اسمع كلامها وسيبه يا رؤوف. لم يكد يسمعها يميز الصوت المعروف إليه.. حتى شعر به يدفعه بقوة تفوق قوته حتى أوقعه أرضًا بعيدًا عن قاسم.. المستلقي على الأرض ومدرج بدمائه. إيه يا أخي انت عايزه يموت في إيدك؟ دي مش طبيعتك دي يا رؤوف. عصام!! انت وصلت امتى؟ وعرفت تجيب رجالتى ازاي؟ سأله مندهشًا وهو يرى المنزل امتلأ بالرجال من حراسه.. فأجابه الآخر وهو يرفع قاسم عن الأرض.
أنا لسه واصل حالا ياعم من المطار ومعايا أختك سمسه والبنت الصغيرة. هدر قاسم بيأس وهو يستفيق من أوجاعه وقد وقع في أيدي الحراس: والنعمة ما هاسيبك تتهنى بيها.. فاهمة يا سمره مش هاسيبك. صاح رؤوف على رجاله وهو ينهض عن الأرض.. خدوه من هنا على مركز الشرطة حالا.. وأنا هاتصل بمأمور القسم افهمه من مكاني. أذعن الرجال لأمره واقتادوه للخارج وهو يصيح بصوته العالي.. سيبوني.. سيبوني ياكلا...
مش هاسيبك يا سمره.. مش هاسيبك يا رؤوف وهاخد حجى منكم.. انتو الاتنين. اقترب منها ليضمها إليه مقبلًا قمة رأسها: خلاص ياقلبي كل حاجة انتهت. قالت بصوت خفيض وهي تحاول دفعه بيدها عنه بخجل: خلاص يا رؤوف.. الراجل الغريب واقف. أبعدها قليلا ينظر إلى وجهها مبتسمًا: ومين قالك إن صاحبنا دا غريب.. دا عصام.. جوز أختي الصغيرة.. دي اللي قولتلك عليها قبل كده.. آخر فرد في عيلتي الصغيرة.. بعد ما اتوفى والدي ووالدتي.
تبسم إليها باشراق قائلاً: تشرفنا أوي يا آنسة اااا.. سمره. أومأت برأسها خجلًا: الشرف لينا حضرتك.. أهلًا وسهلًا يا أستاذ عصام. أجفله رؤوف سائلًا: ما تفهمنا يا أخينا انت.. جيت هنا إزاي؟ يا عم أنا جيت مع تيسير اللي كان بيستقبلني أنا وأختك من المطار.. وعرفت منه الحدوتة في الطريق بعد ما اتفاجأ وهو بيوصلنا عالبيت باتصال صفوت وهو بيستنجد بحد ينفذه.. ويساعدك انت كمان. هز برأسه يستوعب: طيب هو فين تيسير دلوقتي وفين صفوت؟
تيسير وسمسمة أخدوا صفوت معاهم حالا.. دلوقتي على المستشفى. وأنا دخلت بالرجالة اللي وصلوا هنا بأمر من صفوت الله يكرمه.. دا إحنا جينا لقيناه على آخر نفس ودمه مفرق الأرض بره. قال رؤوف بحزن: ربنا يشفيه يارب ويقومه بالسلامة.. أنا لازم أروح أطمن عليه حالا.. بس أما أوصل سمره الأول. أوقفته فجأة وهو يسير بها للخروج: طب و صافي يا رؤوف.. هاتعمل معاها إيه؟ بابتسامة غامضة وهو يلف ذراعه حول كتيفيها قال:
متشغليش نفسك انتي ياقلبي.. كل حاجة أنا عامل حسابها. *** جالسة على الأريكة الأثيرة.. تتحدث بأريحية في الهاتف مع إحدى صديقاتها.. المتسائلة بفضول عن إلغاء حفل زفاف رؤوف على عروسه في نفس اليوم. يا حبيبتي زي ما بقولك كده.. معرفش أي حاجة عن الموضوع ده.. ما انتي عارفاني مبحبش أحشر نفسي. يا صافي بلاش كدب.. أكيد انتي تعرفي وبتخبّي علينا. أوووف يا.... يا بنتي بلاش تضغطي عليا.. أنا مبحبش أخوض في الأعراض. هااا...
ينهار أسود.. معقولة رؤوف اكتشف إنها بتخونه. يووه عليكي يا نيرمين.. انتي بتسحبي مني الكلام غصب عني.. بقولك إيه.. حس عينك الكلام ده يطلع بره.. أنا بقولك أهو وبحذرك. حاضر يا صافي.. طبعًا مش هاقول ولا أنشر الخبر.. بس أنا صعبان عليا رؤوف.. دي صدمة صعبة أوي دي لما يكتشفها في يوم فرحه.. بس بقى هو اللي يستاهل.. عشان سابك انتي بنت الأصول وبص لغيرك. متقوليش كده يا نيرمين.. أنا بحب رؤوف وبتمناله كل خير.. حتى لو اتجوز غيري.
يا صافي.. بقى من قلبك الكلام ده؟ أيوه يا أختي من قلبي.. اقفلي بقى عشان أنا صوت دوشة.. يمكن يكون هو اللي وصل. وماله يا حبيبتي.. ربنا يوفقك.. سلام. أنهت صافيناز المكالمة سريعًا.. واتجهت للمرآة خلفها.. تلقي نظرة على زينة وجهها وما ترتديه.. ثم تناولت كتاب جدته وجلست مرة أخرى تتدعي القراءة في انتظاره.. طالت الدقائق حتى فتح الباب بغتة وطل عليها رؤوف بابتسامته الرائعة: مساء الخير. انتي لسه صاحية؟ شهقت فجأة تدعي
الاجتفال وتتحدث بنعومة: رؤوف خضتني.. أصل كنت مشغولة شوية في قراية الرواية.. والوقت خدني وما حسيتش بيه. بس انت اتأخرت أوي كده ليه؟ ازدادت ابتسامته المبهمة اتساعًا.. وهو يضع يديه بداخل جيبي بنطاله.. وقال: أصل أنا كان عندي مهمة صعبة وربنا وفقني وعرفت أخلصها بقى.. تحبي تشوفي المهمة. قالت بدهشة: مهمة إيه بالظبط اللي أشوفها؟ ازدادت ملامحه غموضًا.. وهو يقول: هتشوفيها حالا.. ياصافي.. ادخل.
رفعت عيناها لباب الغرفة والتي توسعت بشدة.. حينما راتها تدلف أمامها لداخل الغرفة.. ومعها عصام زوج شقيقة رؤوف.. فغرت فاهما مذهولة للحظات قبل أن تقول: سمره!! .. وعصام كمان!! .. هو في إيه؟ ضم رؤوف زوجته المجروحة إلى صدره مواجهًا لصافيناز بكل قوة: انتي ما خدتيش بالك.. بقولك خلصت المهمة.. يعني أنقذت مراتي من الكل... اللي خاطفها في بيت عمي رياض.. يعني الخطة الدنيئة اللي اترسمت بحرفية كلها اتكشفت. ازدردت ريقها بتوتر
فخرجت كلماتها بتلجلج: الخطة ودنيئة!! يعني إيه؟ هتف عليها بقوة: انتي عارفة أنا أقصد إيه؟ وبلاش تستعبطي عليا.. شريكك: ممدوح".. قال على كل حاجة.. من أول ما خدعتي سمره بحكاية الصداع والبرشام اللي موجود في عربيتك.. لغاية تكميمها بالمخدر ووضعها في عربيتك.. عشان توصليها للزفت قاسم.. اللي فتحتي له بيت عمي.. يبرطع فيه قبل ما تظبطيلي الورق اللي يقدر يسافر بيه وياخد معاه سمره وتخلصي منها نهائي بعد كده.
انسحبت الدماء من وجهها أمامه حتى كادت تشبه الأموات فهتف بدموع: أنا برضوا يا رؤوف هاعمل كده.. بقى تصدق الحيوا... ده وتكدب صافي بنت خالتك. آخرسي خالص ماسمعش صوتك.. انتي ليكي عين تكدبي كمان. تفوه بها هادرًا.. بغضب جحيمي.. وهو يحاول كبح جماح غضبه عنها حتى لا يزهق روحها انتقامًا منها. شدت سمره ذراعيها حول خصره تقول مهدئة: خلاص يا رؤوف عشان خاطري.. ماتعصبش نفسك عليها.. دي ماتستاهلش.
تلاحقت أنفاسه وهو ينظر إلى وجهها الجميل.. يحاول تهدئة أعصابه بشعوره بقربها.. قبل أن يرفع رأسه إلى صافي قائلًا بتهديد: اسمعي أما أقولك.. أنا كنت أقدر أبلغ عنك وأخليكي تشيلي القضية مع قاسم وممدوح.. بس أنا افتكرت اسم العيلة.. اللي هايتشوه بسبب واحدة ماتستاهلش زيك.. قالت بتوجس: يعني إيه يا رؤوف؟ مش فاهمة.
يعني الباب ده تخرجي منه عالشارع على طول وما أشوفش خلقتك في أي حتة أشوفها تاني.. ويريت بقى لو تريحينا أكتر.. وتسيبى البلد نهائي. نظرت بجزع لذراعه الممدودة لها بأهانة نحو الباب. فخاطبت عصام الجالس على طرف التخت غير مبالٍ. وغلاوة كوكى عندك يا عصام.. ادخل معاه وخليه يسمعني.. بدل الظلم ده. يابت وأنا مالي بس.. بتحلفيني بغلاوة بنتي ليه. هدر عليها رؤوف بقوة:
اخرجي بره حالا.. دلوقتي يا صافي.. يا أجيبلك الحرس يرموكي بره.. وصدقيني بجد أنا مش هتراجع. نظرت بحقد نحو سمره والتي مازلت تحتمي داخل أحضان زوجها.. قبل أن تخرج مطأطأة رأسها تبتلع الإهانة.. متحسرة على عشق طفولتها.. الذي أخذته فتاة لا تستحق في نظرها زوجًا كـ رؤوف! *** في صباح اليوم التالي
حينما كانت نائمة بعمق على تختها بداخل غرفتها الحبيبة.. بعد أن شعرت بالأمان أخيرًا.. وحدثت المعجزة بالخلاص من قاسم وزجه بالسجن.. ليأخذ عقابه الذي يستحقه.. حينما أنقذها زوجها.. عوض الله إليها بعد سنوات من العذاب.. وافتقاد الأمل في التغير.
استيقظت على أنامل رقيقة وناعمة تلامس بشرة وجنتيها.. وتلهو بخصلات شعرها المتمردة على وجهها.. فتحت أجفانها.. لتجد طفلة كوجه الملاك بجمالها وعيونها الزرقاء.. تبتسم لها براءة وغمازة زينت وجنتيها بروعة.. استفاقت تجلس بجزعها.. فتمتمت بانبهار: بسم الله ماشاء الله.. دا إيه الجمال ده؟ واللى جابها هنا دي؟ انتي مين ياقمر؟ قالت الصغيرة ببرائة: أنا اسمي كارما.. وانتي بقى اسمك إيه؟ كارما!! أنا اسمي سمره.. بس انتي بنت مين؟
كوكى انتي هنا وأنا بدور عليكى! التفتت سمره على صاحبة الصوت.. لتجدها فتاة لا تقل جمالًا عن الطفلة.. ملامح دقيقة على وجه مستدير وبشوش.. فرقت عن الطفلة فقط في لون العيون.. فهذه عيناها تبدو كلون العسل.. لا تدري لما شعرت برابطة نحوها وكأنها تعرفها منذ زمن.. اقتربت الفتاة لتجلس بجوارها على طرف التخت قائلة بابتسامة رائعة: أخيرًا.. صحيتي.. دا أنا على كده هاشكر كوكى بقى عشان صحتك من غيبوبة النوم.
تناولت الطفلة تقبلها في وجنتيها قبل أن تضعها على أقدامها... أشارت سمره بسبابتها نحوها تسألها بدهشة: نعم حضرتك.. انتي بتكلميني أنا؟ أما ل يعني هاكون بكلم السرير؟ ماتقومي يابنتي وفوقي كده.. دا يومك النهاردة.. واحنا دلوقتي داخلين عالساعة 12 الضهر.. يعني يدوبك تجهزي. يومي إزاي يعني مش فاهمة؟ هو انتي مين؟ أطلقت ضحكة قصيرة بصوت مميز تقول: خمني يا ستي أنا مين؟ استجابت سمره لدعابتها فقالت لها بابتسامة:
أخمن إزاي يعني وأنا أول مرة أشوفك؟ بس بصراحة يعني.. انتي شكلك مش غريب عليا. شهقت بفرحة: حلو أوي يبقى قربنا... قومي بقى عشان تشوفي أنا أقصد إيه. انتابها الذهول حينما جذبتها فجأة لتنهض عن تختها، وأكملت في سحبها حتى أدخلتها شرفة الغرفة. "شوفي بقى يا ستي أنا أقصد إيه بالظبط." أشارت بيدها نحو ما يحدث في الحديقة، حيث الزينة التي وضعت بها، مع حركة غير طبيعية من البشر في الأسفل، لإعداد على ما يبدو حفلة كبيرة.
همست بجانب أذنها تقول: "ده فرحك يا سمرة." تمتمت تنظر للفتاة بعدم استيعاب: "نعم؟ "صباح الجمال على أحلى امرأتين على وجه الكرة الأرضية." استدارت سمرة على صوت زوجها، فوجدته يرفع الطفلة الصغيرة ويقبلها بسعادة. "حبيبة خالو انتي، ياروح قلبي." التفتت للفتاة مرة وقد خمنت جيداً من هي. فأومأت برأسها لها ضاحكة: "أيوه أنا بالظبط كده، أبقى سمسمة أخت رؤوف، اللي عايشة في لندن مع جوزي عصام."
بعد ذهاب شقيقته وطفلتها لخارج الغرفة، ظل رؤوف لبعض الوقت يشرف من غرفتها ما يعده العمال وذوي الخبرة، لإعداد الحفل في أبهى صورة. "كده على طول وتاني يوم كمان، مش خايف لناس تطلع علينا الإشاعات." تفوهت بها وهو تنظر أيضاً في الأسفل، دون أن ترفع عيناها إليه. قال هو ببساطة: "وما يطلعوا مية إشاعة حتى، وأنا هايهمني في إيه؟ رفعت عيناها تنظر إليه تسأل:
"طيب وأنتي يا رؤوف، اتأثرتي بالكلام العفش اللي قالوه قاسم عليا ولا ورقة الجواز العرفي اللي مضية عليها باسمي؟ تناول كف يدها قبل أن يجيبها:
"أولاً بقى دي مش ورقة جواز على الإطلاق، دي مجرد ورقة هبلة مالهاش معنى وأنا ولله الحمد قطعتها عشان أريح دماغي ودماغك. ثانياً بقى، أنا مش عايزك تتوترّي نهائي ولا تقلقي من أي حاجة، النهاردة إن شاء الله هاتعدي على خير، وهتبقى أحلى مليون مرة من ليلة القاعة اللي كان ميعادها امبارح، دا كفاية إن اللي هايحضر بس هيكونوا بس حبايبنا." ترقرقرت عيناها بالدموع فقالت بصدق: "أنا بحبك جوي يا رؤوف." قرب راسها يقبلها
بقوة قبل أن يرد عليها: "وأنا بموت فيكي يا قلب رؤوف." طرق خفيف على باب الغرفة أجفلهم، هتف رؤوف متذمراً: "مين اللي بيخبط؟ فتحت سعاد الغرفة قليلاً تستأذن: "ده الفطار ياباشا، ممكن أدخل؟ "آه صحيح، ادخلي يا سعاد." تقدمت بصنية صغيرة عليها بعض الأطعمة الخفيفة لوجبة الإفطار، تضعها على الطاولة الصغيرة. فطبع رؤوف بقبلة صغيرة على وجنة سمرة قائلاً، قبل أن يخرج:
"طب أنا هاسيبك تفطري بقى وهاخرج أشوف شوية مواضيع كده عن الشغل في مكتبي." خرج سريعاً، فانتبهت سمرة على صديقتها، التي لم ترفع عيناها وهي تضع أطباق الأطعمة، حتى وهي تقول: "حمد الله على سلامتك يا سمرة هانم." "سعاد ارفعي راسك وحطي عينك في عيني، دي مقابلة برضوا تجابليني بيها، بعد ما عرفتي اللي حصل معايا." قالت سعاد بصوت مهزوز:
"بصراحة مكسوفة وعيني في الأرض، عشان كنت سبب أساسي في اللي حصل معاك، بسبب عمايل ممدوح اللي عض الإيد اللي اتمدتله بكل بجاحة." اقتربت منها ترفع بطرف أناملها ذقنها لتنظر إليها جيداً: "أديكي قولتيها بنفسك، هو اللي خان. لكن في المقابل بجى انتي عملتي معايا إيه؟ انتي بلغتِ عنيه، رغم إنه حب عمرك وأبو ولادك عشان تنقذيني وتنجيني. ياسعاد انتي أختي، في واحدة هاتشيل من أختها عشان جوز أختها طلع ندل." لم تملك سعاد إلا أن ترتمي
بأحضان صديقتها وهي تردف: "ربنا بس اللي عالم يا سمرة، انتي أكتر من أختي والنعمة الشريفة." في المساء. وهي جالسة أمام المرآة، تضع لها الفتاة الخبيرة في تصفيف الشعر بعض اللمسات الأخيرة، بعد أن ارتدت فستان أحلامها، فأصبحت كالأميرات في جمالها ورقيها. أطلت عليها من الباب سمسمة شقيقة رؤوف تنظر إليها منبهرة. "بسم الله ما شاء الله عليكي، انتي فعلاً جميلة وقمر بالظبط زي ما وصفك رؤوف وتيتة لبنى."
"تسلميلي يا سمسمة، ربنا يخليكي. بس انتي أحلى والنعمة." قالت بمرح: "أنا أحلى برضوا، طب إيه رأيك يا ستي، ندخل ناس تحكم ما بينا، إن كنتي انتي القمر ولا أنا؟ تساءلت بدهشة: "ناس مين؟ فتح الباب جيداً، فتوسعت عيناها بصدمة وهي تجد مروة وشيماء ورضوى يدلفن لداخل الغرفة بكامل زينتهم، وخلفهم ثريا ونعيمة. والأخيرة كانت بسيمة وهي تخطو لداخل الغرفة بخجل. شهقت مجفلة تنهض عن مقعدها وهي تقول بغير تصديق: "أمي!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!