حينما لا يستطيع الحاقد بلوغ هدفه، في تحقيق أمنية غالية على قلبه، فإنه لا يتورع عن التشويه. أجفل الجميع منتبهين بعد مقولته، فتكلم "رفعت" سائلاً بتردد: -المحروسة بنتهم مين؟ انت تقصد "سمرة"؟ وزع نظراته على الثلاثة يقول: -أنا مش ناطق بحرف غير لما تيجي خالتي "بسيمة". هي فين يا حج سليمان؟ أنا مش نبهت أول ما دخلت إني عايز أشوفها؟ أجاب سليمان مضطرباً:
-أنا بعتلها عشان تسلم عليكم وزمانها على وصول. بس انت متأكد من كلامك دا يا ولدي؟ أكد قائلاً بتجهم: -أنا جلت مش ناطق حرف غير لما تيجي خالتي "بسيمة". -وأنا جيت أه يا "قاسم". عايزني في إيه؟ قالتها المرأة وهي تدلف إلى الغرفة أمامهم. انتظر هو حتى جلست، فمال برقبته إليها: -كنت عايزك تعرفي مكان بتك وتعرفي تربيتك الزينة ليها يا خالة "بسيمة"؟ تجمدت المرأة من لهجته الساخرة وتلميحه الغير مريح. فأجفلهم "حسن" سائلاً بتعصب:
-هو في إيه بالظبط يا "قاسم"؟ ماتجيب اللي في عبك وريحنا. خلينا نفهم بقى. أومأ برأسه موافقاً: -ماشي يا عم "حسن". هاجيب اللي في عبّي وأقولكم وأشوف بعد كده بقى هاترتاحوا ولا لأ. *** دَلفت لداخل القصر وشياطينها تتراقص أمامها. عيناها تبحث عنها يميناً ويساراً. فمنذ أن أخبرها "تيسير" بما فعله "رؤوف" وتعريض حياته للخطر في سبيل حماية هذه الملعونة، ونيرانٍ اشتعلت بصدرها ولن تهدأ أو تنطفئ إلا بيدها هي.
ها وقد وجدتها أخيراً جالسة على طاولة السفرة تتضحك وتتسامر مع قرينتها "سعاد"، وكأنها أصبحت صاحبة منزل ويحق لها أن تستقبل فيه زملاءها من الرعاع. -انتي يازفتة انتي بتعملي ايه هنا؟ أجفلت "سعاد" منتفضة ومعها "سمرة" على هذه الصرخة المدوية، فوجدنها أمامهم واقفة بتحفز ويدها على خصرها تنظر إليهم وعيناها الغاضبة تطلق شرراً. سعاد وهي واضعة يدها على قلبها: -بسم الله الرحمن الرحيم. خضتينا يا ست هانم. هو كان حصل نصيبة ولا إيه؟
ازدادت نظراتها اشتعالاً: -كمان لسه هايحصل نصايب؟ هو انتوا صنفكم إيه بالظبط؟ قاعدين لي على السفرة وواخدين راحتكم ولا كأن البيت بيتكم. يا رعاع يا همج. صاحت عليها "سمرة" غاضبة: -لو سمحتي يا ست انتي. أنا ماسامحلكيش بالشتيمة ولا التهزيق. حتى لو كنتي صاحبة بيت مش ضيفة فيه. فغرت فمها وجحظت عيناها بشكل مخيف وهي تقترب من "سمرة" بخطواتها:
-والله عال. دي انتي كمان طلعلك صوت يا حلوة وبتتكلمي وكأنك صاحبة بيت. لا وبتقولي عليا أنا ضيفة! اقتربت أكثر وبحركة مفاجئة. أمسكت "سمرة" من طرف ملابسها: -الا قوليلى صحيح يا قمر. انتي هاربة من أهلك ليه؟ انتي هربتي مع حبيبك ولا غلطتي معاه؟ مصيبة ليكون جبتي لأهلك العار وحملتي منه كمان. نزعت "سمرة" يدها بعنف وهي تنهرها بصوتٍ مدبوحٍ من الإهانة: -انتي إنسانة مريضة. وأنا أشرف منك ومن كل عينتك اللي شايفين الناس كلها زيهم.
صرخت بجنون: -انتي بتقولي عليا أنا كده يا حيوا... تدخلت "سعاد" تفصل بينهم: -ارجوكِ بقى كفاية يا ست هانم. انتي زودتيها أوي وانتي داخلة علينا من الأول وبتقولي ياشر اشتر. جنونها ازداد شراسة وهي تحاول إزاحة "سعاد" بكفيها: -ابعدي يازفتة انتي كمان. خليني أربيها وأعرفها مقامها. -تعرفيها مقامها بمناسبة إيه؟ تفاجأت "صافيناز" بهذا الصوت الخشن ويده القوية مطبقة على ذراعها تهزها بعنف، فانهارت باكية:
-انت بتعمل معايا أنا كده يا رؤوف؟ دي شتمتني وهزقتني الحيوا... اللي ما حد عارف إنهي مصيبة جيالنا بيها. نزع ذراعها بعنف وهو يشير بيده إلى الخارج: -اطلعِ بره. تساقطت دمعاتها وهي تومئ بيدها ناحية صدرها مصدومة: -بقى دا جزائي! عشان خايفة عليك من المصايب اللي هاتجيلك من وراها. هي عملالك إيه بالظبط عشان تطردني أنا عشانها الخدامة دي! -اخرسي. قالها مقاطعاً بصرخة وتابع بصوتٍ جهوري:
-كلمة تانية زيادة وهانده للحرس يشيلوكي ويرموكي بره. توقفت الكلمات على لسانها وهي تنظر إليه بترجّي ودمعاتها تتساقط دون انقطاع. ثم مالبثت أن تتحرك للخلف وتخرج من القصر تجر أذيال الخيبة والانكسار. *** نهض "حسن" عن مقعده بغضبٍ جحيمي: -كلامك ده واعر جوي وتطير فيه رقاب يا "قاسم". أحسن لك تكون متأكد زين من قبل ما يطلع منك. نهض هو أيضاً يبادله النظرة بتحدي:
-أنا مبألفش من مخي. وعارف كويس إنه تطير فيه رقاب. بس لامؤاخذة يعني انت عايزني أشوف بعيني الغلط وأسكت؟ خبط "بكفه" على الطاولة التي أمامه بقوة كادت أن تشطرها نصفين وهو يصرخ: -ماتستفزنيش يا "قاسم". انت عارف كويس إننا مابنتهاونش في الغلط. إشحال العار؟ نهض سليمان عن مقعده مترنحاً يحاول التكلم بثبات: -اجعدوا انتوا الاتنين خلينا نفهم الأول. وبلاش صراخ بصوت عالي مش عايزين أكتر من كده فضايح.
جلس "حسن" يحاول تنظيم أنفاسه اللاهثة. وجلس "قاسم" يردف بهدوء: -والله أنا كنت عارف من الأول إن الكلام دا هايحصل. عشان كده جلتلكم إن الجعدة تبقى هنا داخل البيت مش المندرة عشان ما حدش من العيلة ياخد باله والفضايح تزيد. تدخل "رفعت" بعد فترة من الصمت سائلاً بريبة: -وانت عرفت منين إنها قاعدة في مصر. ثم تعالى هنا انت مش جلتلي إنك بتدور عليها في البلاد اللي حوالينا؟
تحولت أنظار الجميع إليه بتشكك. وهو أجفل مرتبكاً ولكنه تدارك نفسه ليجيب بثباتٍ يُحسد عليه: -دا في البداية يا "رفعت". لكن أنا سألت واستقصيت من صاحباتها هنا وعرفت بالعنوان اللي نزلت عليه هناك في مصر. بتك كانت عاملة حسابها يا أم السنيورة. ماتردي انتي ساكتة ليه؟ قالها مخاطباً "بسيمة" الصامتة تنظر بغموض. فحدثت قائلة: -خدوني ليها أنا عايزة أشوفها وأتأكد بنفسي. ***
وفي مكانٍ آخر بداخل منزلها، كانت ماتزال تبكي بحرقة وانهيار على ضياع حلمها في القرب منه. وقسوته معها في الدفاع عن هذه الملعونة التي سيطرت على عقله بهذه الدرجة. إنه يبدو كالمسحور في اتباعها وأنسته حتى القرابة وصلة الدم. سمعت قرع جرس المنزل ومع فتح الخادمة للباب دلف "تيسير" هاتفاً عليها بصوتٍ عالٍ: -انتي فين يا ست "صافي"؟ انتي فين يا اللي طينتي الدنيا على راسك وراسي.
خرجت إليه من غرفتها بأعين متقرحة ومنتفخة من كثرة البكاء. صاح هو عليها متهكماً: -يا سلام عليكِ. يعني تبهدلي الدنيا وتيجي بعد كده تعيطي وتبكي على الأطلال. صاحت عليه صارخة: -هو انت إيه يا أخي معندكش دم؟ شايفني منهارة من العياط وبرضه اللي عليك. بهدلت الدنيا طينت الدنيا فوق راسي. كان إيه اللي حصلك انت كمان؟ ضرب بكفه على ظهر الآخر بسأم:
-إيه اللي حصل إنّي اتهزئت من "رؤوف" وطلعت أنا الصاحب اللي ما يؤتمنش على سر. وراجل عيل عشان روحت وصلتلك كلام ما يصحش يخرج من البيت. فغرت فمها مستنكرة: -كمان. هو اعتبرها من أهل البيت وسرها يخصه؟ هو إيه اللي حصل بالظبط؟ البت دي إمتى لحقت تسيطر عليه بالشكل ده. قالت الأخيرة بقهرة وهي تسقط بتعب على مقعدها المريح. زفر هو بصوتٍ عالٍ حانقاً قبل أن يجلس هو أيضاً على إحدى الأرائك.
-يا صافي انتي غلطتي وما تزعليش مني بقى. الأمور ما اتخدتش كده. هو انتي عايزة تكسبيه ولا تخسريه؟ رفعت رأسها تنظر إليه بيأس: -هو أنا لسه هاخسره! انت ماشوفتش النهاردة يا "تيسير" دا كان عامل زي المجنون وهو بيدافع عنها. دا كان فاضل يضربني يا "تيسير". طب بيعمل معايا أنا كده ليه؟
وأنا طول عمري باتمنى نظرة منه وياما حاولت أظهر له وهو ولا هو هنا. حتى لما حب البت الأجنبية. كان عندي أمل إنه يرجع لي لما يزهق منها. بس اللي حصل إنها ماتت وهو بدل ما يرجع لي. لا دا زهد عن كل الستات. ودلوقتي بقى بيفضل خدامة عليا. أنا ناقصني إيه يا "تيسير" عشان ما يحسش بيا قول لي ناقصني إيه؟ أجابها بسأم وهو مستنداً بمرفقه على طرف الأريكة واضعاً وجنته على قبضته المضمومة:
-مش ناقصك حاجة يا "صافي". بالعكس انتي حلم كل شباب العيلة. لوحت بيدها في الهواء بصرخة متألمة: -واشمعنى هو دوناً عن كل شباب العيلة مش حاسسني ولا شايف جمالي؟ مط بشفتيه مردفاً بجدية: -مش عارف يا "صافي". بس نصيحتي ليكي ياريت تشغلي عقلك وتصالحي موقفك مع "رؤوف" عشان ما تخسريهوش للأبد. ***
ومن الناحية الأخرى لم تستطع "سعاد" أن تذهب وتترك "سمرة" على هذه الحالة من الحزن والقهر. كانت جالسة في غرفتها على الفراش ودموعها تتساقط بصمت. وعلى طرف الفراش كانت "سعاد" جالسة أمامها تؤازرها وتخفف عنها. -خلاص يا "سمرة" فكّي يا أختي وفوقي كده. انت دموعك دي إيه مابتخلصش؟ زفرت بقوة تحاول معها مرة أخرى:
-وبعدين بقى يا بت الناس. أنا تعبت من كتر ما بكلم نفسي كده على الفاضي من غير فايدة. يابنتي وجعتي قلبي. فوقي بقى لتحصلك حاجة وتضري فيها. طرق "رؤوف" بخفة على باب الغرفة وهو يستأذن: -ممكن أدخل؟ نهضت "سعاد" تستقبله بلهفة: -ينهار أبيض ادخل ياباشا. هو انت هاتستأذن دا بيتك ومطرحك. ادخل ياباشا ادخل. -انتي بتقولي إيه يا سعاد؟ لازم طبعاً إني أستأذن.
قالها وهو يدلف لداخل الغرفة بخطوات بطيئة بحرج، ولكنه تسمر أمامها. فالبرغم من أنها سارعت بمسح دموعها فور دخوله، إلا أن آثار الحزن والبكاء المرير كانت تبدو عليها بشكل واضح. فتابع هو سائلاً: -انتي لسه برضوا زعلانة وما بطلتيش عياط؟ سارعت "سعاد" بالرد: -قولها يا سعادة الباشا. دا أنا لساني اتدلل معاها ونفسي بقى تفك عشان أطمن عليها وأقدر أمشي وأروح للعيال. دي الدنيا ليلت عليهم وأنا سايباهم عند الجيران.
التفتت إليه "رؤوف" قائلاً: -روحي انتي دلوقتي يا سعاد وخلي "صفوت" يوصلك بالعربية عشان توصلي بسرعة لولادك. ردت بتوتر: -بس يابيه مالوش لزوم. أنا أقدر أتصرف في المواصلات. قاطعها مشدداً: -خلاص يا سعاد اعملي اللي بقولك عليه. نقلت أنظارها لـ "سمرة" فأومأت لها بتماسك: -روحي يا "سعاد". أنا بقيت كويسة. روحي والله وماتقلقيش عليا. خاطبها "رؤوف" مازحاً: -خلاص لو كويسة تعالي معايا نوصلها لحد الجنينة. واهو بالمرة نشم هو طبيعي. ***
وفي الجنوب اصطفت السيارات التي ستقلهم إلى القاهرة بجوار منزل "سليمان". سيارة لـ "رفعت" وأخيه "قاسم". والأخرى للأشقاء حسن والحاج "سليمان" و"بسيمة" والدة "سمرة" التي أصرت على الذهاب معهم. نعيمة وهي واقفة بالشرفة تنظر إليهم واضعة يدها على قلبها المتألم من القلق على "سمرة": -يارب استر يارب وجيبها سلامات. يارب ينجيكِ يا "سمرة" يابتي يارب. التفتت إليها "رضوى" حانقة: -انتي لسه بتدعيلها؟
حتى بعد ما اتأكدتي من فجرها وجلة أدبها! تنهدت المرأة ناظرة إلى السماء: -ما حدش اتأكد من حاجة. دا كلام جاله "قاسم" وربنا وحده اللي عالم فين هي الحقيقة. ضحكت "رضوى" بشماتة: -ماشي خليكي كده ادعيلها على الباطل. وبكرة تتاكدي من كلامي. لما يجيبولك جثتها في شوال عشان تتاويها هنا في الجبل وتاكلها الكلاب. نهرتها "نعيمة" مشمئزة: -يا ساتر يارب عليكِ. أعوذ بالله منك ومن لسانك يا شيخة. دا انتي بجيتي عفشة جوي وقلبك بجى حجر.
هزت باكتافها ضاحكة وهي تعود للنظر مرة أخرى للسيارة على من سلب قلبها وعقلها. وهي تمتم مع نفسها: -شكلها كده هانت. مدام انت بنفسك اللي واخدهم عشان تكشفها وتفضحها قدامهم. تبجى فوق وقت وعرفت الفاجرة اللي كانت واكلة عقلك ومنسياك الدنيا وما فيها. وأخيراً هاتعرف قيمة "رضوى" بت الأصول اللي تستاهل حبك. تبجى هانت يا رضوى هانت. ***
وعودة للقاهرة. فبعد أن ذهبت "سعاد" ظلت "سمرة" في الحديقة مع "رؤوف". ولكنها كانت صامتة وهي تنظر أمامها بشرود وحزن. خاطبها وهو متألماً لما شعرت به من إهانة أوجعتها وهي عزيزة النفس لا تتحمل: -أنا ما كنتش أعرف إنك ضعيفة أوي كده. أنا اللي أعرفه إني قوية وواثقة في نفسك. التفتت إليه تجيب بصوتٍ مرهق:
-أنا تعبت وما عدتش قادرة أتحمل. مع إني عارفة إن جالت "صافيناز" أكيد دلوقتي بيتقال في ضهري ومن ناسِ اللي هما أكتر ناس عارفيني. بس أنا ربنا وحده هو اللي عالم بظروفي وعالم إني مظلومة وبريئة. تكلم هو بصوتٍ أجش وحنون: -أنا مش عايزك تزعلي يا "سمرة". أنا واثق فيكي وفي أي كلمة تقوليها. وخليكي مطمئنة إن محدش من أهلك هايقدر يقربلك ولا يلمس منك شعرة. صمتت قليلاً شاردة قبل أن تقول:
-على فكرة أنا فكرت في موضوعك. بس أنا عايزاك تعرف الأول. السبب الحقيقي لهروبي قبل فرحي على واد عمي. وبعد ما تسمع قرر هاتكمل في عرضك ولا لأ. ازدرد ريقه بتوتر: -مش عايز أعرف حاجة يا "سمرة". أنا جلتلك إني واثق فيكي. ردت هي بإصرار: -بس أنا مصممة إنك تعرف إنّي لما هربت ما كانش العريس هو السبب. أخوه هو اللي كان السبب!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!