الفصل 27 | من 46 فصل

رواية سحر سمرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم أمل نصر

المشاهدات
22
كلمة
2,862
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

انتابتها حالة من الصدمة وهي ناظرة إليه بعينين جاحظتين بصمت، بعد أن فاجأها بقراره وكأنه مقولة عابرة ألقاها إليها بين كلماته. "إيه يا تيتة مالك ساكتة ليه؟ أجابته متذمرة: "أرد أقول إيه؟ هو أنا اللي سمعته ده كان جد؟ "أيوه يا تيتة كان جد، ولو تحبي أكرر كلامي حاضر أكرره. أنا لا يمكن هقبل أي حد يقرب من سمرة بأي كلمة ولا أي إساءة، دي هتبقى مراتي يعني شرفها وكرامتها من شرفي وكرامتي."

هزت لبنى رأسها غير مصدقة: "انت سامع نفسك يا رؤوف؟ بقى عايز تسيب صافي بنت الأصول واللي انت عارفها وعارف تربيتها كويس وتروح تتجوز واحدة شغالة عندنا وهربانة من أهلها كمان!

رد عليها بلهجة صارمة: "أولاً كده لازم تعرفي إنها كانت هربانة من جوازة غصب من واحد مفروض عليها، يعني مش حاجة مشينة وتعيبها. ثانياً بقى أنا سألت عن أهلها وعرفت إنها من عيلة متأصلة في الصعيد، ده بالإضافة إنك عاصرتيها وعرفتيها بنفسك هي قد إيه راقية وتشرف أي حد يتجوزها." خفت حدتها وهي تنظر إليه بتشتت: "هو فيه إيه يا رؤوف؟ دي أول مرة أشوفك كده. هي البنت دي عملتلك إيه بالظبط؟

خلتك تقلب كده وتبقى إنسان تاني غير اللي أنا أعرفه." جز على فكيه حانقاً وهو يحاول أن ينتقي كلماته: "تيته أرجوكي بلاش تكرري كلام صافي قدامي، انتي عارفاني كويس وحافظاني، أنا مش عيل صغير ولا مراهق." أخذ شهيقاً بقوة قبل أن يتابع ببعض الهدوء: "أكيد يا تيتة انتي فاكرة ساندرا وحبي ليها قبل ما تعمل حادثة بعربيتها، وعارفة كويس إني بقالي سنين بعد وفاتها لا اتجوزت ولا حبيت بعدها." أسدلت المرأة جفنيها بتأثر، فتابع هو مستغلاً

صمتها: "هتصـدقيني لو قولتلك إن سمرة نسّتني ساندرا وحبها؟ إحساس الشغف اللي كان غايب عني بقاله سنين، بحسه بس مع سمرة. أنا هاتجوزها وهدافع عنها وهاحميها من أي خطر، وانتي لو بتحبيني بجد، وافقي على جوازي منها وعوضيها بحنانك عن كل اللي شافته." ***

خرجت من غرفتها باحثة عنه بعد أن ارتدت أسدالها على عجالة، وهي ممسكة بيدها علبة العقد الفاخرة. صعدت الدرج متجهة إلى غرفة لبنى بعد أن أخبرتها سعاد، وقبل أن تطرق بيدها على الغرفة تراجعت مرتدة وهي تشعر بالحرج، فماذا ستخبر المرأة حينما ترى العلبة بيدها؟ وماذا ستخبره هو أيضاً؟ وقفت بوسط الطرقة شاردة لبعض الوقت لتفاجأ بصوته يخاطبها: "واقفة عندك بتعملي إيه؟ شهقت مخضوضة.

رفع حاجبه مبتسماً بتسلية يشبع أنظاره منها وهي واضعة يدها على قلبها، حجاب رأسها متراجع لنصف شعرها الفوضوي من أثر النوم وبشرتها الخمريّة عليها أثر احمرار طفيف، هي تحادثه الآن مرتبكة وهو لم يفهم أي شيء نتيجة شروده بها. "رؤوف بيه أنا بكلمك." "آسف والله مأخدتش بالي، كنت بتقولي إيه بقى؟ تنهدت بتعب وهي تعيد ما قالته: "أنا كنت عايزة أفهم إيه لازمة الحاجات دي كلها وإحنا لسه ما فيش أي حاجة يعني؟

ضيق عينيه بتصنع: "اممم.. لازمة الحاجات دي ياستي إني عايزك تجهزي بسرعة عشان المأذون جاي بعد ساعة من دلوقتي." "ساعة!! قالتها بعينين جاحظتين من الدهشة. فتابع هو: "أيوه ساعة يا سمرة، ولا انتي نسيتي اتفاقنا امبارح؟ هزت برأسها تستوعب: "لا مانسيتش، بس يعني حتى لو وافقت مش بالسرعة دي." "لا بالسرعة ولا انتي ناسيه أهلك ممكن يجوا في أي وقت." أسدلت أجفانها صامتة، فلم تعد هناك ضرورة للجدال،

ولكنه أجفلها بسؤاله: "انتي خارجة بالعلبة دي ليه؟ قالها بإشارة لما تضعه بيدها، فتذكرت ما أتت من أجله: "آه صحيح، دا أنا كنت جايباها معايا مع إن مكنتش عارفة هاجولك إيه. الموقف نفسه غريب وأنا بصراحة مكنتش فاهمة." ابتسامته ازدادت اتساعاً: "واديكِ فهمتي ياستي، ممكن بقى تتحركي عشان تفطري وتغيري هدومك." ***

وفي الجنوب، وبداخل منزل الحاج سليمان، كانت ثريا وابنتها شيماء جالستين مع نعيمة وابنتها رضوى التي كانت توزع نظراتها عليهم بتعجب. "اللي يشوفكم كده يجول إنكم في عزا ولا ميت لكم ميت." حدقت إليها شيماء بدهشة: "ليه يا رضوى؟ هو إحنا اللي فيه ده مش حزن؟ مدت إليها رأسها مستنكرة: "ونحزن ليه يا حبيبتي على واحدة زي دي؟ هي اللي جابت العار لأهلها وتستاهل كل اللي يجرالها." "بلاش كلامك دا يا رضوى."

قالتها نعيمة بغضب مكتوم أمام صدمة شيماء ووالدتها ثريا التي تدخلت في الحديث: "خلي بالك من كلامك يا رضوى، إحنا لسه متأكدناش، وحتى لو كان كلامك صح، برضه خلي بالك إنه مكانش عشانها يبقى عشان رجالتنا اللي ممكن يروحوا في داهية بسببها." "رجالة مين اللي يروحوا في داهية؟ قالتها مروة وهي تدلف لداخل المنزل. ردت عليها نعيمة بارتباك: "تعالي يابنتي اتفضلي واقعدي معانا." جلست على أقرب كرسي،

فكررت مرة أخرى سؤالها: "حد فيكم يطمني يا جماعة.. رجالة مين اللي هيـريحوا في داهية؟ سألتها شيماء بتردد: "هو رفعت ولا قاسم مالجوش مسافرين ليه؟ مروة وهي تنظر إليها بتشتت: "رفعت هو اللي قال إنهم عرفوا مكان سمرة ورايحين يجيبوها وبس كده مزودتش في كلامه." رضوى وهي رافعة إحدى حاجبيها حانقة: "بس كده مجالش حاجة تانية ولا قاسم نفسه اتكلم؟ هزت برأسها تنفي: "لا مجالش حاجة أكتر من كده، وقاسم نفسه متكلمش خالص."

ابتسمت شيماء بداخلها لعلمها التام بعقل رفعت الراجح لعدم الكشف عن حديث هكذا لأهله، أما رضوى فازدادت حنقاً وهي ترى علامات الارتياح على وجه والدتها. *** وبداخل القصر الكبير، كان تيسير جالساً مكتفاً ذراعيه يزفر بداخله محاولات التماسك وعدم إظهار مشاعره الحانقة أمام رجل الدين (المأذون)

والعم صالح، مدير إحدى الأقسام وصديق والده قديماً. لقد فاجأه رؤوف بطلبه للشهادة على عقد الزواج بعد أن أتى للقصر، فلو أخبره سابقاً لكان تهرب وتعذر بأي شيء حتى يتجنب الحرج مع صافيناز وغضبها، ولكن ماذا بيده الآن بعد أن تورط ولا يستطيع الفكاك ولا الهروب. أجفل على رؤية صفوت وهو يتقدم بخطواته ليهمس بأذن رؤوف بشيء ما. هو لم يسمع همس صفوت، ولكنه استمع

لرؤوف وهو يشدد بكلماته: "عايز رجالتك عيونهم متغفلش عنهم يا صفوت، وطمني على طول بأخبارهم ماشي." أومأ صفوت طائعاً قبل أن ينصرف، فاقترب منه يسأله: "هما مين دول اللي بتتكلم عنهم؟ التفت إليه مبتسماً بمرح: "ماتشغلش نفسك انت ياحبيبي.. دي حاجات كده بسيطة." صك على أسنانه من رده المبهم، فقرر تغيير دفة الحوار: "هي تيته لبنى مش هاتحضر معانا برضو؟

أومأ برأسه بحركة غير مفهومة قائلاً: "تيته لبنى غضبانة ياسيدي، بس إن شاء الله بكرة تصفى، ماتشغلش بالك انت." "ماشي يا عم." قالها تيسير بسأم وهو يعود بظهره للمقعد، ولكنه تسمر مجفلاً وهو يراها تنزل الدرج وكأنها أميرة من إحدى القصص.

كانت ترتدي فستاناً منسدلاً على جسدها الجميل والملفوف برشاقة مبهرة، بالإضافة لجمال وجهها الطبيعي الذي زادته مساحيق التجميل الخفيفة جمالاً وروعة. كانت صديقتها سعاد تسير بجوارها وهي تطلق الزغاريد بفرح غامر. ضاقت عيناه على سحرها الخاطف للأنفاس، ليرى تقدم رؤوف المسحور بجمالها ليمسك بيدها حتى أجلسها بجواره. تحدث بارتباك من فرحته وكأنه عاد مراهقاً: "يالا بقى يا مولانا شد حيلك العروسة وصلت." ***

وبداخل إحدى المطاعم، كان الخمسة جالسين على طاولة كبيرة في إحدى الأركان، في انتظار الطعام وليستريحوا قليلاً أيضاً من عناء السفر. حسن وهو يتحدث في الهاتف مع ابنته بصوت عالٍ لفت أنظار جميع من بالمطعم: "أيوه يابنتي.. إحنا وصلنا والحمد لله.. مين؟ .. عمتك بسيمة زينة يابتي متخافيش، اطمني انتي وخلي بالك من خواتك وما تقلقيش، كفاية يا شيماء لت وعجن في الموضوع ده، مالكيش دعوة، خلاص اقفلي يا شيماء مش عايزين فضايح."

تحدث قاسم متذمراً بصوت خفيض: "هو انت لسه هاتعمل فضايح.. دا انت لميت علينا المطعم كله." ومن الناحية الأخرى كانت جالسة بسيمة متجهمة بجمود، فخاطبها رفعت: "ناقصك حاجة يا خالة بسيمة ولا تعبانة وعايزة تريحي جسمك." هزت برأسها نفياً وخرج صوتها بصعوبة: "أنا زينة والحمد لله مش عايزة حاجة." تدخل سليمان في الحوار: "سيبها يا رفعت، هي كده من أول ما ركبنا قاعدة ساكتة وبس، ربنا يكون في عونها."

حسن الذي أنهى مكالمته: "ربنا يكون في عونا كلنا." نهض قاسم بشكل مفاجئ عن مقعده: "أنا جاي أشربلي سيجارة برة المخروب ده على ما يجي الأكل، أحسن دماغي مش متحملة." سليمان هو أيضاً: "مين سمعك دا أنا هاموت وأشربلي حجر شيشة." *** بعد أن أنهى المأذون عقد الزواج وذهب، كان رؤوف يتلقى التهاني من العم صالح الذي كان فرحاً بزواجه: "و أخيراً شوفتك متجوز يابن الغالي.. دا أنا الفرحة مش سايعاني يا ولاد." رؤوف

وهو يربت على ذراعه بمودة: "تعيش يا عم صالح يارب ويبارك فيك.. بس أنا وفيت بوعدي أهو لما قولتلك إن يوم ما اتجوز هاتشهد على عقد الجواز." أطلق الرجل ضحكة عالية بصوت عالٍ: "يا حبيبي انت كنت بتقولها على أساس إنه لو حصل؟ يعني حين ميسرة." أطلق الثلاثة ضحكاتهم على دعابة الرجل، ليردف تيسير مشاركاً في الحديث: "انت بتقول فيها يا عم صالح دا كان مقفل من كل صنف الحريم، وأنا كنت بقول الواد ده معندوش إحساس ولا بيفهم."

ومن الناحية الأخرى كانت سعاد تعانق سمرة وتقبلها من وجنتيها بقوة: "ألف مبروك يا نور عيني.. أخيراً قلبي اطمن عليكي بجد.. رؤوف بيه هو الراجل اللي يستاهلك بحق." ردت عليها سمرة بابتسامة مشرقة: "والله ما أنا عارفة يا سعاد اللي حصل ده تم إزاي، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة وحاسة إني بحلم." ضغطت على يدها وهي تبتسم لها بمغزى: "لا ياحبيبتي صدقي وفوقي كده.. انتي دخلتي في الجد.. يعني بقيتي مراته رسمي وبعد شوية هيبقى......

ضيقت عينيها قليلاً بتفكير في تلميحها، ثم توسعت بشدة بعد أن وصلها المعنى: "انت بتتكلمي بجد يا سعاد؟ أنا بصراحة كنت ناسيه الموضوع ده خالص." شهقت سعاد بمرح: "مالك يابت وشك اتخطف كده ليه؟ اهدى شوية يروحي وبلاش تخليه ياخد باله من شكلك المتغير.. دا عيونه رايحة جاية عليكي." استدارت برأسها ناحيته فوجدته يبتسم لها رغم تحدثه مع الرجل، فنكزتها سعاد بدعابة: "ينيلك يا سمرة.. دا انتي طلعتي خام خالص."

هزت رأسها لتخرج من شرنقة هذه الأفكار التي انتابتها فجأة بشكل عاصف، فاللتفتت لـ سعاد قائلة: "أنا طالعة فوق أشوف لبنى هانم." أمسكتها من رسغها لتوقفها: "استني هنا.. هو مش رؤوف بيه قالك إنها رافضة الجواز وخليها تاخد وقتها على ما تصفى." تنفست بعمق لترد عليها بتصميم: "عارفة يا سعاد، بس برضو هاروحلها وأشوفها حتى لو طردتني." ***

وبداخل غرفتها كانت جالسة بجذعها على فراش تختها مطرقة رأسها بحزن على ضياع فرحتها بزواج رؤوف الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر على فتاة من وسطه وعائلته، فحتى لو كانت سمرة جميلة ومن عائلة كريمة كما يقول، لكنها لا تصلح وهي الهاربة من عائلتها وقريتها في أقصى الصعيد. سمعت طرقاً على باب غرفتها، وبعد أن أذنت بالدخول تفاجأت بها تدلف بحرج: "مساء الخير يا لبنى هانم."

طافت عليها قليلاً ناظرة بإعجاب، ولكنها أشاحت بعينيها ولم ترد. اقتربت منها بهدوء لتجلس على طرف الفراش باستحياء: "أنا آسفة لو كنت زعلتك بجوازي من رؤوف بالسرعة دي.. بس انتِ عارفة الظروف اللي أنا فيها." حدقت إليها بعينيها بشكل مبهم وهي صامتة. فتابعت برجاء: "أنا يعز عليا زعلك ده والله.. ونفسي ماتشيلش ولا تزعلي مني.. أنا ماشوفتش منك غير كل خير." دلف رؤوف بشكل مفاجئ: "انتي موجودة هنا وأنا بدور عليكي."

أومأت له بعينيها بإشارة للسيدة لبنى التي ازداد تجهم وجهها، فدنا منها يقبل رأسها: "أنا عارف إن قلبك طيب وهاتحني.. ومهما فضلت راسمـة وش الخشب دا كتير برضو هاتسامحي.. سمعاني يا لولو." قال الأخيرة مشدداً. ثم جذب سمرة من رسغها: "خلاص قومي يا سمرة خليها ترتاح." نهضت معه على مضض وهي تتمنى لو أخذتها المرأة بأحضانها لتبارك الزواج. بعد أن خرجت من الغرفة وجدته مازال يجذبها من يدها مسرعاً،

فجذبت يدها توقفه: "استنى هنا انت واخدني ورايح فين؟ أجفل لتوقفها ونظرتها الفاضحة لخوفها، فتبسم إليها بمرح وهو يقترب منها: "إيه مالك؟ شكلك مخطوف كده.. هو انت في حاجة قلقاكي؟ هزت برأسها نفياً: "لا ما فيش حاجة مقلقاني.. بس يعني هي سعاد والمعازيم اللي كانوا معاك كلهم راحوا فين؟ أجابها بتسلية: "للأسف كلهم مشيوا." توسعت عيناها بجزع: "كلهم."

اقترب منها ليطبع قبلة طويلة على وجنتها ثم قال أخيراً: "هو أنا قولتلك النهاردة إنك زي القمر." هزت برأسها سريعاً: "لا ما قولتيش."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...