تحميل رواية «سحر سمرة» PDF
بقلم أمل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جالسه على أرضية الشرفة الصخرية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتستند بظهرها إلى حائط الشرفة، مغمضة عينيها وتاركة وجهها لتلك النسمات الباردة. تود لو انتقلت هذه البرودة لخلايا عقلها، فتوقف هذه الماكينات الدائرة بالتفكير، أو تتوقف أذنها عن الاستماع لهذه الأصوات المزعجة، أو يحدث شيئاً ما وينقلها من عالمها نهائياً. فتحت عينيها مجلفظة لصوت الباب وهو يفتح ويغلق بعدها، لتراها وهي تتقدم بخطواتها نحوها بجسدها الهزيل وعيناها التي لا يخلو منها الكحل الأسود، رغم تقدم سنوات عمرها التي قاربت الخمسين. سبب شقائها وعذاب...
رواية سحر سمرة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم أمل نصر
سنوات من البعد وهى تمنى نفسها برؤيته.. سنوات طالت وزاد معها ألم الاشتياق وتعدى كل الحدود.. حتى فقدت الأمل وتعمدت التكيف والتعود والنسيان.
لكن أن تراه هكذا بدون سابق إنذار.. هذه هي المفاجأة التي جعلت قلبها على وشك التوقف.
بكاءها العنيف بداخل أحضان أبيها المتشبث بها بقوة.. كاد أن يشطر قلبه لنصفين.. اقترب منهما يربت بكفه على ظهرها التي تساقطت عليه دمعات "أبو العزم" هو أيضًا!
"خلاص يا سمرة، اهدى مش كده.. بعياطك الشديد ده ممكن يجرالك حاجة والله.. أنا كنت عاملهالك مفاجأة.. بس شكلك كده عايزاني أندم."
عاد أبو العزم برأسه للوراء ليرفع وجهها إليه وهو يبتسم لها بدعابة:
"عاجبك كده؟ أهو هايندم إنه جابني هنا."
ابتسمت مع بكاءها وهي تخرج من أحضانه بتمهل.
أدارها من كتفها إليه ليرى وجهها:
"يانهار أبيض.. شوف وشها بقى إزاي؟ يعني يعجبك كده يا عمي؟"
رفع "أبو العزم" ذقنها إليه بأطراف أصابعه وهو ينظر لوجهها جيدًا، الذي أغرقته الدموع مع هذا الاحمرار والانتفاخات الطفيفة بفعل البكاء:
"أنا بنتي زي القمر في ليلة تمامه.. أميرة من كتب الخيال.. جمالها يأسر القلوب وحسنها يخضع أقوى الرجال."
فغر فاهه مذهولًا:
"لألالا ده أنت خطر عليا.. إيه الكلام اللي يجنن ده؟"
ردت هي بصوت ضعيف:
"ده أنت كمان ماشوفتش أشعاره.. أحلى كلام وأحلى وصف.. ماهو كان بيعتبرني حبيبته وياما كتبلي."
قبلها على جبهتها بقوة وهو يسألها:
"أنتي لسه محتفظة بيهم؟"
أومأت برأسها تجيب:
"كلهم ومافيش ورقة منهم ضاعت."
صاح "رؤوف" على الاثنين:
"أقسم بالله بدأت أغير.. أنا حاسس إني بقيت عزول وسيكم."
استدارت إليه بابتسامة ولا أروع:
"بعد الشر عليك ما تبقى عزول.. أنت ما يليقش عليك غير الحبيب."
تهللت أساريره بمرح:
"أيوه بقى هو ده.. سمعيني كلام حلو زيك."
أومأ له بكف يده:
"انبسطت كده يا عم.. أهي حطتك في مرتبة الحبيب."
هز برأسه بسعادة غامرة:
"انبسطت قوي طبعًا.. طب إحنا هانفضل هنا عالباب.. ومش هندخل؟ اتفضل يا عمي اتفضل."
***
"طلعت متجوزة يا شيماء.. ومن بيه كبير قوي كمان في مصر."
قالتها وهي تضرب بكف على الأخرى بغيظ احتل قلبها.. وأمام صمت الأخرى المحدقة إليها بصمت تابعت.
"عشان لما قلتلكم من الأول إن البت دي فاجرة كذبتوني وماحدش صدق عليها رغم عملتها السودة وكانكم عميتوا مش شايفين.. ماتردي يامحروسة ولا البسة أكلت لسانك."
أجفلت الفتاة ترد عليها حانقة:
"عايزة إيه يا رضوى مني؟ ولزوم إيه كلامك ده معايا أساسًا؟"
فغرت فاهها وكأنها أصابها العته:
"أنتي حتى كلام مش متحملة عليها يا شيماء.. هو فيه إيه بالظبط؟"
نهضت عن مقعدها لتقف أمامها بغضب:
"بصراحة أنا مش فاهماكي يا رضوى.. ولا فاهمة إنتي عايزة إيه بالظبط؟ ياستي إن كانت طلعت عفشة ولا زينة.. ماهي راحت لحال سبيلها وأمها اعتبرتها ميتة."
خرجت منها تنهيدة حارقة وهي تحدق إليها بغل:
"عايزة تعرفي أنا إيه اللي مجنني؟.. اللي مجنني حظها اللي ضارب في السما.. وسحرها اللي بترمي عالرجالة في أي حتة تروحها.. يعني حد في الدنيا دي يصدق إنها تطلع هربانة من بلدنا.. وبدل ما يحصل فيها زي كل البنات اللي بتهرب وتجيب العار لأهالها.. لأ دي تروح تتجوز بيه من اللي بيتعدوا عالصوابع في مصر.. ده أبويا وأبوكي ما قدروش يلمسوا شعرها منها.. وبعد ده كله لسه بتسأليني.. عايزة إيه منها؟"
استدارت "شيماء" صامتة.. تجلس مرة أخرى على طاولة مكتبها وهي تتلاعب بكتبها وقد ضاق صدرها من هذه الضيقة الثقيلة.
دنت منها "رضوى" تسألها بتعجب:
"إنتي مالك يا شيماء سكتي ليه وما بترديش على كلامي؟"
أجابتها بسأم:
"ويعني عايزاني أقولك إيه؟ بصراحة كل واحد حر في تصرفاته وأنا مش هأشغل نفسي بـ سمرة ولا غيرها.. أنا أهم حاجة عندي دراستي."
اعتدلت في وقفتها تنظر إليها بقنوط:
"هو إنتي مضايقة من جيتي يا شيماء ولا معطلاكي ولا حاجة عن دراستك.. قولي قولي يكون كمان مش طايقاني؟"
زفرت بضيق:
"استغفر الله العظيم.. هو أنا غلطت فيكي يا بتي؟ ولا أنتي مضايقة وبتجري شكلي وخلاص؟"
"مالكم يا بنات صوتكم طالع لبره ليه؟ هو إنتوا كنتوا بتتعاركوا؟"
سألتها "ثريا" وهي تدلف للغرفة حاملة صينية لأكواب العصير.
تقدمت عليها "رضوى" تتناول الكوب:
"جيتي في وقتك يا مرة عمي.. أحسن أنا كنت هاموت من العطش."
"ألف هنا يابتي.. اشربي وأنا أجيبلك غيرها.. ده عصير مانجة من شجرتنا."
نظرت إليها "شيماء" بحنق قبل أن تسأل والدتها:
"هو أبويا صحي يا ماما ولا لسه؟"
"أبوكي صحي من زمان ولبس جلابيته وطلع مع الحاج سليمان أخوه يزور رفعت.. أصلهم قلقانين عليه من ساعة ماسبوه.. بيقولوا إن حالته كانت لا تسر عدو ولا حبيب."
توقفت عن شرب العصير تبتسم ساخرة:
"خليه يشرب.. عشان كان طاير بيها وكأنه ملك نجمة من السما."
خبطت "شيماء" بيدها على طاولتها متمتمة مع نفسها بغيظ:
"اللهم طولك يا روح."
***
بقلب يرفرف من السعادة كانت جالسة بجوار أبيها وأمامها السيدة "لبنى" وزوجها "رؤوف" الذي ظهر إليها من العدم كي يحميها.. ويبحث بشتى الطرق لإسعادها وتعويضها عن كل ما مرت به.. يبدو لها أنها قد بدأت سنين العوض.. فاقت من شرودها لتجد السيدة "لبنى" تخاطب أباها.
"نورتنا جدًا يا أستاذ أبو العزم.. هو أنا ليه حاسة إني شوفتك قبل كده.. بس فين مش عارفة."
مط بشفتاه مفكرًا:
"بصراحة حضرتك أنا ماسبقليش المعرفة بيكي.. بس فيه حاجة.. أنا كنت بنشر في جرايد ثقافية...."
قاطعته "لبنى" سائلة:
"إنت كنت بتنشر أشعار صح؟.. أنا دلوقتي بس افتكرتك."
أومأ الرجل برأسه فتابعت "لبنى":
"واضح قوي من لبسك وطريقتك إنك فنان."
أكمل "رؤوف" على كلماتها:
"أنا دلوقتي بس عرفت سمرة وارثة التحضر والرقي دي منين؟"
قربها إليه ينقل نظراته منها وإليهم:
"سمرة وارثة حاجات كتير مني زي ما هي وارثة كمان من والدتها جمالها."
عبس بوجهه "رؤوف" ممازحًا:
"لأ حضرتك مافيش شبه خالص.. أنت شكلك ماشوفتهاش من سنين كتيرة باين."
اعترضت سمرة مع ابتسامتها المستترة:
"بس يا رؤوف هازعل منك والله.."
"خلاص متزعليش أنا بهزر.. بس بصراحة أنا مدايق قوي منها وماحدش بقى يلومني فيكم.. يعني اللي اسمه قاسم دا ينفع عريس عشان توافق بيه؟"
خبأت ابتسامتها وهي تجيبه:
"والله ما أنا عارفة هي ليه كانت مصرة قوي كده عليه؟"
"بس أنا عارف."
خرجت من أبيها بصوت متألم قبل أن يتابع أمام نظراتهم المترقبة.. أصلها كانت شايفة في جنانه وعصبيته صورة عكس جوزها الخايب اللي كل همه يكتب في أشعار ويرسم في صور ولما يجي يفتح مشروع بورثه.. يخسر.
بصوت حنون:
"خلاص يابوي ماتزعلش وانسى كل اللي فات."
أكمل "رؤوف" على قولها:
"فعلاً يا عمي متزعلش.. دي كانت وجهة نظرها وسبت بالدليل القاطع إنها غلط."
بابتسامة لم تصل لعينيه:
"أنا مش زعلان منها بالعكس.. أنا زعلان من نفسي عشان مقدرتش أصلح صورتي قدامها ولا قدام أي حد."
"أنا مش معاك في الكلام ده."
خرجت من "لبنى" فأجفلتهم جميعًا.. فتابعت:
"أنا كنت بقرا أشعارك وكانت ممتازة.. إنت بس كان ناقصك شوية حظ زي معظم المبدعين في بلدنا."
***
عادت من عملها مساءً لتجد أولادها الاثنان يتسابقون في الشارع بدراجات صغيرة وحديثة بجوار المبنى الذي تقطنه.. هتفت عليهم بغضب.
"خد يا واد أنت وهو.. واخدين العجل دا من مين؟"
صاح ولدها الأصغر بحماس:
"دول بتوعنا إحنا يا ماما مش بتوع حد تاني."
تخصرت باستنكار:
"ودول إن شاء الله دفعتوا تمنهم منين يا عين أمك؟ ولا يكونش كسبتوهم في كيس الشيبسي."
"أنا اللي جبتهم للولاد يا سعاد."
استدارت بغضب تواجه صاحب الصوت الذي تعلمه جيدًا:
"ده بجد بقى الحكاية مش هزار من العيال! بقولك إيه يا ممدوح أنا ميت مرة منبهة عليك تبعد قرشك الحرا...."
قاطعها صائحًا:
"بس بقى بلاش فضايح في الشارع.. بكلام يودي في داهية ادخلي جوه خلينا نتكلم."
دبت بقدمها على الأرض قبل أن تتقدم بخطواتها داخل المبنى القديم وهو خلفها.
"اديك اداريت من عيون الناس في الشارع يا ممدوح.. ممكن بقى تفهمني جبت تمن العجل دا منين؟"
أطرق بوجهه أرضًا وهو يجيبها بحزن:
"مكنش العشم دا يا سعاد.. مكنتش أتخيل إنك يكون دا رد فعلك لما أجيب حاجة لولادي عشان أفرحهم وتيجي تكسري بفرحتي وفرحتهم."
زفرت طويلًا بنفاذ صبر:
"بقولك إيه يا بن الناس ماتركبنيش الغلط.. إنت عارف كويس أوي أنا اعتراضي على مصدر الفلوس."
"وأنا مستعد أحلفلك دلوقتي إنهم من فلوس حلال."
قالها بتشدق ليتابع بعد ذلك:
"ياسعاد أنا جبت دول من عمولة سمسرة جات قدامي بالصدفة.. رزق من عند ربنا اعترض وعشان تتأكدي من صدق نيتي.."
أنا دلوقتى بدور على شغل عشان أرجع لك انت والولاد، وناكل لقمة بالحلال وبس. بسأل كل اللي أعرفهم عشان يدلوني.
- انت بتتكلم جد يا ممدوح؟
- وأكذب عليك ليه بس؟ جربي كده وجيبي لي شغل وشوفي بقى إن ما كنتش أشرفك، ما بقاش أنا.
- طب وأنا هعرف منين بس يا ممدوح؟
- ليه يا سعاد متعرفيش؟ دا انتي صاحبتك خطيبة البيه اللي شغال عنده، يعني سهلة أهي.
صمتت قليلا تفكر في الأمر بحيرة:
- بقولك إيه يا ابن الناس، بصراحة أنا أخاف أكلمهم فتقصر برقبتي وتحرجني بعد كده مع سمرة وجوزها.
بنبرة ساخرة:
- هو لحق يتجوزها؟ دا أول امبارح كان خطيبها! شكل صاحبتك بتستغفلك وهي لا مراته ولا خطيبته.
صاحت عليه بغضب:
- لا بقولك إيه، أنا ماسمحلكش تغلط في حد فيهم. دي سمرة أشرف منها ما فيش، ورؤوف بيه الأدب والاحترام كله. دا كفاية إنه عقد عليها وهي في بيته، ومع ذلك لسه ملمسهاش ومنتظر لما يعمل فرحهم في أكبر قاعة فيكي يا بلد.
- انتي متأكدة من كلامك دا يا سعاد؟
- طبعًا متأكدة، دي صحبتي ومابتخبيش حاجة عني.
................................
كان جالسًا أمامهم بجمود، زم شفتيه يستمع إليهم دون رد فعل. فلا أحد يشعر بالنيران المستعرة بداخله، ولن تنطفئ إلا بالانتقام من هذا الشقيق الذي استحل دمه سابقًا، كي يرغمها على تركه ولم يبالي بصلة دم أو أرحام. أجفل من شروده على صوت سليمان.
- انت رحت منينا فين يا ولدي؟
هز برأسه مجيبًا:
- نعم يا عم سليمان، انت كنت بتقول إيه؟
- يا ولدي كنت بقولك، بلاش الزعل الواعر ده وفوق لنفسك. انت كبير عيلتك وكل المصالح بيدك.
أكمل على قوله حسن:
- يا عم رفعت، انت زينة شباب العيلة، وألف واحدة غير اللي غارت دي...
قاطعه بحدة قائلاً:
- حن عليك ما تجيبش سيرتها يا عم حسن.
أومأ الرجل برأسه متفهمًا:
- خلاص يا ولدي مش هجيب سيرتها. بس أنا بقولك أها، انت تستحق أحسن واحدة في الدنيا. شاور بس انت على أي واحدة في العيلة ولا في بلدنا كلها وشوف.
- جوزني بتك.
- نعم يا ولدي؟
- مش انت بتقول شاور على أي بت في العيلة؟ وأنا بقولك أها، أنا طالب يد بتك.
................................
كان جالسًا على إحدى المقاهي الشعبية ينفث دخان أرجيلته في الهواء، عندما صدح هاتفه برقم أخيه.
- الو... أيوه يا رفعت.
رد عليه بتماسك رغم هذا الطوفان بقلبه:
- أيوه يا قاسم، هو انت زيارة صحبك دي مخلصتش؟
نفث دخانه مرة ثانية قبل أن يجيبه:
- لا ما أنا لقيته غير العنوان غلط، وأنا دلوقتي بدور على عنوانه التاني عشان أخلص من الأمانة.
- ماشي يا واض أبوي، بس آخرك بكرة وتنزل عشان عايزك في موضوع ضروري. وأجل موضوع صاحبك ده لبعدين.
- بس...
- ما فيش بس يا قاسم، بقولك عايزك ضروري.
- حاضر حاضر، مش هاعوج كده إن شاء الله.
كان على وشك الجدال مرة أخرى، ولكنه اضطر للموافقة لإنهاء المكالمة سريعًا، حينما رأى من أتى أمامه ليجلس بالكرسي المقابل.
- مساء الخير يا عم قاسم.
- مساء النور يا سيدي، ها قول لي الكلام اللي سمعته بالمظبوط.
- طب براحة يا عم، آخد نفسي الأول.
- اخلص يا ممدوح، ما تتعبنيش.
- شوف يا سيدي، هي أكدت لي إنه كتب كتابه عليها، لكنه ملمسهاش لأن قريبتك مصرة فرح وهيصة.
- كويس.
- كويس إيه؟ دا بقت مراته رسمي.
- مدام على ورق يبقى لسه فيها صرفة، والحل قريب إن شاء الله. لكن لو كان لمسها، ساعتها ما فيش حاجة هاترضيني غير إني أموتها بيدي.
رواية سحر سمرة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم أمل نصر
خرجت من غرفتها مجفلة على هذه الأصوات الصادرة من والديها، وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل، وهذا نادرًا ما يحدث.
- يعني بت أختك تغلط، وإحنا اللي نشيل الغلط.
- غلط إيه يا مرة يا مجنونة اللي هنشيله؟ دا جواز ومش من أي حد، لا دا كبير ناسه.
صاحت المرأة بصوت أعلى:
- وإحنا مالنا كبير ناسه ولا كبير الدنيا كلها، في النهاية برضه كبير عليها بـ 12 سنة.
صاح الرجل بصوت أعلى:
- يا مرة إنتي مجنونة! ولا مش واخدة بالك إحنا بنتكلم على مين! دا رفعت عارف يعني إيه رفعت.
كانت قد وصلت إليهم لتلقي التحية، ولكنه توقفت مشدوهة للاسم، فخرج سؤالها بقلق:
- مالوا "رفعت" يا بوي؟
ارتفعت عيناه إليها بعيدًا عن مرمى زوجته.
- إنتي صحيتي يا "شيماء" يا بتي؟ طب تعالي اجعدي جنبي هنا على الكنبة تعالي، عشان آخد رأيك في حاجة مهمة.
هتفت "ثريا" بامتعاض:
- وتاخد رأيها ليه؟ ما ترد بالرفض وريح الدنيا.
- اللهم طولك يا روح.
قالها وهو يزفر حانقًا من جدال زوجته، قبل أن يلتف لابنته قائلًا:
- اسمعي يا "شيماء" يا بتي، كل العركة اللي إنتي شايفاها دي عشان عريس اتقدم لك، وأمك رافضاه، بس أنا يا بنتي مصر إني آخد رأيك، واللي هتقولي عليه أنا موافق بيه.
عقدت حاجبيها بتساؤل:
- مين هو العريس يا بوي اللي أمي رفضاه؟
خرجت الإجابة من والدتها:
- العريس يبقى "رفعت" يا عين أمك، اللي من كام سنة بس كنت بتجوليلوا يا عمي.
التف إليها "حسن" برأسه غاضبًا، قبل أن يعود لابنته مرة أخرى.
- شوف المرة وكلامها البارد، يا بتي أنا بعرض عليكي الأمر وبس، لكن عمري ما هأجبرك على حاجة، لو رفضتي ولا هيهمني كبير ولا صغير...
- ومالوا "رفعت" يا بوي عشان أرفضه؟
قالتها بمقاطعة أدهشت والدها وألجمت والدتها التي غرت فاهها للحظات غير مصدقة، قبل أن يخرج صوتها بصدمة:
- كيف يا بتي مالوا؟ دا أول امبارح كان خاطب "سمرة"، ودلوقتي يجي في يوم وليلة يتقدم لك، من قبل حتى ما يفوّق من صدمتها، لكن إنتي دريانة بالكلام اللي بقوله ده ولا لأ.
ردت بثقة:
- دريانة يا ماما وفاهمة كل حاجة، أنا مش عيلة صغيرة.
- لأ عيلة يا "شيماء" وبينك كمان مش فاهمة، وأنا لا يمكن أرضى بجوازة زي دي.
- بس أنا راضية يا ماما.
للمرة الثانية تتوقف الكلمات على لسانها وهي ناظرة لابنتها بصدمة واشفاق، فعادت لزوجها بترجّي:
- ما تبعش كلام بتك يا "حسن" وتصدق إنها فاهمة! ارفض يا "حسن" وريح قلبي...
قاطعتها مرة أخرى بتأكيد:
- والنعمة فاهمة يا ماما وعارفة كل اللي بيدور في مخك وبرضه موافقة.
..........................
وفي حجرة الوالد، كان جالسًا بجواره على الفراش، ووالدته و"مروة" شقيقته على آخر الفراش من الناحية الأخرى.
- يا خير ما عملت يا "رفعت" يا أخويا، والله "شيماء" دي تتحط عالجرح تطيب.
نفيسة هي الأخرى:
- آه والنبي يا ابني، وعاقلة وراسية كده، يا زين ما اخترت يا ولدي، يا زين ما اخترت.
كان يومئ برأسه ردًا عليهم بابتسامة فاترة، أمام نظرات أبيه المتفحصة.
تسألت مروة بدهشة:
- بس بصراحة أنا عمري ما توقعتها ولا خطرت في بالي، هو إنت إمتى فكرت فيها أساسًا؟
أجفلته بسؤالها البريء وهو لم يكن يعرف الإجابة، وذلك لأنه تفاجأ من نفسه حينما طلبها من والدها دون تخطيط أو تفكير مسبق. مط بشفتيه ليرد بصدق:
- مش عارف يا "مروة"، والله ما عارف.
نفيسة بابتسامة واسعة:
- يعني زي ما بيقولوا في الأمثال، النصيب حكم، يا كش تكمل بموافقة البت، عشان فرحك إنت وأخوك نعمله في ليلة واحدة بدل الميعاد اللي فات اللي اتلغى بسبب ال...
قطعت جملتها حينما رأت رد فعله، حينما أطرق بوجهه أرضًا بحزن ولم يجد القدرة على التمثيل، مما أجفلهم جميعًا وجعل "نفيسة" تشعر بخطئها. همت لتغيير الموضوع، ولكن زوجها سبقها:
- اطلعوا بره إنتوا الاتنين، وسيبوني لوحدي مع ولدي.
نهضت الاثنتان بإذعان وخرجتن من الغرفة.
بمجرد خروجهم سأله فورًا:
- إنت لسه بتحبها يا "رفعت" ومانسيتهاش؟
ظل صامتًا ولم يجيب، فتابع الرجل:
- مدام جلبك لسه متعلق بيها، يبقى تصبر يا ولدي لما جرحك يخف الأول.
عاجله بالرد سريعًا:
- بس أنا لازم أنسى، أنا تعبان وجلبي متقطع ميت حتة، عايز أخف من مرضها اللي فضل ملازمني العمر كله... لازم أنساها.
ربت بكفه على ذراعه بحنان:
- ماشي يا ولدي، بس لو عايز تنسى يبقى تفتح جلبك للجديد عشان ما تظلمش البنية معاك.
أومأ برأسه موافقًا، فأطبق الرجل على ذراعه ليقربه إليه. تقبل "رفعت" الدعوة بكل امتنان ليرتمي بداخل أحضان أبيه، فشدد الرجل عليه بذراعيه. شهق باكيًا، يخرج ما بقلبه من دمعات وأهات، ويرتاح قليلًا.
.......................
جالسة على تختها تنظر في الهاتف بتردد، قلبها يدعوها لمهاتفاته وعقلها يأبى، بحجة الكرامة المهدورة التي دعسها بقدمه مئات المرات ولم يبالي بمشاعرها ولا عشقها المتيم به. لقد أقسمت في آخر مرة هاتفته فيها ولم يرد، على ألا تكررها مرة أخرى ولو على قطع رقبتها، ولكن ماذا تفعل في هذا الشوق الذي يأكل قلبها وينهشه دون رحمة ولا شفقة.
تناولت الهاتف وطلبت نمرته، وانتظرت وهي تقرض في أطراف أظافرها وهي تهتز في جلستها بعصبية. انتظرت وانتظرت حتى فقدت الأمل، ولكنها وعلى غير العادة تفاجأت به يرد هذه المرة.
- الوو... أيوه يا "رضوى".
كاد أن يتوقف قلبها من المفاجأة، فردت بلهفة ملحوظة:
- الوو... إزيك يا قاسم عامل إيه.
وصلها رده المقتضب:
- زين والحمد لله.
تابعت بنفس اللهفة:
- طب مش ناوي تيجي بقى، بدل البعاد اللي ملوش لازمة ده، تعالي يا "قاسم"، دا أنا اتوحشتك جوي.
صمت قليلًا قبل أن يجيبها:
- ماشي يا "رضوى" ماشي... أخلص المشوار اللي في إيدي وآجي.
هل ما سمعته كان حقيقيًا أم أنها تتوهم؟ أنه يرضيها ويعدها بالمجيء. توسعت عيناها وفغر فاهها من الدهشة وهي على وشك أن تفقد وعيها.
- إنت بتتكلم جد يا "قاسم"؟ ولا سمعت غلط ولا إيه بس؟
هذه المرة زفر بصوت واضح في أذنها:
- لا سمعتي صح يا "رضوى" ومكانش كدب، خلاص بقى اقفلي دلوقتي عشان أنا قاعد مع جماعة صحابي، سلام بقى.
ضمت الهاتف إلى صدرها وهي مازالت لم تستوعب بعد ما سمعته، فارتمت على وسادتها تتقلب عليها وهي تضحك بسعادة وهيام وكأنها فقدت عقلها.
..........................
- يا بوي اجعد يا بوي، ما تمشيش والنبي.
قالتها وهي تتمسك به كالأطفال، بعد أن نهض من مقعده وهم بالرحيل. أكمل "رؤوف" على قولها:
- اقعد يا عمي واسمع الكلام. إنت مش خارج من هنا أساسًا.
قبل رأس ابنته وهو يخاطب الاثنين:
- ماينفعش والله، أنا ما صدقت أخرج عشان أرجع لقوقعتي وشقتي دي وحشتني قوي.
لبنى هي الأخرى:
- ياسيدي وإحنا مانعينك منها، إنت هتقعد معانا، وإما تحب تروح لها روح.
لمعت عيناها وهي تترجاه بقوة:
- حن عليا يا بوي تبع الكلام واجعد، أنا لسه ماشبعتش منك.
تنهد بثقل وهو يحدق بعينيها:
- على فكرة أنا المفروض آخد "سمرة" كمان معايا.
أجفل "رؤوف" مخضوضًا من مقولته:
- لا تاخد "سمرة" معاك فين؟ بقى أنا رافض خروجك إنت أساسًا، تقوم تقول لي عايز "سمرة" تاخدها معاك.
- يا ابني أنا بتكلم في الأصول.
رغم اهتزازه من الداخل استطاع السيطرة على مشاعره فتكلم بلهجة مقنعة:
- اسمعني يا عمي وافهم موقفي، أنا مقدرتش أخليها تخرج معاك لحد يأذيها من أهل أمها، ولا إنت ناسي إنها خرجت هربانة من عندهم، قبل جوازها بأسبوع، وهي لسه في أولها، يعني أنا ما أضمنش الناس دي ممكن تعمل إيه.
رد عليه بعتب:
- يعني أنا مش هأقدر أحمي بنتي يا "رؤوف"؟
- يووه يا عمي بقى، ما بلاش كلامك ده.
قالها بسأم، فتدخلت "لبنى" بحكمة:
- يا أستاذ أبو العزم، "رؤوف" بيتكلم صح، إحنا الفيلا والمكان نفسه هنا متأمن كويس قوي، دا غير الحرس الكتير، لكن متآخذنيش يعني، إنت في شقتك هناك هتبقى لوحدك معاها، يعني لو هاجموا عليكم إنت وهي ماحدش فيكم هيلحق يقاوم.
فتح فمه للمجادلة وأقفله مرة أخرى وهو لا يجد التعبير المناسب لما يجول بصدره. فهمت "لبنى" ما يدور برأسه.
- عايزاك تطمن كويس قوي، إنه لا يمكن هايقدر يقربلها طول ما أنا موجودة لحد يوم الفرح.
شهقت "سمرة" بخجل وهي تدفن رأسها في ذراع أبيها، فضحك "رؤوف" بصوت عالٍ:
- هي الحكاية كده بقى، طيب طمن قلبك، المحروسة اللي في حضنك دي شرطت عليا من أول كتب الكتاب، مافيش دخلة غير بعد الفرح.
برقت عيناه وفغر فاهها من جراته، فازدادت ابتسامته عبثية إليها.
تنهد "أبو العزم" بارتياح:
- الحمد لله، خلاص كده بقى هاسيبها وأنا مطمن معاكم.
- تاني برضه عايز تمشي؟
قالتها بتعب، فضمها إليه وهو يقبل على جبهتها.
- تبقى تيجي تزوريني كل يوم، أنا مش هرتاح غير في بيتي، خلي بالك منها يا "رؤوف".
هم بالخروج بعد أن أخرجها من أحضانها، ولكن أوقفه "رؤوف" ممسكًا بيده:
- يا عمي ماينفعش اللي بتعمله ده.
ربت بكفه على ذراع "رؤوف":
- معلش، إنت لو بتحبني بجد، خليني على راحتي، ماشي يا حبيبي.
أذعن لرغبته متنهدًا:
- طب خلاص بقى سيبني أوصلك شقتك.
تابعت خروجهم من القصر، فتساقطت دمعاتها كالسيل، شعرت بيد حنونة تلمس على ظهرها، رفعت عينيها إليها فوجدتها "لبنى".
شهقت وهي تجفف عبراتها.
- هو انتي خلاص سامحتيني؟
ابتسمت لها بمكر.
- ياعبيطة، هو أنا لو كرهتك ولا شيلت منك، كنت هاقعد دلوقتي معاكي ولا أقعد مع والدك.
هزت رأسها تبتسم بجمال رغم دموعها.
- ربنا يخليكي ليا يارب، أنا كنت واثقة إن قلبك أبيض وزي الفل.
..............................
في اليوم التالي.
استيقظت باكراً. فقامت هي بإعداد وجبة الإفطار لزوجها ووجدتها السيدة لبنى. نزل رؤوف من الدرج قاصداً الذهاب للعمل. فوجدها تضع الأطباق على طاولة السفرة. تبسم بسعادة.
- صباح الفل.
اعتدلت بوقفتها مبتسمة بإشراق.
- صباح الهنا.
تلاعب بحاجبيه وهو يقترب منها ومن الطاولة.
- ياخرابي أنا على جمالك وعلى كلامك اللي يجنن.
شهقت منتفضة ترتد للخلف من مجرد لمسه لذراعها.
- بس يا رؤوف، انت بتعمل إيه؟
لوح بكفيه المفتوحتين أمامها ببرائة.
- أنا جاي أصبح على مراتي حبيبتي، ماصبحش يعني؟
قال الأخيرة بنبرة مغوية وهو يقترب من وجهها، فابتعدت هي بجزعها للخلف بعد أن انحسر جسدها بينه وبين طاولة السفرة.
- عيب عليك يا رؤوف، انت اتفقنا على إيه؟
ضيق عينيه بتصنع.
- اتفقنا على إيه، مش فاكر، فكريني انتي والنبي.
بكفيها كانت تبعده عنها وهو مازال يحاول التلاعب بأعصابها والتقرب منها.
- ابعد عنها يا ولد وخلي عندك دم.
أجفل منتبهاً لصيحة جدته التي كانت تنزل الدرج بتأني. تحمحم وهو يضبط رباط عنقه، قبل أن يتقدم منها ويتناول كف يدها.
- أهلاً تيته، صباح الفل الأول.
ناولته كفها وهي تزجره بعينيها.
- هو إحنا قولنا إيه للراجل امبارح يا أستاذ رؤوف؟
سار بها لناحية السفرة وهو يردف متزمراً.
- يعني أنا عملت إيه يعني لكل ده؟ حتى القبلة الخفيفة محرمة عليا كمان، دا حرام والنعمة.
أجفل لنظراتها وابتسامتها إليه بتشفٍ وهو يجلس جدته على مقعد السفرة.
- اضحكي اضحكي، والنعمة لأطلعوا عليكي بعدين، وابقى شوفي مين هايحميكي مني.
شهقت بخجل وهي تخفض عينيها إلى طبقها.
لكزته لبنى على ذراعه.
- مبسوط كده ياقليل الأدب انت؟ أديك كسفتها.
تبسم بسعادة وهو محدقاً بها قبل أن يضع الطعام بفمه.
- مبسوط قوي.
هزت لبنى رأسها وهي تغير دفة الحديث مع سمرة.
- انتي حضرتي الفطار لوحدك ليه يا سمرة؟ أمال سعاد راحت فين؟
ردت عليها وهي تتهرب من عينيه.
- أصل سعاد النهاردة مش جاية لوحدها، هي كانت كلمتني امبارح على شغلانة لجوزها وأنا كلمت رؤوف.
ووافق يشوفله شغلانة.
- صباح الخير ياهانم.
قالتها سعاد وهي تدلف لداخل القصر، فضحك رؤوف ساخراً.
- جبنا سيرة القط جه ينط.
ابتسمت سعاد لمداعبته معهم.
- شكلكم كنتوا بتجيبوا في سيرتي!
ردت عليها سمرة بابتسامة ودودة.
- بكل خير يا سعاد، انتي جوزك جه عشان الشغل زي ما قولتي؟
ردت بلهفة.
- ممدوح قاعد بره مع الحرس مستني الإذن بالدخول.
نهض رؤوف عن مقعده مردفاً لها.
- هاتيه حالا، ورايا المكتب عشان أشوفه قبل ما أروح الشغل.
- ماشي يابيه.
.....................
بعد قليل.
كان يتفحص أوراق ثبوتيته الشخصية وهو ينظر إليه بتقييم.
- بس انت معاكش مؤهل جامعة.
ألقى نظرة إلى سمرة الجالسة أمام المكتب قبل أن يجيبه.
- معلش بقى يابيه الظروف.
- أيوه يابني بس أنا كده هأشغلك في إيه بالظبط؟ دا انت حتى ماتنفعش أمن عشان جسمك القليل.
بنبرة حزينة وهو يخفض عينيه أرضاً.
- معلش بقى يابيه خلقة ربنا.
- هو أنا غلطت فيك؟
قالها بحنق، ولكن نظرة منها جعلته يحاول مرة أخرى.
- طب انت تعرف تعمل إيه بالظبط؟
رفع عينيه يجيب بحماس.
- أنا أعرف أسوق يابيه ومعايا رخصة كمان، هاتلاقيها عندك في الورق، ما أنا ياما سواقت تاكسيات.
أومأ برأسه موافقاً.
- ماشي ياسيدي، أنا هخليك تبقى سواق الهانم.
قالها وهو يشير إلى سمرة التي أشارت بسبابتها ناحية صدرها ببلاهة.
- انت تقصدني أنا؟
أومأ مبتسماً لها بتأكيد.
- طبعاً، انتي ياقلبي، هو أنا عندك غيرك؟
تحمست بفرح.
- طب أنا عايزة أروح عند والدي النهاردة، ينفع يوصلني.
- ولو ماينفعش، إحنا نخليه ينفع، روح يابني لصفوت خليه يوصلك للعربية، على ما سمرة هانم جهزت نفسها.
أومأ بكفه على صدره بامتنان وهو خارج.
- متشكرين أوي ياباشا، وأنا أوعدك إن شاء الله إني أبقى قد المسؤلية.
نهض عن مكتبه وهو يضع بعض الأوراق المهمة داخل حقيبته ويهم بالخروج.
- ها ياستي مبسوطة بقى، عشان شغلت البيه جوز سعاد.
بابتسامة رائعة.
- مبسوطة جوي يا رؤوف، ربنا يخليك ليا يارب.
.............................
داخل السيارة الجديدة وهو يتفحص فخامتها وإمكانياتها العالية بانبهار، صدح هاتفه برقم يعلمه جيداً. فتبسم ضاحكاً يجيبه.
- كنت على بالي والله حالا أرن عليك وأطمنك.
- ................
- أخباري آخر حلاوة يامعلم، استلمت وظيفة سواق وبعد شوية بس من دلوقتي أنا خارج بالعصفورة مشوار!
رواية سحر سمرة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم أمل نصر
بداخل شقته وفي مكانه المفضل في غرفة المرسم، كان ممسكًا بخرقة قديمة وهو يمسح بها الغبار الذي تكوّم على لوحات رسوماته. يدندن بصوته أغنية رائعة لأم كلثوم وهو ينظر جيدًا للوحة قديمة كان قد رسمها سابقًا في وقت ما لامرأة جميلة رآها في شرفتها. لا يعلم لماذا تعلقت أنظاره بها وعلقت بذهنه، حتى تناول فرشاته ورسمها هنا بهذه اللوحة.
يتذكر أنه بسببها قامت مشاجرة كبيرة بينه وبين زوجته السابقة، حينما سألته عن صفتها وما السبب الذي دعاه لرسمها، حتى أنها أصرت على قطعها. ولكنه دعاها بالجاهلة التي لا تقدر الفن، وتخلق معه مشاجرة بدون سبب وجيه ولا منطقي. وكانت النتيجة أنها ذهبت لبيت أبيها غاضبة.
أفاق من شروده على صوت قرع جرس المنزل. ترك اللوحة والخرقة وخرج من غرفته ليفتح الباب. فوجده أمامه.
"مساء الخير يا عم أبو العزم."
نظر إليه جيدًا بتساؤل:
"مساء الخير يا ابني. هو انت تعرفني؟"
بزاوية فمه وابتسامة لم تصل لعيناه:
"أنا عن نفسي عارفك زين جوي، بس انت ياترى بجى فاكرني؟ ولا مش عارف تشبه عليه عشان كبرت من غير ما تشوفني؟"
ضيّق عينيه بتفكير عميق:
"والله يا ابني انت شكلك مش غريب عليا، دا غير لهجتك كمان، بس انت بتقول كبرت! هو انت... قاسم؟"
قال الأخرى بأعين متسعة حينما تذكره من نظرة عيونه. وأتاه التأكيد حينما دفعه الأخرى بذراعه للداخل ودلف هو معه أيضًا. أغلق الباب وهو يضحك بشراسة متكلمًا ما بين ضحكاته:
"أيوه أنا قاسم يا حمايا العزيز."
***
وبداخل السيارة التي كان يقودها ممدوح، كانت جالسة هي في الخلف. وفي الأمام وبجوار السائق كان الحارس الشخصي الذي فاجأ ممدوح بمجيئه معهم. وبرغم إخباره لقاسم بهذا الوضع الجديد عبر رسالة هاتفية، إلا أن الخوف بقلبه ازداد أضعاف، خوفًا من تهور هذا المجنون أو قيامه بعمل ليس محسوب.
"انت نويت تتوب بجد يا ممدوح؟"
"هممم."
قالها مجفلاً من سؤالها الذي جاءه بغتة. قامت هي بإعادة السؤال:
"أنا كنت بسألك، هو انت نويت تتوب بجد يا ممدوح؟"
تدارك نفسه فأجابها بابتسامة دبلوماسية:
"طبعًا يا هانم، امال أنا كلمت سعاد ليه عشان تشوف لي شغل عندكم؟ أنا عايز آكلها بعرق جبيني، عشان أربي عيالي وأكلهم لقمة نضيفة على رأي سعاد."
ابتسمت له بمودة وحسن نية:
"جدع يا ممدوح عشان فكرت تلحق نفسك. سعاد طيبة وبنت حلال، تستاهل منك إنك تحاول وتصلح نفسك عشانها وعشان العيال. الزوجة الصالحة دي نعمة من عند ربنا."
رد عليها بتوتر وهو يمسح جبهته المتعرقة كل دقيقة:
"عندك حق يا هانم. كلامك اللماظ كله حكم والنعمة."
"اللمّاظ!!"
قالتها بابتسامة متسعة:
"إيه الأوفر ده بس يا عم ممدوح؟ دا كلام عادي طالع من قلبي عشان معزة سعاد عندي، اللي هي أكتر من أختي. وانت لو استمريت في توبتك ورجعت لها هتبجى جوز أختي، فاهمني يا ممدوح."
رد عليها:
"الله يحفظك يا هانم، دا من أصلك الطيب. وادينا احنا كمان اهو وصلنا."
أوقف السيارة أمام المبنى الذي يقطن بداخله أباها.
ترجّلت من السيارة وترجّل خلفها إسماعيل، الحارس الجديد هو أيضًا. ليدخل المبنى معها، ولكنها أوقفْته فجأة:
"انت طالع معايا يا إسماعيل؟"
أجابها الرجل بتهذيب:
"ما انتي عارفة يا هانم رؤوف بيه مكلفني إنك ما تغبيش عن عيني ولو ثانية."
بابتسامة خجولة ومحرجة:
"بس مش لدرجادي يا ممدوح. معلش يعني أنا كده مش هاعرف أقعد مع والدي. انت استناني هنا في العربية وأنا هخلص قعدتي مع والدي ومش هتأخر عليك."
أومأ برأسه بإذعان:
"تحت أمرك يا هانم. بس أرجوكي لو حسيتي بأي خطر اتصلي بيا على نمرتي، انتي عارفاها."
تركته لتدخل المبنى، وصعدت لأبيها. وقبل أن تطرق باب الشقة، وجدته ينفتح وحده.
تقدمت بخطواتها وهي تدلف بحرص:
"أبويا.. هو انت سايب الباب مفتوح ليه؟ والدي يا والدي!"
دب الخوف داخل قلبها مع هذا السكون الغريب وعدم إجابة أبيها، وهي تشرئب بنظراتها تبحث عنه. فجأت المفاجأة حينما سمعت صوت إغلاق الباب بغتة. استدارت بجسدها مجفلة لتجده أمامه بهيئته المجرمة رغم وسامته وطوله الفارع. يضحك بخبث أمامها وهو يردف:
"إيه رأيك؟ مكنتيش متوقعة صح؟ بس انتي عارفاني أنا جامد ومافيش حاجة تصعب عليا!"
جحظت عيناها وهوى قلبها لقدمها. فأسندت بيدها على طرف الكرسي، وهي تسأله بصوت مرتعش:
"أبويا فين يا قاسم؟ عملت فيه إيه؟"
تقدم بخطوات بطيئة حتى وقف أمامها تمامًا. ذهب عن وجهه الهزل وهو عيناه تلاحق كل تفصيلة بوجهها باشتياق مميت وبصوت خرج من فمه كالمغيب:
"وحشتيني جوي جوي يا سمرة. هو أنا ليه كل ما أشوفك ألاقيكي احلويتي أكتر عن كل مرة شوفتك فيها؟"
لم تعد تشعر بأقدامها. فكانت تضغط بأصابعها على الكرسي المستندة عليه حتى لا تقع. حدقتاها ترتعش مع هذه الدمعات التي أغشت عينيها وهي تصرخ:
"بأقولك أبويا فين! عملت في أبويا إيه؟"
تنهيدة طويلة خرجت منه وهو يشيح بوجهه عنها حتى يستفيق ويعود لصوابه، قبل أن يمسك بيديها ليسحبها ناحية غرفة في المنزل:
"تعالى شوفيه بنفسك عشان قلبك يطمن."
تحركت بآلية معه حتى فتح لها باب الغرفة. لتفاجأ بأبيها وهو مكمم الفم وهو مقيد اليدين والقدمين ومثبت في الكرسي. بمجرد ما أن رآها، أخذ يزوم بصوته ويحاول الحركة والمقاومة لفك قيده. فغرت فاها بألم موجع لمشهد أبيها. وقبل أن تسقط أرضًا، تلقفتها ذراعه وهو يسندها ليضمها إليه بصدر رحب.
"سلامتك يا جلب قاسم. مش تجمدي كده."
تداركت نفسها فأجمعت شجاعتها واستحضرت قوتها لتضربه بقبضة يديها على صدره:
"بعد عني يازفت! هو انت اتجننت ولا عقلك طار منك."
فما كان منه إلا أن لف ذراعه الثانية وقربها أكثر بداخل أحضانه وهو يردف بجنون وعيناه على شفتيها:
"ياه على اللحظة دي يا سمرة. دا أنا بحلم بيها من زمان..."
أشاحت بوجهها عنه حتى لا ينال غرضه وهي تقاومه بيديها وقدميها. فازداد صوت أبيها وهو يزوم ويتحرك بعنف حتى وقع أرضًا بالكرسي المقيد به.
صرخت عليه بجزع:
"أبويا!"
فك ذراعيه عنها وهو يسب أباها ويشتمه. ضمت قبضتها إلى فمها تبكي بصوت مكتوم وهي تراه. يرفع أباها مع الكرسي. ونظرة العجز في عين أبيها عن القدرة على حمايتها كانت تقتلها.
صاح عليه قاسم:
"حاول ماتكررهاش تاني، عشان المرة جاية ممكن رجلك تتكسر فيها وانت عضمة كبيرة وما تتحلمش. وأنا ما عنديش مرارة أتألم فيك كل شوية."
زام عليه أكثر وهو ينظر إليه بحدة مع حركته المفرطة.
لوّح إليه بيده:
"انت حر!"
قالها وتحرك بخطواته ليقف أمامها وهو واضعًا كفيه على خصره بنظرة مبهمة. مسحت بأطراف أصابعها دمعاتها فخرج صوتها بشجاعة زائفة:
"عايز إيه يا قاسم؟ جيب من الآخر."
كتّف ذراعيه وهو ينظر إليها بابتسامة الظفر والانتصار.
***
"إيه ده؟"
قالتها بجزع وهي تراه ممسكًا بهذه القطعة القماش السوداء بيده. بابتسامة متكتمة:
"إيه مش عارفاها؟ ولا نسيتي إنك كنت لابساها لما هربتي مني في الصعيد وجيتي هنا على مصر."
هزت برأسها بعدم استيعاب:
"أنا عارفة إنه نقاب، بس أنا مالي بيه؟"
اقترب خطوة ليشرح لها خطته فارتدت للخلف خوفًا منه. فازدادت ابتسامته اتساعًا:
"ما علينا وخلينا في المهم دلوك. شوفي يا ستي، أنا عايزك تلبسي النقاب ده زي الحلوة كده، وتعدي على الحارس والسواق بتوعك من غير ماحد فيهم يعرفك. وعند العربية الحمرا اللي تحت العمارة اللي هتلاقيها راكنة على جنب، هاتركبي فيها وتستنيني مع السواق. وأنا بعدها هانزلك هوا ونمشي بعدها على بيتنا السعيد."
فغرت فاها من هذا المجنون وتوقفت الكلمات على لسانها لفترة قبل أن يخرج صوتها أخيرًا:
"بيت سعيد مين؟ أنا متجوز..."
لم تكمل جملتها وذلك لأنه قبض بأصابعه على وجنتيها وهو يضغط على فكها بقوة كادت أن تحطمه وهو يردف بشراسة:
"إياك أسمعها منك تاني، يا أخلص عليكِ انتي وأبوكي حالا. فاهمة ولا لأ."
أومأت برأسها خوفًا ودمعتها تساقطت مع هذا الألم القوي. ولكنه لم يتركها بل اقترب أكثر يسألها بنبرة مخيفة:
"انتي خليته قرب منك ولا لمسك؟"
نفت وهي تهز رأسها رعبًا. فك يديه عنها لتتكلم. فصرخت من الألم:
"جولتك لأ يا شيخ حرام عليك."
شهقت من الألم فربت بكفه على ذراعها قبل أن ترتد خلفًا من لمسته. فلوّح بكفه أمامها:
"خلاص خلاص يا حبيبتي متزعليش مني أنا واثق فيكي. يالا بجى البسي النقاب عشان نطلع من هنا ونهرب."
توقفت دمعاتها وهي تنظر إلى هذا المجنون، وكأنه كائن من العالم الخارجي لا يعلم شيئًا عن البشر ولا يعترف بقوانينهم.
"مالك بتبصيلي كده ليه وانتي ساكتة ومش متحركة؟ ولا انتي عايزاني أدخل دلوقتي أخلص على أبوكي قدامك. وبرضك هانفذ اللي في مخي وهاخدك معايا."
صمتت للحظات أخرى محدقة بعينيها وهي تدرك تمامًا أن الجدال معه لن يجدي بأية نتيجة. أومأت برأسها موافقة وهي تمد إليه يدها تتناول منه النقاب.
"هادخل جوا أروح ألبسه."
همت لتتحرك ولكنه أوقفها:
"استنى عندك رايحة فين؟ ماتلبسيه على هدومك."
ثارت بوجهه بتعصب:
"ما ينفعش ألبسه على هدومي دي الضيقة..."
مال برقبته مردفًا بمكر:
- ماشي يا سمرة بس دا هيكون قدامي!
هذه المرة خرجت كلماتها بصراخ:
- والله ما هيحصل يا قاسم ولو على جثتي.. عايزني ألبس يبقى أدخل هنا في الأوضة.. وغير كده خدني ميتة أحسن!
زفر حانقًا بضيق قبل أن يجذبها من يدها لغرفة المرسم الخاصة بأبيها.. فدخل ودخلت خلفه.. أخذت نظرة خاطفة لمحتويات الغرفة حتى اطمأن.. ترك يدها وهو يشير على ساعة يده:
- هاحسب لك من دلوقتي حالا دقيقة واحدة.. تلحقي تغيري فيها.. أكتر من دقيقة.. هافتح الباب ويحصل اللي يحصل بعدها.. عشان تبقي حققتي لي أغلى أمنية عندي هنا في بيت أبوكي.
قال الأخيرة بغمزة أثارت اشمئزازها.. فدفعته بيدها لإخراجه من الغرفة:
- خلاص بقى اطلع وخلصني.. وبلاش كلامك البارد ده.
بعد إغلاقها للغرفة جيدًا.. شهقت بضعف وقلة حيلة
قبل أن تهم بتغيير ملابسها وهي تدعي ربها:
- يارب اجف معايا يارب.. وانجدني أنا وأبويا يارب.
ارتدت ملابسها سريعًا وهي تتفحص المكان يمينًا ويسارًا.. تبحث عن شيء يصلح كسلاح أو أداة تصلح للمقاومة ولكنها لم تجد سوى الألوان والفرشاة واللوحات التي رسمها أبيها سابقًا.. كانت تود لو أشبعت عيناها منهم ولكن حياة أبيها هي الأهم الآن.. أخذت تجول بعينيها مرة أخرى وبشكل أدق في كل ركن.. حتى وجدتها.. شفرة صغيرة لا تصلح لشيء ولكن ربما قد تأتي بفائدة وضعتها بداخل القفاز الأسود بداخل كفها.. قبل أن تفتح الباب لتخرج إليه.. فوجدته أمامها بابتسامة سمجة:
- لحقتي نفسك.. أنا كنت داخلك حالا هههه.
أشاحت عنه عيناها حتى لا تنفجر بوجهه وهي تردف بجدية:
- أنا هانزل حالا بس بشرط إنك تفك قيود أبويا قبلها.
- انتي ما تشرطيش علي.. انتي تنفذي وبس.. يا أما هتلاقيني كاتملك نفسه بأي مخدة من اللي جوا ومخلص عليه على كده وشريط البلاستر على خشمه.
زمت شفتيها بعجز قبل أن تترجاه:
- طب حتى فك رجله من الكرسي عشان يقدر يطلع من مطرحه ويساعد نفسه بعد مانمشي.
هز رقبته:
- موافق عشان خاطرك بس.
همت للتحرك ولكنها أوقفته:
- استني ياحلوة.. انتي مش هاتنزلي لوحدك.
رفعت إليه عيناها بتساؤل:
- أمال هانزل مع مين؟
- معايا أنا ياست الستات.
التفتت برأسها ترى قائل الجملة.. فوجدته يدخل داخل الشقة بهيئته الصغيرة.. رددت بتعجب:
- سوكة!!
رد عليها بتذمر:
- أيوه يامدام.. ماهو أنا اللي هاسوق العربية بتاعتكوا.. عقبال يارب ماأزفكوا بيها.
زفرت بحنق وهي تتحرك آليه أمامه ولكنه أوقفها للمرة الثالثة:
- استني ياقلبي.
وقبل أن تستدير جيدًا.. وجدته يضع شريطًا لاصقًا على فمها قبل أن ينزل بالنقاب يخبئ وجهها:
- معلش ياروحي أصل أنا مضمنش إنك تصرخي على الحارس ولا السواق.. لازم أكون عامل حسابي.
أمام نظراتها المذهولة أكمل:
- يلا بقى عايزك تنزلي مع سوكة وكأنك أخته الملتزمة.. اللي مش هتبصي يمين ولا شمال ولو حد نداكي مش هتردي.. أنا عيني هاتفضل مراقباكي لحد أما تركبي العربية معاه.. ومع أي حركة غدر هاكون مخلص على أبوكي في ثانية.
بعين مقهورة ألقت إليه نظرة قبل أن تخرج مع "سوكة" وتنزل سلالم المبنى حتى خرجت منه.. رأت أمامها إسماعيل.. ولكنه كان مشغولًا بشيء ما في الهاتف يراه مع "ممدوح".. تعلقت عيناها بالاثنين.. حتى يرفع أحدهم عيناه عن الهاتف ويراها وينقذها ولكن هذا لم يحدث.. رفعت عيناها إلى شرفة أبيها.. فلمحت عيناها الصقرية وهو يراقبها من خلف الستائر.. حتى وصلت للسيارة الحمراء.. فتح لها "سوكة" الباب لتدخل:
- اتفضلي ياعروسة.
ألقت إليه نظرة حانقة قبل أن تدخل مضطرةً إلى داخل السيارة.. همت لنزع الشريط عن فمها ولكنها تفاجأت بسوكة الذي دخل في الأمام:
- سيبى الشريط مكانه والنبي.. ماتعمليش حاجة تزعل المعلم مني.
تركت الشريط وهي تزفر بحنق وهي تضرب برأسها على المقعد عسى أن تموت أو تستفيق من هذا الكابوس.
لم تمر إلا عدة دقائق حتى وجدته يدخل بغتةً إلى داخل السيارة بجوارها في الخلف:
- اطلع بسرعة يا سوكة.
تحرك "سوكة" بالسيارة سريعًا كما أمره "قاسم".. فوجدته يتقرب منها ويلف ذراعه حول ظهرها.. ارتدت لتلتصق في الباب وهي تزم رافضة.. قبل أن تنزع الشريط بقوة جعلتها تصرخ ألمًا:
- بعد يدك دي عني أحسن لك.
اقترب منها وهو ينظر إليها بوقاحة:
- أبعد دا إيه.. دي كلها دقايق وهتبقي حلالي.
وفي محاولة أخيرة منها حاولت أن تقنعه:
- اسمعني يا قاسم كويس وماتزعجش فيا حن عليك.. أنا كتبت كتابي على يد مأذون يعني ماينفعش أجمع بين رجلين.
فرد ذراعيه على المقعد خلفه وهي يردف بكل أريحية:
- باطل!! عقد المأذون اللي كتبتيه باطل.. لكن الورقة بتاعتي هي الأصل.. يعني لو عرضنا الاتنين على الحكومة.. ورقتي أنا اللي هاتكسب.
صاحت بقلة حيلة:
- ورقة إيه دي اللي بتتكلم عليها؟
رد عليها بابتسامة واثقة:
- مش هأقولك وخليها مفاجأة.. المهم دلوقتي خلينا في فرحتنا.. انتي معايا وأنا هاعيشك برنسيسة يا سمرة.. أنا عارف إنك بتحبيني.. بس خايفة مني عشان غيرتي وحبي المجنون بيكي.. بس أنا معذور يا سمرة انتي جمالك يلوح العجل ويقلب العاقل مجنون.
بكف يده وضعها على كفها المسنودة على المقعد.. وتابع:
- انسى اللي فات يا سمرة وافتكري حبيبك اللي حارب الدنيا عشانك ومستعد يغير نفسه كمان بكلمة منك.. أيوه يا سمرة أنا هاتغير عشانك.. إن شاء الله حتى أبقى عجينة تشكليها على كيفك.
كانت تحدق بعينيه صامتة وهو يتحدث وكفه على كفها ممدودة.. قاطعته فجأة تسأله:
- لكن انت فكيت الحبل عن رجل أبويا من الكرسي زي ما قولت.
أجابها وهو يقلب عيناه بملل:
- أيوه يا سمرة فكيت رجله.. عشان يقدر يطلع بره البيت ومايموتش مكانه زي ما قولتي.
- طب كويس.
قالتها وهي تنزع الشفرة من قفازها قبل أن تغرزها بقوة بكفه المفرودة على كفها.. صرخ بقوة ليرى مالذي أصابه وقبل أن يستوعب ما حدث وجدها تفتح باب السيارة فقفزت منها وهي تسير بسرعة.. فارتمت على الطريق تتدحرج أمام السيارات.
صرخ خوفًا عليها بوحشية:
- سمرررررره!!
رواية سحر سمرة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم أمل نصر
أحس بالعجز عن حمايتها والتصدي لهذا المجرم وإيقافه، كاد أن يقتله. ليته استطاع مقاومته حينما اقتحم المنزل على حين غرة وفاجئه بهجومه المباغت، ليته امتلك القوة لمقاومته، ليته ما خرج من سجنه من الأساس، حتى لا يرى ابنته وهي تتعرض للابتزاز أمام عينيه، وهو مقيد الأيدي والأرجل في هذا الكرسي اللعين. حتى مقاومته المخزية لم تجدِ أي نفع. ولكن إلى متى سيظل بوضعه هكذا وهو لا يعلم شيئاً عن ابنته التي اختفت عن عينيه واختفى صوتها، ولم يعد يصل إليه في هذه الغرفة الموحشة، ولا حتى صوت هذا المجرم. ترى ما الذي حدث؟ فمنذ أن دخل إليه منذ قليل وحل وثاق أقدامه فقط عن الكرسي اختفى، ولم يعد مرة أخرى واختفى بعد ذلك أي صوت، فعاد المنزل إلى حالته الأولى في السكون. ولكن أين ابنته؟
لقد وصل أخيراً إلى باب المنزل، متحاملاً على آلامه بعد رحلة معاناة طويلة من السير مكمم الفم، ومقيد اليدين بالكرسي، الذي أجبر بحمله والسير به بفعل القيد. الوغد الملعون فك قيد أقدامه ولم يفك وثاق يديه، ليتركه في رحلة صراع للسير بالكرسي المقيد به، ورحلة مريرة للخروج من باب الغرفة، وها هو الآن أمام باب المنزل ولابد له من استحضار قوته مرة أخرى، حتى يشعر به أحد من السكان، فيجد منه المساعدة في فك قيده.
ظل "أبو العزم" في محاولته البائسة، والحركة المفرطة بالكرسي على باب المنزل مع صوت ندائه المكتوم في طلب النجدة حتى خارت قواه ولم تعد به طاقة. فظهرت بارقة الأمل أخيراً، حينما سمع طرقاً على باب المنزل، فزمجر بصوته بكل قوته وهو يقفز بالكرسي بصوت مزعج، فلم ينتظر كثيراً حينما وجد باب المنزل يُدفع بقوة فدلف رجل ضخم البنية الجسدية بصورة غير طبيعية.
"يا نهار أسود، إيه اللي حصل بالظبط؟"
قالها وهو ينزع اللاصقة الطبية عن فم "أبو العزم"، ويهم بفك وثاق يديه.
أخرج "أبو العزم" نفساً طويلاً ومتحشرجاً، قبل أن يهتف بصوته:
"أبوس إيدك يابني فكني بسرعة، عايز ألحق أدور على بنتي اللي اتخطفت وأعرف حصل لها إيه."
التفت إليه برأسه بنظرة جزعة:
"بنتك مين؟ أوعى تكون "سمرة" هانم؟ أنا "إسماعيل" الحارس الخصوصي بتاعها، وكنت جاي عشان أشوفها لما اتأخرت."
صك بأسنانه وهو يجيبه بغضب:
"توك ما افتكرت يا أخويا، خلصني يا عم وفكني الله يسيئك، بلا حارس خصوصي بلا نيلة."
دنا "إسماعيل" مرة خلف ظهر "أبو العزم" ليفك القيد المحكم جيداً على يديه وهو يهذي بزعر وخوف:
"يا خراب بيتك يا "إسماعيل"، يا سواد عيشتك في الأيام اللي جاية يا "إسماعيل"، الله يخرب بيتك يا "ممدوح" أنت كمان وبيت "نت"!"
***
صرخ عليها بوحشية:
"سمررررررررره!"
وهو يراها تتدحرج على الطريق الممتلئ بالسيارات، كاد أن يفقد عقله حينما رأى سيارة توقفت بغتة عن دهسها، بمسافة لا تتعدى الشبر، لتتوقف على أثرها باقي السيارات. كل هذا في وقت لا يتعدى الدقيقة ولا يتعدى استيعابه.
استفاق لنفسه، ليضرب بكفه بحركة عصبية على مقعد السائق وهو يهتف عليه صارخاً:
"وجف العربية ياسوكة، وجف بسرعة يازفت انت."
هتف الآخر من مقعده:
"أوقف فين يا عم انت هاتودينا في داهية؟"
صاح عليه بجنون:
"هاتوقف يازفت انت؟ ولا أطلع مسدسي من جيبي وأخلص عليك؟"
اضطر للتوقف مضطراً على مسافة ليست بقريبة منها، وسط هذه الفوضى من السيارات التي توقفت بسببها. ترجل من سيارته ناظراً إليها، ليجد مجموعة من البشر تجمعت حولها ومعهم سائق السيارة الذي كان يصرخ بصوت عالٍ:
"ياساتر يارب، على المصايب اللي بتتحدف علينا، أنا كنت هاروح في داهية وأدوسها، يامنجي من المهالك يارب، ودي إيه اللي رماها قدامي دي وفي سكتي؟"
سمع همهمات من بعض الأفراد ليجد أحدهم وهو يشير عليه بيده بصوت عالٍ وصل إليه جيداً:
"زي ما بقولكم كده يا جماعة، هي نطت من العربية اللي هناك دي، والظاهر كده إن الرجلين اللي هناك دول هما اللي كانوا خاطفينها!"
اتجهت جميع الأعين على "قاسم" والسيارة و"وسوكة" الذي قفز سريعاً بداخل السيارة مردفاً لـ"قاسم" بخوف:
"لسه برضوا عايز تروح لها؟ عشان تاخد لك علقة موت وبعدها تتحاكم في جناية الخطف، خليك يا عم أنا مالي."
ومع حركة البشر التي اتجهت نحوه للفتك به، قفز هو الآخر سريعاً، ليفاجأ بهذه البقعة الغزيرة من الدم التي تساقطت من كفه وأغرقت بنطاله والتي ما زالت مغروزة بها الشفرة، ومع تسارع الأحداث قد نسيها بيده، وتناسى الألم أيضاً بعد مشاهدة حبيبته وهي تقفز من السيارة بهذه الصورة المرعبة، لتضيع من يديه مرة أخرى مفضلة الموت عليه!
***
خرج مهرولاً من غرفة الاجتماعات التي نهاها قبل أن يبدأها وهو يصرخ في الهاتف بصوت جهوري دون مراعاة لمنصبه أو وضعه أمام العاملين لديه والشركاء الآخرين لأعماله.
"أنا هاخرب بيتك انت والسواق يازفت انت! مبقاش أنا "رؤوف الصيرفي" إن ما كنت أندمك على عمرك النهاردة يا "إسماعيل" الك... انت والزفت التاني اللي معاك."
"........."
"اخرس خالص ما أسمعش صوتك وغور دور عليها بنفسك، على ما أجلك أنا والرجالة غووووور."
جذبه "تيسير" من ذراعه يوقفه:
"إيه اللي حصل يا "رؤوف"؟ مالك كده شكلك بيقول إن في مصيبة حصلت!"
ربت بيديه على كتف "تيسير" بصورة عصبية:
"ادخل انت كمل الاجتماع، أنا ورايا موضوع مهم أوي ولازم أخلصه بسرعة."
"طب يا "رؤوف" فهمني الأول...."
لم يكمل جملته فقد تركه الآخر مهرولاً ناحية المصعد دون الالتفات إليه وهو يتكلم في هاتفه مع "صفوت" رئيس الحرس.
وقف على باب غرفة الاجتماعات متسمراً وهو ينظر في أثره متعجباً من ما يحدث مع ابن عمه ولا يريد إخباره به!
***
وفي الناحية الأخرى بعد أن أنهى "إسماعيل" المكالمة نظر لـ"ممدوح" بزعر:
"اديني هاروح في داهية بسبب الفيلم اللي أصرت عليا إني أشوفه معاك، روح يا شيخ الله يخرب بيتك."
هتف عليه الآخر حانقاً:
"في إيه يا عم وأنا مالي؟ وأنا كنت عملتلك إيه بس؟"
خبط الرجل بيديه على جانبيه ضارباً باستياء:
"عندك حق تقول ما بدالك، ما أنا اللي أستاهل عشان عيني غفلت عن الهانم في أول مشوار ليا معاها، أنا اللي أستاهل اللي يجرالي عشان اتسايرت مع واحد زيك!"
رفع جانب شفته مردفاً بغيظ:
"واحد زيي!!! ليه يا خويا إن شاء الله؟ كنت كوخة أنا بقى ولا مش قد المقام مع سيادتك؟"
استدار عنه ملوحاً بكفه قبل أن يهرول إلى والد "سمرة" الذي كان يسأل كل من يراه قادماً أو ذاهباً.
وصل إليه سريعاً ليسأله بقلق:
"عرفت حاجة يا سعادة البيه عن الهانم بنتك؟ ولا حد من اللي بتسألهم دلهم على مكانها؟"
أجابه "أبو العزم" بصوت خارج بصعوبة:
"أنا سألت كل البقالين اللي هنا وكل الناس اللي أعرفها في المنطقة، كلهم بيأكدوا إن في واحدة نزلت من ساعة تقريباً ولابسة نقاب مع عيل صغير غريب عن المنطقة، وركبوا عربية حمرا وبعدها نزل واحد تاني من العمارة وغريب برضوا عن المنطقة، وركب معاهم العربية الحمرا ومشوا بيها!"
***
فتحت عينيها وهي تستعيد وعيها، لتجد نفسها في غرفة جدرانها مطلية باللون الأبيض، موصل بكفها محلول معلق وهي نائمة على تخت طبي. تنفست بارتياح فيبدوا أن المعجزة قد حدثت، وتمكنت بالهروب منه بحركة مجنونة كادت أن تودي بحياتها، وهي الآن بغرفة داخل مستشفى لعلاجها. ولكن ما الذي يجعلها متأكدة أنه هربت منه؟ ولما لا قد يكون ما زال موجوداً معها هنا في داخل المشفى، وربما كان واقفاً الآن خلف الغرفة أيضاً!
فتح باب فجأة بقوة، فصرخت بأعلى صوتها وهي تتخيله هو من اقتحم الغرفة!
فازدادت صرخاتها وهي تغمض عينيها، عله كان كابوساً فتستفيق منه.
"اهدّي يا "سمرة"، اهدّي يا روح قلبي، أنا "رؤوف" وموجود معاكي أنا "رؤوف"، فوقي يا "سمرة" أنا..."
"انت "رؤوف"؟ والنبي بجد انت مش "قاسم"؟"
قالتها وهي ترتجف من الخوف وتفتح عينيها بصعوبة، حتى تفاجأت بوجهه القلق أمامها، فشهقت ببكاء مرير وهو يشدد عليها داخل أحضانه.
"أنا آسف ياروحى، أنا آسف ياقلبي، سامحيني إني غفلت عنك المرة دي."
ظل يهددها داخل أحضانه بفترة ليست بالقليلة، لتخرج أخيراً وهي تكفكف دموعها:
"قاسم كان هايخطفني يا "رؤوف" وأنا هربت منه على آخر لحظة، دا وصل لأبويا وكان مكتفه......آه صحيح، ابعت حد والنبي يروح ينقذه ويحل قيوده..."
"اهدّي اهدّي...."
قالها بمقاطعة وهو واضعاً كفه على فمها وتابع بصوته الحنون:
"أنا عايزك تطمنيني على والدك، هو زمانه دلوقتي على وصول، عشان يطمنك بنفسه إنه بخير."
تهلل وجهها الملئ بالكدمات وزينته ابتسامة رائعة منها:
"والنبي انت بتتكلم صح يا "رؤوف"؟ يعني أبويا كويس دلوقتي بجد؟"
أجابها وهو يمسح بطرف أصابعه على كدمات وجهها:
"والله زي ما بقولك كده، بس أنا كنت عايز أسألك، هو انتي بجد يا "سمرة" رميتي نفسك على الطريق وسط العربيات؟ وما خفتيش لتروحي فيها؟"
هزت برأسها وهي وقد أغشت عيناها بالدموع:
"العمر غالي جوي يا "رؤوف"، بس أنا مالقيتش قدامي سكة غير كده للهروب، دا مجنون ومش معترف بجوازي منك أصلاً."
صك على أسنانه بغضب:
"أنا إن ما كنت أربيه وأعلمه الأدب مبقاش أنا، المهم دلوقتي عايزك تحكيلي كل حاجة بالتفصيل الممل."
وفى المساء وصل "تيسير" إلى قصر "رؤوف" بعد أن أنهى اجتماعه مع رؤساء المجموعة وبعض الشركاء.
دلف إلى داخل القصر ليطمئن على ابن عمه، الذي خرج من الشركة بشكل ينبئ بحدوث كارثة.
ولكن ما حيره حقًا هو هذا التكتم الشديد من جانب "رؤوف"، وهو شيء لم يفعله معه طوال سنوات عمرهم.
وصل إلى الباب الداخلي للقصر، وقبل أن يدلف، استوقفه هذا الصوت المنبعث من قريب لمشاجرة.
كان صوتًا أنثويًا معروفًا لأذنيه، مع صوت رجولي لا يعرفه.
ومع ذكرهم لاسم "سمرة"، زوجة "رؤوف"، ارتد بخطواته إليهم، حتى وقف بجوار شجرة صغيرة تخفيه عن أعينهم، ولكن تمكنه من سماع حديثهم جيدًا.
سعاد وهي تهتف بصوت عالٍ:
- بلاش ملاوعتك دي معايا يا "ممدوح"، أحسن وديني لأكون فاتنة عليك قدام "رؤوف" بيه، وهو اللي يشوف صرفته معاك.
هتف هو الآخر بصوت أعلى:
- انتي اتجننتي يا ولية انتي وعايزة تلبسيني تهمة بالباطل؟ هو أنا أعرف منين الزفت "قاسم" ده عشان أتفق معاه وأساعده يخطف "سمرة" كمان؟
بشبه ابتسامة ساخرة:
- طيب لما أقول لك يا حبيبي، إن "سمرة" قالت بنفسها إن "سوكة" صبي القهوة في منطقتنا كان بيساعده، يبقى أنت تفسر ده بإيه؟ وأنا وأنت عارفين كويس قوي، إن "سوكة" ده يبقى صبيك في بيع الهباب والبرشام لزباين القهوة. قول يا "ممدوح" بالحقيقة وريح قلبي الله يسيئك.
ضرب كفيه بقوة:
- الله يخرب بيتك يا شيخة! عايزة تلبسيني مصيبة على الفاضي، عشان مجرد وهم في دماغك.
اقتربت منه تطالبه برجاء:
- اسمعني كويس يا "ممدوح". أنت لما طلبت إني أساعدك في الشغل هنا، أنا ماتأخرتش وكلمت "سمرة" اللي ما صدقت إنها تساعدك عشان تاكل لقمة بالحلال.
رد عليها بسأم:
- عارف أنا كل الكلام ده يا بنت الناس، بس ده إيه لزومه معايا دلوقتي؟
- لزومه إننا نحفظ المعروف وما نؤذيهاش. "قاسم" دا مش طبيعي يا "ممدوح". دي لما هربت من البلد مكانش من أهلها ولا خطيبها، لا دا كان من "قاسم" ده، اللي هددها بقتل أخوه لو استمرت في خطوبتها منه وكملت بجوازها. دا مجنون بحبها بشكل مرضي، يعني ماتستبعديش عنه أي فعل إجرامي في سبيل الوصول ليها.
بلع ريقه وهو يحاول التماسك أمامها:
- برضه أنا ما يخصنيش كلامك ده! عشان أنا راجل نضيف وما فيش على حيطتي غبار، ولا أعرف "قاسم" ولا غيره.
اكتفى بهذا القدر قبل أن يعاود لطريقه مرة أخرى في الدخول للقصر، بعد أن عرف سر الجميلة زوجة ابن عمه وحبيبها المهووس.
***
في اليوم التالي
خرج من غرفته مجفلًا على هذه الأصوات الصادرة من داخل المنزل، لوالدته "نفيسة" وهي ترحب بولدها وتعانقه بحنان الأم لأبنائها، حتى لو كانوا سيئين ولا يستحقوا.
برقت عيناه وهو ينظر إليه بغضب مستتر، وهو يعيد بذهنه كل كلمة سمعها في التسجيل.
بابتسامة مريبة وغامضة:
- حمد الله عالسلامة يا جلب أخوك. أنت رجعت بالسلامة يا "قاسم" من امتى كده؟
رد على شقيقه بوجوم:
- الله يسلمك يا خوي. أنا لسه واصل حالا أه، واسأل أمي حتى.
بزاوية فمه ابتسم بجمود:
- ما فيش داعي إني أسألها، كفاية إني شوفتك. يالا بقى عشان تاكل لقمة وتريح جسمك وبعدها، تجيني على الشغل في الشونة، أنا عايزك ضروري.
تدخلت "نفيسة" معارضة:
- وهي طارت الدنيا عن الشغل يا "رفعت"؟ ماتسيبوا يريح النهاردة وبكرة يجيلك.
رد على كلامها بتصميم:
- أنا قلت ياكل ويريح جسمه الأول يا أما، ثم إني أنا عايزه في موضوع ضروري. دي فايدة وفلوس كتيرة يا "قاسم". حتسيب حقك برضه؟
رواية سحر سمرة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم أمل نصر
فتحت اجفانها على اثر هذا الضوء القوى الذى اخترقهم .. ناظرة الى هذه الستائر البيضاء التى تحجب اشعة الشمس ولا تحجب الضوء .. وهى مازالت تستوعب سبب وجودها هنا فى هذه الغرفة .. فوجدته امامها وقد غفى برأسه على طرف تختها وهو جالس على مقعده بجوارها .. تذكرت كل احداث الأمس بدءاً من ابتزازاها على يد" قاسم "حينما هددها بأبيها لخطفها..ومروراً بقيامها بهذه الحركة المجنونة حينما قفزت من السيارة والقت بنفسها على الطريق المزدحم بالسيارت هرباً منه .. وانتهاءاً باستيقاظها هنا فى هذه الغرفة بداخل المشفى بعد نجاتها وعثوره عليها.. ومنذ هذه اللحظة وهو لم يتركها ولو دقيقة .. حتى وبالرغم من كل محاولات ابيها ليأخذ دوره فى رعايتها .. انه حبيبها ومصدر امانها .. لقد تمكن منه التعب ونام وهو جالس على مقعده.. ويده مازالت ممسكة بيدها .
حاولت رفع يدها الاَخرى كى تلمس على شعر راسه .. ولكنها تأوهت بصوتها رغم عنها لشعورها بهذا الالم من جديد فقد تناسته اثناء نومها .. رفع رأسه مجفلاً على صوتها .
- ايه ياحبيبتى؟ هو انت الوجع زاد عليكى من تانى؟ ولا حاسة بأيه بالظبط؟
ردت بابتسمامة جميلة ومشرقة :
- لا ياحبيبى مافيش حاجة .. انا بس كنت عايزه اصحيك بطريقة احسن من كده .. لكن للأسف بقى .. دراعى لسه حساه مدغدغ وتعبان .
ضيق عينيه بتفكير :
- معلش ياقلبي .. دراعك هاياخد فترة على ما يخف من الكدمات والرضوض اللى فيه .. بس انتى كنتى هاتصحينى ازاى بالظبط ؟
ابتسامتها زادت اكتر وهى تردف بخجل:
- بصراحة انا استفزنى جداً شعرك الناعم ده .. وكان نفسى اللمس عليه !
رفع حاحبيه وهو يبتسم بمرح:
- يانهار ابيض على حظى ! أخ ...يارتنى ماكنت صحيت .. يارتنى ما كنت صحيت.
ازدادت خجلا من كلماته :
- خلاص والنبى ما تكسفنيش .
رفع كفها التى مازالت بيده منذ امس يقبلها بقوة :
- ربنا يارب يخليكى ليا .. انا قلبى وجعنى اوى امبارح من خوفى وقلقى عليكى بعد اللى حصلك واللى سمعته بعد كده منك .
- سلامت قلبك من اى وجع
قالتها بحنان جعله ينهض من مقعده يقبلها بغتةً على وجنتها المكدومة .
- وتسلميلى انتى من كل شر .. وعد منى يا" سمره " مش هاستريح ولا يهدالى بال غير لما اجيب الكلا...... دول تحت رجلك .
- انت تقصد " قاسم "والواد اللى كان معاه ؟
قالها " ابو العزم وهو يدلف لداخل الغرفة .. قبل ان يصل اليهم .. مقبلاً رأس ابنته :
- عاملة ايه النهارده ياقلب ابوكى ؟ انا كلمت الدكتور قبل ما ادخل عندك هنا .. وقالى ان الأشعة كلها بينت ان مافيش كسور والحمدلله ..
رد عليه " رؤوف " :
- فعلا ياعمى الحمدلله ان ربنا نجاها من حاجة بشعة زى دى ؟ اكيد ان شاء الله لو الدكاترة اطمنوا عليها اكتر.. هايكتبولها على خروج النهاردة.
..............................
كان جالساً على مقعده الصغير وهو يطرق بأصابعه على مكتبه بشرود .. فى مخزنٍ كبير خلف وكالته من الناحية الاَخرى .. ممتلأً بأشولة الحبوب بمختلف انواعها .. والتى يتاجر بها منذ ان تولى المسؤلية .. خلفاً لأبيه الذى اصابه المرض مبكراً وجعله قعيد الفراش .. ينتظر اخيه الذى وعده بالمجئ .. فور ان اغراه بصفقة كبيرة تدر عليهم مزيداً من المال .. لقد صرف جميع العمال.. ولم يتبقى سوى الغفير المكلف بحراسة المخزن .. تنهد بصوت عالى وهو ينظر لساعته فى انتظار لحظة المواجهة .
خرج من شروده على صوت العامل حينما هتف عليه :
- اعملك شاى يابيه ولا تحب اعملك قهوة ؟
هز برأسه يجاوب دون تركيز :
- اااالا مش عايز اى حاجة انا .. روح انت على بيتك يا" عامر" .
فغر الرجل فاهه بدهشة :
- اروح كيف يابيه ؟ دا ميعاد نوبتى فى الشغل ؟ وانت صرفت العمال كلهم .
- انا جولت انك تريح النهاردة .. يعنى الحرامية جاعدين على الباب .
- يريح كيف ويسيب المخزن ؟
قالها " قاسم " وهو يدلف لداخل المخزن رداً على كلمات اخيه.. وتابع :
- غور ياض اعملى كوباية شاى كبيرة..
نظر " عامر " حانقاً اليه ولم يتحرك .. حتى امره " رفعت " بعجالة :
- روح زى ماقالك يا" عامر " هاتله شاى وهاتلى انا كمان .. بس من القهوة اللى فى اَخر الشارع .
سأله " قاسم " بعد ان جلس على احدى الكراسى الخشبية:
- ويجيب من القهوة ليه ؟ مايعملها هو بنفسه هنا وخلاص !
نهض " رفعت " وهو يصرف العامل الغفير بصوتٍ جدي :
- بس انا نفسى اشرب الكوباية من القهوة نقسها ..ياللا بسرعة يا" عامر " اعمل زى ما جولتلك .. وخلي الصبى يعملها على نار هادية .
تعجب " قاسم " وهو يرى اخيه يصرف العامل ويغلق المخزن عليهم من الداخل :
- خبر ايه ؟ انت بتجفل علينا الباب لوحدينا ليه ؟
تقدم ليجلس امامه من جيد خلف مكتبه وهو يردف بتحايل:
- ياراجل بقولك عايزك فى موضوع مهم .. ومش عايز حد يسمع الكلام المهم اللى هايتجال !
عقد حاحبيه بتساؤل وهو يراه يخرج من جيب سترته " هاتف " سمره "ويضعه على المكتب .
- موضوع ايه المهم جوى ده اللى عايزنى فيه؟ وايه لازمة التلفون ده ؟ مش هو ده اللى كان بتاع المحروسة اللى كانت خطيبتك .. بت ابو العزم ؟
..................................
دلف الى داخل المحل فوجدها تقف مع احدى السيدات تتحدث باندماج وكأنها تشرح فى قضية دولية:
اللقى اليها التحية رغم اندهاشه:
- مساء الخير يا" صافى " ؟
اللتفتت اليه بجذعها قبل ان تستأذن من السيدة وتتركها مع احدى العاملات تكمل ماكانت تفعله .. جلست امامه خلف مكتبها :
- اهلا يا" تيسير " باشا.. اَخيرا شوفنا وشك ؟
رد على قولها بسأم :
- يا"صافى "بلاش كلامك المستفز ده .. ما انتى عارفانى دايماً مشغول .. ودلوقتى بقى لما لاقيت نفسى فضيت .. جتلك اشوفك على طول .. احنا مالناش غير بعض يا" صافى " .
بزاوية فمها ابتسمت بسخرية :
- اه صحيح عندك حق .. ما احنا فعلاً ملناش غير بعض .
زم شفتيه ممتعضاً من سخريتها.. هم لمجادلتها ولكن استوقفه مشاهدة السيدة وهى تدور فى المحل وتتفحص كل ركنٍ فيه بدقة :
- هو في ايه ؟ والست دى تبقى مين بالظبط ؟
احابته وهى مستندة بمرفقها على مكتبها .. وقبضة كفها اسفل ذقنها :
- دى الست اللى جايه تعاين المحل عشان تشتريه .
- تشترى المحل !!!
قالها مندهشاً قبل ان يتابع :
- طب ليه يا" صافى " دا حلمك.. اللى عيشتى تبني فيه السنين اللى فاتت دى كلها .. لما بقى ليه سمعة كبيرة بين سيدات المجتمع الراقى ؟
هزت اكتافها بلامبالاة:
- معدتش تفرق .. انا نفسى قفلت من البلد كلها .. قررت ابيعه واسافر لاهلى فى انجلترا واعيش حياتى بقى .. بلاحب بلاقرف.
اومأ برأسه صامتاً بتفهم فاجفلته بسؤالها :
- هو اخباره ايه دلوقت ؟ مبسوط معاها ولا فاق لنفسه وعرف الفرق ؟
اجابها بملل :
- لا يا"صافى " بالعكس مزهقش منها ولا حاجة.. دى نسته حتى شغله كمان .. واهو قاعد لابد جمبها من امبارح فى المستشفى بعد اللى حصلها .
اعتدلت فى جلستها وقد تنبهت كل حواسها :
- هو ايه اللى حصلها بالظبط ؟
بابتسامة ساخرة :
- ياستى انا معرفش اللى حصل بالتأكيد .. عشان " رؤوف " مخبى ومكتم على الخبر .. بس انا عرفت بالصدفة .. ان صاحبتك طلع لها حبيب مهوس بحبها وبيلاحقها فى كل حتة .. وامبارح بقى كان هايخطفها وصاحبتك هربت لما رمت نفسها من العربية .
بنبرة حاقدة :
- ياريتها كانت ماتت وخلصنا منها .. المهم بقى انت عرفت منين .. واسمه ايه ده الولد اللى بيحبها ؟
............................
انتهى من سماع التسجيل وهو ينظر اليه بأعين مشتغلة وانفاسٍ هادرة .. كان مكتفاً ذراعيه فى محاولاً السيطرة على اعصابه حتى انتهائها .. اما " قاسم " فكان مطرقاً برأسهِ طوال الوقت.. حتى رفع رأسهِ اَخبراَ بابتسامة مبهمة .. رافعاً أحدى حاحبيه وهو يهُز برأسهِ بحركة مستفزة .. ولسان حاله يقول" ماذا بعد "..مما ساهم فى زيادة اشتعال النيران بقلب الاَخير ..فقد القدرة على السيطرة على اعصابه..فنهض عن مقعده بسرعة الفهد لينقض عليه ممسكاً به من تلابيب قميصه:
- وكمان بتضحك فى وشى ياخاين ياعديم الشرف .. لا عندك حرمانية ولا بتراعى صلة رحم..انت ايه يااخى ؟ زرع شيطانى .
قال الاَخيرة بصرخة نابعة من الأعماق .. فزمجر الاخير بصوتٍ جهورى وهو يحاول بكفيه نزع ايدى اخيه عنه :
- انت اللى ابتديت الاول لما حطيت عينك على واحدة تخصنى .. مافيش حد فى البلد كلها مايعرفش حكايتى مع " سمره " وحبى وعشجى ليها .. لكن انت بجى استغليت طرد ابويا ليا ورحت تخطبها فى غيابى .. عشان جبان .
برقت عيناه وتهدجت انفاسه قبل ان يضربه برأسه على جبهته بقوة اسقطته ارضاً .. مسح " قاسم " بيده بعض قطرات الدماء التى سالت من انفه نتيجة الضربة القوية ..وهو يضحك :
- واه .... شديدة الضربة دى يا" رفعت " .. شوفتها فى التلفزيون ولا حد علمهالك ؟
- انا هاوريك الجبان هايعمل ايه ؟
قالها وهو يتقدم نحوه ليضربه مرة اَخرى .. ولكن " قاسم " نهض سريعا فباغته برفعه من خصره ليدفعه على بعض اشولة القمح المكومة فوق بعضها فأسقط بعضها .. سعل " رفعت " بتحشرج من قوة الدفعة قبل ان يرد بضربة قويه على فك الاَخر.. وابتدت معركة التشابك بالأيدي والدفع على الارض واشولة الحبوب بشكل عنيف ومدمر .. كلٌ حسب قوته والبقاء للأقوى .
جاء " عامر " من القهوة وهو حاملاً صنية عليها اكواب الشاى ولكنه فوجئ بهذا الجمع من البشر وهم مجتمعين حول المخزن :
- ايه فى ايه؟ ليه اللمة دى حوالين المخزن؟
هتف عليه احدى الرجال :
- تعالى يا" عامر " شوف اللى بيحصل .. دا بينه فى عركة كبيرة هنا فى المخزن وماحدش عارف مين اللى بيتعرك .
اسقط الرجل مابيده هاتفاً بجزع:
- يانهار مجندل ..
دا رفعت بيه إلى جوا ومعاه أخوه.
أخذ يطرق بكفيه على الباب بقوة وهو يصيح بصوت عالٍ:
- افتح يا رفعت بيه.. افتح يا قاسم بيه.. انت أخوات يا جدعان ما يصحش كده.
ومع استمرار الشجار وعدم إجابة أحد منهم.. هتف عامر على إحدى الأشخاص.
روح يا ولدي حن عليك انده على أي حد تشوفه من ناسهم.. ييجي يشوف المصيبة دي.. وانتو يا رجالة ساعدوا معايا.. الله لا يوقعكم في ضيقة خلينا نلحق لا تحصل مصيبة.
وبعد وقت قليل.. استطاع الرجال كسر الباب.. وقام عامر بمساعدة بعض الرجال بفض المشاجرة ونزع الاثنين عن بعضهم بصعوبة.. وقد تخضبت وجوههم بالدماء وطمست ملامحهم بالكدمات والانتفاخات.
رفعت وهو يصرخ كأسد جريح:
- اوعوا سيبوني عليه.. خلوني أموته الكل.. ده.
صرخ عليه الآخر وقد ذهب من وجهه الهزل بعد هذه المعركة الطاحنة.. فهو لم يتصور في أحلامه أن يواجه هذه القوة من أخيه:
- تعالى ووريني كيف هاتقدر تموتني.. يا دلوعة أبوك يا جبان.
زمجر عليه رفعت بكل قوته:
- سيبوني عليه.
دخل الشقيقان سليمان وحسن مجفلين.. وسط الحشد من البشر.. وهذا التدمير الذي أصاب ما يحتويه المنزل:
- إيه اللي حصل؟ وليه العركة الكبيرة دي؟
هتف رفعت بصوت عالٍ:
- جيتوا في وقتكم يا جماعة عشان تعرفوا اللي حصل مع بتكم.. اللي هربت طفشانة من أخو خطيبها عشان الخاين ده كان بيهددها بقتل خطيبها.. لو كملت في الجواز منه.
جحظت عيون الاثنين.. وتوقفت الكلمات بأفواه الجميع وهم يحدقون بأعينهم على قاسم الذي تغير وجهه للقبح.. بعد أن فضحه أخيه دون أن يبالي بسمعته هو أيضاً!
***
دلف بها لداخل القصر وهو حاملها بين يديه.. رغم اعتراضها وتذمرها طوال الوقت.
أطلقت سعاد زغرطة بصوت عالٍ وهي واقفة بجوار السيدة لبنى للترحيب بها.
- يالف نهار أبيض.. يالف نهار مبروك.. حمد الله على سلامتك يا سمرة هانم.. ربنا ما يورينا أي حاجة وحشة تاني معاكي.. وتبقى آخر الأيام الصعبة.
ابتسمت لها بمودة وهي مازالت محمولة:
- متشكرة جوي ليكي يا سعاد.. ربنا ما يحرمني منك يارب.
أمنت سعاد على قولها تقول (آمين).. فتكلمت لبنى هي الأخرى:
- حمد الله على سلامتك يا بنتي.. ربنا يحفظك من كل سوء.
حاولت أن تنزل بقدمها على الأرض خجلاً من السيدة لبنى.. ولكنّه شدد عليها بذراعيه:
- ماتبطلي بقى واهدي كده.. تيتة لبنى مش غريبة عليكي!
خرج منها تأوه:
- آآه.. براحة طيب يا رؤوف.. أنا لسه عضمي بيوجعني.
نظر إليها متأسفاً لوجعها:
- آسف يا روح قلبي سامحيني.. بس انت اهدي بقى وبطلي ترفيس.. دا انتي تعبتيني قوي.
خاطبته لبنى بقلق وهي تحدق بعينيها لملامح وجهها:
- هي مالها يا رؤوف؟ انت مش قلت إنها كويسة؟
أجابها مطمئناً:
- لا ماتخافيش يا تيته.. دي شوية رضوض وكدمات.. من الوقعة والكحرتة على الطريق.. لكن كلها كام يوم.. بالعلاج والرعاية.. وتلاقيها خفت ورجعت قمر زي الأول وأحسن.. وهي كده قمر والله والعلامات الحمرا دي زودت جمالها.
ضربته بقبضة يديها وهي تدفن وجهها بكتفه خجلاً.. فضحك بخفة وهو يأمر سعاد وهو يتحرك ناحية غرفتها:
- تعالي معايا عشان تغيري لها هدومها وتأكليها.
تحركت سعاد بخطواتها وهي تردف بحماس:
- من عنيا يا رؤوف باشا.
***
خرج من الحارة الضيقة مع طفل صغير من أبناء الحارة وعيناه تطوف يميناً ويساراً.. حتى أوقفه الطفل مشيراً بيده على إحدى السيارات الفخمة.
- أهي.. الست اللي هناك دي.. في العربية الغالية أوي دي.
سأل الولد بتشكك:
- انت متأكد ياض؟ بقى الهانم اللي هناك دي بتسأل عليا أنا؟
أجابها الولد متشدقاً:
- والله زي ما بقول لك كده يا عم ممدوح.. قالت لي انده ممدوح جوز سعاد.
- جوز سعاد!!!
قالها بدهشة وتعجب وهو يتقدم بخطواته إليها.. حتى وصل إلى السيارة فدنا برأسه لنافذة السيارة.
- نعم يا هانم.. انتي عايزاني أنا ممدوح ولا حد تاني غيري؟
خلعت النظارة السوداء التي كانت ترتديها.. فبان له وجهها جيداً.. وعرفه:
- ست صافيناز؟.. نعم يا هانم عايزة إيه؟
بللهجة مقتضبة قالت:
- ادخل يا ممدوح أنا عارفاك.
عقد حاجبيه بدهشة قبل أن يقوم بفتح باب السيارة من الناحية الأخرى ويدلف بجوارها.
- نعم يا ست صافيناز هانم كنتي عايزة إيه بقى؟
أدارت السيارة وهي تتحرك بها للخلف وتردف:
- ماتستعجلش قوي كده عالكلام.. اللي أنا عايزاك فيه ماينفعش هنا.. أنا عايزاك في موضوع ضروري أوي!!
رواية سحر سمرة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم أمل نصر
فغر فاهه وفكه تدلى باندهاش وهو يحدق باعينها بقلق.
خرج أخيراً صوته بتماسك مزيف:
- انت بتقولى مين يامدام؟ أنا معرفش حد بالاسم ده طبعاً.
تركت عيناها الطريق الذي تقطعه بسيارته، لتعيد طلبها مرة أخرى بثقة:
- بقولك عايزاك توصلني بـ "قاسم".. وأنا هأراضيك بمبلغ كبير ومحترم.. يعني بلاش استعباطك ده بقى.
ابتلع ريقه وهو يتصنع عدم الفهم:
- هو في إيه يامدام؟ حضرتك جايباني من مطرحي وعلى ملا وشي.. وبتسأليني عن حد معرفوش.. وفي الآخر بتتهميني إني باستعبط عليكي.. طب ليه بقى وعشان إيه؟
زفرت بضيق وهي ناظرة أمامها وهي تقود السيارة:
- شكلك هاتتعبني معاك يا "ممدوح".. قال وأنا اللي قولت عليك زكي.. ودماغك أحسن من دماغ مراتك أو بالاصح طليقتك اللي اسمها "سعاد".
عقد حاجبيه وهو ينظر لنصف وجهها أمامه والمخبأ نصفه بالنظارة السوداء:
- ومالها "سعاد" طليقتي بقى؟ زعلتك في إيه هي كمان؟
ضربت بكفها على عجلة القيادة بتعصب، قبل أن تلتفت إليه هاتفة بحنق:
- زعلت أوي لما جبت سيرة المحروسة.. اللي بقالها سنين وهي سايباك عشان مش عاجبها العيشة معاك.
هم ليجادلها ولكنها تابعت:
- عارفه إنك هاتقولي.. إنتِ عرفتي منين؟ وأنا هاقولك إنت غبي عشان بتسأل السؤال ده.. وإنت عارف ومتأكد إن "سعاد" كانت بتشتغل عندي من سنين طويلة.. يعني لو مقلتليش هي بلسانها.. هاسمعها من كلام البنات معاها وأفهم لوحدي.
صمتت قليلاً وهي ترى تأثير كلماتها على ملامح وجهه التي تعقدت بغضب، فتابعت بلهجة أقل حدة:
- أنا مش بقولك كده عشان أزعلك.. أنا بقولك كده عشان بس تفهم إني عارفاك كويس.. زي ما أنا متأكدة جداً.. إنك تعرف مكان "قاسم".. وقبلها كنت طرف أساسي في اللي حصل لمرات "رؤوف" الزفتة "سمرة" لما حاول المجنون ابن عمها ده إنه يخطفها.. بس أنا عايزك تطمن قلبك.. الكلام ده مش هايوصل لـ "رؤوف" نهائي.. إلا إذا إنت محاولتش تساعدني في طلبي منك. ساعتها بقى أنا لازم أكون أمينة وأعرف "رؤوف" ابن خالتي.. بالعصفورة اللي ساعدت المجنون اللي حاول يخطف مراته وكان هايتسبب في موتها.. لو مكنش ربنا نجاها من حادثة العربية.
قالت الأخيرة بلهجة متمهلة وماكرة، أثارت حنق الآخر وتسببت في ارتباكه بشكل ملحوظ:
- الله.. دا انت عايزة توديني في داهية بقى؟ ومن غير دليل ولا إثبات كمان.
تنهدت طويلاً قبل أن تردف بخبث:
- إن كان على الدليل.. فدي حاجة مش صعبة إني أجيبها وحتى لو مجبتش.. أنا بمجرد ما أقول لـ "رؤوف" هو هايتصرف لوحده من غير أنا ما أتعب قلبي وأدور.. بس أنا مش عايزة أأذيك.. أنا كل كلامي معاك دا بغرض.. فيد واستفيد.. يعني إنت توصلني بـ "قاسم" وأنا أصون سرك وكمان أرضيك بمبلغ محترم يبسطك كويس.. وإنت عليك بقى إنك تختار.
مسح بأطراف أصابعه هذا العرق المتساقط على جبهته الباردة وهو يردف بتلجلج:
- طب قوليلي الأول.. إنتِ عرفتي منين الكلام ده وإيه اللي مخليكي متأكدة قوي كده من صحته؟
بابتسامة الانتصار أجابته بتمهل:
- ملكش دعوة.. إنت تنفذ وبس لو عايز مصلحتك.. أما بقى لو غاوي الطريق التاني قول.. أنا برضوا جاهزة.. ها.. اخترت إيه بقى يا ممدوح؟
...............................
في مندرة الحاج "سليمان" كانت الجلسة منعقدة بسرية تامة للتعرف على تفاصيل ما حدث.. حفظاً لبعض ماء الوجه.. فيكفي هذه الخبر الذي ألقاه "رفعت" على مسامع الخلق في مخزنه وكان كالصاعقة على رؤوس الجميع.. والذي سيصبح حديث القرية لفترة طويلة قادمة.
الجلسة كانت حامية في مشادات بين الأخين وبين "قاسم" وعمها "حسن".. أما "سليمان" فانتابته حالة من الصدمة لفترة طويلة قبل أن يخرج عن صمته بلهجة حاسمة:
- يعني إنت كنت بتضحك على بتي يا "قاسم"؟
أجفل "قاسم" من صرامته ولكنه تدارك نفسه قبل أن يرد بثقة متبجحاً:
- أنا مكنش قصدي إني أجرح بتك ولا أهينك إنت.. أنا اتصرفت بالشكل ده عشان أقدر ألاقي سكة ترجعني تاني بعد أبويا ما طردني من البلد.
هتف عليه "سليمان" بصوت عالٍ:
- تجوم تضحك على بتي وتعشمها بالجواز وتضحك على أبوها وأهلها كمان بخطوبة كدب.. عشان تجبر بنت عمتها على ترك خطيبها والجواز منك بالعافية؟ دا إيه الجنان ده؟
صاح الآخر بعزم غير مبالٍ:
- أنا كنت بدور على حقي.. و"سمرة" حقي.. إن كنتوا نسيتوا التاريخ فدا مش ذنبي.. عاملين لي جاعدة وجايبين لي تسجيل تحاكموني بيه.. طب أنا بقى مش هانكر وبأكد تاني وللمرة الألف.. "سمرة" حقي ومكتوبة على اسمي من أول ما اتولدت.
اهتز "رفعت" عن مقعده بتعصب:
- إنت مجنون ولا مخك فيه حاجة؟ هو الجواز دا غصب مش بيكون بالرضا.. إنت بتجول التاريخ.. دا طب افتكر يا حبيبي إنك عملت المستحيل وهي برضك مرديتش بيك بسبب عمايلك الزفت اللي وقفت حالها سنين.. البت كانت كارهالك.
قال الأخيرة بصرخة فانبلجت ابتسامة ساخرة على زاوية فم الآخر لأخيه قائلاً:
- يعني هي كارهاني أنا وحبتك إنت بقى؟ بعد ما خدت حبوب الشجاعة واتقدمت لها في غيابي.. فاكرني ماكنتش واخد بالي من نظرتك ليها ياض.. أهي سابتك إنت كمان وراحت لغيرك.. عشان إنت طول عمرك عالهامش.. وأنا بس اللي في الصورة عشان باخد اللي أنا عايزه وإنت آخرك تشتغل وتجيب فلوس ولما تتجوز تاخد واحدة أي كلام عشان تخلف لك العيال اللي هايورثوك بعد كده.. لكن العشق دا ليه ناسه وإنت يا حبيبي مش من ناسه.
هذه المرة هدر عليه "حسن" بصوت جهوري:
- لم نفسك يا واطي.. أخوك سيد الرجال وإن كان ربنا م كتبلوش نصيب من "سمرة" بسببك.. ف أنا بتي ماتتخيرش عنها ولا إنت معرفتش إنه خطبها؟
فغر فاهه بدهشة:
- واه.. ولحقت كمان تخطب "شيماء" يا "رفعت"؟ دا اتطورت جوي يا راجل.. عقبال بتك كمان.. عشان ما تحملنيش الذنب.
قال الأخيرة باشارة لـ "سليمان" الذي لم يتمالك أعصابه فنهض من مقعده ينوي الهجوم عليه.
- آه يا قليل الأدب يا عديم الدم والإحساس.
أوقفه أخيه ومعه "رفعت" قبل أن يصل:
- معلش يا خوي امسك نفسك.. دا كل.. ولا يسوي.
صاح "سليمان" بصوت مذبوح:
- سيبني يا "حسن" خليني أخلص عليه الشيطان ده.
وقف أمامهم باكتراث واضعاً يديه في جيب بنطاله:
- أنا ماليش دعوة بيكم ولكلامكم الماسخ ده.. أنا عايز "بسيمة" تيجي وتشهد باللي تعرفه.. عشان تصدقوا إن أنا معايا الحق.
طرق عنيف على باب المندرة مع صوت استغاثة من "مروة" أجفل الجميع.. فتح "رفعت" لها الباب سريعاً خوفاً أن يكون أصاب أباها السوء.
- حصل إيه يا "مروة" خلعتينا؟ حد في البيت جرى له حاجة؟
حاولت السيطرة على لهاثها قليلاً قبل أن تتوجه بخطابها لشقيقها الثاني:
- البوليس هاجم على بيتنا دلوقتي.. وكانوا بيدوروا عليك يا "قاسم" وكأنك واحد إرهابي ولا مجرم خطير.. هو إنت عملت إيه بالظبط؟!!!
...............................
واقفاً بشرفة غرفتها يتحدث بالهاتف وهو يضرب بقبضة يده على حافة الشرفة الأسمنتية بغضب شديد.
- يعني إيه يا باشا كلامك ده؟ أنا متأكد إنه كان في البلد النهارده.
- ............................
- تمام طبعاً وأنا شاكر جداً لتحرككم السريع.. بس برضوا أنا عايزكم تدوروا كويس.. أكيد هايكون لسه ماخرجش من البلد.
- .......................
- ياريت يا فندم.. دا ولد خطير وبيهدد مراتي بمنتهى الجنان.. أنا حالياً بمارس أقصى درجات ضبط النفس لكنى مش هأفضل ساكت كتير عليه.. أنا بلغتكم وعملت اللي عليا اهو.. بعد كده بقى لو خلصت عليه هايبقى دفاع عن النفس.
- ..........................
- يا باشا أرجوك متقوليش هدي أعصابي وزفت.. أنا مراتي كانت هاتضيع مني بسببه.. ومازلت لسه بتعاني من آثار الحادث الأخير.. جسدياً ونفسياً.. هاستنى إيه تاني بقى؟
- .........................
- طبعاً يفرحني.. رغم إنه مش سبب الخطر.. بس اهو لقينا حد ياخد جزاءه من اللي اتسببوا في أذية مراتي.
- .......................
- طيب حضرتك أنا متشكر أوي إنك واخد الموضوع ضمن مسؤولياتك.. الف شكر لاهتمامك.
- .................
- سلام يا باشا.. سلام.
بعد أن أنهى مكالمته.. دلف لداخل الغرفة فوجدها.. مادة ساقيها الاثنتين على الفراش أمام "سعاد" كي تضع عليها بعض الدهان على آثار الكدمات المنتشرة بكثرة عليها.. مع بعض الجراح التي أصابت الجلد بفعل التدحرج على الطريق القاسي والاحتكاك به.. كانت تدلك الجرح بخفة حينما خرج صوت "سمرة" بألم مكتوم.
- ااه.. صعبة قوي يا "سعاد".
هتف عليها "رؤوف" غاضباً:
- ما تريحي عليها يا "سعاد" وخفي إيدك شوية.
- والله يا باشا أنا بدلك براحة خالص.. بس هي اللي مش متحملة الألم.
لم ينتبه لمقولة "سعاد" فقد تركزت أنظاره بفعل "سمرة" التي أجفلت من صوته.. فشدت عليها الغطاء بسرعة البرق.. حتى تحجب عنه رؤية ساقيها.. تقدم بخطواته كي يجلس بجوارها على الفراش مخاطباً "سعاد" بابتسامة مستترة.
- طب انزلي إنتِ يا "سعاد".. شوفي اللي وراكي.. ولا أقولك.. روحي اطمني على تيتة "لبنى" وشوفيها أخدت دواها ولا لسة.
نهضت عن الفراش تردف بتردد:
- طيب ياباشا.. مش لما أخلص لـ "سمرة" هانم.. دهان على جروحها دي الأول.
تناول من يدها علبة الدهان هو يأمرها بلباقة:
- انزلي يا "سعاد" واعملي اللي قولتلك عليه.. وأنا هاتصرف مع "سمرة".
التفتت إليه برأسها تفهم مقصده.. فتبسم داخله وهو ينظر لعيناها بتحدي دون أن يظهر لها.. عكس "سعاد" التي تبسمت بشكل واضح وهي تردف بخبث:
- كده.. طب انزل أنا بقى وأشوف شغلي.. ما إنت جوزها ومش غريب برضوا عنها.
قالت الأخيرة ومعها غمزة بعينيها قبل أن تخرج من الغرفة.
تاركة "سمره" تنظر في أثرها بحنق. شهقت منتفضة فور أن شعرت بلمسات يديه على ساقها.
- أنت بتعمل إيه؟
أجابها ببرأة مع نظرة لا تخلو من العبث:
- هاكون بعمل إيه يعني؟ بحاول أدهنلك على الجرح عشان يخف.
هزت برأسها باعتراض:
- لا متشكرة قوي على اهتمامك.. بس أنا هاعرف أدهن لنفسي زين مش صعبة هي عشان أحتاج مساعدة.
ازدادت نظراته عبثية وهو يحاول مرة أخرى الاقتراب بيده ولكنها أزاحتها بتشنج:
- يا "سمره" بلاش كسوف.. أنا جوزك ومش غريب عنك.
- لأ.. يا "رؤوف" ومتخلنيش أزعل منك.. أنا جسمي كله أساساً مليان جروح.. يعني أنا لازم أعتمد على نفسي وأستحمل.
ذهب عن وجهه الهزل وهو يقرب رأسها من فمه ويقبلها على شعرها الحريري، قبل أن يضمها بحنان.
- سلامتك يا قلبي من أي شيء يزعلك أو يتعبك.. أنا مش هاضغط عليكي أكتر من كده.. أنا عارف إنك قوية وتقدر تتحملي.. زي ما اتحملتي طول عمرك وفوق طاقتك كمان.. بس أنا عايز أخفف عنك ولو شوية.. نفسي بقى تقومي وتخفي وتنسي اللي فات.
خرجت تنهيدة متألمة منها، تحاول احتباس دمعتها من التساقط أمامه. تابع هو:
- على فكرة صحيح.. الحكومة قبضت على الولد ده اللي اسمه "سوكه" وزمانه دلوقتي بيتروق معاهم.
خرجت من أحضانه مجفلة:
- أنت بتتكلم بجد يا "رؤوف"؟ طب و"قاسم" مسكوه كمان ولا لسه؟
قرب وجهه من وجهها وهو يطمئنها بتأكيد:
- هايمسكوه يا قلبي ولو مقدرتش الحكومة.. هامسكه أنا وأسلمه بيدي يا أخلص عليه.. ما أنا عارف ومتأكد إنك لا يمكن هاتعيشي ولا تحسي بالأمان.. طول ما الزفت دا عايش حر طليق.
بعد خروج "قاسم" هرباً من الشرطة، سقط "سليمان" على مقعده واضعاً كفيه على رأسه بألم:
- هاعمل إيه مع بتي دلوقتي.. وأروح أبلغها بإيه؟ أقولها اللي حصل عشان أكسر قلبها وخاطرها كمان. منك لله يا "قاسم".. منك لله.
ربت "حسن" على ذراع أخيه:
- هَوِّن على نفسك يا خوي.. هي مصيبة ووجعت على راس الكل.. بس أنا عايزك تحمد ربنا.. أنا قلبي من الأول ماكنش مستريح له الموضوع ده.. وكنت مستغرب إنك وافقت عليه.. حد يوافق على "قاسم" برضه دا ماسبش حاجة عفشة وماعملهاش؟
رفع رأسه إلى أخيه بقلة حيلة:
- والله وأنا كمان يا ضنا يا بوي ماكنتش موافق.. بس أعمل إيه في البت اللي عملت عاملتلي مناحة في البيت عشان أوافق.. وأنا مرضتش أزعلها.. لكن ماكنتش أعرف إنه واخدها كبر عشان يوصل لبت عمتها.. ويضغط عليها في جلب بيتنا.
تأوه "حسن" بصوت مسموع:
- اااه يا "سمره".. بت اختي اللي كنت عايز أقتلها وأخلص عليها.. وفي الآخر اكتشف إنها هربت خوفاً من "تهديد" قاسم".. وعشان تتفادى حرب بين الأخين.. يا وجعة سودة لو كنت نفذت اللي في مخي قبل ما أعرف الحقيقة.. دا ربنا ستر على كده لما لقيت اللي يتجوزها و يدافع عليها منينا.
رد عليها "سليمان" بلهجة واثقة:
- عشان ربنا بيحبها وعالم بنيتها الزينة وجف معاها.. لكن إحنا بقى اللي صدقنا فيها ونسينا تربيتها اللي كان الكل بيحكي ويتحاكى عليها.. نستاهل كل اللي يجرالنا.
بأرض صحراوية جرداء لا تحتوي على أي فرد من البشر يسكنها الظلام فلا تحتوي من الأنوار.. سوى إضاءة المصابيح الأمامية لسيارته.. كان جالساً على مقدمتها يتحدث بغضب في الهاتف:
- اسمع يا "محسن" وما تتعبش قلبي.. أنا عايز الفلوس بسرعة.. روح لأمي زي ما جولتلك وهي هاتتصرف.
- خلص يا "محسن" نفذ اللي بجولك عليه.. أمي عارفة عشان أنا متصل بيها وقايلها.. بس خليك حريص وما تخليش "رفعت" ياخد باله.. أحسن يجطرك ويعرف مكاني.. متعوجش عليا يا "محسن" أنا عايز ألحق أوصل القاهرة.. جبل الحكومة ما تهجم تاني على البلد.
- أيوه كده زي ما بجولك.. بس بسرعة الله يرضى عنك.. واقفل بقى.. عشان أرد على الزفت اللي بيرن عليا للمرة الألف ده وأشوفه عايزني في إيه.
أنهى مكالمة صديقه فزفر بضيق قبل أن يفتح على المكالمة الأخرى:
- أيوه يا "ممدوح" عايز إيه مني؟.. شغال من الصبح بترن عليا.. إيه حصلت مصيبة؟
تأوه الصوت الأنثوي الغريب على أسماعه:
- أنا مش "ممدوح" يا "قاسم".. أنا واحدة عايزة مصلحتك.
رفع الهاتف من على أذنه.. ليضعه أمامه عينيه مدققاً النظر في رقم الهاتف والاسم.
- أنتي مين يا ست انتي؟ الرقم دا رقم واحد صاحبي.. خدتي تليفونه إزاي؟
هذه المرة وصله الصوت المعروف:
- أنا اللي اديتهولها يا "قاسم".. الست هانم عايزة تتعاون معاك وهاتوصلك للي أنت عايزه.. عشان مصلحتها هي نفس مصلحتك!
صاح عليه "قاسم" هادراً:
- هو أنت معاها يا زفت انت؟ هو في إيه بالظبط؟ والست دي تبقى مين؟
أجابه "ممدوح" بكلمات موجزة:
- الست دي تبقى "صافيناز" هانم قريبة "رؤوف" بيه اللي كتب كتابه على "سمرة" قريبتك.
رواية سحر سمرة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم أمل نصر
كانت تشعر ببعض اللمسات الخفيفة على وجهها، كأجنحة الفراشات وهي تتنقل من منطقة لأخرى. في البداية، رفعت أناملها تمسح بها تلقائيًا على أنفها، ثم على جبهتها، ثم وجنتها، ثم على ثغرها برقة. حتى أنها أصبحت تلوح بكفها في الهواء وكأنها تطارد هذه الذبابة الوهمية.
أخيرًا شعرت باختراق حواسها رائحة قوية وجميلة محببة إليها وليست بغريبة عنها، جعلتها تستيقظ من نومها. فتفاجأت بوجهه الجميل قريبًا جدًا من وجهها. رفت بأجفانها قليلاً تستوعب، فباغتها بقبلة رقيقة على جبهتها وهو يقول بابتسامة رائعة:
- صباح الخير.
حاولت دفعه قليلاً وهي ترفع نفسها عن الوسادة بتوتر من هذا القرب المهلك.
- صباح النور. هو أنت قاعد جنبي هنا من بدري عشان تصحيني؟
زم شفتيه وهو يومئ برأسه وعلى وجهه ابتسامة مستترة.
- امممم.
أجلجت حلقها قليلاً قبل أن تسأله بخجل:
- هو أنت كنت بتصحيني إزاي؟
حرك رأسه مضيقًا عينيه بتصنع. حاولت أن تتجرأ وتسأله بوضوح:
- هو أنا ليه كنت بحس بلمسات على وشي وكأنها...
بابتسامة عبثية أكمل جملتها:
- قصدك يعني قبلات رقيقة؟
جحظت عيناها الجميلة وهي تنظر إليه بصدمة، مع توقف الكلمات بفمها. فرفع كفه يضغط بأطراف أنامله على أسفل ذقنها يداعبها بسعادة.
- مكشرة ليه ومصدومة؟ مش تقومى بقى وتبطلي كسل، عشان تلحقي تنزلي مع "سعاد" وتشوفي الحاجات اللي ناقصاكي وعايزة تجيبيها عشان الفرح اللي قرب.
ظلت تحدق إليه وهي صامتة ولا تتجرأ على المجادلة. فنهض من جوارها وهو يأمرها بجدية مزيفة:
- يلا بقى قومي وبطلي دلع.
استدار من أمامها ليذهب، فانبلجت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يردد مع نفسه بصوت مسموع مع تنهيدة:
- امتى بقى الأسبوع ده يخلص؟
تتبعته عيناها حتى خرج من الغرفة وهي تكتم غيظها، قبل أن تتمتم بصوت خفيض:
- قليل الأدب.
***
كان مستلقيًا على فراشه، ناظرًا للسقف الغرفة بشرود. ذراعيه المعقودان على الوسادة، مريحًا رأسه فوقهما. فعلى الرغم من مرور عدة أيام منذ المواجهة الحاسمة بينه وبين أخيه، إلا أنه ما زال على حالته، ذقنه غير حليقة، فاقد الرغبة في الذهاب إلى العمل في حادثة لم تحدث طوال أيام حياته. فلا طالما كان إحساس المسؤولية هو من يحركه، وجعله يتناسى آلامه حتى لو كان مريضًا. تتردد كلمات "قاسم" في رأسه طوال الوقت وبدون رحمة، يشعر بجرح في قلبه وكرامته لم ولن يندمل أبدًا. هل كان خطأه حينما سار خلف مشاعره وتقدم لخطبتها؟ وهي كانت كالحلم لكل شباب القرية، ولكن مع تصرفات "قاسم" المجنونة حول كل من يقترب منها، أصبحت كتمثال شمع جميل، يراه الناس ولكن لا يصح التقرب منه.
هل كتب عليه حقًا أن يتزوج وينجب الذرية وفقط، ولا يصح له الحب الذي تمناه معها، وبسبب أفعال أخيه حرمت عليه لتصبح من نصيب غيره؟ أغمض عينيه بتعب مع كثرة هذه الأفكار التي تعصف بعقله وتكاد أن تصيبه بالجنون.
أفاق من شروده على طرق خفيف على باب الغرفة، وبحكم العادة حفظ مصدره جيدًا.
- ادخلي يا "مروة".
دفعت الباب بخجل تطل برأسها وهي تلقي إليه التحية:
- صباح الخير يا خوي، هو أنت صحيت؟
اعتدل عن نومه ليجلس بجزعه على الفراش قبل أن يجيب عليها بسخرية:
- أمال مين اللي بيرد عليكي دلوقتي عفريتي مثلاً؟ ادخلي يا بت وبلاش وجع دماغ.
تبسمت بزاوية فمها وهي تدلف بتردد:
- طب على كده أحضّرك الفطار عشان تروح شغلك.. ولا برضك قاعد في البيت زي الأيام اللي فاتت؟
هز برأسه مغمضًا عينيه بسأم من كثرة ما سمع هذه السؤال:
- تاني برضوا يا "مروة"؟ أنا مش قلتها مية مرة، سيبوني براحتي ولما أحس نفسي رايق هطلع على طول من غير كلام.
فغرت فاهها لتتحدث ولكن أغلقته مرة أخرى حتى لا تزيد عليه. هز برأسه متسائلاً:
- عايزة حاجة تانية يا "مروة" عشان أنا لسه حاسس بتقل في دماغي وعايز أنام تاني.
حركت رأسها بالنفي وهي تستدير للعودة، ولكنها توقفت فجأة قبل أن تصل للباب، واضعة كفها على جبهتها وهي تلتف إليه بتذكر:
- دا أنا نسيت صح أقولك السبب الأساسي لجيّتي.
نظر إليها باستفسار. فتابعت:
- معلش، البسلك حاجة عدلة عشان خطيبتك مستنياك بره وجيالك مخصوص.
أجابها ببلاهة متناسياً:
- خطيبتي مين؟
***
واضعة إحدى الوسائد الصغيرة على قدميها وهي جالسة تفرك بيديها بتوتر، أمام نظرات "نفيسة" المتربصة بتعجب.
- على كده دي آخر سنة ليكي في الكلية يا "مروة"؟
رفعت عينيها تجيب باقتضاب:
- أيوه يا مرة عمي، آخر سنة.
أومأت نفيسة برأسها:
- طيب يا بنتي ربنا يعديها على خير وتتخرجي منها بالشهادة الكبيرة.
رددت خلفها بتمني:
- يارب مرة يا عمي.
- الشاي يا "شيماء".. مع إني كان نفسي أحضر فطار.
قالتها "مروة" وهي تضع الصينية أمامها على الطاولة الصغيرة. فتفاجأت بصوته وهو يردف خلفها:
- وما حضرتيش ليه يا قليلة الذوق؟
شهقت "شيماء" وهي تنهض عن مقعدها مرددة بلهفة:
- رفعت.. حمد الله على سلامتك.
تقدم إليها بخطواته يصافحها بيده:
- الله يسلمك يا "شيماء".. عاملة إيه انتي؟
- أنا زينة وعال العال. المهم انت؟
أومأ برأسه بارتباك قبل أن يخاطب شقيقته:
- ما حضرتيش ليه الفطار يا بت؟
- هي اللي مرضتش والله يا خوي..
قاطعتها "شيماء":
- أنا أساساً واكلة في الفطار قبل ما آجي، ولو جعانة هاكل مش هتكسف يعني.
ضيق عينيه يسألها باندهاش:
- هو انتي واصلة من السفر على طول؟
أومأت برأسها وقبل أن ترد، فاجأتها "مروة" وهي تهتف:
"طب عن إذنكم بقى.. أنا وأمي هانروح نشوف أبويا يكون ناقصه حاجة.. يلا يا ماما."
أذعنت "نفيسة" لطلب "مروة" وذهبت مع "مروة" وهي تعتبرها الدهشة.
تحمحم يجلي حلقه وهو يشير بيده لها:
- طب انتي واقفة ليه؟ اجعدي يا "شيماء" اجعدي.
ظلت واقفة حتى جلس على إحدى المقاعد. فتحركت تجلس أمامه. فاقتربت منه بلهفة:
- ألف سلامة عليك يا "رفعت" من أي شر. أنا بمجرد ما دخلت البيت وسمعت باللي حصل، ما قدرتش أدخل في فرشِتي ولا أريح غير لما أشوفك وأطمن عليك. هو انت لسه تعبان؟
انتفض يرجع بجسده مجفلاً منها حينما شعر بيدها التي ارتفعت لتلامس موضع كدمة في وجهه ما زالت آثارها ظاهرة.
- زين يا "شيماء" زين.. بس انتي مكانش ينفع يعني تستني شوية لما تريحي من تعب السفر، وأنا قاعد يعني ها أروح فين؟
بنبرة متلهفة:
- ما قدرتش والله يا "رفعت". ما حسيتش بنفسي غير وأنا بطلع من بيتنا ورجلي بتاخدني على بيتكم عدل.
أطرق بعينيه أرضًا قبل أن يرفعها مرة أخرى متسائلاً:
- هو انتي أبوكي حكالك كل حاجة يا "شيماء"؟
أجابته بلهجة قوية:
- أنا مش عايزك تزعل يا "رفعت" من كلام أخوك.. دا سفيه وكل كلمة بيقولها بتبقى عشان مصلحته وبس. دا غير إنه حاقد عليك عشان انت أحسن منه. ولما اتقدمت لـ "سمرة" قبلت بيك عكسه هو اللي عمل المستحيل وبرضك فضلت كارهاه. ولولا عمايله وضغطه عليها لكانت دلوقتي زمانها متجوزاك من زمان بس النصيب بقى حكم.
عقد حاجبيه بدهشة:
- هو انتي أبوكي لحق يحكيلك التفاصيل دي كلها؟
هزت كتفها ترد عليه بسهولة:
- لا، أبويا حكالي على العركة بس.. لكن التفاصيل دي أنا كنت عارفاها من الأول، عشان "سمرة" كانت بتتصل بيا وتطمني على حالها.
فعر فاههه وجحظت عيناه بذهول:
- انتي بتجولي إيه؟
***
وبداخل المطبخ الكبير، كانت "سعاد" تعد القهوة على الموقد ولا تتوقف عن الضحك أمام نظرات "سمرة" الحانقة منها. واضعة كفيها على خصرها وهي تزفر بصوت عالٍ:
- يوووه بقى.. هو انتي صدقت مالقيتيها عشان تاخدي فرصتك في الضحك.
أجابت من بين ضحكها:
- إيديكي قلتيها يا أختي بنفسك.. فرصة بقى عشان أضحك وأفك عن نفسي.. مادام سي "رؤوف" طلع قليل أدب ههههه.
زفرت مرة أخرى بصوت أعلى:
- ماهو انتي السبب.. عشان لو كنتي صحيتيني بدري، مكانش هو خدها فرصة عشان يستهبل معايا.
استدارت من أمام الموقد لتسكب القهوة في الفناجين الموضوعة على الطاولة، وقد أصبح وجهها كحبة الفراولة مع ضحكاتها التي لم تتوقف.
- قال استهبال قال.. هو انتي لسه شوفتي استهبال ولا قلة أدب حتى.. والنبى دا انتي غلبانة قوي.
هتفت عليها بخجل:
- بس يا "سعاد" وبطلي كلامك ده أحسن أزعل والنبي.
رفعت صينية الفناجين وهي تبتسم بمشاكسة:
- ازعلي يا أختي براحتك.. قال قلة أدب قال ههههه.
توقفت بغتة تسألها حينما رأتها واقفة مكانها وهي مستندة على حافة المطبخ ولم تتحرك بعد:
- إيه يا حلوة؟ انتي هاتفضلي مكانك ومش هاتيجي معايا عشان تفطري مع الجماعة في الجنينة ولا إيه؟
***
حينما خرجت الاثنتان للحديقة وكن يتسامرن ويضحكن، توقفت "سمرة" مزهولة حينما رأتها أمامها.
وهي تضحك مع السيدة "لبنى" و"رؤوف" زوجها أيضًا.
أجفلت كذلك "سعاد" لرؤيتها، فرددت مع "سمرة" بصوت خفيض:
- هي العقربة دي إيه اللي جابها هنا من تاني؟
- طب روحي انتي وديلهم القهوة يا "سعاد".. ولو "رؤوف" أو "لبنى" هانم سألوا عليا.. قوليلهم مش هفطر.
قالتها وهمت لتعود من حيث أتت لتتفاجأ بصوته وهو يهتف عليها:
- انتي راجعة تاني ليه يا "سمرة"؟
صمتت قليلاً، تفكر في حجة للاعتذار ببعض اللباقة.
ولكنها تفاجأت به وقد نهض من مقعده ليجذبها من يدها وبصوت خفيض:
- إيه يابنتي مالك؟ هو انتي هاتخافي منها ولا إيه؟ دي حتى جاية مخصوص تبارك وتعتذر.
- نعم تعتذر؟
قالتها بدهشة وهو يجذبها في السير معه للجلوس على الطاولة التي تضمه مع "صافي". وجدته "لبنى". حتى إذا وصلت إليهم، وجدتها تقف أمامها بابتسامة عريضة:
- إيه يا "سمرة"؟ هو انتي لسة شايلة مني ولا إيه؟ دا انتي حتى خلاص بقيتي مراة "رؤوف" ابن خالتي، يعني بقيتي من العيلة. ألف مبروك ياحبيبتي.
تسمرت مكانها بصدمة وهي تراها تقبلها بود في وجنتيها. خرج صوتها أخيرًا بتلعثم:
- الله يبارك فيكي يا "صافي"، عقبالك.
تدخلت "لبنى" في الحديث معهم:
- ربنا ما يجيش زعل تاني يا رب، واللي فات تنسوه إن شاء الله. ياريت بقى لو تعتبروا نفسكم أخوات يابنات. حقيقي هاتفرّحوني قوي.
صافي وهي تميل على "سمرة" بميوعة:
- طبعًا يا تيته. أنا عن نفسي اعتبرتها من دلوقتي أختي. وأنا جيت بنفسي أهنّيهم بعد ما عرفت بالصدفة من "تيسير" بكتب الكتاب.
ابتسم إليها "رؤوف" بمودة:
- دا العشم برضه يا "صافي". مهما حصل مابين ولاد الأصول برضه بيتصرفوا بحكم تربيتهم العالية. انتي واقفة ليه؟ اقعدي اقعدي. وانتي كمان يا "سمرة" اقعدي جمبي ماتبعديش.
بعد أن جلس الجميع وهموا بتناول الإفطار، شهقت "صافي" بتصنع وهي تمسك بذقن "سمرة" وتشيح بوجهها على ناحية معينة:
- إيه البقعة الحمرا الكبيرة دي يا "سمرة"؟ هو انتي عملتي حادثة؟
أزاحت "سمرة" كف "صافيناز" بانزعاج. وتطوع "رؤوف" بالرد:
- هي ماكنتش حادثة بالظبط. هي وقعت من على السلم بس، لكن الحمد لله ربنا ستر ونجاها.
أومأت إليهم بتصنع الحزن:
- بقى كده! طب ياحبيبتي ألف سلامة عليكي، وربنا ما يجيب حاجة وحشة تاني إن شاء الله.
تشعر بغرابة من فعلها ولا ينطلي عليها تصديق كلمة واحدة من كلماتها، ولكنها حاولت أن ترد عليها ببعض الذوق.
- الله يسلمك يا "صافي"، تسلمي.
بابتسامة متكلفة أومأت لها، ثم توجهت لـ "رؤوف" تخاطبه:
- وعلى كده بقى، انتوا حددتوا ميعاد للفرح يا "رؤوف"؟ ولا خلاص اكتفيتوا بكتب الكتاب؟
وضع قطعة من الخبز مع قطعة من الجبن بفمه قبل أن يجيبها بحماس:
- لا طبعًا اكتفينا دا إيه؟ إحنا فرحنا آخر الأسبوع إن شاء الله.
شهقت بتصنع الفرحة:
- آي ده معقول؟ أخيرًا بقى هانحضر فرح في العيلة المشتتة دي حول العالم. حقيقي فرحتلك بجد يا "رؤوف"، إنكخيرًا هاتستقر وتتجوز بعد حبك الكبير لـ "ساندرا" وحزنك عليها.
حدقت إليه "سمرة" بعينيها تسأله بريبة:
- ساندرا مين؟
.........................
كانت "سعاد" تراقب من بعيد ما يحدث على الطاولة. بعد أن وضعت فناجين القهوة، لم تستطع الدخول للمنزل وهي تشعر بعدم الراحة لوجود هذه المدعوة "صافيناز" وادعاء المحبة المفاجئة لـ "سمرة" دون سبب. هي تعرفها حق المعرفة وتعرف مقدار عشقها المتيم لـ "رؤوف" بالإضافة إلى شخصيتها المغرورة والمتعجرفة من الأساس، فكيف لها أن تنقلب لمئة وثمانون درجة بهذه السرعة؟
- أكيد الحكاية دي فيها سر.
قالتها بصوت واضح لنفسها، فتفاجأت بمن يرد عليها:
- سر إيه بقى يا "سوسو"؟
شهقت مفزوعة وهي واضعة يدها على قلبها:
- يخرب بيتك خصتني. انت إيه؟ مش ناوي تبطل عمايلك دي بقى يا "ممدوح".
مال بوجهه أمامها يتحدث بأسلوبه:
- أبطل إيه بس يا "سوسو"؟ هو أنا عملت حاجة؟
ضربته بقبضتها على صدره:
- ابعد كده شوية مني عشان النفس وبطل تسبلّي بعينيك.
تأوه برجاء:
- آآآه. بس لو توافقي وترجعي تاني لحبيبك يا "سوسو"، بدل ما انتي سايباني أتعذب كده، حتى بعد ما بطلت الحرام، وباكل لقمتي بالحلال!
حدقت بعينيها إليه تتحدث بقوة:
- بس قلبي لسه ما اطمنش يا "ممدوح"، ودي ماليش فيها إرادة.
اقترب منها يردف بتشدق:
- تاني برضه يا "سعاد"؟ حتى بعد ماخدتك بنفسي عند "سوكة" وخليتك تسمعي منه، إني بريء وماليش دعوة بقصة خطف "سمرة".
بشبه ابتسامة وقبل أن تعود لعملها داخل القصر.
- برضه قلبي مش مطمن يا "ممدوح"!
....................
وفي المساء.
توقفت بسيارتها أمام المنزل العتيق بالمنطقة الشمالية والخالية من السكان تقريبًا. ترجلت منها ثم دلفت للداخل بعد أن فتحت بمفتاحها.
دخلت بخيلاء وكأنها حققت انتصارًا، فوجدته واقفًا أمامها ينظر إليها بتفحص مع ابتسامة ساخرة:
- يا مساء الفل. هي الحلوة مبسوطة النهاردة زيادة شوية ولا حاجة؟
رواية سحر سمرة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم أمل نصر
دلفت لداخل المنزل دون تريحه بأجابة مفيدة وهى تتمايل بخطواتها امامه غافلة بغباء عن عيناه المتتبعة كل حركة منها دون حياء.
ومع اول اريكة صادفتها عيناها.. سقطت عليها وكأنها عادت من رحلة سعيدة.
مال هو برقبته اليها مضيقا عيناه بدهشة.. قبل ان يجلس امامها فى الكرسى المقابل.
- معلش يعنى فى دى السؤال لو كنت هازعجك ولا حاجة.. ممكن اعرف السبب اللى مخليكى مبسوطة جوى كده؟
بابتسامة مبهمة اجابته اخيرا:
- مبسوطة يااخى فيها حاجة دى.. ولا انا لازم اديلك على كل تصرف منى تفسير.
مال بظهره للكرسى يجلس بأريحية.. وهو يضع يده داخل جيبه ليتناول علبة السجاير.
وما ان هم بأخراج واحدة منها حتى فاجأته بتحولها وهى تصرخ:
- انت هاتعمل ايه.. انا مش منبهة عليك يجى مية مرة.. الا السجاير يا "قاسم" انت ايه يااخى عايز تموتنى برحيتها اللى تقرف.
اسقط العلبة عن يده بعنف وهو يهتف بانزعاج:
- واهى السيجارة والعلبة نفسها.. استريحتى ياستى.
زفرت طويلا وهى تردف:
- ياساتر عليك.. طلعتنى من المود يااخى.. وبعد ماكنت مبسوطة عصبتنى.
لوح بيده امامها يتكلم بانفعال:
- طب ممكن ياست السنيورة تفهميني انتى مبسوطة ومنشكحة جوى كده ليه؟
بيدها كانت تتلاعب بخصلات شعرها وهى تتحدث بتمهل ونعومة:
- بس لو صبر القاتل على المقتول... لكن عشان خاطرك بس انا هاريحك واقولك.
مالت بجذعها وهى تنظر اليه بتفحص لرد فعله.. وتابعت:
- انا النهاردة كنت عند "رؤوف" وقضيت معظم اليوم عنده فى القصر معاه ومع السنيورة بتاعتك.
اعتدل فى جلسته بتحفز بعد ان سمع اسمها وهو منتبها لكل حرف يخرج من فمها.. وتابعت هى ايضا:
- انا اتصالحت معاهم يا "قاسم" لدرجة انهم صدقونى بجد.. دا انا حتى عرضت عليها انها تيجى المحل عندى وتنقى اللى هى عايزاه.. رؤوف وافق على طول وشجع حبيبتك.
- وهى وافقت؟
سألها بتحفز من كل خلية بجسده.. تبسمت "صافيناز" بمكر:
- هى بصراحة ماردتش ولا نطقت بحرف.. بس يعنى هى هاتلاقي زى المحل بتاعى فين.. دا أرقى هوانم مصر بيلبسوا من عندى.
اومأ برأسه وهو يفرك بانامله على ذقنه بشرود:
- تمام... تمام جوى.
............................
واضعا قدما على الأخرى وهو جالس على اريكته بأرستقراطية.. مريحا ذراعه خلف ظهرها على طرف الأريكة.. ناظرا الى تجهمها بتسلية:
- ايه بقى؟ هاتفضلى ساكتة كده كتير؟
رفعت عيناها اليه صامتة لبعض الوقت.. قبل ان تتحدث اخيرا:
- وانت عايزنى اقول ايه؟ عايز تتكلم انت اتكلم.. مش عايز انت حر!
ضيق عينيه يدعى عدم الفهم بتصنع:
- اتكلم اقول ايه بالظبط؟ انا مش فاهم قصدك.
هذه المرة احتدت عيناها فى النظر اليه.. مما جعله يضيف الى تصنعه اكثر:
- ياااه... لدرجادى انت متعصبة؟ طب فهميني طيب... حكم انا راجل فهمى على قدى.
زفرت بقوة تستجمع شجاعتها قبل تسأله باندفاع:
- قولى بالظبط.. ايه حكاية اللى اسمها "ساندرا" دى.. وبلاش تكدب عليا بحرف واحد حتى احسن.....
- طيب بس بس.
قالها بمقاطعة وهو يتحدث بهدوء وتابع:
- شوفى ياقلبى.. ساندرا دى كانت بنت انجليزية.. حبيتها لما كنت بتابع اعمال والدى فى انجلترا.. علاقتنا اتطورت ووصلت للخطوبة كمان.. بس اللى حصل بقى انها عملت حادثة بعربيتها وماتت.. وانا فضلت فترة طويلة حزين عليها وبس.
اعتدلت فى جلستها فسالته بعصبية:
- وبس!!! يعنى ماكنتش بتعشقها وحرمت على نفسك.. الحب والجواز من بعدها؟
كتف ذراعيه وهو ينظر اليها بسعادة بادية على وجهه:
- وافرضى كنت بحبها؟ انت ايه اللى يزعلك؟
فغرت فاهها وهى تنظر اليه بشراسة ولا تجد من الكلمات ما تعبر به عن ما يجيش بصدرها:
- ازاى يعنى ما ازعلش.. كيف؟.. انت ازاى تسألني السؤال ده اساسا.. ازاى؟!!
قالتها الاخيرة بصرخة جعلته يضحك بعلو صوته:
- الله عليكى يا "سمرة".. اخيرا.. شوفت منك رد فعل كده يفرحنى.
استكانت قليلا تنظر اليه ببلاهة:
- يعنى ايه مش فاهمة؟
دنا منها فتناول كف يدها يقبلها.. قبل ان يقرب وجهه منها وهو يحدق بنظره داخل عيناها وبصوت اجش:
- مبسوط اوى عشان شوفت النظرة دى فى عيونك.. انا من ساعة ماشوفتك يا "سمرة" بعيونك الغجرية دى وسمارك اللى يسحر.. وانا قلبى اتعلق بيكى وكنت كل يوم بدعى ربنا انك تحبيني زى ما انا ما بحبك.. انا كنت معتقد ان مشاعرى ماتت مع "ساندرا".. لكن معاكى عرفت انها كانت نايمة وبس فى انتظارك.. حتى حبى ل "ساندرا" اكتشفت انه كان حالة وخلاص.. وحكاية انى حرمت على نفسى النسوان.. دا كان بس ذكرى لوفاتها عشان حبها ليا كان بشكل جنوني.. دا غير ان انا مابنجذبش لأى واحدة وخلاص.. انا لفيت ودورت كتير.. فكل حاجة بقت بالنسبالى عادى.. حتى الستات.. كانوا بالنسبالى كلهم مايفرقوش عن بعض.. لكن معاكى انتى انتابتنى الحالة المجنونة دى.. اللى اسمها شغف.. شغف بيكى وبكل شئ يخصك.. انا بحبك قوى يا "سمرة" وبتمنى من ربنا انك تحبيني نص الحب ده.
حالة جد
لاتعرف مالذى اصابها من كلماته.. هل هو شعور بالراحة ام سعادة جعلت قلبها يتراقص طربا مع كل كلمة يلقيها على سمعها.. وهى تنظر اليه بامتنان وفرحة كبيرة.
...............................
بداخل غرفتها.. كانت مستلقية على فراشها وهى ضامة احدى الوسادات الى قلبها.
سمعت طرقا خفيفا على باب الغرفة فهتفت بتأفف:
- جولت مش عايزة اتعشى.. بتخبطوا على الباب من تانى ليه؟
فتح الباب بمواربة فطلت برأسها اليها:
- ممكن ادخل يا "رضوى"؟
اعتدلت قليلا فى فراشها تجلس بنصف نومة:
- اتفضلى ياعمتى.. انتى مش غريبة.
تقدمت المرأة بخطواته الرزينة حتى جلست بجوارها:
- انت لساكى زعلانة يا "رضوى" على فسخ خطوبتك من "قاسم"؟
نظرت اليها بحدة شديدة قبل ان تشيح بنظرها عنها لبعيد.. تنهدت "بسيمة" بصوت واضح:
- انا عارفاكى يا "رضوى" مش طايقانى.. وشايفة ان بنتى السبب فى كل اللى حصل معاكى.. بس يابنتى على كد ما انا عذراكى فى دى.. على كد ما انا شايفة ان الحق عليكى.
التفت اليها برأسها سريعا بنظرات تحولت لنيران مشتعلة.. لم تهاباها "بسيمة" وأكملت:
- ما تزعليش منى يا "رضوى" بس انا يابنتى.. اكتر واحدة عارفة "قاسم" وعارفة هوسه ب"سمرا" بتى.. ماتستغربيش منى لما اقولك.. انا كنت غلطانة لما عشمته بجوازه منها وهى لسة عيلة صغيرة.. بس انا يابتى كنت شايفاه عريس لقطة.. الواض شكله حلو وطول وعرض زى ما انتى عارفاه.. عصبي ودمه حامى.. دا غير فلوس اهله اللى ماليها عدد وبيحبها.. لكن يابتى مع كل سنة كانت بتمر كنت بشوف الحب ده بيقلب لحاجة تانية اكبر بشكل يخوف.. لدرجة ان اتحولت موافقتى فى الاخر لخوف منه ليأذيها.. خوف انزاح من قلبى ساعة ما اتخطبت ل "رفعت" اخوه.. ساعتها بس حسيت براحة.. لكن الراحة انقلبت لقلق من تانى.. ساعة اما سمعت انه اتقدملك ووافقتى بيه.. كنت دايما حاطة يدى على قلبى.. وخايفة من اللى جاى.
كانت تحدق بعيناها اليها بصدر لاهث وغضب ظاهر على ملامح وجهها قبل ان تخرج من صمتها اخيرا.. فهتفت بغضب:
- يعنى انتوا كلكم جاين دلوك تقولولى الكلام.. ماتكلمتوش ليه من الاول وحوشتوا الاذى عنى قبل ما اتعلق اكتر بيه وقلبى يتحرق من الشوق اليه.. كلكم افتكرتوا دلوك.. ولا هى البقرة لما توقع تكتر سكاكنها؟
ربتت بيدها على ذراعها تحدثها بحنان:
- انا مش هالوم عليكى يابتى.. عشان الامر كله واعر وصعب.. انا بس عايزاكى تفوقى وتنسى وتعيشي حياتك.. انتى حلوة والف من يتمناكى.. عن اذنك يابتى هاسيبك بقى عشان ترتاحي.
ذهبت "بسيمة" من امامها وتركتها تنظر فى اثرها بغضب.
..............................
فى اليوم التالى خرجت "سمرة" مع زوجها "رؤوف" للتبضع وشراء الملابس والعطور الفاخرة.
دلف بها اللى أرقى مول تجارى.. لا يدخله الا الصفوة.
كان ينتقى معها الملابس ويصر على ارتدائها امامه حتى يراها ويقيمها بنفسه.. ومع كل قطعة ترتديها كان يطير قلبه فرحا بها.. فجسدها الممشوق والملفوف دون بدانة.. جعل معظم الملابس وكأنها فصلت خصيصا لها.
ومن انتقاء الى الملابس انتقلوا للأحذية والحقائب والعطور الفاخرة وبعض ادوات الزينة المستوردة.. ذات الماركات الباهظة.. حتى انه اقترب بجرأة لبعض الاشياء النسائيه بنظراته العبثية.. ولكنها نهرته بحدة ولم تسمح له برؤية ما ابتاعته على الإطلاق.
وفى النهاية دلف بها الى احدى المطاعم الفاخرة ليكتمل وقتهم الجميل بتناول وجبة الغداء ويستريحوا قليلا.
وعلى الطاولة.. كان ينظر اليه بهيام وهى تتجول عيناها بانبهار على محتويات المطعم وتصميمه:
- الله يا "رؤوف" حلو جوى المطعم ده.. رومانسى كده وشاعرى.
بابتسامة سعيدة على وجهه:
- عجبك ياقمر.. ليكى عليا ياستى بعد الجواز كل اما افضى هاجيبك فيه.
بادلته الابتسامة بسعادة اكبر.. ولكن خبئت ابتسامتها فجأة وهى تسأله:
- هو انت جيت فيه قبل كده يا "رؤوف"؟
عقد حاجبيه قليلا بتفكير قبل ان يضحك بمرح.. حينما وصل اليه المعنى:
- انت قصدك يعنى جيت مع واحدة فيه.
هز برأسه ينفى بابتسامة وهو يقول:
- لا.. لا بيبى محصلش.. انا كنت باجي هنا فى جلسات عمل رجال أعمال معايا او وفود اجنبيه فى ما بينا مصالح.. لكن اللى بالك فيه.. محصلش.
تنهدت براحة مع ابتسامة مستترة:
- الحمد لله.. اصل كنت هاضايق جدا بصراحة.
مال براسه اليها بسعادة:
- يالهوى على جمالك وعلى غيرتك اللى ابتدت تظهر دى.. انا بتبسط قوى من غيرتك دى على فكرة.
اومأت برأسها خجلا..
فتناولت قائمة الطعام تتهرب من نظراته الجريئة لها، ولكنها باغتها:
- طب احنا كده لو إيه ناقصنا؟
رفعت عينيها بتفكير قليلاً قبل أن تجيب بتردد:
- طبعاً، أكيد فستان الفرح.
أومأ برأسه:
- شاطرة ياقلبي.. طب إحنا نخلص أكل وننزل من تاني ننقي أحلى فستان، ولو عايزة أجيبه من بره بالطيارة.. اعملي سيرش على النت واختاري من أرقى بيوت الأزياء.
- طب ممكن أقول على اللي نفسي فيه؟
قالتها بمقاطعة، فتابعت بحالمية:
- أنا أول مرة شوفتك فيها.. كنت واقفة قدام محل "صافي" قريبتك.. بصراحة عندها فستان شدني جداً وخطف قلبي واتمنيت فعلاً إني ألبسه.
أشار بسبابته على وجهه:
- من عيوني الاتنين.. إحنا نخلص أكل وننزل حالا على محل "صافي".. أقولك أنا هاتصل بيها من دلوقتي أبلغها عشان تعمل حسابها.
قال الأخيرة وهو يشير بالهاتف الذي وضعه على أذنه بعد أن هاتف الأخرى.
***
كانت جالسة على مكتبها الصغير، تتلاعب في أوراقها وكتبها بشرود. خرجت من شرودها على صوت والدتها "ثريا" التي دلفت لداخل الغرفة وهي تهتف عليها:
- بت يا "شيماء".. أنا يابت سرحانة في إيه؟ ماتردي عليا.
ردت عليها مجفلة:
- إيه ياما في إيه؟ مالك بيا وبتندهي ليه؟
ضربت المرأة بكفها على الطاولة بسأم:
- يعني هاكون عايزاكي في إيه يامحروسة؟ قومي ياختي عريس الهنا قاعد بره مستنيكي.
- عريس مين؟ "رفعت".. انتي بتتكلمي جد ياما؟
فغرت المرأة فمها باندهاش:
- ومالك ياختي ملهوفة كده عليه؟ هو انتي لحقتي تتعلقي بيه؟
- طب معلش ياما عن إذنك بس هاغير هدومي وألبس حاجة عدلة.. عن إذنك ياما بجا عن إذنك.
قالتها وهي تزيح والدتها للخروج، أو بالأصح تطردها بمهارة، حتى إذا انغلق الباب اتجهت لخزانتها تنتقي ما يليق بلقائه.
وفي الخارج كان "رفعت" جالساً مع أبيها بتوتر يحاول إخفاءه. لم ينتظر كثيراً، فهي لم تستغرق وقتاً طويلاً في التزين، فقد اكتفت بارتدائها دريس صيفي باللون الفيروزي وعليه حجاب يليق به يظهر بياض بشرتها وجمالها الطبيعي. لا يدري لما هذا الإحساس الذي نما بقلبه برؤيتها الآن.. لا يدري سبباً لهذه الراحة التي شعر بها بغتة بمجرد رؤيتها وهي تتقدم بخطواته إليه وابتسامة رائعة تزين محياها.
- مساء الخير.
قالتها بخجل وهي تمد يدها إليه لمصافحته. بادلها هو التحية وهو يبتلع ريقه:
- مساء الخير يا "شيماء".. إزيك؟
نهض أبيها عن مقعده:
- طب كويس بقى إنك جيتي يا "شيماء".. أنزل أنا أصلي العشاء.. البيت بيتك يا "رفعت".. عن إذنك يا ولدي.
أومأ برأسه إليه، فجلست هي أمامه بخجل. ظل الصمت سيد الموقف لبعض اللحظات، قبل يقطعه هو مخرجاً:
- آآآ.. أنا خوفت تكوني زعلتي مني امبارح.
مطت بشفتيها تكمل بسخرية:
- آه.. انت قصدك يعني لما اتعصبت عليا في بيتكم.. لااا مزعلتش.
مسح بكفه هذا العرق الوهمي من الحرج:
- معلش يا "شيماء".. سامحيني إن كنت اتعصبت عليكي.. بس انتي بصراحة فاجأتيني.
بابتسامة جميلة قاطعته:
- خلاص يا "رفعت".. مسامحاك.. أنا عارفة كويس وحاسة بشعورك.. وأنا بقولهالك تاني مش زعلانة منك.
فغر فاهه وصمت قليلاً قبل أن يقول:
- انتي عارفة يا "شيماء".. أنا دلوقتي بس عرفت.. ليه "سمرة" سابت الكل ووثقت فيكي انتي وحدك.. عشان كانت فاهماكي كويس وشايفة قلبك الأبيض.. انتي نعمة كبيرة قوي يا "شيماء".. أو بالأصح انتي العوض.
ابتسامتها ازدادت اتساعاً وهي تردف باقتضاب:
- شكراً.
بادلها ابتسامتها بمرح:
- واااه.. شكراً كده وبس.. ماشي يا "شيماء".. على العموم أنا بس ييجي عمي "حسن" من الصلاة وهاحدد معاه إن شاء الله ميعاد الخطوبة وميعاد الجواز اللي هايبقى ماتخلصي سنتك على طول.
وكان الرد منها ابتسامة ولا أروع.
***
وبداخل محل "صافيناز" كانت تنفخ بتافف من هذا الغبي.. الذي بمجرد سماعه المكالمة أتى على الفور.. دون تفكير.
- انت عايز توديني في داهية يا جدع انت.. دي ماكنتش غلطة دي لما قولتلك في المكالمة بالصدفة.
مال برأسه إليها وهو يتحدث لإقناعها:
- وانتي قلقانة جوي كده ليه يعني؟ انتي مش مشيتي البنات العمال من المحل؟ يبقى مين بقى هايشوفني عشان تقلقي؟
- إزاي يعني ما أقلقش؟ دول زمانهم على وصول.. ولو لمحك "رؤوف" هتبقى وقعتك سودة.. استنى دي بينها عربيته اللي وقفت حالا قدام المحل.. أجرى استخبى بسرعة.. أجرى يالا.
تحرك سريعاً أمامها ليتخفى بغرفة القياس التي لم تنتبه لها في غمرة توترها بوصول "رؤوف" ومعه "سمرة".
كانت تنظم أنفاسها حتى تستطيع الحديث بلهجة طبيعية.
دلف "رؤوف" لداخل المحل وكفه مطبقة على كف "سمرة" بحميمية، لفتت انتباه "صافي" وسخطها في نفس الوقت.
- مساء الخير يا "صافي".
نهضت عن مكتبها بترحيب مبالغ فيه:
- أهلاً أهلاً يا "رؤوف".. أهلاً يا "سمرة".. وحشتيني ياقمر.
أخفت "سمرة" انزعاجها من هذا التقبيل والحفاوة المبالغ فيها، فردت باقتضاب:
- أهلاً يا "صافي".. إزيك.
ألقى نظرة على محتويات المحل وهو يردف:
- معلش إن كنت أزعجناكي وخلناكي تنتظري.. لكن هو انتي لوحدك في المحل؟
ابتسمت بمحبة زائفة وهي تشير على ساعة معصمها:
- بصراحة يا "رؤوف" هما البنات مشيوا في وقتهم وانتوا اللي اتأخرتوا.. بس ولا يهمك وأنا أفديكِ الساعة.. نقي الفستان اللي انتي عايزاه وأنا تحت أمرك.
- ألف شكر ليكي.. وأسفين لتعبك.. بس أنا مش هادور كتير صراحة.. أنا عايزة اللي هناك ده.
قالت الأخيرة وهي تشير بيدها على إحدى الموديلات المعروضة. أثار الحنق بقلب "صافيناز" حينما رأت مدى روعته ورُقيه.. فابتسمت بتكلف:
- ذوقك يجنن يا "سمرة".. الفستان ده من أغلى الفساتين اللي جبتها من رحلة باريس.
تناول الفستان يرى مدى روعته وهو يبتسم بسعادة:
- هو حقيقي يجنن.. وطبعاً أكيد ما يغلاش عليكي ياقلبي.
أخفت امتعاضها ببراعة وهي تشير بيدها على الغرفة التي دخلها "قاسم" على غفلة منها:
- طب اتفضلي ادخلي غرفة القياس يا "سمرة" وشوفيه كويس عليكي وانتي لابسااه!!
رواية سحر سمرة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم أمل نصر
بداخل الغرفة الصغيرة كان مختبئاً. يده على مقبض الباب المفتوح بمواربة، حتى يستطيع سماع كل كلمة تقال من الثلاثة.
"الملعونة تستمع لكلماتها الفرحة باختيار فستان الزفاف لغيره. استطاعت أن تفعلها وتهرب منه وتظن أن بإمكانها الزواج منه أيضاً!"
صدره كان يعلو ويهبط بسرعة رهيبة وهو يحاول السيطرة على أعصابه وكبح جماح نفسه من الخروج الآن، لكي يطبق بيديه الاثنتين على رقبتها. ولا يتركها إلا وهي معتذرة عما تفعل أو يزهق روحها، لكي تأخذ جزاء ما اقترفته في حقه.
حتى جاءت جملة "صافي" وهي تطلب منها الدخول إلى غرفة القياس، لكي ترتدي الفستان أمام المرآة. توقفت دقات قلبه في انتظارها لكي تأتي إليه الآن وفي الغرفة وحدهما!
...........................
وفي الخارج وبعد أن تحركت قليلاً في اتجاه الغرفة وهي ممسكة بهذا الفستان الرائع، الذي رأته لأول مرة وهو معروض في واجهة المحل.
فخطف لب قلبها فوقفت أمامه مشدوهة بروعته وكان سبباً في لقائها برؤوف، الذي شاء القدر أن يجعله من نصيبها وتتحقق الآن أمنية ارتداء هذا الفستان الرائع.
وقبل أن تضع يدها على مقبض الباب الخاص بغرفة القياس تفاجأت به وهو يهتف عليها:
- استني عندك يا "سمرة".
ردت مندهشة:
- نعم يا "رؤوف". في حاجة؟
قال محذراً:
- عايز أفكرك لما تلبسي الفستان، تشوفيه وتقيميه مع نفسك. ولما تخرجي تقوليلى رأيك. لكن إياكي يا "سمرة" إياكي تخرجي وإنتي لابسااه.
تبسمت "صافي" بتكلف:
- ليه بقى يا "رؤوف"؟ هو إنت مش عايز تشوف عروستك وهي لابسااه؟
أجابها مبتسماً:
- إزاي بقى؟ دا أنا هاموت وأشوفها لابسااه. بس أكيد لما يكون في وقته. حكم أنا أسمع إن رؤية العريس لعروسه وهي لابسة الفستان قبل كتب الكتاب، بيبقى فال وحش.
قالت "سمرة" مذهولة:
- معقولة يا "رؤوف"؟ إنت بتصدق في الخرافات دي؟
- وما صدقتش ليه؟ وحتى لو مش مقتنع، أنا أغامر ليه في حاجة مهمة زي دي، وأنا بعد الساعات والدقائق عشان تتم.
قالت "صافي" مستنكرة بحقد مستتر:
- مش لدرجادي يا "رؤوف". إنت بتكبر الموضوع قوي. أنا كل يوم بتيجي عندي عرايس ويلبسوا فساتينهم قدام عرسانهم عادي خالص ومابيحصلش حاجة.
مال برقبته إليها يتفوه برد ألجمها:
- وإنتي بقى معاكي سجل بأسمائهم؟ وبتعرفي إن كان جوازاتهم بتكمل ولا بيطلقوا؟ أنا خليني في السليم يا "صافي". اسمعي الكلام يا حبيبة قلبي. الله يرضى عنك.
كانت دقات قلبها تتراقص طرباً لكلماته، ومع خوفه الشديد حتى من صدق الخرافات.
وضعت يدها على مقبض الباب ولكنها تراجعت فجأة تقول:
- بس أنا كنت عايزة حد يقولي رأيه في الفستان وأنا لابسااه يا "رؤوف". دي حاجة ضروري.
شعر بصدق حاجتها فخاطب "صافي":
- ادخلي إنتي معاها وقوليها رأيك. وإنتي طبعاً أستاذة في الموضة والشياكة.
أجفلت "صافيناز" من طلبه الثقيل على قلبها وارتبكت في الرد. ولكن أنقذتها "سمرة" وهي تعترض بذوق:
- لا طب خلاص يا "رؤوف" بلاها حكاية القياس دي أساساً. أنا هاخد الفستان وأظبطه في البيت لو لقيت حاجة ناقصة فيه. متشكرين يا "صافي".
- خلاص ياقلبي. وإنتي أساساً بيليق عليكي أي حاجة تلبسيها. نتحاسب إحنا بقى يا "صافي".
....................... .
شتم حظه بأقذر الألفاظ. فبعد أن أسكرته رائحتها بقربه وهي أمامه بعدة سنتيمترات فقط، يشبع عيناه في النظر إليها وهي غافلة في الحديث مع عريس الهنا والمدعوة "صافي". وكانت على وشك الدخول إليه بالغرفة وقياس الفستان أمامه. أمامه يالها من لحظة سعيدة لو اكتملت! كيف كان سيتحكم في نفسه وقتها؟
ظل يراقب الوضع حتى ذهب الاثنان. فخرج من الغرفة ليجد "صافي" جالسة على حافة المكتب تنظر في أثرهم بشرود.
أجفلت على صوت خطواته فاستفاقت من شرودها:
- إنت كنت مستخبي فين؟
قال ببساطة: في أوضة القياس!
هبت عن جلستها مرعوبة:
- يخربيتك. يعني لو كانت دخلت المحروسة بتاعتك تقيس دلوقتي؟ كانت حصلت مصيبة وروحت أنا في داهية؟
قال غير مبالٍ:
- ما خلاص إنتي هاتعمليها حكاية ماهي مادخلتش. ولو كانت دخلت، أنا كنت هأدس في الهدوم المكومة جوا دي. مش صعبة يعني.
- إنت كل حاجة عندك كده مالهاش حساب؟
بابتسامة جانبية واثقة أجابها:
- وأنا هاخاف من إيه عشان أعمل حسابي؟ أنا طول عمري بعمل اللي أنا عايزه وباخد اللي أنا رايده. أنا "قاسم".
............................................
وفي القصر بعد عودتهم.
كان "رؤوف" جالساً بغرفة مكتبه وأمامه "صفوت" رئيس الحرس واقفاً في انتظار إنهاء المكالمة، التي يجربها "رؤوف" مع أحدهم وهو يصيح بغضب:
- إنت بتقول إيه ياباشا بس؟ إزاي يعني مالقيتوش؟ هو فص ملح وداب؟
- .......................
- طيب وبعدين يعني؟ هأفضل أنا كده مهدد أنا ومراتي، من حتة عيل زي ده. مايساويش تمن طلقة من سلاحي.
- .....................
- أرجوك ياباشا ماتقوليش هدي نفسك. لإن أنا بصراحة مش هأهدى من كلمة ولا كلمتين. ياباشا أنا عايز فعل. أرجوك.
- ........................
- أنا فرحي بعد يومين ومع ذلك مش حاسس بالأمان. الولد ده لازم يتجاب قبل الفرح. لازم ياباشا.
- .................
- تمام. تمام حضرتك. أنا برضه شاكر سعة صدرك. ومجهودكم محدش ينكره.
زفر مطولاً بعد أن أنهى المكالمة. يحاول تهدئة أعصابه.
فقال حانقاً:
- وبعدين يا "صفوت". لا إنت ولا رجالتك ولا الحكومة. قادرين تجيبوا الزفت ده؟
- ياباشا رجالتي مسحوا الأرض شبر شبر هناك في البلد.
.. ومالقوش ليه أثر بس إحنا أغراب. والواد مصيبة وعارف مداخل البلد ومخارجها. ودا اللي خلاه يقدر يهرب مننا ومن الحكومة. من قبل مانعتر عليه.
قال حازماً:
- دور تاني وتالت ومتنساش كمان القاهرة هنا. وشدد حراسة البيت كويس أوي وزود في الرجالة على قد ما تقدر. مش عايز خياله هنا في الكومباوند. أما تأمين يوم الفرح فأنا عامل حسابي كويس وعلى أعلى مستوى. ماشي يا "صفوت"؟
- تمام ياباشا.
- طب اتفضل دلوقتي إنت.
ذهب "صفوت" من أمامه. ولكنه كاد أن يصطدم بـ "تيسير" الذي كان بالصدفة يدلف إلى داخل الغرفة.
تراجع "تيسير" مرتداً يردد بمزاح:
- إيه يا عم "صفوت"؟ خلي بالك إن فيه بشر غيرك معدية في الأرض وممكن تدوسها. هو أنا قدك يا عم.
أومأ الرجل ضاحكاً وهو يخرج من الغرفة يفسح الطريق لـ "تيسير":
- اتفضل ياباشا. العفو.
خرج "صفوت" ودلف بعده "تيسير":
- مساء الخير يا عريس.
رد عليه التحية بوجه متجمد:
- مساء النور يا "تيسير". تعالى هنا اقعد جنبي.
جلس بجواره على الأريكة يسأله بمشاكسة:
- إيه يا عم بقى؟ في حد يبقى فرحه بعد يومين ويبقى دا منظره كده وهو مكشر.
بابتسامة باهتة قال:
- أديك قلت بنفسك بعد يومين. يعني لازم يكون طالعان عيني في الترتيبات والتحضيرات. المهم بقى إنت بعت الدعوات اللي نبهتك عليها.
- حصل يا كبير. أنا قبل ما أجيلك حالا دلوقتي وأجيبلك ورق المناقصة. اتأكدت من مصادري الخاصة إن الدعوات وصلت!!
.............................
كان ممسكاً بورقة الدعوة المغلقة بشكلها الرائع والذي يليق بصاحب الفرح وعروسه. قرأ صيغة الدعوة، مرة بعد مرة وظل صامتاً بشرود. ولكنه أجفل على صوت شقيقته "مروة" التي دلفت إلى الغرفة دون أن يشعر بها. تسأله بريبة:
- هو دا كارت الدعوة بتاع فرح "سمرة"؟
رفع عيناه إليها شارداً للحظات قبل أن يجيب:
- هو فعلاً يا "مروة" بس إنتي عرفتي منين؟
قالت بشبه ابتسامة:
- عرفت من "شيماء". ماهي نفس الدعوة وصلتلهم هما كمان.
أومأ برأسه صامتاً. فقالت بجرأة:
- بصراحة أنا عمري ماكنت أتوقع إن دعوة فرحها توصلنا. تفتكر يا خوي عريسها ده يقصد إيه بالحركة دي؟
قال بابتسامة متحسرة:
- عريسها بيوفي بوعده يا "مروة" معاها. زي ما حماها منينا، كمان عايز يفرحها ويكبر بيها قدام مصر كلها. عايز يرفع راسها قدامنا وجدام الكل.
تنهد بثقل ثم تابع:
- عريسها بيعمل اللي مقدرش أهلها يعملوه يا "مروة".
بدت متأثرة من كلمات أخيها ولكن هذا لم يثنِ فضولها:
- طب إنت وأمها وخوالها، هاتقدروا تروحوا يا "رفعت".
كان الرد هو الصمت فقط مع نظرة من عينيه غير مفهومة.
...........................
في غرفتها، كانت السيدة "لبنى" وصديقتها "سعاد" منتظرتين على أحر من الجمر. حتى خرجت إليهم من حمام الغرفة تلملم فستانها بوجه قلق. لمعرفة رأيهم بما ترتديه.
أطلقت "سعاد" زغروطة بصوت عالٍ اهتزت لها أركان القصر. أجفلت "لبنى" منها بخضة وهي تبتسم بسعادة:
- بسم الله ما شاء الله يا "سمرة" الله أكبر عليكي يا حبيبتي.
سألت بتوتر وعدم ثقة:
- يعني حلو عليا الفستان؟
هتفت "سعاد" بفرحة غامرة:
- حلو دا إيه؟ إنتي يابنتي مش شايفة نفسك؟ دا الفستان هياكلك حتة. دا إنتي ولا البرنسيسات اللي بنشوفهم في المسلسلات.
قالت لها بعدم تصديق:
- مش لدرجادي يا "سعاد" إنتي كده بتبالغي.
ردت عليها "لبنى" بغبطة:
- لا يا "سمرة" هي مش بتبالغ. وإنتي قدمي برجلك شوية لعند المراية عشان تشوفي بنفسك. إنتي فعلاً أميرة يابنتي والفستان لايق عليكي جداً. حقيقي إنتي ذوقك ممتاز.
أخذت بالنصيحة وهي تلملم بفستانها وأمام المرآة وقفت تنظر لنفسها. أشرق وجهها بابتسامة رائعة وهي تستدير بجذعها.
مرة لليمين ومرة لليسار. لقد أحسنتِ الاختيار لفستان ليلة العمر، حتى في أحلامها لم تتصور أنه سيكون بهذا الجمال.
"الله يا جماعة، الفستان فعلاً جميل ولايق عليا."
قالت سعاد بخبث:
"عارفة يا سمرة، أحسن حاجة عملتيها إنك جبتيه هنا تقيسيه عليكي، مش في المحل ونبقى إحنا نشوفه أول ناس عليكي. ده مش بعيد كنتِ اتحسديتِ من الحيزبونة لما تشوفك بالجمال ده."
تمتمت الأخيرة بصوت منخفض وهي تغطي بكفها على فمها، حتى لا تفهم لبنى ما تقصده.
فسألتها لبنى بفراسة:
"بتبرطمي بتقولي إيه يا سعاد وتخبي وشك عني؟"
"هاكون بقول إيه بس ياهانم؟ ماتخديش في بالك إنتي. بصراحة أنا فرحانة وعايزة أزغرط تاني، ممكن ياهانم؟"
"زغرطي يا سعاد وخذي راحتك كمان."
وكأنها أعطتها إشارة البدء، قامت سعاد بإطلاق زغروطة أكبر من سابقتها وبنفس أطول، لتتبعها بمجموعة بعدها. لتدخل السرور بقلب لبنى وسمرة، التي أزاحت دمعة على وشك السقوط، حتى لا تفسد اللحظة وحتى تتمنى لو كانت والدتها معها الآن.
..............................
إطلاق الزغاريد بشكل متوالٍ جعل السرور يدخل في قلب رؤوف، فظهرت ابتسامة الفرح على وجهه وهو يراجع أوراق المناقصة التي على وشك البدء فيها. أجفل تيسير في البداية، ولكن مع التكرار أصابته موجة من الضحك.
"إيه الجنان ده يا عم رؤوف؟ ده البيت بقى مورستان!"
ازداد اتساع ابتسامته رغم انشغاله، فقال دون أن يرفع عينيه عن مراجعة الورق:
"دي أكيد سعاد، هايكون مين غيرها يعني؟"
قال تيسير بدهشة:
"والله؟ يعني سعاد بتنزل عليها حالة، تخليها تزغرط كده لوحدها، وإنتوا بقى مبسوطين بالجنان ده؟"
رفع عينيه قائلاً بمزاح:
"وإيه مانبسطتش ليه؟ إحنا ناس عندنا فرح، وعاملين عرض خاص للناس المجانين في بيتنا. يعني لو جبت لي واحد من الشارع ييجي يرقص في بيتي مش هامانع. إيه رأيك يا عم، تحب إنت كمان تنضم؟"
قال تيسير مذهولاً:
"يانهار أبيض، ده إنت هبلت منك خالص يا رؤوف. بس ولا يهمك، حقك برضه، وليك عليا أنضم أنا كمان لفرقة المجانين، بس لما ييجي الفرح بقى، أصل أنا مش مجنون قوي لدرجة دي يعني. ماشي."
"ماشي."
تنهد تيسير برؤية المرح على وجه ابن عمه في مشهد غاب عنه سنوات، فقال متمنياً بصدق:
"ربنا يكمل فرحتك على خير يا رؤوف."
.........................
لطالما كانت شديدة معها في المعاملة، ظناً منها أن ذلك هو الصح، لكي تستقيم الفتاة التي دللها أبوها حتى الإفراط. كم من مرة أتتها باكية وهي صغيرة ترجوها أن تقف في وجه قاسم، الذي يفرض نفسه عليها بشكل مزعج ويدعي أنها خطيبته بهتاناً وزوراً. فتكن النتيجة هي ابتسامة متهكمة منها وهي تأمرها بحزم:
"وماله يابت قاسم؟ عفش ياختي؟ هو إنتي تطولي إنك تتجوزي واحد زيه؟ ده كل بنات العيلة يتمنوا ضفره!"
"بس أنا لأ ياما، مش عايزاه، هو غصب!"
"غصب في عينك بت قليلة الحيا، ده أبو عمك يابت، ومش هاتتجوزي غيره ولو وقفتي على شعرة من راسك، فاهمة ولا لأ."
"حرام عليكي ياما."
"تحرم عليكي عيشتك، اتعودتي على دلع أبوكي الماسخ، خيب نفسه وعايزك تخيبي زيه، لكن ده على جثتي يا سمرة. لولا بس خايفة أبوكي يشتكيني، لكنت جوزتك من قبل ما تتمي السن القانوني، عشان إنتي دلعانة ومافيش غير قاسم اللي هايربيكي."
"والله حرام عليكي، والله ياما حرام عليكي."
مازالت تستمع لصوت بكائها، الآن فقط شعرت أنه كان بحرقة. تتناثر في عقلها الذكريات التي تبين كم كانت غبية وقاسية مع ابنتها الوحيدة. الآن فقط أدركت أنها كانت السبب في تنمية جنون قاسم ناحية ابنتها، فلو ردعته من البداية لما كانت هذه النتيجة الآن وهو يظنها جزءاً من أملاكه. مسحت بيدها دمعة بعد أن سقطت أخرى على هذه الورقة المغلفة وهي كارت الدعوة، دعوة لحضور فرح ابنتها الوحيدة كالغريبة.
ابنتها ستتزوج بمن يليق بها، وليس بمن فرضته هي عليها سابقاً. ابنتها تعد نفسها للزواج وهي جالسة الآن بغرفتها، تتذكر وتندم بعد فوات الأوان.
تنهدت بثقل وهي تقول لنفسها بصوت واضح:
"إنتي اللي فزت يا أبو العزم، إنتي اللي فزت."
ظلت ترددها مع نفسها بحسرة حتى أغمضت عيناها، ولكنها فتحتهما فجأة، جفلة تردد بهذيان وخوف:
"الورقة يا بسيمة!!!"
رواية سحر سمرة الفصل الأربعون 40 - بقلم أمل نصر
بفستان ضيق ينساب على جسدها حتى الكاحل، يظهر روعة تكوينها الجسدي رغم حشمته. أكمامه الشفافة بينت ذراعها الغض بشكل واضح. كانت واقفة أمام مرآتها، تلف على أناملها خصلة طويلة من شعرها الذي صففته بعناية وأطلقته على ظهرها بتماوج يخطف العين. شاردة بسعادة لما يحدث معها. أخيراً وجدت الأمان والعشق، بعد سنوات طويلة من العذاب. أخيراً تشعر بجمالها وترى نعم الرحمن عليها، بعد أن كرهت نفسها وكرهت دنيتها. فكان الموت هو أقصى ما تتمنى بعد أن فقدت الأمل في الخلاص. ما أروع أن يأتي الحل لمشكلتها الأبدية ومعه الحب، فتكتمل سعادتها مع فارسها الذي اخترق أسوار قلبها الحصين دائماً، وجعلها تستعيد ثقتها في نفسها مرة أخرى وفي الرجال.
- سرحانة في إيه يا قمر؟
استفاقت من شرودها على صوت صديقتها العزيزة "سعاد". فاستدارت إليها تجيبها بسعادة:
- سرحانة في الدنيا وفي التغير اللي حصل معايا. مكنتش أعرف إن ربنا حايشلي الفرحة دي كلها يا سعاد. أنا مش مصدقة أساساً إني هاتجوز راجل وأنبسط كمان بفرحي عليه.
قالت سعاد مندهشة:
-يا سلام! وإيه اللي يخليكي بقى متصدقيش؟ دا فرحك يعني لازم تنبسطي بعريسك اللي يستاهلك وتستاهليه.
قالت بمزاح:
-بصراحة، فكرة الجواز عندي كانت دايماً تعريفها إنه شر لابد منه. لكن حب وعشق، أنسى.
سألتها بتوجس:
-ليه يا سمرة؟ دا إنتي حتى جميلة أوي بشكل مبهر. وبتلفتي نظر الرجالة والستات كمان في أي حتة تروحيها. معقولة ما صادفتيش أي حد لفت نظرك، ولا حتى دق قلبك ده لأي راجل قبل رؤوف بيه؟
هزت رأسها تنفي وهي تقول:
-عمري يا سعاد. والبركة في قاسم اللي زرع الفكرة دي في مخي من وأنا عيلة صغيرة. أنا...
توقفت الكلمات بفمها وهي تنظر لها بتردد قبل أن تحسم أمرها.
-شوفي يا سعاد أنا هاقولك عن السبب الحقيقي، اللي مخليني رافضة قاسم وعندي الموت أهون من الجواز منه.
-إيه هو السبب يا سمرة؟
خطت بفستانها قليلاً داخل الغرفة، وعلى أقرب مقعد جلست على طرفه تخرج ما بصدرها بأعين لامعة:
-الخوف.
-الخوف! طب إزاي؟ أنا اللي أعرفه إنك دايماً قوية معاه!
-دا قناع بداري بيه الرعب اللي جوايا منه في كل مرة باشوفه فيها. تاريخه معايا من وأنا عيلة صغيرة، لما كان بيستغل أي فرصة يلمسني فيها. نظراته اللي كنت بحس إنها تخترق هدومي. استغلاله لأصعب فترة في حياتي لما والدي طلق أمي.
صمتت قليلاً مع تساقط بعض الدمعات الحارقة.
قالت سعاد بغضب:
-ال... يعني كان بيتحرش بيكي كمان؟
أومأت برأسها:
-كتير يا سعاد. مستغل فكرة إني هابقى مراته وإني ملكه. طبعاً بوعد من أمي.
زفرت بضيق وهي تقترب منها تؤازرها:
-ماتزعليش منها يا سمرة. على قد ما علمت برضوا، يعني كانت هاتعرف إنه بالأخلاق دي؟ ياختي صحيح هو ده وقته، نعكر دمنا بسيرة الزفت ده. دي الليلة حنتك. هو إنتي نسيتي؟
قالت الأخيرة بأسلوب مرح، جعل البسمة تعود إلى وجه سمرة وهي تمسح دمعاتها:
-آه صحيح والله فكرتيني. لا والنكتة بقى إن اللي عملالي الحنة هي صافي. حد يصدقها دي؟
جذبتها من يدها وهي تصيح:
-ياختي نصدق ولا منصدقش. قومي ظبطي مكياجك ده، مش عايزنها تفرح فينا الحيزبونة دي.
***
وفي الأسفل، تزين بهو القصر بلمسات نسائية تليق بالمناسبة، لاستقبال المدعوات للحفل. الذي نظمته صافي بلفته غريبة عنها. دعت فتيات العائلة وبعض الصديقات للاحتفال بليلة الحناء الخاصة بالفتيات.
كان الوقت مازال مبكراً للاحتفال، حينما دلفت صافي وهي تهلل لرؤوف الجالس يتناول فنجان قهوته، قبل ذهابه هو أيضاً لحفل خارج المنزل مع بعض الأصدقاء.
-هاي.. إزيك يا عريس عامل إيه؟
وقف لها رؤوف يستقبلها بحفاوة:
-أهلاً يا صافي. عقبالك يارب.
تقدمت عليه تقبله بوجنته:
-الف مبروك يا رؤوف. إنت عارف أنا أهم حاجة عندي هي فرحتك.
قال لها بمودة:
-الله يبارك فيكي يارب ويسعدك. عقبال يا صافي.
جالت بعينيها داخل القصر:
-هي الحفلة لسه ما ابتدتش؟
-الحفلة هاتبتبتدي الساعة ٨ واحنا دلوقتي ٧ ونص. بس إنتي أول واحدة تيجي.
قالت ممازحة:
-طب وانت مستني إيه؟ مش بره بقى ورينا عرض أكتافك. مش عايزين البنات يتكسفوا.
ضحك تجاوباً معها:
-لا يا ستي ربنا ما يجيب كسوف. أنا بس هاسلم على عروستي وأخرج. المجنون تيسير موضبلي أنا كمان حفلة مع أصحابي.
-آه. طب أنا هأطلع أشوف سمرة. وبالمرة أسلم على تيتة لبنى.
-خلاص أنا طالع معاكي. فرصة بقى أشوف البت دي مش راضية تنزل ليه؟
صعد معاها للطابق الثاني. وأمام باب الغرفة، أشار لها كي تطرق على الباب، ولا تأتي على ذكره.
أتوهما صوتها من الداخل:
-مين اللي بيخبط؟
أجابت ممتعضة وهي ترى اللهفة على وجه رؤوف لرؤيتها:
-أنا صافي يا سمرة. افتحي.
في بضع ثوانٍ كان الباب مفتوحاً لتستقبلها. شهقت مجفلة حينما رأته أمامها بابتسامته الرائعة. حاولت إغلاق الباب في وجهه، ولكنه أوقف الباب بيده وهو يقتحم الغرفة ضاحكاً بصوت عالٍ. وصافي المتعوسة خلفه تكاد أن تحترق.
-بتداري عني نفسك ليه يامجنونة؟
هرولت لتناول شال صغير تضعه على ذراعيها، ولكنه كان الأسرع فجذبه منها سريعاً.
-عايزة تغطي إيه؟ ما إنتي لابسة فستان بكم أهو. إيه بقى؟ هو إفتري وخلاص؟
قال الأخيرة بتمهل وهو يلتهمها بعينيه.
بكفيها حاولت على أن تغطي على ذراعيها وهي تنهره قائلة:
-اطلع بره يا رؤوف. إيه اللي جابك عندي أساساً؟ خليه يطلع بره يا صافيناز والنبي.
صافيناز المتماسكة كانت على وشك الإغماء وهي ترى ابن خالتها العاقل الذي اختبر أجمل النساء في كل أنحاء العالم، يقف متسمراً مدهوشاً أمام هذه الملعونة، بوجه ضاحك وكأنه طفل صغير.
فاقت من شرودها على نداء سمرة لها مرة أخرى لإخراجه، وهو ينظر لها بهيام مغازلاً:
-والله قمر. يخربيت حلاوتك.
تذكرت مهمتها وما جاءت من أجله. فاقتربت منه هي أيضاً تجذبه للخارج بابتسامة زائفة:
-هي عندها حق فعلاً بقى. اطلع برة يا رؤوف دي ليلة البنات. إيه الغلاسة دي؟
..... ......................
بعد ذهاب رؤوف وخروجه من القصر، أتت المدعوات واحدة تلو الأخرى، مهنئين لسمرة عروس رجل الأعمال رؤوف الصيرفي، بابتسامات لا تخلوا من الحقد والحسد، على من استطاعت إيقاع أشهر عازب في وسط رجال الأعمال. سمرة بذكائها لم تخفى عليها هذه النظرات ولا تملق هؤلاء الفتيات لها. ولكنها كانت تتصرف معهم بدبلوماسية. حتى أفعال صافي التي كانت تدعي الفرح لسمرة بصور المحمول والرقص مع شرابها، كانت دائماً ماتثير بداخلها الحيرة والشكوك. ولكنها لم تدع لهم فرصة لتعكير صفو حفلتها. فيكفيها صديقتها سعاد التي كانت تشعل الحفل برقصها مع الفرقة النوبية، أو الرقص البلدي على أنغام الدي جي. فتجذب سمرة غير مكترثة بنظرات الازدراء التي تتلاقاها من صديقات صافي. كان الأهم عندها هو فرحة صديقتها وفقط.
سرعان ما انتهى الحفل، وذهبت المدعوات ولم يتبقى غير صافي التي يبدو أنها غفت على إحدى الطاولات. نكزتها سمرة على ذراعها بخفة لتوقظها:
-صافي.. ياصافي إنتي نمتي ولا إيه؟
رفعت رأسها عن الطاولة، تفرك بيدها على جبهتها:
-أيوه يا سمرة أنا صاحية أهو. بس عندي صداع رهيب.
قالت سمرة بقلق:
-يانهار أبيض. هو شديد قوي الصداع لدرجة دي؟
نهضت عن الطاولة لتقف بترنح. همت لتتحرك ولكنها أوشكت على الوقوع لولا سمرة التي أسندتها بيدها:
-حاسبي يا صافي. إنتي مش قادرة تنصبي طولك. هاتمشي إزاي بس؟ ولا هاتقدري تسوقي عربيتك؟
-مش عارفة يا سمرة إيه اللي جرالي النهاردة؟ ليه التعب ده؟ آه، مش قادرة.
-طب خلاص. نامي هنا وبلاها تروحي البيت.
..................
وبداخل إحدى الملاهي الليلية المعروفة، كان الأصدقاء لايكفون عن ممازحته ومداعبته، بصفته العريس وهذه آخر ليلة لعزوبيته.
قال أحدهم واسمه عاطف وهو ممسك بيده كأس للشراب:
-إيه ياعريس. إنت مش ناوي تفك بقى تشرب؟ دي حتى الليلة ليلتك ولازم تهيص.
هز رأسه رؤوف ضاحكاً:
-وأشرب ليه يا عم؟ ما أنا مبسوط كده. هو أنا لازم أشرب عشان أفك؟
فقال الآخر:
-يابني دي ليلة توديع العزوبية. يعني لازم تاخد راحتك، قبل ما تلتزم بست وتنكد عليك.
-يا عم هو أنا قولت حاجة؟ ما أنا جيت أهو وواخد راحتي كمان وباشرب حاجة زي الفل أهو وعجباني. هي لازم تبقى خمرة؟ ولا عايزني أرقص زي البني آدم التافه اللي هناك مع شلة البنات المايصين دول.
أشار بيده على تيسير وهو يرقص مع إحدى الفتيات. فبادله الآخر بغمزة وهو يشير إليه بيده يدعوه للرقص مع إحدى الفتيات.
قال رؤوف ضاحكاً:
-أنا اللي جابني يا عم معاكم. وإنتوا شلة بايظة أساساً.
...........................
كانت بغرفتها تتحدث مع أباها في الهاتف:
-أيوه يا أبوي. الليلة كانت زي العسل.
أتاها صوته:
-أهم حاجة إنك تكوني فرحانة يا حبيبتي.
-فرحانة والله يا أبوي. رغم زعلي على عدم وجود والدتي معايا وأهلي. بس الحمد لله على كل شيء.
-ماتزعليش يا بتي.
أنتي ربنا عوضك ب"رؤوف" ودا يساوي الدنيا بحالها.
خرجت ابتسامتها السعيدة من القلب وهي تقول لأباها:
- طبعًا يا بوي.. أنا ربنا عوضني بيكم انتوا الاتنين.. وأمي بجى ربنا يحنن جلبها عليا.. نفسي جوي تحضر فرحي.
- ربنا يهديها يابنتي.. أمك راسها ناشفة ودا أكبر عيوبها.
همت لترد على أباها ولكن سمعت طرقًا على باب غرفتها.
- أيوه.
ثواني يابويا هاشوف مين عالباب وأكمل كلامي معاك.. ولا تستنى أرن عليك مرة تانية؟
صباح اليوم التالي.
خرجت "سعاد" من المطبخ وهي تحمل بعض أطباق الطعام لتضعها على السفرة أمام السيدة "لبنى" المنتظرة، وهي تتحدث مع "سعاد" ببساطة:
- وأنتي رقصتي على كده امبارح؟
أجابتها الأخرى بحماس:
- يوه ياهانم.. دا أنا رقصت نوبي ورقصت بلدي.. دا أنا ولعت الحفلة امبارح.. طبعًا أمال إيه؟ دي "سمرة" دي أكتر من أختي.. بس انتي منزلتيش ليه تقعدي معانا؟ تتفرجي وتننبسطي.
- أتفرج فين يابنتي؟.. أنا ست عجوزة.. وانتوا بنات وعايزين تاخدوا راحتكم.. تتعوض بقى النهارده إن شاء الله في الفرح.
قالت بابتسامة ماكرة:
- آه فعلًا هي تتعوض.. بس انتي فاتك رقص "سمرة" امبارح.. دي ولا فيفي عبده.
- مين دي اللي زي فيفي عبده؟
سألها "رؤوف" بحزم مصطنع.
شهقت "سعاد" واضعة يدها على قلبها، وهي ترتد للخلف مجفلة:
- بسم الله الرحمن الرحيم.. خضتني يابيه.
قبل رأس جدته قبل أن يجلس بجوارها، بابتسامة مستترة:
- هي فين فيفي عبده.. قصدي العروسة؟
ضحكت بخجل على دعابته قبل أن تجيبه:
- أنا خبطت على بابها أصحّيها أول ما وصلت.. بس هي مردتش.
نظر إلى ساعته يقول مندهشًا:
- مش بعاده يعني تتأخر كده في النوم؟ طب روحي اطلعيلي لها تاني بقى وصحيها عشان تفطر معانا.
- من عنيا ياباشا.
صعدت "سعاد" الدرج لتوقظ "سمرة".. ودلف "تيسير" لداخل البيت يلقي التحية بصوت مرح:
- صباح الفل عليكم.. صباحك أشطة يا عريس.
- صباح الفل يا خويا.. تعالى افطر معانا.
"سمرة" يا "سمرة".. افتحي الباب.. يا "سمرة".. سمرة.. يابنتي اصحي.. أنا بقالي ساعة بنادي عليكِ.. ودي مش عوايدك.. افتحي يا "سمرة" بجد انتي قلقتيني.
كثرة النداء.. مع كثرة الطرق بقوة على باب الغرفة المغلق.. وعدم الرد.. أصاب "سعاد" بالقلق.. مع هذا السكون العجيب.. جعلها تصرخ بصوتها:
- يا "رؤوف" بيه.. يا "رؤوف" بيه.. تعالى شوف "سمرة" مابتردش عليا نهائي.
بسرعة البرق صعد الدرج وأتى على ندائها.. يسألها بجزع:
- انتي بتقولي؟ "سمرة" مالها؟
أجابته بتوتر:
- والله ما أعرف ياباشا.. أنا بنادي وبخبط على الباب ومافيش رد منها.. أنا خايفة يكون مغمى عليها ولا تعبانة.
- مغمى عليها!!
قالها بقلق قبل أن يدفع الباب بقوة.. مرة تلو الأخرى حتى فتح عنوة.. دخل الغرفة سريعًا.. وخلفه "سعاد".
.. فوجد التخت فارغًا.
فتح غرفة الحمام ولم يجدها أيضًا.. وبحث أيضًا بداخل الشرفة.
فهتف على "سعاد":
- هي راحت فين على أول الصبح كده.. يكونش خرجت الجنينة.. وانتي ماشوفتيهاش؟
دخل عليهم "تيسير":
- هو إيه يا "رؤوف" بالظبط؟ و"سمرة" راحت فين؟
هز رأسه بانفعال:
- مش عارف ياسيدي.. دي باينها... أي ده؟
لفت نظره وجود هاتف "سمرة" على الكمود وتحته أوراق.. اقترب يتناولهم بقلق.
- دي سابت تليفونها كمان! وإيه الورق ده؟
تناولهم يقرأ الأولى وهي مكتوبة بخط واضح:
"أنا آسفة يا "رؤوف".. أني أهرب للمرة الثانية قبل زفافي.. والمرة دي يبقى منك انت.. بس أنا مقدرتش أكمل معاك وبعدين تكتشف حقيقتي وتشك فيا.. بس أنا متجوزة من "قاسم" شرعًا.. يعني ما أنفعش أجمع بين رجلين.. أنا سبتلك صورة من العقد.. أرجوك تسامحني."
بيدٍ مرتعشة تناول العقد ينظر في الورقة الأخرى.. وهي تبدو صورة لعقد زواج قديم.. بين.. اسم الزوج قاسم.. واسم الزوجة سمرة أبو العزم.
سقط على تختها ينظر إليهم وحدقتاه تتحركان بعدم استيعاب.
تناول منه "تيسير" الأوراق:
- هما فيهم إيه بالظبط الأوراق دول؟
مدت "سعاد" رأسها تنظر معه وتقرأ في الورقتين:
- يانهار أسود.. والنعمة ده كلام كذب ومش معقول ده يحصل.
لم يسمعها وهو يخاطب "تيسير" بكلمات تخرج بصعوبة:
- انت مصدق اللي انت شايفه دا يا "تيسير".. معقول ده يحصل معايا؟ طب ليه؟
ظل أمامه واجمًا.. لا يقوى على الرد.. و"سعاد" كممت فمها وهي تبكي بدموع غزيرة.
- والنعمة ده كذب.. مش معقول يكون حقيقي.
تابع "رؤوف":
- إزاي ده يحصل؟ نفسي أفهم قدرت تعمل فيا كده ليه؟
هو أنا قصرت معاها في إيه؟ عشان تكسرني كده وتذلني في أهم يوم في عمري؟ قول لي يا "تيسير" وفهمني.. هي عملت معايا كده ليه؟ لييييه؟
- براحة يا "رؤوف" على نفسك مش كده؟ انت ممكن تجيب لنفسك ذبحة صدرية بالشكل ده.
صرخ بصوت عالٍ:
- ما تقولش بالراحة.. دي استغفلتني وذلتني عشان تفرج مصر كلها عليا.. لعبت عليا وعملت البريئة وهي متجوزة وهربانة من جوزها.. بس وديني لأكون مربيها.. وأعرفها مين هو "رؤوف" الصيرفي.
خرج مسرعًا من الغرفة ومعه شياطين الغضب تحركه.. أسرع خلفه "تيسير" هاتفا:
- طب استنى طيب.. فهمني رايح فين؟
ألم وصداع مع كل حركة من رأسها.. يستمر في التزايد حتى أيقظها من نومها العميق.. فتحت عينيها قليلًا.. والرؤية لم تتضح بعد.. شيئًا فشيئًا.. فتحتهما جيدًا.. تستوعب أين هي.. فهذه ليست غرفتها.. ولا هذه مرآتها.. ولا... ماهذا.
برقت عيناها بشكل مخيف وهو يرى وجهه بقربها ينظر لها بابتسامة شيطانية:
- صباح الخير يا عروسة!!!