أومأ براسه مطيعاً بخوف فتابع ممدوح: -مش عايزها تحس بيك فاهمني وليك عليا هاشبرقك ورقة بمية جنيه. قفز سوكه بحماس: -ورقة بمية جنيه.. عنيا يا عم ممدوح هوا هاروح وراها وأرجعلك بالمفيد بس القهوة مين هياخد باله منها؟
-أنا هاخد بالي منها يالا روح قبل ما يتحرك الميكروباص وأهم حاجة إنها ما تحسش بيك ولا تاخد بالك منك.. تمام. -تمام يا سيد الناس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!