جالسه على أرضية الشرفة الصخرية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بظهرها إلى حائط الشرفة، مغمضة عينيها وتاركة وجهها لتلك النسمات الباردة. تود لو انتقلت هذه البرودة لخلايا عقلها، فتوقف هذه الماكينات الدائرة بالتفكير، أو تتوقف أذنها عن الاستماع لهذه الأصوات المزعجة، أو يحدث شيئاً ما وينقلها من عالمها نهائياً.
فتحت عينيها مجلفظة لصوت الباب وهو يفتح ويغلق بعدها، لتراها وهي تتقدم بخطواتها نحوها بجسدها الهزيل وعيناها التي لا يخلو منها الكحل الأسود، رغم تقدم سنوات عمرها التي قاربت الخمسين. سبب شقائها وعذابها! "إنت لسه يابت مالبستيش ولا جهزتي نفسك؟ أشاحت بوجهها للجهة الأخرى، دون أن تنطق بحرف. اقتربت المرأة أكثر منها لتهدر بصوت خفيض: "يابت قومي وبلاش عمايلك دي، الضيوف على وصول، قاعدة لي على الأرض الباردة، مش خايفة لتمرضي؟
اعتدلت بوجهها وهي ترمقها بلامبالاة: "وافرضى مرضت ولا تعبت يعني، إيه هايحصل؟ زفرت المرأة بضيق ثم أردفت: "وبعدين معاكي يا سمرة؟ إنتي كان حد جبرك؟ مش إنتي اللي قولتي أمين؟ لزوموا إيه بجى الكلام الماسخ ده بس؟ "أكيد مالوش لزوم الكلام، أنا عارفة لو اتكلمت من هنا لبكرة، كأني بأذن في مالطا! قالتها وهي تنهض عن الأرض، وتترك الشرفة، لتتبعها الأخرى بداخل الغرفة. "يعني خلاص هاتلبسي وتجهزي نفسك؟
حريم عمامك بيستعجلوكي تحت وبيسألوا عليكي." "سمرة" وهي جالسة على طرف الفراش: "انزلي يا أمي، أنا هالبس وأتعدل وأتزوج، وأنزل تحت وسطيهم أضحك وأهزر كمان! راضية يا أمي؟ المرأة وهي ترمقها بنظرات حانقة قبل أن تتقدم من باب الغرفة: "البسي ياختي وهازري واضحكي، لهو إنتي أجل من بت خالك رضوى اللي عاملاها فرح في أوضتها مع صحباتها، فرحانة بخطوبتها بـ قاسم." أومأت برأسها باستخفاف وهي تتمتم بصوت خفيض: "قاسم.. اممم!!!
المرأة بضيق: "ماشي يا سمرة، أما أشوف آخرتها إيه معاكي يابت بسيمة، أنا هابعتلك شيماء بت خالك، تونسك وانتي بتلبسي." نظرت إليها "سمرة" بخواء وهي تخرج من باب الغرفة وتصفقه بقوة. *** وفي الغرفة الأخرى كانت تلتف بفستانها أمام المرآة بسعادة وهي تضحك مع الفتيات صديقاتها. "ها إيه رأيكم يابنات؟ حلو الفستان عليا؟ طب اللون لايق على وشي؟ أردفت "سمية" صديقتها: "يابنتي اهدي شوية، خوتينا، كام مرة تسألينا من ساعة ما جينا." نقلت
أنظارها من المرآة إليها: "طب أعمل إيه طيب؟ جلجانه يا سمية، طمنوني يابنات، أنا مش عايزة أطلع أقل منها." زفرت الفتاة بضيق فأردفت الأخرى: "مش كده يا رضوى، ماتحطيهاش في مخك، عشان تعرفي تفرحي." "أفرح إزاي إنتي كمان؟ وهى هاتعيش معايا في نفس البيت، هو أنا متحملاها في بيت أبويا، عشان أتحملها كمان في بيت جوزي." قالتها وهي تتقدم بخطواتها وتجلس على طرف الفراش، فجلست بجوارها "سمية"
لتسألها: "قوليلي يا رضوى، هو إنتي خايفة من سمرة، لـ قاسم يبصلها تاني ويرجع في كلامه؟ خرجت منها تنهيدة مثقلة قبل أن تقول: "خايفة!
دا أنا بموت كل دقيقة وأنا بفكر في الموضوع ده، أنا عارفة من زمان إنه هايموت عليها، وياما اتجملها وساق عليها ناس عشان ترضى وتجيب بيه، وهي دايماً ترفض، وأنا طول عمري بموت على نظرة منه، جوم لما يجي اليوم ده اللي بتمناه يحس بيا فيه ويطلبني للجواز، يجي بعد هي ما تقبل بأخوه ويبجي جوازي أنا وهي في يوم واحد وبنفس العمارة وشقتها قصادي، عشان تبجي عقدة ليا العمر كله."
قالت الأخيرة بصرخة، لتلتفت بعدها وترى الفتيات ينظرن إليها بأشفاق، فتنهض مسرعة نحو المرآة وهي تردف: "قومي انتي وهى ساعدوني، أنا عايزة أبقى أحلى منها مية مرة الليلة، عايزة مايشوفش حد غيري في الفرح كله، فاهمين!!! *** وفي منزل آخر قريب. خرج من غرفته وهو يهتف على أخته الصغرى: "مروة.. إنتي يابت؟ سبقت الوالدة في الرد وهي جالسة ببهو المنزل بجوار زوجها: "مالك بتنده ليه عليها يا عريس؟ اتسعت ابتسامته وهي يجلس بجوارها
ويقبلها أعلى رأسها: "ست الحبايب! ابتسمت المرأة بسعادة قبل أن تسأله: "فرحان يا ولدي؟ ربنا يتم فرحتك على خير." أومأ برأسه موافقاً دون أن ينطق بحرف، فتدخل الرجل المسن: "وما يفرحش ليه؟ وهو هايتجوز أحلى بنات البلد، تعليم وجمال." ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو ينهض: "وبعدين معاكم بجى أنا مش هاخلص منكم النهارده، بت يامروة.. إنتي فين يابت؟ أتت الفتاة مهرولة: "أيوه يا رفعت، أنا جيت أها، عايزني في إيه بس ياعريس؟
تكلم بجدية: "كويتي العباية ولامعتي الجزمة الجديدة؟ الفتاة وهي تضحك: "طبعاً امال إيه؟ كويت العباية وعطرتها ولمعت الجزمة كمان، فاضل بس إنك تلبسهم ياعريس." أومأ مرحباً: "كويس، طب وحضرتي برضك هدوم قاسم وحاجته؟ حركت رأسها بالنفي: "لا ماعملتش أي حاجة، عشان هو قافل على نفسه من الصبح، ولما خبطت عليه أسأله، قالي.. مالكيش دعوة، وأنا هاحضر كل حاجة بنفسي!!! عقد حاجبيه باندهاش: "بنفسه!!!! ***
وبداخل غرفته كان واقفاً بجسده الطويل وعضلاته البارزة من الفانلة التي يلبسها أعلى جسده، أمام النافذة الخشب المفتوحة على مصراعيها، ينفث دخان سيجارته بين أطراف أصابعه، وهو ينظر لأشجار الحديقة الخلفية للمنزل، بعينيه العميقة بنظرة لا تنبئ بالخير. لا أحد يستطيع قراءة ما يدور بعقله، ولا أحد يعرف ماذا يريد؟
ظل هكذا لفترة ليست بقليلة، وبعدها عاد ثانية بخطوات متمهلة ليجلس على طرف الفراش، فتناول حذاءه من على الأرض، ليقوم بمسحها بخرقة قديمة وتلميعها، ليردف لنفسه بوعيد، والسيجارة مازالت في فمه. "حاضر يا سمرة.. حاااااضر؟ تناول السيجارة بعدها من فمه وهو ينظر لها ويكمل: "إن ما كنت أخليكي تركعي ما بجاش أنا!! بس تيجي العشية!!! *** وفي المساء.
حضر أهل العريسين لمنزل الحاج سليمان والد رضوى والخال الأكبر لـ سمرة، ليجلس الرجال بداخل المندرة لقرأة الفاتحة، والنساء بداخل البهو الكبير للمنزل يتسامرن ويرقصن على أنغام الموسيقى.
رضوى كانت ترقص بسعادة مع صديقاتها سمية ونورا وبعض الأقارب في انتظار العريس وهي تنقل أنظارها، لتلك الجالسة على مقعدها بجوار النساء، مستقيمة الظهر، تبتسم بتكلف وكأنها أميرة بجوار رعاياها، بهذا الفستان المنسدل على جسدها المتناسق، وكأنه فُصل خصيصاً لها مع هذه المساحيق الخفيفة التي وضعتها بوجهها ومع ذلك زادتها جمالاً وبهاءاً. ما بال هذه الفتاة تبدو جميلة ومبهرة في أي شيء، وبكل حالة، ونظرات النساء حولها خير دليل على صدق ما تشعر به.
هذا ما كانت تشعر به أيضاً معظم نساء العائلة اللاتي كن ينظرن لـ سمرة بانبهار لا يخلو من الحقد لبعض النفوس الكارهة، وتفاخر أخريات كأهل العريس المحظوظ كأخته مروة التي كانت تتحدث عنها وترقص بسعادة مع بعض الأقارب.
أما سمرة التي كانت ترسم البسمة على وجهها، فكانت في عالم آخر، دوامة من الأفكار المتلاحقة ساقطة بها ولا تجد منفذاً للخروج منها، فاقت من شرودها على أصوات النساء التي تهلل للعريسين اللذان يدلفان بجوار الرجل الكبير سليمان وبعض رجال العائلة. رفعت أنظارها لتفاجأ بنظرته المتصيدة لها وهو يسير بجوار أخيه رفعت الذي يبتسم بسعادة ظاهرة، فتعمدت تجاهله، لتزيد من اشتعال عينيه وهو يرى ابتسامتها الساحرة لأخيه.
جلس بجوار رضوى، المتلهفة لنظرة أو كلمة إعجاب ولو بسيطة منه تثلج صدرها. "إنت مين كوى العباية النهارده؟ "هه.. إيه بتجولي؟ قالها وهو يفيق من شروده، فأكملت هي بلهفة: "اصل العباية اللي إنت لابسها زينة جوي، دا غير إن إنت نفسك شكلك حلو جوي النهارده." رفع حاجبه بتكلف ليرد عليها ببرود: "شكلي حلو!!! طب كويس! خبأت ابتسامتها قليلاً ثم أردفت بأمل: "طب إيه رأيك فيا أنا؟ ولا الفستان اللي لابساه؟ نظر إليها
بتقييم ثم أردف باقتضاب: "زينة! ... وفستانك زين برضوا!! قالها والتفت ثانية ناحية الأخرى، ليزيد بداخلها هذا الشعور بالإحباط وخيبة الأمل، وهي تراه لا يرفع عينيه عنها. وفي الناحية الأخرى وهي جالسة بجوار رفعت، الذي لا يمل الكلام والثناء على جمالها وهي تبتسم برزانة: "تبارك الله فيما خلق، إنتي إيه بالظبط؟ سمرة بابتسامة ودودة: "يعني هاكون إيه بس؟ أنا كده هاتغر يا رفعت، بكلامك ده!
"إنتي تتغري وتعملي اللي إنتي عايزاه، يا سمرة يا ست البنات إنتي." قالها بسعادة ظاهرة بعينيه، أشعرتها ببعض الفرح، وهي تبث بداخلها بعض الطمأنينة لترتاح عقلها ولو قليلاً. مع مرور الوقت بدأت سمرة تندمج مع أجواء الفرح حولها من دعابات النساء الأقارب ورقص بعض الشباب الصغار على أنغام الموسيقى مع كلمات الغزل التي كان يمطرها بها رفعت، وهي تتجنب النظر لهذا المدعو قاسم وهي تشعر بنظراته المسلطة عليها.
ومع قرب انتهاء حفلة الخطوبة المقتصرة فقط على الأهل والأقارب وانصراف بعضهم، عاد العريسان مرة أخرى للمندرة لتبادل السمر والأحاديث مع شباب ورجال العائلة. أما الفتيات العرائس فتجمعن في جلسة واحدة مع نساء العائلة، في جو يسوده المرح والأحاديث الودية. "نعيمة" زوجة سليمان بغبطة: "والنبي يا أم رفعت، أنا لو كان اتجلى إن اليوم دا ها يجي عمري ما كنت أصدق."
نفيسة أم العريسان بضحكة: "ومين سمعك يا أختي، دا أنا نفسي كنت خايفة لا أموت ولا يجي اليوم ده، اللي أشوف ولدي الكبير رفعت عريس فيه! مروة بسرعة في الرد: "بعد الشر عليكي ياما، بلاش كلامك ده وافرحي، دا إنتي النهارده جريتي فاتحة الاتنين، مش واحد فيهم." "وإيه على جوز عرايس يحلوا من على حبل المشنقة."
قالتها الأخيرة بابتسامة واسعة وهي نظراتها مرتكزة على سمرة، لتزيد من اشتعال الحقد في قلب رضوى، وهي تشعر وكأن المقصودة بهذا الكلام سمرة وحدها، وهي مجرد تابع. أما سمرة فكانت تحصي الدقائق لانتهاء السهرة وهي تنظر لـ بسيمة التي كانت تومئ لها بعينيها لتبادل معهم الحديث، إلا أنها لم تستطع الصمود أكثر من ذلك لتردف بابتسامة مسروقة: "طب يا جماعة عن إذنكم بجى، أصل تعبانة وعايزة أريح شوية." "استني يابت لسه الوقت بدري."
قالتها "بسيمة" بشدة، ولكن "نعيمة" لحقتها بمودة: "سيبيها يا بسيمة، اسم الله عليها تلاقيها تعبت، خليها تروح تريح جسمها، روحي يا حبيبتي بس ياريت في الأول تبعتيلي حد ينده على واحد من الشباب رفعت ولا قاسم، عشان حد فيهم يوصلنا." "ما لسه بدري!!! خرجت من فم الاثنتين بسيمة ونعيمة لتردف المرأة: "بدرى من عمركم، روحي يا حبيبتي زي ما جولتلك." "ما تستني يا خالتي شوية، إنتي صاحبة بيت."
قالتها "سمرة" بمودة وصدق، لتزيد من فرحة الأخرى هي وابنتها التي أردفت بابتسامة واسعة: "تسلمي يا سمرة يا قمر إنتي، إحنا إن كان علينا مش عايزين نمشي، بس إنتي عارفة أبويا، حماكي عن قريب إن شاء الله، لازم ياخد الدوا بتاعه في وقته." أومأت "سمرة" برأسها بتفهم: "آه، ماشي حاضر، ثواني هاشوف عيل ينده على واحد منهم في المندرة." قالتها وذهبت أمام نظراتهم الفرحة.
بعد أن ابتعدت "سمرة" عنهم، وهي تبحث عن ابن خالها الصغير مروان، وقبل أن تصل لباب المندرة، فوجئت بذراع قوية، تدخلها بسرعة داخل غرفة المكتب لعمها، لتشهق مذعورة وقبل أن يخرج منها الصوت لتصرخ، فوجئت بكفه تطبق على أنفاسها، وعيناها القوية تنظر لخوفها بتشفى!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!