ينفث الدخان الأخضر من سيجارته المحشوة بالحشيش وهي بين أطراف أصابعه، وهو مضيق عينيه بتفكير صامت، ليقول أخيراً: -مش فاهم! ابتسم الآخر بمكر يقول: -لا أنت فاهم وكويس قوي كمان، ده أنت المعلم "ممدوح" اللي بتجيبها وهي طايرة. تنهد بصوت مسموع، وهو يشيح بعينيه بعيداً، ليعود إليه سائلاً: -وأنت إيه اللي مخليك متأكد قوي كده؟ مش يمكن سعاد متعرفش! ضحك بسخرية:
-يا راجل قول كلام غير ده، إزاي إن ما كنت شفت بنفسك شدتها وهي بتطردني من بيتك، دي عارفة وعارفة وعارفة. صمت مرة أخرى وهو محدقاً إليه بعينيه لبرهة من الوقت، ثم ما لبث أن يخرج عن صمته قائلاً: -بصراحة أنا مش فاهمك، منين تبقى أنت أخو خطيبها وهاتموت وتعرف مكانها؟ طب لامؤاخذة يعني أخوك اللي هو خطيبها نفسه، مش معاك ليه في الليلة دي؟ هو عاجز؟ أجفل قاسم من فراسته، فصمت قليلاً هو الآخر قبل أن يجيب بحدة:
-لا مش عاجز يا ممدوح، ودي حكاية طويلة وأنا مش ملزم أحكيهالك، أنا راجل بعرض عليك عرض وأنت قبلته أهلاً وسهلاً، ما قبلتش خلاص، أنا هعرف طريقها سوا بمساعدتك أو من غير مساعدتك. رفع إحدى حاجبيه قائلاً بمكر: -أيوه بس أنت شفت بنفسك طليقتي شديدة إزاي، يعني لا يمكن هاتعرفني مكانها. اقترب برأسه منه يقول: -وأنت ذكائك ومفهوميتك راحوا فين يا معلم "ممدوح"؟
اعرفلي مكانها وأنا هديك فلوس تشبعك العمر كله وتغنيك عن تجارة البرشام والحشيش عشان تبقى مواطن صالح وترجع لك مراتك وعيالك من تاني بفلوس حلال! *** الله يا "سعاد" ده أنتي ذوقك حلو قوي. قالتها سمرة بسعادة وهي تقلب في مشتريات الملابس الموضوعة أمامها على الفراش. سعاد وهي جالسة أمامها على طرف الفراش: -يعني بجد عجبوكي يا سمرة؟ -أنتي ذكية يا "سعاد" وعرفتي نظامي في اللبس اللي بمشي عليه واللي بيعجبني.
قالتها سمرة وهي ممسكة بإحدى القطع، فاتسعت ابتسامة "سعاد" لتردف بتفاخر: -طبعاً يا حبيبتي، أنا خبرة وبقالي سنين بلبس ستات أشكال وألوان وأنتي يا حبيبتي ما شاء الله عليكي، زيك زي الهوانم اللي بلبسهم يعني ما غلبتيش في لبسك. أشارت بسبابتها نحوها تقول: -أنا هانم! الله يحظك يا "سعاد". قالت الأخيرة وهي تهز رأسها استنكاراً بعد أن نزلت بعينيها على الملابس مرة أخرى، فأجفلتها "سعاد" بضربة خفيفة على يدها.
-ارفعي راسك يا "سمرة" وبصي في مرايتك كويس يا حبيبتي، ده أنتي بجمالك ده أحلى من كل الهوانم كمان. مالت زاوية فمها بابتسامة ساخرة تقول: -ما أنتي لو شفتي الست "صافيناز" واللي عملته معايا امبارح من تهزيق وبعثرة في كرامتي ما كنتيش قلتي كده. شهقت سعاد: -غيرانة منك يا عنيا، لما شافت حلاوتك وشياكتك دي. أومأت بسبابتها مرة أخرى بدهشة: -غيرانة مني أنا؟ أنتي بتتكلمي إزاي بس يا سعاد؟
-يابت ما تبقيش عبيطة، والله غيرانة، خايفة لـ "رؤوف" بيه يبصلك وهي عينها عليه بقالها سنين، اسأليني أنا يا حبيبتي، ده أنا ياما سمعت كلامها مع صاحباتها عليه! -حتى لو كان صح كلامك ده، دي تبقى عبيطة قوي أجى إيه أنا فيها دي، بلبسها اللي يجنن ولا شعرها الأصفر ولا لون عينيها الأخضر. -والنبي أنتي اللي عبيطة ومش عارفة قيمة نفسك، بس أنا اللي عجبني في الموضوع ده كله بقى إن رؤوف بيه خد لك حقك، ألا هو فين صحيح؟
-مع "لبنى" هانم في أوضتها. *** جالس أمامها وهو يطعمها قطع الفاكهة الواحدة تلو الأخرى بسعادة، وذلك بعد أن اطمأن لتحسن حالتها. -عيني باردة عليكي يا ست الكل، أنتي النهارده وشك مورد وزي القمر. تناولت القطعة الصغيرة من التفاح ومصغتها جيداً، وهي تتأمله قبل أن تقول: -وأنت كمان أنا شيفاك اتغيرت ورجعت رؤوف بتاع زمان. ضحك غامزاً: -بجد؟ يعني صغرت كده عشر سنين ولا أكتر؟ فرحيني يا تيته وقوليلي. لبنى بدهاء: -وأفرحك ليه؟
يهمك قوي إنك تصغر يعني؟ التفت لطبق الفاكهة بخجل: -جرا إيه يا تيته، أنتي هاتخدي كلامي جد ولا إيه؟ أنا بهزر يا ست الكل. ضيقت عينيها بابتسامة ماكرة: -اممم وكمان بقيت تتكسف يا رؤوف، طب ما تتحرك يا حبيبي بقى وفرحني وفرح نفسك. رفع أنظاره إليها باستفهام: -أفرحك بإيه؟ زمت شفتيها مستنكرة: -أنت هاتستهبل يا ولد؟ أنت فاهم قصدي إيه؟ يللا بقى روح كلم البنت وحدد معاه معاد الفرح، دي ما هتصدق. هز برأسه سائلاً:
-بنت مين اللي أحدد معاها معاد الفرح وهي ما هتصدق؟ حدقت إليه حانقة: -لا ده أنت بتستهبل بجد بقى؟ هو إحنا نعرف حد تاني غير صافي! -آه. قالها وهو يعود يومئ برأسه، فتابعت هي: -شد حيلك يا حبيبي بقى وسرّع بجوازك منها، خليني أشوف ولادك قبل ما أموت. -بعد الشر عليكي، ما تقوليش كده. قالها بمقاطعة وهو يومئ بكفه، ثم تابع: -وأوعدك إني هافرحك قريب بإذن الله. لبنى بلهفة: -بتتكلم بجد يا رؤوف ولا بتضحك عليا؟
-بجد والله يا تيته، بس مش لازم "صافي" يعني؟ قال الأخيرة بصوت خفيض، فسألته هي: -أنت بتقول إيه؟ -ما بقولش حاجة يا قمر، يللا بقى عشان تخلصي الطبق ده. *** جلس "محسن" على إحدى المقاعد الخشب للقهوة الشعبية، يتنفس بصوت عالٍ مع تصبب قطرات العرق على جبهته ووجهه أمام "قاسم" الذي يحدق إليه بازدراء يردف: -خبر إيه يا ضنا؟ بتنهت كده ليه؟ هو أنا كنت مشغلك فاعل؟ محسن بسخط: -يعني مستكتر عليا التعب كمان يا "قاسم"؟
ده بت اللذينة طلعت عيني في المشاوير وهي من مواصلة لمشي لمسافات بعيدة على رجليها، عاملة زي القرّدة بت اللذينة ما بتتهدش واصل. -هي برضوا اللي قرّدة ولا أنت نّي؟ أشاح بنظره عنه وهو يلوح بيده: -آباى عليك يا "قاسم" وعلى كلامك التقيل. ابتسم بسماجة يقول: -طب خلاص متزعلش، المهم دلوقتي قولي، أنت شفت كل البنت اللي في المحل وعرفت أساميهم؟ -والله شفتهم كلهم وعرفت أساميهم ومافيش واحدة فيهم حتى تشبهلها. صك على أسنانه
بغيظ وهو ينظر في الفراغ: -أنا عارف من الأول إنك مش هاتوصل لحاجة، البنت دي مش سهلة، دي بت سُق ولافّة ودايرة. -طب إحنا دلوقتي هانعمل إيه؟ سأله محسن، وقبل أن يجيبه "قاسم"، صدح هاتفه بصوت اتصال من أخيه، فعقد "قاسم" حاجبيه يقول: -واه، ده "رفعت"، ده نسيته خالص. تناول الهاتف ليجيب على أخيه برزانة أمام نظرات الدهشة من صديقه. -الوو، أيوه يا "رفعت" يا خوي. رفعت وهو يصيح بصوت غاضب:
-أهلاً بيك يا "قاسم" باشا، ياللي مش سائل في أهلك وسايب الدنيا تضرب تقلب. -ليه بس يا خوي؟ أنا عملت إيه لدا كله؟ قالها بمسكنة أثارت أخاه الذي كاد أن يفقد أعصابه: -إيه هو اللي ليه يا بارد؟ أنت مختفي فين يا ضنا؟ سمع من أخيه ليرد بحزن متصنع: -الله يسامحك يا "رفعت"، يعني هاكون مختفي فين بس؟ مش بدور زي شباب العيلة على خطيبة أخويا اللي... أغمض رفعت عينيه بتعب وألم:
-ولما أنت بتدور، مش جايلنا ليه على مطرحك، ومش بتيجي تطمن ليه على أمك وأختك؟ -معلش يا خوي، عدت عليا، بس أنا بدور في كل البلاد اللي حوالينا وبطل على قرايبنا في أي حتة يمكن ألمحها عند حد منهم. مسح رفعت بكفه على وجهه وهو يحاول التحدث بهدوء: -طب اخلص، سيب اللي في يدك وتعالى بسرعة عشان نرسى على رأي محدد في موضوع فرحك اللي في آخر الأسبوع ده على رضوى. -رضوى مين يا "رفعت"؟ هو إحنا كمان هنعمل فرحات في الظروف المجندلة دي؟
مافيش فرح ولا زفت. *** بعد أن برع في إتقان دوره مع أخيه حتى انتهاء المكالمة، نظر إلى "محسن" الذي كان يحدق إليه بتركيز وهو مستند بمرفقه على الطاولة الصغيرة واضعاً كفه على وجنته. -مالك يا ضنا؟ بتبصلي كده؟ انتصب في جلسته يجيب: -بصراحة معجب بيك عشان عرفت تلف على أخوك وتخليه يصدق إن أنت حزين وبتدور عليها عشانه. -أمال فاكرني أهبل زيك وهاغرق في شبر مية؟ *** عادت "سعاد" للمبنى السكني الذي تقطنه، وقبل
أن تصعد الدرج سمعته يهتف: -حمد الله عالسلامة يا قلبي. -بسم الله الرحمن الرحيم! قالتها "سعاد" وهي واضعة يدها على قلبها مجفلة، فصاحت عليه غاضبة بعد ذلك: -في إيه يا ممدوح؟ دي المرة التانية في يوم واحد! جرا إيه يا عنيا؟ -يعني هايكون جرا إيه بس يا سعاد؟ أنا قلقت عليكي لما اتأخرتي. وضعت يدها على خصرها ساخرة: -قلقت عليا! ودا من إمتى إن شاء الله؟ ما أنا ياما اتأخرت!
-ده لأن دايماً كنت مطمن عليكي يا قلبي، بس أنا المرة دي خوفت قوي، عشان العيال المعسكرين بره الحارة دي. ربتت بيدها على كتفه: -لا يا حبيبي ما تقلقش، مراتك بمية راجل وما يتخافش عليها. -طبعاً، أمال إيه؟ أنا متأكد من كده كمان، بس تعملي إيه بقى في قلب المحب اللي بيخاف على محبوبه. رددت خلفه مندهشة: -محب ومحبوبة!! على العموم متشكرين قوي يا سيدي، عن إذنك بقى. قالت كلماتها لتصعد الدرج، ولكنه أوقفها:
-أنا بتكلم من قلبي وأنتي عارفة كده كويس. التفتت إليه مستنكرة: -إحنا هانعيده تاني؟ ما إحنا اتكلمنا الصبح بقى ولا هي شغلانة؟ أومأ برأسه: -ماشي ياسعاد، أنتي حرة. المهم دلوقتي البنت اللي كانت مبيّتة عندك هنا بقالها يومين وهربانة من أهلها. اطمنت عليها وعرفتي مكانها فين؟ دي مهما كان برضه غريبة هنا في البلد ومش بتعرف حاجة. ***
بداخل حديقة المنزل الكبير كانت جالسة على إحدى المقاعد تتحدث مع ابنة خالها "شيماء" التي أخبرتها بعودة أباها وشقيقه "سليمان" ومعهم رفعت من القاهرة بعد رحلة البحث عنها وفشلهم في العثور عليها. فسألتها مندهشة: -طب وهما عرفوا منين عنوان أبويا؟ أنا مش كذا مرة أسألهم ويقولوا إنهم مايعرفوش عنوانه بالظبط. -أبويا بيقول رفعت هو اللي وصلهم وجالهم إنه ياما زار عمي أبو العزم اللي هو أبوكي هناك. -رفعت كان بيزور أبويا؟ طب ليه؟
-والله ما أعرف، دا اللي سمعته من أبويا. بس بصراحة بعد ما شفته صعب عليا قوي يا "سمرة". أستاذ رفعت ما يستاهلش منك كده. تنهدت بعمق تقول: -اللي حصل بقى يا "شيماء". ربنا يعوّضه باللي أحسن مني. -يا رب. -أمي طيب يا "شيماء" أخبارها إيه في بعدي؟ -رايحة يا "سمرة" وزينة. ما إنتي عارفة عمتي "بسيمة" جوية. أومأت برأسها تقول:
-عارفاها جوية يا "شيماء" وجوية جوي كمان. المهم انتي خلي بالك منها. وياريت لو تكثري زيارات لمروة أخت رفعت دي طيبة جداً يا شيماء. -عارفة إنها طيبة هي ووالدتها وأستاذ رفعت كمان. -أيوه يا شيماء. رفعت طيب جوي وراجل بمعنى الكلمة، يابخت اللي تتجوزه. -مين هي اللي تتجوزه؟ شهقت مفزوعة حينما سمعتها من أحد الأشخاص الذي قالها بجانب رأسها بصوت خفيض. وقبل أن تلتفت وجدته جلس أمامه على الطاولة بسرعة البرق. -آسف إن كنت خوّضتك.
ازدردت ريقها الجاف بتوتر: -بصراحة أنا فعلاً اتخضيت. ياريت يا أستاذ "تيسير" ما تكررهاش تاني. مال برأسه يقترب منها: -مش هكررها تاني. بس أنا عايزك تعرفي كويس قوي. أنا الهزار التقيل ده بيبقى مع الناس القريبة مني واللي قلبي بيرتاح لهم. -بيرتاح لهم! طب عن إذنك بقى أنا جاية. قالتها وهو تنهض عن مقعدها فأوقفها هو ممسكاً بكفها: -طب قايمة ليه؟ ما تقعدي شوية، هي الدنيا طارت؟ نزعت كفه المطبقة على كفها بسرعة.
-آسفة بس أنا عايزة أروح أطمن على "لبنى" هانم. عن إذنك. قالتها وهي ترتد بخطواتها لتذهب ولكنه أجفلها حينما جذبها من ذراعها يقول: -وهي لبنى هانم هاتطير؟ ما تجبر بخاطري واقعدي شوية معايا بقى. هنا جذبت ذراعها تصيح بغضب: -لو سمحت بقى أنا مسامحالكش تكررها تاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!