زفر بضيق وهو ينظر لهذا القصر المهيب بداخل السيارة، مستندًا بمرفقه على عجلة القيادة، شارداً في حل لهذه المعضلة، فكيف له أن يتخطى هؤلاء الرجال ضخام الأجساد ويدلف لداخل القصر فيأتي بها. خرج من شروده حينما أجفل على صوت صديقه "محسن": -وبعدين يابرنس، لسة ما لقيتش صرفة؟ نظر إليه بحنق: -لا ما لقيتش يازفت، عندك انت حل؟ عاد بظهره إلى المقعد ينظر إليه ببلاهة: -بصراحة معرفش، بس انت يعني هاتغلب؟
دا انت "قاسم" اللي بتجيبها وهي طايرة. -امممم قالها بتهكم قبل أن يتابع: -لا ياخويا، المرة دي معرفش أجيبها وهي طايرة. صمت قليلاً وهو ينظر إلى القصر وأسواره ليتابع مرة أخرى: -القصر ده مالهوش سكة للدخول، الحل الوحيد إنها تطلع منه وبعد كده كل حاجة هتبقى سهلة. -يعني إحنا كده هانستنى طلوعها، وافرض قعدت أيام هانقعد برضه مستنيين.
قالها "محسن" بسأم، والآخر تبادل معه النظر صامتاً بغموض، ثم مالبث أن يستدير عنه، فتسمرت عيناه حينما رآها تقف في نافذة لإحدى الغرف في أعلى القصر، شعر بتوقف أنفاسه وهو يراها أمامه، بنفس بهائها وجمالها الخلاب بل ازدادت أكثر، ناظرة أمامها بشرود، غافلة عن قلبه الذي احترق شوقًا لرؤيتها، عديمة الإحساس، كم مرة حاول استرضاءها بكل الطرق فتقابل هي هذه المحاولات بالرفض حتى يأس تمامًا، ولم يبق أمامه إلا الجبر، سيجبرها على زواجه ومحبته مهما حاولت الهروب. ظلت عينها عليها حتى اختفت، ضرب بيده على عجلة القيادة بغضب وهو يتوعد لها بالعقاب ويقسم على ذلك، وكالعادة انكمش "محسن" على نفسه بصمت، تفاديًا لنوبة جنون هذا القاسم.
*** وفي الأعلى بعد أن استمتعت برائحة الزهور المزروعة بالحديقة مع هذا الهواء النقي الذي أنعش ذهنها لدقائق معدودة، عادت لحجرتها، فتناولت الحجاب لتغطي به رأسها وخرجت لتتفقد السيدة لبنى. وأمام باب الغرفة همت لتدلف إليها ولكنها تفاجأت بخروجه أمامها بابتسامته المعتادة: -صباح الخير. أسدلت عينيها بخجل ترد: -صباح النور، هي "لبنى" هانم صحت؟ أجابها وهو لم يتزحزح من مكانه:
-لبنى هانم ياستي صاحية بدري قوي النهاردة، سألت عليكي بس أنا قولتلها إنك لسه نايمة. -آسفة إن كنت اتأخرت عليها، بس أنا افتكرتها هاتتأخر في نومها زي الأيام اللي فاتت. كانت تتكلم وعيناها على الباب في انتظار ذهابه ولكنه لم يتزحزح من مكانه، ممسكًا بمقبض الباب، وهو يتبع عيناها بتسلية ليردف أخيرًا: -أنا مش عايزك تزعلي من كلامي بتاع امبارح، بس إنتي إنسانة ممتازة وأنا... قاطع جملته نداء "لبنى" من الداخل: -إنت بتكلم مين يارؤوف؟
-دي "سمرة" يا تيته. تنفست بعمق حينما وجدته يتزحزح قليلاً عن الباب، استغلت هي الفرصة لتدلف بسرعة لداخل الغرفة وتتركه قبل أن ينهي كلماته، زفر بضيق لعدم قدرته على تجميع جملة مفيدة معها، بالإضافة لسوء الحظ الذي يرافقه. *** صباح الخير يا "صافي". قالها "تيسير" بمرح وهو يدلف لداخل المحل، فابتسمت هي ابتسامة صفراء لترد على مضض: -أهلاً، صباح النور. ابتسامته ازدادت اتساعًا وهو يجلس أمامها رافعًا لها إحدى حاجبيه:
-طب ليه كده بس الوش الخشب ده ياصفصف؟ حدقت به حانقة: -بقولك إيه يا "تيسير"، أنا مش فاضية لهزارك البايخ ده على أول الصبح، وعفاريت الدنيا كلها بتنطط في وشي. عقد حاجبيه باندهاش: -ليه بس ياست الكل؟ مين اللي مزعلك ياقمر. مالت برأسها أمامه مستندة بكفيها على سطح المكتب الزجاجي: -عشان ماعندكش إحساس وناسي كلامك اللي قولتهولي، واللي صحي في قلبي الأمل من جديد ودلوقتي بقى أنا قاعدة معلقة لا طايلة سما ولا أرض. -آه.
قالها وهو يرجع بظهره للمقعد يستوعب ما قالته قبل أن يقول: -معلش ياستي إن كنت نسيت، بس أنا في إيدي إيه بس؟ أنا ساعة ما كلمتك كنت ملاحظ بجد إنه ابتدى يحس بيكي، بس بعد مرض تيته "لبنى" معرفش إيه اللي حصل؟ وبقيت حاسس إنه اتغير. تابعت هي على حديثه:
-هو فعلاً اتغير بس عليا أنا بس، إنت مشوفتوش امبارح يا "تيسير"، دا بيسلم عليا برسمية وكأني واحدة غريبة عنه، دا مرضيش حتى يقعد دقيقة معايا وأنا قاعدة مع الست "لبنى" بقرا لها في كتاب ممل وقاعدة مملة، كله ده عشان خاطره وهو خرج ولا همه. -ياااه لدرجادي! قالها "تيسير" بتعجب، فتابعت هي تومئ برأسها: -لدرجادي وأكتر كمان، أنا قلبي مش مطمن وعندي إحساس إن البت الخدامة دي ليها يد في التغيير. سألها ببلاهة: -خدامة مين؟ أجفلته بنظرة
مرعبة فتذكر على الفور: -آه إنتي قصدك على "سمرة"، معقول؟ عقدت ذراعيها تقول: -ومش معقول ليه بقى؟ إنت نفسك مش ملاحظ إنه اتغير؟ أجابها بدون تفكير: -هاكذب عليكي لو قلت لأ، أنا مش عايز أحرق دمك بس "رؤوف" بطل ما يسهر معانا نهائي، وكمان بيجي الشغل متأخر وما بيصدق يخلص ويروح بسرعة وكأنه... رددت خلفه بصوت جهوري: -وكأنه مش متحمل الوقت في بعدها!! آه. قالت الأخيرة وهي تضرب بكفيها على سطح المكتب بحريق شب بصدرها، أراد أن يخفف عنها:
-خلاص يا "صافي"، حتى لو كان اللي في مخك صح، مسيره هايرجع تاني لعقله بعد ما ياخد غرضه منها. حدقت بعينيها إليه صامتة فتابع هو: -بلاش تبريقلي كده، دي مهما كان شغالة عنده يعني مش هايحصل أكتر من كده، ومسيره هايرجعلك بس بعد مايفوق من النزوة، وساعتها بقى تيجيلي أنا على طبق من فضة. قال الأخيرة بصوت خفيض، فصاحت هي بصوتها العالي أجفلته: -إنت يازفتة ياللى اسمك "سعاد" تعالي شوفي الزباين. رددت "سعاد" من خلفها وهي
بداخل المخزن بصوت خفيض: -زفتة في عينك يابعيدة. نكزتها إحدى العاملات بخفة على ذراعها: -وطّي صوتك يا "سعاد" إنتي مش ناقصة. -ياختي من قهرتي، البعيدة مستلماني طول الوقت، مرة تقوللي وضّب المخزن وتصرخ عليا أشوف الزباين، مرة تانية اعملي جرد للبضاعة الجديدة وبرضه تصرخ عليا أشوف الزباين، هي مالاقياش حد غيري في المخروب المحل ده تنطط عليه. نظرت إليها الفتاة بأسف:
-عندك حق يا "سعاد"، أنا وكل البنات في المحل بصراحة ملاحظين وساكتين، بس كمان إحنا منعرفش السبب اللي قلبها عليكي كده؟ أجابتها شامتة: -بس أنا أعرف، إن شاء الله يارب يتم اللي في بالي عشان أشوف فيها يوم بوز الأخص دي، وبعدها يبقى الأرزاق على الله. *** أيوه ياممدوح أنا قاعد لسة مستني. قالها "قاسم" وهو مستندًا بجسده على مقدمة سيارته. فأتاه الصوت الساخر: -بقى من امبارح وإنت لسة مستني! ليه بقى؟
الحلوة تقلانة عليك ولا إيه يامعلم؟ رد عليه بغضب: -لم نفسك يا "ممدوح" وما تخليتنيش أجلب عليك، إنت ماشوفتش المنطقة ولا القصر اللي قاعد فيه ده متأمن بالكامل ومافيش نملة بتعدي جدامه. أخرج سبة بذيئة بصوت خفيض قبل أن يحدثه ببعض الهدوء: -وإنت على كده قاعد فين مستني المحروسة. أجابه أيضًا ببعض الهدوء: -أنا قاعد جمب فيلا مش مسكونة جبالهم ومراقب كل حاجة من عربيتي والواد "محسن" قاعد في ناحية تانية بيراقب هو كمان. -آه. قالها
بامتعاض ليتابع بعد ذلك: -المهم يامعلم تخلص مشوارك وتديني بقية حقي، أنا عملت اللي عليا والقرشين اللي ادتهملي ما يجوش ربع المبلغ اللي اتفقنا عليه. صك على أسنانه يرد بغيظ: -حاضر خلاص فوضها خليني أشوف الواد "محسن" اللي جاي عليا، ليكون عنده خبر جديد. -ماشي ياعم سلام. بعد أن أنهى المكالمة انتظر وصول "محسن" الذي كانت يضحك ببلاهة: -مالك بتضحك ليه ياآخرة صبري. تفوه بها "قاسم" حينما اقترب منه، فهتف صديقه بتفاخر:
-عشان أنا جبتلك اللي هاتوصلنا بـ "سمرة". ضغط على ذراعه بكف يده بقوة: -بتتكلم جد يا "محسن"؟ ضحك عاليا ثم اردف: -والله زي ما بقولك كده، أنا اتعرفت عالبت الشغالة الأجنبية عندهم لما راحت تجيب الطلبات من السوبر ماركت القريب من هنا وفهمتها إنك بيه كبير قوي وعايزها في مصلحة مهمة وهاتكسبها فلوس كتير. غر فاهه بدهشة غريبة: -إنت بتتكلم جد يا "محسن"؟ إنت عرفت تعمل كده؟ خبأ ابتسامته ليرد ممتعضًا:
-على فكرة أنا طول الوقت بسيبك تعمل اللي إنت عايزه بس أنا ذكي وبعرف كل حاجة. وضع سبابته على وجنته وهو يحدثه بابتسامة ساخرة: -طب يازكي، هي فين الخدامة اللي إنت بتقول عليها؟ أجابه حانقًا من أسلوبه: -أنا قدمت بخطوتي جبليها وهي جاية ورايا دلوقتي ومعاها طلبات البيت اللي شغالة فيه. أشار "قاسم" برأسه للقادمة من بعيد وهي ممسكة ببعض الأكياس المحملة بمتطلبات المنزل: -هي دي اللي جاية هناك؟ -أيوه هي واسمها "صوفيا" كمان! -زين. ***
عاد من عمله في وقت مبكر كعادته هذه الأيام. نادى على "صوفيا" فلم يجد رداً، فنادى عليها مرة ثانية فأتاه الرد بصوتها الناعم وهي خارجة من المطبخ: -صوفيا مش موجودة يا "رؤوف" بيه. تقدم بخطواته إليها متسائلاً: -ليه هي راحت فين؟ -راحت تجيب خضار وفواكه من السوبر ماركت اللي جنبينا، دا غير شوية الحاجات اللي جالتلي عليهم ناقصين في المطبخ. أومأ برأسه متفهماً: -طب وإنتي كنتي بتعملي إيه جوا؟
-لااا، دا فنجان قهوة جولت أشربه مع نفسي كده على رواجة. -رواجة! قالها بابتسامة متسعة أخجلتها، فتابع بجدية: -طب ماتدوقني قهوتك... أنا كمان جاي من شغلي مصدع ونفسي أشرب فنجان قهوة حلوة كده تروق مزاجي. أومأت له برأسها بموافقة: -حاضر، ثواني وهاجيلك بالقهوة. -لا، أنا جاي معاك.
مستنداً بمرفقيه على الطاولة الصغيرة بداخل المطبخ وهو يراقبها باستمتاع، شاعراً بخجلها الذي كان يظهر في حركتها العصبية عندما تمسك بالأشياء، انتهى بوضعها فنجان قهوته بارتباك أمامه على الطاولة: -اتفضل حضرتك، يارب تعجبك. -تسلم إيديكي... امممم تجنن.. أنا بموت فيها. قالها بتلذذ وهو يرتشف من فنجانه، وبنظرة خبيثة وكأنه يقصدها. تناولت هي فنجانها تردف: -بالهنا، عن إذنك بجى. لوح بيده مجفلاً: -على فين؟ إنتي هاتسيبني أشربها لوحدي.
-أنا آسفة، بس أنا هاشربها فوق مع "لبنى" هانم، عن إذنك. قالتها وخرجت على الفور، نظر هو لأثرها يرتشف بتلذذ. -اممم، دا معمول من الكريمة دي ولا إيه؟ ... تهبل! *** واو، كل دي فلوس! قالتها "صوفيا" بسعادة وهي تتفحص صحة الأوراق المالية الكثيرة في يدها، خاطبها "قاسم" ممتعضاً: -اطمني يا "صوفيا"، الفلوس صحيحة مش مزورة. فتحت الحقيبة تضع بها الأموال: -متزعلش حبيبي، بس أنا لازم أطمن. بشبه ابتسامة تفوه بجدية:
-أهم حاجة بس تنفذي اللي اتفجنا عليه، أنا عايز الليلة، فاهمة يعني إيه الليلة. تناولت الأكياس من على مقدمة السيارة تردف مسرعة: -فاهمة حبيبي، يعني إيه الليلة، أهم حاجة إنتو بس تتصرفوا كويس وماتجبوليش الأذية، عشان ساعتها "رؤوف" بيه هايقلب الدنيا. لوح بكفه أمامها مستفسراً: -يجلب الدنيا ليه؟ دي مجرد واحدة شغالة عنده بأجرتها. همت لتذهب ولكنها توقفت تخبره بابتسامة ماكرة:
-رؤوف باشا حبيبي مش معتبرها خدامة زينا، دا بيعاملها معاملة خاصة ومختلفة. اقترب "محسن" بعد ذهابها، بعد أن كان مراقباً للطريق، فأجفله نظرة "قاسم" التي لا تنبئ بخير! -إيه مالك يا "قاسم"؟ وشك متغير ليه؟ نظر إليه يتفوه بجنون: -بيعاملها معاملة خاصة ومختلفة عن بقية الشغالين، ياويلك يا "سمرة"، ياويلك مني. ***
في المساء وهي مستلقية على فراشها، أمسكت الهاتف وهي تنظر لرقمها باشتياق يكاد يفتك بها، حتى رغم قسوتها عليها هي لم تكرهها، فكيف لها أن تكره من أنجبتها! هذه المرة قررت مهاتفاتها مهما حدث! انتظرت قليلاً فجاءها الصوت الأنثوي الحازم: -الووو.. مين معايا؟ زمّت شفتيها صامتة مع تساقط هذه الدمعات، فكررت "بسيمة" بقوة: -الووو.. رد ياللي على التلفون. كتمت شهقة كادت أن تخرج منها خائنة، ولكنها وصلت مكتومة لـ "بسيمة" فأجفلتها تقول:
-إنتي "سمرة"؟! أنهت المكالمة على الفور، وانفجرت في بكاء مرير. فبرغم القوة التي ادعتها والدتها "بسيمة" في المكالمة، إلا أنها شعرت باشتياقها من صوتها، بسؤالها الأخير والذي أتاها وكأنه رجاء. ظلت على هذه الحالة لبعض الوقت، حتى أتاها هذه المكالمة الغريبة، ردت عليها بدهشة! -الوو... في حاجة يا "صوفيا"؟ أتاها الصوت منادياً باستغاثة: -الحقيني "سمرة"، أنا اتعرضت لحادث تحرش، ارجوكي الحقيني بأي حاجة أستر بيها نفسي.
أجابتها بلهفة مذعورة: -يانهار أبيض، إنتي فين يا "صوفيا"؟ وأنا أجيلك أنا و"صفوت". -لا، أرجوكي يا "سمرة" ماتقوليش لحد، أنا مش عايزة حد يشوفني بالحالة دي. -طب هاجيلك فين بس، وأنا معرفش إنتي مكانك؟ -أنا موجود في الشارع الخلفي للقصر، ارجوكي الحقيني بأي حاجة أستر بيها نفسي عشان أقدر أدخل معاكي القصر. -الشارع الخلفي للقصر، بسيطة، أنا ثواني وجايلك. خرجت "سمرة" وبيدها قطعة من ملابسها، وعند باب القصر أوقفها "صفوت" الحارس:
-على فين يا آنسة "سمرة"؟ التفتت إليه مجيبة: -ثواني يا "صفوت"، هاعمل مشوار بسيط وراجعة حالا. أكملت بخطواتها بعد ذلك حتى وصلت للشارع الخلفي. فلم تراها، أخرجت الهاتف لتعرف أين مكانها بالتحديد، ولكنها تفاجأت بيد حديدية تجذبها لزاوية ضيقة وخالية من الإنارة، وقبل أن تصرخ وجدته بعينيه الصقريتين أمامها واضعاً كفه على فمها ليكتم صراخها مردفاً بابتسامة شرسة: -وحشتيني يا قلب "قاسم".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!