الفصل 46 | من 46 فصل

رواية سحر سمرة الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم أمل نصر

المشاهدات
27
كلمة
2,795
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

طرق عنيف على الباب مع قرع مستمر لجرس المنزل جعله يخرج من غرفته مجففاً. نادى على خادمته التي ذهبت لفتح الباب سريعاً: -مين يا زهرة؟ -أنا يا تيسير اللي عايزّاك. أشاح بوجهه فور أن رآها أمامه بعد أن دلفت بخطوات مسرعة إليه، فقال بسأم: -أهلاً يا صافي. بهتت من مقابلته الباردة لها، فقالت: -هو فيه إيه يا تيسير؟ بتبعد وشك عني ليه؟ هو أنت كمان صدقت اللي بيقولوا رؤوف بعد ما صدق المتخلف جوز سعاد؟ وضع يديه بجيب بنطاله البيتي محدقاً

إليها بعينيه يسألها بنزق: -وإنتي إيه رأيك؟ أصدق ابن عمي ولا أصدقك إنتي؟ اقتربت تطبق بكفها على ذراعه قائلة بلهفة: -تصدقني أنا يا تيسير.. رؤوف مخدوع في البنت دي وبتضحك عليه.. وتلاقيها هي اللي راسمة الخطة دي كلها عشان تسيطر عليه وتبعدني عنه. قال بازدراء: -والنبي حقيقي مصدقة نفسك؟ هو إنتي لدرجادي غرورك صورلك إن كل الناس أغبيا ومش في مستوى ذكائك؟ ازدردت ريقها بتوتر: -قصدك إيه يا تيسير مش فاهمة؟

-قصدي أفكرك.. إني ماكنتش سكران ولا فاقد الذاكرة.. عشان أنسى إني أنا اللي قلت لك عن موضوع قاسم.. وأديتك بغبائي طرف الخيط اللي يوصلك ليه.. واللي هو طبعاً ممدوح.. عشان تتفقوا مع بعض وتخلصي من سمرة وبعدها بقى يخلي لك الجو مع رؤوف.. عشان تحققي حلم عمرك بالقرب منه. شهقت بدموع حقيقية، فقالت يائسة:

-طب حتى لو كان الكلام ده حقيقي.. ممكن يا تيسير.. تقف معايا وتقنع رؤوف ببرائتي.. أنا مش قادرة أبعد ولا أسيبه.. خليه يسيبها ويرجع لي.. دي ما تستاهلوش ولا من مستواه. -سامحيني يا صافي.. بس أنا لا يمكن هاكدب ولا أخدع رؤوف في موضوع هو خلصان أصلاً.. نصيحتي ليكي إنك تسافري وتوفري على نفسك تعب القلب.. وعلى فكرة بقى.. النهاردة فرحهم يا صافي. صاحت بجزع: -كمان فرحهم النهاردة؟

-أيوه النهاردة.. يعني بقى حاولي تشوفي لك حجة تواجهي بيها أصحابك.. اللي ما هايصدقوا يفرحوا فيكي.. عن إذنك بقى عايز أريح ساعة كده.. أصل النهاردة السهرة هاتبقى صباحي في فرح ابن عمي. تركها متسمرة مكانها من الصدمة ودلف هو لغرفته غير مبالي. ***

هجمت الفتيات الثلاثة والمرأتين عليها بالعناق والقبلات يهنأنها بكل ود ومحبة.. حتى رضوى تخلت عن حقدها قليلاً بعد اقتناعها أخيراً.. أن ما كانت تحقد به على ابنة عمتها لم يكن سوى بلاء فوق رأس سمرة.. حرمها الراحة والسعادة لسنوات.. مروة وشيماء وزوجات أعمامها نعيمة وثريا كن يهنأنها من قلوبهن بفرحة لا تشوبها شائبة.. فرحة كانت بداخل سمرة أضعاف وهي ترى اكتمال سعادتها بحضور عائلتها معها في هذا اليوم الأهم في حياتها.. ولكن عيناها كانت معلقة بالمرأة التي وقفت بجوار الباب.. وكأنها فقدت القدرة على المشي وهي مطرقة برأسها أرضاً.. لا تقوى على النظر بعيني ابنتها العروس التي وجدت سعادتها أخيراً.. بعد أن خرجت من محيط سيطرتها وقرارها الخاطئ والمدمر في حق ابنتها.

شعرت بها فجأة وهي تلقي بنفسها عليها بشوق.. تعانقها بقوة: -وحشتيني جوي يا أمي. شدت بسيمة بذراعيها تعانقها بقوة أكبر وهي تذرف الدمعات بغزارة على الفستان الأبيض.. تبكي بحرقة وبصوت مكتوم: -سامحيني يا بنتي سامحيني. تأثرت سمرة هي أيضاً.. فقالت مابين دمعاتها: -خلاص يا أمي.. اللي فات مات على كده.. وبالعكس كمان بجى.. دا أنتي اللي تسامحيني مش أنا. شهقت بسيمة وأصبح بكاؤها بصوت عالٍ.. فالتف حولهم جميع من في الغرفة:

-سيبوا البت يا بسيمة مش كده. -خالتي بسيمة براحة على نفسك وعلى بتك.. دي عروسة ودا يوم فرحها. -مكياجك يا سمرة.. كده هايبوظ يا بت عمي. قالت سمسمة بدعابة: -ينهار أبيض.. مافيش وقت يا جدعان.. عشان نصلح المكياج والفستان اللي هايبوظوا. أخرجتها بسيمة أخيراً من أحضانها.. تنظر لها عن قرب وهي تبتسم بسعادة وألم:

-طول عمر أبوكي يقول عليكي.. أميرة من كتب الخيال.. بس أنا دايماً كنت بكلامي المدب.. أقتل الشعور ده فيكي عشان ما تتكبريش ولا تنغري.. بس والنعمة الشريفة أبوكي كان صادق يا بنتي وانتي عمرك ما بينتي أي فعل يدل على التكبر.. لكن أنا اللي كنت بعاند وبس.. مع إنه دايماً كان معاه الحق. قالت الأخيرة بحرقة وهي تطبق عليها داخل أحضانها مرة أخرى.. مما جعلهم جميعاً يهتفون متذمرين: -يوووووه مش هانخلص النهاردة. -جرى إيه يا بسيمة؟

هو أنتي فتحتي في البكا ومش ناوية توقفي؟ *** بعد ذلك بقليل..

كل شيء في الحفل كان يقارب الكمال.. تزينت الحديقة وأصبحت بفضل الفريق المنظم للحفل باحترافية قطعة من الخيال.. أماكن المدعوين وموائد الطعام وفريق لتقديم المشروبات بالملابس الرسمية.. وفريق آخر موسيقي يشدوا بأجمل الألحان الراقية.. مع بعض الأغاني المعتادة في الأفراح والتي تصلح لحفلات الزفاف.. أقارب العروس اجتمعوا على طاولات تجمعهم بجوار المدعوين من أقارب العريس وبعض رجال الأعمال أصدقائه.. حتى سعاد كانت جالسة على طاولة

وحدها مع أولادها.. دون عمل هذه المرة ولا شقاء.. فقد أصدرت سمرة تعليماتها بتعيين عدة فتيات أخريات يساعدنها في المطبخ وتبقى هي فقط مشرفة عليهن.. أما عن العروس في ليلتها فقد كانت حقاً أميرة كما وصفها أبوها قبل ذلك.. أبهرت جميع من في الحفل.. بفستانها الرائع التصميم.. الذي أحاط جسدها برقي.. مع زينة وجهها التي أظهرت جمال ملامحها الرائعة بسخاء.. لتخطف قلب فارسها الذي كان بجوارها كالمسحور.

تفوه بدعابة: -إنتي مكسوفة ليه ما ترفعي وشك؟ ابتسمت بخجل تقول بغيظ: -أرفع وشي إزاي بس؟ وأنت كل شوية تكسفني بنظراتك الجريئة وكلامك الأجرأ منها. قال بتسلية: -بتتكسفي من نظراتي وكلامي!! هو أنا لسه قلت حاجة.. اصبري إنتي بس.. التقيل جاي. زجرته بجدية زائفة فضحتها الابتسامة: -رؤوف والنبي هازعل لو ماسكت. بابتسامة مشاكسة قال: -طب ازعلي عشان أصالحك.. دي لعبة حلوة قوي على فكرة.

همت بالرد عليه ولكنها انتبهت لأبيها الذي كان يقترب بخطواته منهم.. وقف رؤوف مرحبا بالرجل الذي عانقه بحميمية: -نورت الفرح والله يا عمي.. أخيراً شفناك من ساعة ما جيت اطمنت على سمرة الصبح.. خرجت وقولت عدولي. قال أبو العزم بابتسامة كبيرة على وجهه: -هاقولك كنت فين بس أسلم الأول على أميرة قلبي الأول. أصدر رؤوف صوتاً متزمراً وهو يرى أبو العزم يتقدم ليعانق ابنته بحنان أبوي: -إيه أميرة قلبي دي كمان؟

ما تجيبها معايا لبر يا عم أبو العزم.. أنا مش شاعر زيك يا عم ولا أعرف أجيب تشبيهاتك دي. قال أبو العزم وهو يقبل سمرة في وجنتيها: -الواد ده بيغير باينه.. بس يتفلق بقى.. أنا أول راجل في قلبك ولا إيه. قالت بابتسامة متشفية وعيناها على زوجها: -طبعاً.. وأنا أقدر أنكر. ضيق عينيه إليها متوعداً يتمتم: -ماشي يا سمرة.. بس خليكي قد الكلام ده بقى.. لكن إنت برضو يا عمي ما قلتش كنت فين من الصبح؟

قال سؤاله بصوت عالٍ ليسمعه أبو العزم الذي ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو يجيب: -أصل أنا النهاردة كنت بتعاقد مع دار نشر كبيرة.. أخيراً أشعاري هاتشوف النور. هللت سمرة فرحة مع زوجها أيضاً: -مبروك يا والدي مبروك.. أخيراً حلم من أحلامك هايتحقق. -يارب كل أحلامك يا عمي. *** وسط المدعوين.. كانت جالسة لبنى على طاولة واحدة مع بسيمة والدة سمرة وثريا ونعيمة زوجات أعمامها ومروة شقيقة رفعت.. حسن وسليمان. قالت لبنى مرحبة:

-حقيقي إنتوا نورتونا وشرفتوا الفرح بحضوركم. ردت ثريا: -تشكري يا هانم إنتي يا أم الكرم.. دا إحنا من ساعة ما دخلنا بيتكم.. وعرفنا على حق إن انتوا ناس ولاد أصل وكرم. قالت نعيمة أيضاً: -والنبي جميلك إنتي ورؤوف باشا على راسنا من فوق عشان وقفتوا مع سمرة لحد أما ربنا نصرها وكشف الغمة. قالت لبنى: -ما تقولوش كده يا جماعة.. دي كل حاجة من تدبير ربنا وحده. أطبقت بسيمة بكفها على كف المرأة تقول بامتنان:

-هو فعلاً تدبير ربنا.. بس انتوا كنتوا سبب أساساً.. في حماية بنتي وكشف الزفت قاسم. ربتت لبنى بكفها على كف بسيمة تقول: -سمرة تستاهل كل خير. أتت فجأة بجوارهم شقيقة رؤوف تهتف على الجميع وهي تجلس: -إيه يا جماعة ساكتين ليه؟ مش هاتقوموا تعملوا أي حركة كده صعيدية تفرحنا معاكم؟ أجابتها مروة ضاحكة: -إنتي عايزانا نعمل إيه يعني؟ نرقص. قالت ببساطة: -وماله ماترقصوا فيها إيه يعني دي؟ ثريا بخجل:

-يا مري نرقص.. وكمان قدام الناس الكبيرة دي. الله يحظك يا بتي.. إلا قوليلي صح.. هو إنتي صح اسمك سمسمة كده على طول؟ ضحكت بمرح قائلة: -كده على طول إزاي بس؟ أنا اسمي الأصلي أسما.. بس حبيبي أخويا طلع عليا سمسمة من صغري عشان هو اللي رباني بقى وكنت دلوعته. نعيمة بإعجاب: -بسم الله ما شاء الله عليكي.. وإنتوا حلوة ولايق عليكي الدلع.. زي بنتك الصغيرة أم عنين زرجا دي. -آه..

بنتى كارما دي واخدة راحتها اوى النهاردة فى اللعب مع عمها تيسير ووالدها. اجفلتهم مروة سائلة: -هي رضوى راحت فين صح؟ انا مش شايفاها. اجابتها ثريا: -رضوى دخلت جوا تظبط مكياجها وطالعة دلوك. كانت الطفلة الصغيرة تركض بين الطاولات غير مبالية هربا من "تيسير" الذي كان كالطفل في اللعب معها. وهو يصيح عليها بمرح: -بت ياكوكى.. تعالى هنا ياعفريتة.

كانت تطلق ضحكاتها البريئة بصوت عالٍ غير مبالية بالحدث.. لتجعله يعدو بخطواته السريعة خلفها.. حتى كاد أن يمسك بها ولكن تفاجأ وقد أوشك على يصطدم بإحدى الفتيات بقوة.. ولكنه أدرك نفسه وارتد للخلف سريعاً رافعاً كفيه في الهواء: -اسف يا آنسة.. بس الحمد لله ما لمستكيش. -لا كنت المسني أحسن.. عشان كنت جلبتها ضلمة النهاردة.

تذكر صاحبة الصوت ولكنه تفاجأ وهو يراها تختلف هذه المرة عن الأخرى.. فهذه المرة كانت ترتدي فستان سهرة محتشم ويليق بالمناسبة مع بعض المساحيق الخفيفة على وجهها.. فجعلتها تبدو جميلة حقاً. أشار إليها بسبابته يقول: -انتِ بنت خال سمرة صح؟ زمت شفتيها تقول باقتضاب: -بنت خالها ولا بنت عمها وانت مالك؟ قالتها وذهبت من أمامه لتتركه ينظر في أثرها مندهشاً. أجفل على ضربة قوية على ذراعه. -انت بتعمل إيه يانيلة انت؟ صاح حانقاً:

-ياباي عليك يا عصام.. هزارك تقيل قوي يا أخي. تابع عصام: -بتعاكس في الصعايدة! انت عايزها تبقى ضلمة يابني زي ما بتقول البنت؟ تذكر الموقف.. فقال مبتسماً: -شرسة وشديدة باين عليها.. بس حلوة.. أينعم مش في جمال سمرة.. بس يكفي إنها من طرفها عشان تبقى مضمونة. -بتفكر في إيه يا "تيسير"؟ أجاب ضاحكاً بينما هو يقبض على الملعونة الصغيرة.. التي أصدرت صرخاتها المرحة. -بفكر أجيب واحدة زي العفريتة دي.. واخدة بالك يا عفريتة انتي.

بانفه يداعبها وهي تضحك بصوتها بجنون.. بينما قال أبوها متمتماً بتعجب: -ياسبحان الله.. هي دي آخرتك يا تيسير عشان تتربي. حلو والله وزي العسل كمان.. مالهاش لزوم الربكة دي. تفوهت بها وهي تنظر إليه بإعجاب وهو يحكم على رابطة عنقه جيداً.. وهما جالسان على طاولة وحدهما. أجفلته بجراتها كالعادة فقال: -هو إيه اللي حلو بس يا مجنونة انتي؟ قالت ببساطة: -انت الحلو يا رفعت.. واحلى من أي راجل هنا لابس البدلة. نظر حوله فقال بتوتر رغم

السعادة البادية في عينيه: -ياشيماء ماينفعش كده.. المفروض أنا اللي أقولك الكلام ده.. بس انتي مش بتديني فرصة. -ما أنا مش بتكسف.. وبحب أعبر عن اللي في قلبي وخلاص.. لكن بقى لو انت عايز تدلعني وتجولي كلام حلو أهلاً وسهلاً. ضيق عينيه قليلاً بتفكير قبل أن يقترح: -بجولك إيه يا شيماء.. احنا مش كنا متفقين إننا هنعمل الخطوبة على طول بعد امتحاناتك اللي فاضلها شهر.. ما تيجي نخليها جواز بالمرة وتكملي السنة اللي فاضلة في بيتي.

أجابته سريعاً بجرأتها المعتادة: -موافقة.. بس بشرط ترقص معايا رقصة رومانسية. قال متذمراً: -يعني لبستني بدلة وكمان عايزة ترقصيني يا شيماء؟ -ويعني انت حد هايعرفك هنا.. وحتى لو هايعرفوك.. إحنا مالنا بالناس. صمت قليلاً بتفكير ثم قال: -خلاص يا شيماء موافق.. مدام ده شرط الجواز. هللت بفرح ولكن خبأت ابتسامتها فجأة تقول: -طب والست الوالدة أو السيد الوالد مش هايعترضوا ولا يزعلوا عشان حبس قاسم يعني. قال واثقاً:

-صدقيني مش هايزعلوا يا شيماء.. إحنا خلاص رمينا طوبته.. ده زرعة شيطاني وطلعت من أرض سليمة.. خليه يجني نتيجة أفعاله.. وإحنا هانعيش حياتنا ونفرح ونكمل.. ولا انتي مش شايفة مروة وهي بتضحك وتهزر رضوى هناك. عادت إليها ابتسامتها مرة أخرى فقالت: -شايفة يا رفعت وفرحانة جوي كمان.. وادي كمان الرقصة الرومانسية اشتغلت.. كوم بجى نرقص زي سمرة وعريسها. جذبته من يده فنهض معها بقلة حيلة: -طب بالراحة عليا يا مجنونة انتي طيب.

على صوت الموسيقى الحالمة.. يدها بيده تتتمايل معه وخطواتهم تتحرك بتناغم.. وجهه القريب من وجهها.. عيناه المثبتة على عيناها تبعث بآلاف رسائل الحب والوعود المطمئنة.. بحياة جميلة تجمعهم معاً.. قلبها القريب من قلبه ينبضان بعنف اعترافاً بعشقهم.. الذي قدر مع ميعاد مولدهم.. رغم ابتعاد المسافات واختلاف الطبقات.. ولكن ما جمعه القدر لا يفرقه بشر.

استمرت رقصتهم الفردية معاً لدقائق قبل أن يسمح المنظم الموسيقى بانضمام الباقين معهم.. دخل عصام وزوجته "سمسمه" شقيقة رؤوف.. تاركين مهمة الطفلة الصغيرة ل"تيسير" الذي بدا مرحباً بحملها وهو ينظر ل"رضوى" وهي الأخرى تبادله النظرات.. دخل رفعت مضطراً مع شيماء.. شاعراً بالخجل والتشنج لبعض اللحظات.. ولكن كل هذا اختفى بعد أن شعر بقربها منه وإحساسه بدفء مشاعرها البريئة والعاشقة له.

وعلى إحدى الطاولات.. كان حسن فاغراً فمه بذهول وهو ينظر لابنته وهي ترقص بجرأة مع خطيبها. قال سليمان بابتسامة ماكرة: -احمد ربنا يا حسن إننا مش في بلدنا.. دي بتك رقصت كبير العيلة. تمتم حسن مندهشاً: -يابت ال..... ياشيماء. في اليوم التالي

استيقظت سمرة فلم تجده بجوارها ولكن صوت اندفاع المياه القادمة من الحمام أخبرها أنه بالداخل.. نظرت في الساعة وجدتها قاربت على التاسعة.. نهضت مجفلة وهي تتذكر ميعاد عودة عائلتها إلى البلدة.. تناولت مئزرها الحريري ترتديه سريعاً ونهضت لتدخل الشرفة.. تنظر في الأسفل فرأت السيارات المصطفة في انتظار رحيلهم.. التفت للنزول إليهم فشهقت مجفلة حينما وجدت نفسها محاصرة بين ذراعيه: -انت طلعت امتى من الحمام.

شدد عليها بذراعيه أكثر قائلاً بمرح: -كنت عايز أخضك وأعملهالك مفاجأة. -تعمليهالي مفاجأة برضوا.. دا انت عقلك صغير جوي.. بعد شعرك المبلول ده عني عايزة أنزل لاهلي قبل ما يمشوا. قالت الأخيرة وهي تشيح بوجهها عنه.. فقال بجدية زائفة: -اعدلي وشك ياسمرة وبلاش استعباط.. أنا لسه عندي كلام عايز أقوله. -كلام إيه تاني بس؟ سيبني ألبسلي حاجة زينة وأنزل لأهلي والنبي. قال بترجى مع ابتسامته الرائعة:

-طب والنبي انتي ياشيخة.. ما تبقي قاسية وانتظري شوية. نظرت إليه بتردد وقبل أن تجيب.. أجفلهم طرق باب الغرفة. صاح متذمراً: -مين اللي بيخبط على أول الصبح كده؟ وصلهم صوت "سعاد" الضاحك مع استشعار الخبث في نبرته: -لامؤاخذة يا سعادة الباشا.. أهل سمرة هانم ماشيين بلدهم وعايزين يلحقوا يسلموا عليها. -قوليلهم أنا نازلة حالاً أها. فلتت نفسها سريعاً منه لتأخذ إحدى قطع الملابس من دولابها: -مش قولتلك أهلي ماشيين ويدوبك أسلم عليهم.

تمتم مع نفسه بكلمات غير مفهومة وهو يراها تذهب لترتدي ملابسها في الحمام بعيداً عن عينيه. وبداخل قسم الشرطة خرج من غرفة الظابط المسؤول بعد أن أنهى تحقيقه.. بملابسه الرثة وبعض آثار الكدمات البادية بوضوح على وجهه بتدرج ألوانها حسب شدة الإصابة.. وجهه متجهم ولا ينبئ بشيء.. لا يجد فرداً واحداً حتى للسؤال عنه.. ولكن ما فائدة سؤال الجميع حتى.. وقد خسر سمرة نهائياً ولم تعد لديه فرصة للوصول إليها.

عند هذه النقطة وقف فجأة في نصف المسافة المؤدية إلى باب القسم.. ليوقف رجل الأمن الموصولة بيده كلابته. زجره الرجل قائلاً بحنق: -وجفت ليه يامتهم؟ اتحرك اخلص عشان تركب العربية اللي هاتوديك النيابة. -عايز أدخل الحمام بسرعة.. مش هاقدر أستنى. دفعه الرجل في بقبضة يده: -لما توصل هناك يبقى يعدلها ربنا. قال برجاء: -والنبى يا سيادة العسكري لاتخليني أدخل بسرعة.. مش هاقدر أركب العربية ولا أتحمل أي مسافة.. وحياة عيالك يا شيخ.

نظر إليه يامتعاض قبل أن يسوقه إلى الغرفة الكبيرة التي تحوي بداخلها حمامات الرجال.. دخل معه فكانت عدد الأشخاص يكاد يكون منعدماً بداخلها.. وذلك لأنها بداية اليوم. -إيه؟ انت هاتدخل معايا الحمام؟ فك الكلبشات خليني أدخل بسرعة وخليك واقف انت على الباب. حرك الرجل رأسه باعتراض: -مليش دعوة.. أنا هادخل وأديك ضهري.. لكن أفك كلبشات أنسى.. ياما تطلع معايا من سكات. -لا وعلى إيه؟ أدخل ياعم.

حينما دخل الرجل معه في الغرفة الصغيرة الضيقة.. أوهمه قاسم أنه سيفعل.. فاستدار الرجل بجسده ليعطيه حريته.. وبمجرد أن لمحه قاسم معطياً ظهره.

.. بيده الحرة تناول رأس الرجل فضربها في الحائط بقوة ليجعل الرجل يسقط صريعاً فوراً على الأرض.. مدرجاً بدماؤه.. لم يستغرق معه الأمر طويلاً.. بحث سريعاً بجيب الزي العسكري للرجل فوجد المفتاح الصغير.. فتمكن من فتح الكلبة المطبقة على رسغه.. ثم خلع ملابسه وارتدى الزي العسكري.. بعد أن خلعه من الرجل.. وبالخطوة السريعة خرج من الحمام.. ليسير بشكل طبيعي بعد ذلك وكأنه فرد أمن.. حتى لا يسير الشك.. وصل إلى الطرقة المؤدية لباب الخروج.. تبسم بانتشاء داخله لقرب الهرب.. ليشعر فجأة بثقل يدفعه للسقوط أرضاً.. وجسد ثقيل يقيد

حركته ويتناول كف يده بقوة: -كنت فاكر إنك هاتهرب يا قاسم.. دا انت بالذات الوصاية عليك جامدة قوي.. يعني أنا مش أهبل عشان مراقبش خروجك. صاح بصوت مختنق: -أنا عارفها الوصاية دي.. أكيد الزفت رؤوف. نهض الظابط المسؤول بعد أن قيد يديه الاثنتين بكلببتين.. ثم رفعه عن الأرض عنوة يقول: -دا انت ليلتك سودة.. وضيفت على جرايمك.. كذا جريمة تاني.. شكلك هاتقضي العمر كله مسجون!

كانت تودع أفراد عائلتها بالقبلات والأحضان الدافئة.. متمنين لها دوام السعادة.. لم يتبقى غير أبيها ورفعت الذين بدوا على معرفة قديمة ووطيدة. -خلاص يا عم "رؤوف".. تخلصوا شهر العسل وتيجوا الفرح طوالي. قال رؤوف مرحباً: -طبعاً.. دا أنا أتمنى.. بس يعني الناس في بلدكم مش هايعترضوا ولا يطلعوا إشاعات. أكملت سمرة على قول زوجها: -دا أكيد طبعاً.. ما حدش هناك هايجبلني. تدخل أبو العزم بالحل قائلاً: -هانبقى نقول إنها نزلت على والدها.

ضحك الثلاثة على فطنته فقال رفعت: -وادي عمنا أبو العزم الشاعر حبيبنا حلها أه. قال رؤوف: -خلاص بقى مفيش حجة تاني طبعًا. أكيد جايين. -طب يا عم سلام بقى إحنا نمشي. -طب ما تستنوا شوية طيب. -لا يا عم يدوبك نحصل. خرج رؤوف مع رفعت ليودع الجميع معه ولم يبقَ إلا أبو العزم الذي قبّل ابنته في وجنتيها وهو يعطيها بعض النصائح الأبوية قبل أن ينضم إلى الجميع ويذهب إلى بلدته التي تركها منذ عدة سنوات.

بعد أن خرجت جميع السيارات، دلف رؤوف لداخل القصر. تناول الصغيرة من جوار والديها وهما جالسان مع لبنى في بهو القصر. -حبيبة قلبي انتي يا كوكو. وحشتيني من امبارح. قالت شقيقته بمشاكسة: -يعني افتكرتها أصلًا؟ وإنت قاعد جنب العروسة؟ قال بجدية: -إيه الكلام ده؟ معقولة أنا أنسى كوكو عشان "سمرة"؟ لا مالكيش حق صراحة يا سمسمة. هي صحيح فين؟ -أشارت بيدها قائلة: -آه أنت تقصد سمرة؟ هي طلعت فوق.

فتح فمه للكلام ولكنه توقف فجأة يتحرك سريعًا من أمامهم: -طب عن إذنكم يا جماعة بقى البيت بيتكم. هتف عليها عصام زوج شقيقته ضاحكًا: -إيه يا عم هو نسيت كوكو؟ رد عليه وهو يصعد درجات السلم بسرعة: -هبقى أشوفها بعدين هي هاتطير. سلام بقى. صعد سريعًا يكمل حديثًا بدأه ولا ينتهي إلا بانتهاء العمر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...