كادت أن تسقط مغشياً عليها حينما رأته أمامها، وهو ينظر لها بعينيه الصقرية، مطبقاً بكفه الغليظة على فمها، حتى لا تستطيع الصراخ أو حتى الحركة. وهو، بعد أن انتشى قليلاً بمشاهدة الذعر المرتسم على وجهها، هدر بها بصوتٍ خفيض: -لو رفعت كفي ولو صرختي، ولا حسك طلع، هتشوفي اللي هايحصلك. وهتلبسي انتي نصيبه. يعني ما أسمعش نفسك، فاهمة!!! أومأت برأسها صاغرة، فرفع كفه عن فمها، فأردفت هي بشفاه مرتعشة: -فيه إيه يا "قاسم"؟!
وإنتي دخلتيني هنا ليه؟! مالت زاوية فمه بابتسامة ساخرة مع هذه النظرة الغريبة منه، فجحظت عيناها، وقلبها أصبح يخفق بقوة خوفاً منه، حينما وجدت نفسها محاصرة بين الحائط وذراعيه. وهو بكل صفاقة اقترب منها، وبفحيح الأفاعي: -يعني العمر ده كله مستنيكي، وحايش أي مخلوق عنك، عشان تيجي دلوقت وتتجوزي "رفعت" غصب عني. -بعد عني، إنت اتجننت ولا اتخبلت. قالتها بشجاعة زائفة، وهي تحاول إزاحته بيدها الضعيفة، وهو كالحائط أمامها لم يهتز.
-جبل كده، قلتي عليا فاجر، وأنا النهاردة جاي أكدلك يا سمرة، إني فاجر وكمان قادر. -تقصد إيه بكلامك ده؟ اقترب أكثر منها، حتى لفحت أنفاسه الحارة وجهها، ليهمس بصوت أثار الرجفة في أطرافها: -أقصد إنك، اليوم اللي هاتمضي فيه على ورقة جوازك من "رفعت"، هتبقى موافقتي على إني أشاركك فيه. -إنت ك... -ما تكمليش، لصوتك يتسمع، ويجي حد يشوفك معايا وتبقى فضيحة ليكي، ساعتها إنتي اللي هاتخسري.
-أخسر إيه يا مجنون إنت.. دا بين البرشام اللي بتبلعوه لحس عقلك. فاكرني عيلة وهاتخوفها. إنت ما تقدرش تلمسني غير برضايا.. ودا لا يمكن يحصل ولو على موتي يا قاسم فاهم. قالتها بقوة لم تؤثر به، وهو بنظرة مستخفة اقترب ثانية: -خلي جلبك الجامد ده لبعدين.. إنتي هاتبقى في بيتي وتحت عيني.. يعني هاتجيلي بدل الفرصة ألف عشان أستفرد بيكي. وبصراحة أنا أكتر حاجة بحبها فيكي.. شدتك دي.. يا سمرة. برقت عيناها بدموع تحاول جاهدة منع نزولها:
-إنت بتعمل معايا كده ليه؟! قالتها بقهرة، لترى الجحيم بداخل عينيه وهو يتحدث إليها: -عشان إنتي لعنتي يا "سمرة"، اللي هاعيش وأموت بيها. طول عمري حالف ما تكوني لحد غيري، بس إنتي وصلتيها معايا لطريق مسدود، لما وافقتي بـ "رفعت" أخويا. لكن أنا بقولهالك أهي، مدام وافقتي تدخلي بيتنا، وتعيشي معانا، يبقى تجبلي بشراكتي فيكي مع أخويا، يا أخلص لك عليه وأتجوزك مكانه. اختاري يا سمرة. هزت برأسها تستوعب ما تسمعه، من كوميديا سوداء،
لتردف: -إنت واعي للي أنت بتقوله.. إنت خطبت بنت خالي.. ومن ساعة بس كنت ملبسها دبلتك.. وأنا لبست دبلة أخوك.. يعني لا أنا أنفعك ولا إنت تنفعني خلاص. فك ذراعيه وهو يردف بسخرية: -بنت خالك مين يا "سمرة"؟! دي مسمار جحا.. اللي أنا حطيته عشان أرجع تاني بيتنا وأهلي يطمنوا إني شيلتك من مخي وموافق على جواز أخويا منك. انفغرت فمها مصدومة لتردف بصعوبة:
-يعني الخطوبة.. والأدب اللي إنت راسمه علينا الأيام اللي فاتت دي كلها.. كان لعبة منك. أومأ برأسه موافقاً وهو يعيد ترتيب عباءته على جسده ليردف بهدوء: -أيوه يا "سمرة".. كله كان لعبة.. وراجعي نفسك تاني.. عشان كل شيء يرجع لأصله. إنتي عمرك ما هتكوني لحد غيري. صمت قليلاً أمام عينيها الزاهلتين وبعد ذلك أكمل: -لكن لو عايزة تكملي مع أخويا.. ماشي... يبقى تجبلي باللي بقولك عليه. -إنت مجنون! قالتها بازدراء ليردف هو بكل سهولة:
-أيوه مجنون.. وإنتي عارفة من زمان.. إني مجنون بيكي.. يبقى سهليها عليّ نفسك وفشّكي الخطوبة الزفت دي.. عشان أنا كمان أحِل نفسي من بنت خالك وأتجوزك بعديها.. يا تختاري الحل التاني وإنتي حرة. يلا بجى سلام.. يا حب عمري. خرج بعد ذلك ليتركها وهي مازالت مستندة على ظهر الحائط، تعيد ما قيل من دقائق، لتستوعب ما حدث. هل يعقل أن يكون ما يقصده حقيقي؟ أم أنها تعيش أحد كوابيسها على الحقيقة.
بعد أن طال انتظارها، طلبت "نعيمة" من ابنتها "رضوى" الذهاب لتتبين سبب تأخر "سمرة". ولكنها فوجئت به وهو خارج من غرفة المكتب. فذهبت إليه متلهفة: -قاسم إنت كنت بتعمل إيه في أوضة المكتب بتاعة أبويا؟ -وإنت مالك؟! قالها بجفاء، ولكنه تراجع عن قسوته بعدها ليكمل: -كنت بكلم واحد في التليفون بعيد عن الأصوات العالية. إنتي عايزة حاجة؟ هزت براسها نفياً تقول:
-لا طبعاً عايزة سلامتك. دي بس الست الوالدة كانت عايزة حد فيكم، يروح معاها هي و"مروة" يوصلهم البيت. -طيب ماشي. قالها وهو يتحرك إليهم، ولكنها أوقفنه بيدها: -مش هاتاخد نمرتي؟ نظر إليها مستفهماً، فأكملت هي بخجل: -قصدي نمرة التليفون يعني.. عشان نكلم بعض و... قاسم بمقاطعة: -بعدين بعدين. هابقى آخد نمرتك أو تاخدي نمرتي. ادخلي دلوقتي شوفيلي السكة، عشان أدخل وآخد أمي وأختي أروحهم.
أومأت برأسها وتحركت على الفور، لتكتمل بداخلها سلسلة الخيبات. وبالمنزل المجاور، دخل "حسن" الخال الأصغر ل"سمرة" يهتف على زوجته "ثريا" وابنته "شيماء": -إنتي يابت إنتي وهي قاعدين فين؟ -تعالى هنا يا بابا.. إحنا بنتفرج على المسلسل. دلف "حسن" للغرفة فوجد زوجته وجميع أبنائه جالسين أمام التلفاز في الغرفة الضيقة ليتساءل باندهاش: -وإنتوا قاعدين هنا ليه وزانقين نفسيكم؟ ماتتفرجوا بره في الصالة! ردت الزوجة:
-أصل التليفزيون اللي في الصالة بايظ، فجينا نتفرج هنا. أكملت شيماء وهي واضعة طبق (الفشار) وتأكل فيه: -تعالى يا بابا اقعد معانا. -اقعد فين يابت هي ناقصة زنقة. واحدة فيكم تيجي تحضرلي عشا. أخلصوا يالا. قالها وذهب، فنهضت "ثريا" خلفه هي وابنتها "شيماء" التي هتفت على أبيها: -لهو إنت ما أكلتش مع الجماعة في المندرة يا أبويا؟ حسن وهو يجلس على أقرب كرسي: -وأكل ليه؟ مش أهم حاجة ناس العريس.
ثريا وهي تجلس هي الأريكة وتتبعها ابنتها أيضاً: -طبعاً.. هو أخوك هايراعي حد. أهم حاجة عنده عريس بنته و"رفعت" أخوه عريس "سمرة". دول كبارات العيلة. حسن وهو يومئ برأسه: -الحمد لله الليلة تمت على خير. عقبال الفرحة الكبيرة. لكن إنتوا جيتوا بدري يعني! شيماء بابتسامة ساخرة: -وهنقعد ليه بس يا أبويا. الليلة خلصت بدري وصفصت علينا إحنا وناس العرسان. قولنا نسيبهم ونمشي. ما هما نسايب مع بعض. ثريا وهي تلوح بكفها في الهواء:
-بس كله كوم وبت أختك "سمرة" كوم تاني. البت عاملة زي البرنسيسة. كل الحريم هاتتجنن عليها. ولا "رفعت" عريسها.. كبير ناسه التقيل.. كان عامل زي العيل الصغير جنبها. شيماء هي الأخرى: -أيوه يا ماما.. دا حتى "قاسم" نفسه عريس "رضوى" ما كانش شايل عينه من عليها. حسن بغضب: -عيب عليكي يا "شيماء" ماتقوليش كده. ثريا باستنكار: -خبر إيه يا راجل؟ بتغلطيها ليه؟
لهو إنت فاكرها عيلة صغيرة ما تعرفش. دي حكاية "قاسم" وعمايله عشان يتجوز "سمرة" تتحكي في الكتب. أشاح بوجهه عنها بغضب دون أن ينطق بكلمة، فاكملت "شيماء": -أيوه يا أبويا.. أمي عندها حق.. والناس كلها عارفة بالكلام ده. بس أنا اللي مجنني.. كيف قبلت بيه "رضوى" وهي عارفة إن بنت عمتها.. ياما رفضته عشان سمعته الزفت!! زفر الرجل بضيق قبل أن يقول:
-أنا عن نفسي الجوازة دي.. قلبي مش مستريح لها واصل.. ومتأكد إن مش جاية وراها خير أبداً. وربنا يستر.
وعودٌ لبيت "سليمان" فقد كانت "رضوى" في غرفتها ممسكة بالهاتف تقلب في الصور التي التقطت لها معه، عندما كان جالساً بجوارها وهو يضع خاتم الخطبة. وبعض اللقطات الجميلة لهما، على الرغم من جمود هيئته، ولكن هذا لم ينقص من وسامته شيء. تنظر إلى صورته بهيام. لا تصدق أنها أخيراً.. قد فازت به بعد كل هذا العذاب. فقد كان بالنسبة المستحيل بعينه. على الرغم من علمها بحكاياته السابقة وأفعاله المجنونة في صد أي خاطب ل"سمرة" ومحاولاته الحثيثة لأن توافق على الزواج منه. هذا بالإضافة لسمعته السيئة التي كانت سبباً رئيسياً في اعتراض أبيها في البداية. ولولا إصرارها لما وافق على الزواج.
ولكنها الآن بعد أن تمت الخطبة وأصبح الحلم على بعد خطوة.. أصبح إصرارها على التمسك به أضعاف ولن تسمح له بالعودة للوراء مهما كلفها هذا. -خلاص الحلم قرب.. وبعد كده مافيش أي حاجة هاتبعدني عنك.. حتى لو كانت "سمرة" ذات نفسها!!! خرجت منها بصوت واضح لنفسها وهي تتنفس بخشونة وإصرار. وفي الغرفة المجاورة.. كانت "سمرة" على الفراش منكمشة على نفسها، وسيل دموعها لم يتوقف. لا تدري إلى متى ينتهي هذا الكابوس من حياتها؟
.. ألا يكفي أنه كان السبب الرئيسي في وصولها إلى هذا السن بدون الزواج. وذلك بأفعاله المتهورة مع أي شاب غريب يتقدم لها. ومنع أي فرد من عائلتها من الزواج منها. ألم يكتفِ منها بعد وهي التي أقسمت له ولنفسها مرات عديدة، أنها لو انقرضت الرجال ولم يتبق إلا هو، فلن تتزوج منه. تفضل الموت على الزواج منه. هذا المغرور المهووس. كيف السبيل للخلاص منه.
هدوى صوت هاتفها، فالتقطته من فوق الكومود، لترى أن المتصل هو أخيه "رفعت". ذو الأخلاق النبيلة الذي تحدى أخيه للزواج منها. في خطوة لم يستطع أي من الرجال فعلها سواء كان غريباً أو من العائلة نفسها خوفاً منه ومن بطشه. دوى الهاتف باتصاله مرة أخرى، وهي لا تستطيع الرد على اتصاله. فوضعته ثانيةً على الكومود، تعتصر بداخلها هذا الألم، وهي لا تستطيع حتى البوح بما قاله لها هذا المجنون!!
أما هو فقد كان جالساً فوق سطح منزل صديقه "محسن" متكئاً على الوسادة ينفث دخان الأرجيلة لأعلى، مستمتعاً بهذه السحابة التي يفعلها الدخان أمامه. غير مبالٍ بفعله الذي جعل صديقه يضرب كفاً بكف قبل أن يردف باندهاش: -أنا مش عارف.. إنت إزاي جالتك الجرأة تقولها الكلام ده؟ نزل بعينيه لينظر لصديقه ويتحدث ببرود: -أمال يعني كنت عايزني أعمل إيه؟ .. بعد ما حطتني في خانة البيك.. بقبولها لـ "رفعت" أخويا.. اللي كل فلوس العيلة تحت إيده!
محسن بعدم استيعاب: -يا صاحبي فهمني بس.. إنت إزاي بتحبها.. وتقبل راجل تاني يشاركك فيها. رفع حاجبه بخطورة: -ومين جالك إني هاقبل أي حد يشاركني فيها.. حتى لو كان أخويا!! نظر إليه "محسن" جيداً كي يفهم: -أمال إيه بس؟ .. مش إنت اللي قايلها كده بضمير لسانك! هز برأسه وابتسم بخبث: -إنت كأنك حم... ولا إيه بس؟
.. ياض افهم.. أنا المرة دي ما أقدرش أروح للعريس وأهدده ولا أعمل أي حاجة معاه.. عشان هي المرة دي مسكتني من يدي اللي بتوجعني. يعني الرفض لازم يجي منها.. وأفضل أنا بعيد عن الصورة.. وكل حاجة بعد كده تيجي طبيعي. -طب وافرض راحت لأخوك وقالت له.. هتعمل إيه إنت ساعتها؟ ضحك بسخرية من بلاهة صديقه: -إنت أهبل ياض.. في واحدة هتروح لخطيبها.. وتقول له.. أخوك زنقني في أوضة المكتب!! .. في يوم خطوبتنا!!
حك بأطراف أصابعه على جانب رأسه وهو يرمش بعينيه ليردف منبهراً: -لا بصراحة.. إنت الشيطان نفسه يتعلم منك.. بس أنا عندي سؤال أخير. زفر "قاسم" بضيق: -وبعدين بجى في الليلة دي.. آخر سؤال وخلصني يا "محسن". محسن وهو يستجمع شجاعته: -افرض أخوك عرف وصدقها واتجوزها غصب عنك.. هاتعمل إيه إنت ساعتها. ترك ذراع الأرجيلة بعنف.. لينظر لصديقه بعينين مشتعلتين.. وهو يضغط بشدة على كل حرف:
-ما فيش افرض. "سمرة" عمرها ما هتبقى لحد غيري.. "سمرة" حقي وأنا هدافع عن حقي ان شاء الله حتى بالدم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!