الفصل 28 | من 46 فصل

رواية سحر سمرة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم أمل نصر

المشاهدات
21
كلمة
1,878
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

كان ناظراً إليها باستمتاع وهو يتصنع التمثيل، شاعراً بارتباكه وتوتره. بعد أن لف ذراعه حول خصرها وطبع قبلته على وجنتها، مردفاً بمكر: -أما أنا راجل معنديش ذوق صحيح! بقى القمر ده كله قدامي وماديهوش حقه في الكلام الحلو ولا الدلع حتى. ردت بصوت خفيض وخجول من قربه منها: -كلام حلو ودلع كمان! أردف هو بصوت أجش، وعيناه تجول على وجهها بتأنٍ: -ولو قلت قصايد من الشعر كمان توصف في جمالك وسحرك، برضه مش هأوفيكي حقك.

رفرفت برموشها، وقد ازدادت خجلاً من كلماته وهي لا تجد ما ترد به عليه. تحمحم هو ليجلي حلقه قبل أن يخرج صوته متحشرجاً من هول ما يشعر به نحوها: -لا بقولك إيه، انتي كده هتخليني أرجع عن اللي مخطط له خالص وأغير البرنامج اللي أنا عاملهولك، عشان نحتفل سوا. رفعت أنظارها إليه بتساؤل وحماس: -برنامج إيه اللي عاملهولي؟ وهانحتفل سوا؟ هو انت بتتكلم جد؟ قربها منه أكثر يردف بتلاعب: -انت عايزة إيه؟

نفضل هنا ولا أخرجك في حتة هادية وجميلة؟ توسعت عيناها بحماس: -طبعاً نخرج ونتفسح، ودي عايزة تفكير ولا كلام. فك ذراعه عنها ممتعضاً وهو يزمجر بتذمر: -مع إني خلاص كنت هاغير رأيي، بس عشان خاطرك بقى والأوقات الحلوة لسة جاية كتير، تعالى بقى. قال الأخيرة وهو ممسكاً بكفها يجذبها معه ليذهبا سوياً. *** فتح باب مكتبه متجهم الوجه ليفاجأ بـ "صافيناز" جالسة أمامه على إحدى المقاعد، كانت تتفحص هاتفها، وأجفلت ناهضة بعد رؤيته.

-تيسير باشا، أخيراً وصلت. ناموسيتك كحلي يا أستاذ. قالتها بمداعبة لم يستجب لها وهو يدلف لداخل الغرفة متمتماً بضيق: -دي بتيجي عالريحة دي ولا إيه؟ صاحت عليه حانقة: -داخل كده من غير سلام ولا ترحيب، إيه يا غبي انت؟ هو أنا داخلة بيتك؟ وقف أمامها يصافحها بارتباك: -أهلاً يا "صافي"، معلش مأخذتش بالي. انتي دخلتي هنا إزاي؟ فغرت فاهها مذهولة: -يعني هاكون دخلت إزاي انت كمان؟

البنت السكرتيرة بتاعتك هي اللي دخلتني، هو أنا غريبة عشان أستناك في مكتبها؟ أومأ برأسه متفهماً: -آه يعني "سهر" هي اللي دخلتك، أما هي فين دلوقتي؟ أصلي ماشوفتهاش وأنا داخل. جلست أمامه واضعة قدم على الأخرى تتحدث بتعالٍ: -بعتها تعملي فنجان قهوة بإيدها، مش بإيد الساعي، ما انت عارفني بقرف. التف حول المكتب ليجلس على مقعده مردفاً باندهاش: -بعتي السكرتيرة تعمل قهوة؟ ده انتي جبارة والله. التوت زاوية شفتيها بامتعاض: -ليه بقى؟

هي كانت هاتعترض كمان؟ دي حتى بلدي ومش التيب بتاعك خالص يا "توتي". ارتفع حاجبيه وهو يشيح بوجهه عنها متنهداً: -البنت شايفة شغلها كويس يا "صافي"، وأنا راجل عملي ومش هاخلط بين الشغل والمزاج يعني! -مالك يا "تيسير"؟ هو في حاجة حصلت؟ أجفل لسؤالها المباغت فاللتفت إليها متسائلاً: -انتي ليه بتقولي كده؟ مطت بشفتيها مردفة: -أصلك بتتكلم جد قوي، وما بيتهزرش بوقاحة على سيرة البنات ودي مش عوايدك يعني.

بلع ريقه وهو يحاول التهرب من تحديقها بعينيه. -يعني هايكون في إيه بس يا "صافي"؟ ما انتي عارفة ضغط الشغل بيخرج الواحد عن شعوره. المهم بقى إيه سبب تشريفك المفاجئ لمكتبي المتواضع؟ هزت رأسها تبتسم بريبة:

-اممم مع إني مش مقتنعة بكلامك ده خالص، عشان أنا عارفة طبعك كويس قوي. بس هاجاوبك على سؤالك وأغير الموضوع. سبب تشريفي لمكتبي المتواضع ده يا سيدي، هو إني فكرت كويس امبارح وقولت إني لازم أقابل "رؤوف" لوحدي بره البيت وبعيد عن الحيزبونة اللي هناك عشان أعرف أصالحه وأتفاهم معاه. وطبعاً عشان دا يحصل لازم انت تساعدني. مسح بأطراف أصابعه على فكيه بتوتر: -وأنا هاساعدك إزاي بقى؟ أنا مش فاهم. ابتسمت متنهدة: -أقولك إزاي؟

عايزاك تقوم بسرعة دلوقتي معايا نروح مكتبه، تدخلني عليه وتصالحنا على بعض وأنا بقى هاتولي الباقي. ضغط بأسنانها على شفته العليا لا يعرف كيف سيخبرها: -بس هو مش موجود النهارده في مكتبه ولا في الشركة خالص يا "صافي". سألته بتوجس: -لا في مكتبه ولا في الشركة، أما راح فين بالظبط؟ كان يطرق بأصابعه على سطح مكتبه قبل أن يحسم أمره في الإجابة عن سؤالها. سألت مرة أخرى بريبة: -هو حصل إيه يا "تيسير"؟ شكلك ما يطمنش! ***

وسط النيل والباخرة تسير في المياه الصافية والمتلألئة بفعل انعكاس الشمس عليها، كانت واقفة على سطحها تنظر لما تراه من جمال حولها وهي تشعر بنسمات الهواء العليلة على وجهها. راحة نفسية تغلغلت داخلها رغم هذه الهواجس المرافقة دائماً لها خوفاً من القادم. ولكن ما جدوى التفكير والخوف الآن؟ فالتعش لحظتها الآن معه وليحدث ما يحدث غداً. -القمر سرحان في إيه؟ شهقت منتقضة حينما فاجأها بكفه التي جذبتها من خصرها تقربها إليه،

فجابته بتلجلج: -يعني هاكون سرحانة في إيه بس؟ أكيد في المنظر اللي يجنن ده. ابتسامته ازدادت اتساعاً: -بجد يا "سمرة" يعني عجبك المنظر من هنا؟ بابتسامة متوترة: -طبعاً عجبني وبهّرني كمان، وأنا أساساً بحب النيل لكن النهارده جماله حاجة تانية. -طب كويس أوي، تعالى بقى عشان نتغدى قبل ما الأكل يبرد.

قالها وهو يجذبها لطاولة قريبة وضعت أفخر عليها أنواع الأطعمة والتي أعدت بعناية لأجلهم. بعد أن أجلسها على كرسيها، جلس هو أمامها مردفاً بحزم: -عايزك تدوقي الأصناف دي كلها وتقولي رأيك بصراحة في اللي عجبك واللي ما عجبكيش. ضيقت عينيها بدهشة: -ماشي، بس هو ليه المطعم ده فاضي ومافيش غيرنا بس هنا؟ أومأ بيده الممسكة بالشوكة:

-عشان المطعم النهارده محجوز مخصوص لينا يا قلبي. أنا مش عايز أسمع صوت حد في اللحظة دي غير صوتك ولا أشوف أي حد تاني غيرك. أسدلت عينيها بخجل تضحك مابين كلماتها: -أنا بصراحة كنت بشوف الحاجات دي في المسلسلات التركي ومكنتش أتخيل إنها هاتحصل معايا. أردف هو بجدية وصدق: -أنا عايزك تحلمي بس يا "سمرة" وأنا هأحقق حلمك مهما يكون. انت بس تشاوري على اللي عايزاه وأنا عليا الباقي. ماشي يا "سمرة". أومأت برأسها بموافقة:

-ماشي. صحيح انت ليه ما قولتليش على موضوع الفوتوسيشن ده اللي عملناه أول ما وصلنا هنا عالنيل. غمز إليها بطرف عينه متلاعباً: -حبيت أعملهالك مفاجأة. يالا بقى كلي الأكل هايبرد! *** هزت رأسها تستوعب بهدوء ما يسبق العاصفة. -إيه!!! بتقول إيه يا أخويا؟ انت أكيد بتهزر يا "تيسير"؟ زفر حانقاً ولم ينطق بكلمة أخرى بعد أن ألقى على مسامعها خبر زواج "رؤوف"، وهي ما زالت تنظر إليه بوجل منتظرة ادعاءه المزاح معها. هزت رأسها مرة باستنكار.

-بلاش نظرتك دي والنبي، وقولي إنك بتعمل فيا مقلب. صح يا "تيسير"؟ بتعمل مقلب؟ رد عليا وفهمني. تنهد بثقل وهو يشيح بعينيه عنها قبل أن يعاود النظر إليها بثبات. -مش هأنكر يا "صافي" وانت لازم تصدق إن "رؤوف" خلاص اتجوز وبقى له. قاطعته صارخة: -اتجوز مين؟ انت مجنون؟ بقى عايزني أصدق إن "رؤوف" الصرفي بجلالة قدره اتجوز الفلاحة دي والهاربة من أهلها كمان يعني لأهل ولا مركز. أغمض عينيه بتعب: -أرجوكي يا "صافي" اسمعيني واستوعبي كلام.

قاطعته مرة أخرى بإشارة من يدها، وهي تنظر للرسالة التي أتتها على الهاتف، ثم ما لبثت أن تنهض عن مقعدها صارخة بوحشية: -الحيوانة تربية الشوارع دي تعمل فيا أنا كده! أجفل هو مخضوضاً من صرختها: -وطّي صوتك يا "صافيناز" الشركة كلها سمعت صرختك. التفتت إليه تشير بهاتفها صارخة بجنون وعينان لامعتان: -خليهم يسمعوا وييجوا هنا عشان يشوفوا مديرهم اللي فضح نفسه بجوازة عرة زي دي. تناول هو الهاتف ناظراً بشاشته: -إيه ده؟

أقسم بالله أول مرة أشوف الصورة دي. دول لحقوا إمتى يتصوروا. صاحت هي مع تساقط دموعها: -قال وأنا اللي كنت فاكرة إنك بتهزر، واتارى الخبر سمع في كل حتة، وأصحابي عرفوا قبلي ودلوقتي باعتيلي الصورة عشان يفرحوا فيا. أنا عارفاهم كلهم أوخاس. ارتمت على كرسيها تجهش بالبكاء، وهو ناظر إليها بأسى. فماذا ستفعل لو عرفت أنه كان شاهداً على عقد الزواج؟ ***

وصلوا إلى القصر، بعد أن انتهت رحلتهم القصيرة بالنيل. ترجلت هي أولاً من السيارة. أما هو فبمجرد خروجه منها أوقفه "صفوت" هامساً بأذنه، فأدلى إليه ببعض التعليمات بصوت خفيض. وهي على مسافة قريبة منهم ولكنها لم تسمع شيئاً. دقائق قليلة وصرف "صفوت" من أمامه قبل أن يصل إليها مطبقاً بكفه على كفها. -حبيبتي قبل ما ندخل عايزك تبقي قوية لما تدخلي جوا وما تخافيش. توقفت خطواتها بجزع: -هو في إيه بالظبط؟

انت وصفوت أساساً شكلكم ما يطمنش. هما وصلوا؟ تناول بكفه الأخرى مؤخرة رأسها يقربها منه فقبلها بقوة على جبهتها: -قولتلك ما تخافيش. إيدك دي ماتسيبش إيدي ومحدش فيهم هايقدر يقربلك ولا يلمسك. إحنا كنا متأكدين إن المواجهة هاتحصل. فارفعي راسك كده وافردي ضهرك وخليكي واثقة فيا، سمعاني. أومأت برأسها تستمد منه القوة. وهي تبتلع ريقها الذي جف فورًا. وبداخل القصر...

كان الأربعة جالسون ببهو المنزل الكبير بدون "قاسم" وكأن على رؤوسهم الطير، ووجوههم متجهمة بجمود. أُجفلوا جميعًا على دخولها القصر وهي ما تزال ممسكة بيده. كانت رافعة رأسها وفاردة ظهرها كما قال لها، ولكنها بمجرد رؤيتهم شعرت بتوقف أنفاسها. قلبها كاد أن يهوي إلى قدميها من الرهبة برؤيتهم.

وقعت عيناها أولاً على والدتها. رغبة غريبة بداخلها كانت تحثها على أن تعانقها بقوة واشتياق. ولكن نظرة "بسيمة" الحادة إليها أعادتها إلى الواقع فورًا. نقلت أنظارها إلى خالها "سليمان" وخالها "حسن". أشاحت عيناها عنهم فورًا لما رأته على وجوههم من رغبة في الانتقام والثأر لكرامتهم وشرفهم. فتقابلت عيناها بـ"رفعت" طيب القلب الحنون. نظرته كانت تحمل عتابًا وحزنًا دفينًا على صدمة في إنسانة أحبها واتهامها بالخيانة.

وصلت أخيرًا إليهم مع "رؤوف" الذي تقدم إليهم بكل ثقة. "مساء الخير يا جماعة. نورتونا والله." صاح عليه "حسن" من بين أسنانه: "إنت ليك عين كمان تسمي علينا وتكلمنا وإنت ماسك في إيدك الفاجرة دي." أشار إليه بكفه مقاطعًا يوقفه: "لو سمحت حضرتك. من البداية كده لو مش هاتتكلم معانا بالعقل يبقى اتفضل اخرج من سكات." زمجر بغضب وهم بالسباب، ولكن "سليمان" أوقفه.

"اهدى يا حسن خلينا نسمع الأول ونفهم. اتفضل يا سعادة البيه فهمنا اللي حاصل بالظبط يمكن نكون عمي كمان وما شايفينش زين." رد عليه بتهذيب: "العفو حضرتك. اتفضلوا اقعدوا الأول عشان نتكلم." رفع بشدة: "قبل أي شيء أنا عايز أعرف حراس اللي برة دول. خدوا أخويا وودوه فين؟ بابتسامة مغتصبة:

"حضرتك ماتقلقلش على أخوك الأستاذ 'قاسم'. أنا بس أمرت رجالتى يتحفظوا عليه عشان نعرف نتكلم. لأن بصراحة كده طول ما هو موجود هنا أنا مش هاقدر أمسك نفسي عليه." هتف عليه "حسن" باستنكار: "حجة بطلوا ده واسمعوا ده. كمان إنت اللي مش هاتعرف تمسك نفسك؟ ليه يابوي هو مين فينا اللي معاه الحق؟ صاح هو بصوت قوي وواثق: "أنا اللي معايا الحق. ومش هاقبل أي حد يقلل من كرامة مراتي ولا يتهمها في شرفها وأقعد ساكت!

فغر الثلاثة أفواههم واتسعت أعينهم بدهشة واشتعلت أكثر. ولكن "بسيمة" كانت جامدة بملامح مبهمة. فأشار إليهم مرة أخرى كي يجلسوا: "ممكن بقى تقعدوا عشان نتفاهم." صاح عليه "حسن" بغضب: "نتفاهم على إيه يا جدع إنت؟ إنت فاكرنا دجاج عصافير؟ ادينا بتنا خلينا نعاود بلدنا بلا مسخرة وضحك على الديوك." زفر بضيق لا يريد إعادة مطلبه: "طيب زي ما تحبوا خليكم واقفين. لكن أنا بكرر تاني ياريت تنقوا كلامكم معانا." أردف "رفعت" بحدة

وهو ينظر إليها بغضب ناري: "إنتِ حقيقي اتجوزتي الراجل ده؟ هزت برأسها بموافقة وهي صامتة. فتقدم ناحيتها بغضب غير محسوب: "ولما هو كده؟ كنتِ واخده أنا استبن ووصفك إيه بالظبط عندك؟ ماتنطقي وجولي." قال الأخيرة بصرخة قبل أن يوقفه "رؤوف" بكفه من التقدم أكثر منها وصوته الجهوري: "أوقف مكانك هنا أحسن لك واحترم نفسك في الكلام معاها بدل ما أنده عالحراس يشيلوك لبرة زي ما عملوها مع أخوك قبلك!

تسارعت أنفاسه بداخل صدره من الغضب وهو يريد التقدم منها والطباق بيديه على عنقها حتى تزهق روحها بيده. جذبه سليمان من ذراعه للخلف هادرًا على "رؤوف": "ماهو إنت كمان كلامك ما يخشش العقل يا جدع إنت. اسمعها مني كلمة. بلاش تاخدك الشجاعة في حاجة أكبر منك. إحنا صعيدة ولا يمكن هانرجع من غير بتنا. فاحسن لك سيبها عن سكات بدل ما نتواجه إنت معاها."

كانت ترتعش من الخوف وهي شاعرة بقدميها الهلام وعلى وشك السقوط. ولكنها تفاجأت به يلف ذراعه يسندها وهو يردف إليهم بحزم: "طيب من غير كلام كتير ولت. ممكن يا أستاذ إنت بما إنك شباب واكيد تعرف في الميديا. ياريت تفتح الفون بتاعك وتكتب عن جواز 'رؤوف الصريفي'. اللي هو أنا بالمناسبة. يعني دا لو ماسألتوش عني قبل ما تيجوا!

بأنفاس هادرة ونظرة حارقة إليها تناول هاتفه وفعل ما قاله ليفاجأ بخبر عقد قرانه على المدعوة "سمرة أبو العزم" على جميع المواقع المشهورة مع بعض الصور الرائعة التي التقطت إليهم بعدة مواضع جميلة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...