جلست على أرضية الغرفة الباردة تضم قدميها بين ذراعيه، تستند بذقنها على ركبتيها المضمومة لصدرها، تحتضن نفسها وهي تبكي. تبكي نفسها، وتبكي وحدتها ويتيمها. لأول مرة تشعر كم هي ضعيفة، ولا وزن لها ولا قوة. إنها لا تزن ريشة حقاً. ما كانت به لم يكن سوى قوة مزعومة، قشرة خارجية فقط. هي وحيدة وضعيفة، لا أحد لها ولا أحد معها.
شردت متذكرة كل تصرفات ماجد، من محاوطته لها وتدليلها وإلحاحه عليها بحبه. دلاله وتحمله كل تقلباتها وأفعالها، قربه بعض الشيء منها. حتى أنها أصبحت تعشق مناكفاتهما معاً، ورفضها الصريح الذي يقابله بالتقبل ورحابة الصدر. خوفه عليها، وكذلك غيرته، كل هذه الأشياء كادت أن تتحول إلى شيء جميل، شيء جيد قد يجمع بينه وبينها.
لكنه، وبعدما فعل، لم تعد تكرهه أكثر من أي شخص على الأرض. بما فعل أنساها كل الحلو، وذكرها فقط بالبشع. حتى أنها أنست عمر وما فعل، لا تفكر في خديعته حتى مطلقاً. ماجد جعلها تنسى الدلال والصبر والتحمل وتضحياته التي يزعمها. أطرقت برأسها أرضاً، وقد أظلمت عيناها، وكل شيء يعاد على ذاكرتها كأنه شريط فيديو متسلسل. فأي تضحيات؟
وهو قد عاش بالعيشة التي تستحق مع العائلة التي كان من المفترض أن تكون لها هي. نام بفراشها الدافئ بينما هي تغور بجوار جثث الموتى ليلاً. درس في أحسن المدارس بينما هي كانت تذهب لما لا يمكنها تلقيبه حتى بالكتاب. حتى أنها لم تستطع أخذ أي درس خصوصي، فلم تكن تملك تكلفتها. ليالٍ من الجوع والبرد القارس والحرمان، وهو في بيت الذهبى يحيا مكانها.
وعندما ظهر، قام بتكذيبها وتزوير أوراق تثبت عكس الحقيقة كي يظل محتفظاً بوضعه، وتلقى هي بالشارع. يقول إنه يعشقها وسيتزوجها. كيف؟ فبعد تلك الصورة التي رأتها اليوم منه، تكاد تجزم أنه يريدها عشيقة لا أكثر. فبأي منطق كان سيفاتح عائلته برغبته في الزواج من الفتاة التي ثبت أنها جاءت للنصب عليهم؟
أيقنت الآن أنه اتخذ العشق وسيلة كي يزيحها من طريقه، ولم يستسلم بسهولة إلا بعدما أثبتت بالدليل القاطع أنها ابنة محمود. ليأتي بعدها ويخبرها أنه يريد الزواج منها. كيف هااا؟ كيف؟ إنه نفس المنطق. فكيف سيتقدم ليطلب يدها من الأسرة التي ستكتشف أنه ظل طوال خمسة وثلاثين عاماً يخدعها، بل وظل معهم ببيتهم يعشق ابنتهم، يحضنها ويتقرب منها تحت أعينهم وهم غافلون على أساس أنها شقيقته؟
رفعت عيناها تنظر أمامها. كل شيء خدعة. خدعة كبيرة عاشت بها، بل وكادت أن تصدقها. لا تعلم ما هي نواياه أو مسعاه. ربما أراد الاحتفاظ بباقي أموال الذهبى لو تزوجها، وربما أراد خديعتها مجدداً. لا تستطيع تحديد أعراضه بدقة، لكن ما تستطيع الجزم به حد اليقين أنه خدعها. بل والأكثر أنه اتهمها بشرفها، ولم يؤمن بها أو ببرائتها ولو لثانية واحدة.
أدمعت عيناها أخيراً بعد تماسك طال لفترة، لتبدأ بعدها بالنحيب والبكاء الهستيري، تعود لها تلك الحالة التي تملكتها حينما دلفت لبيت الذهبى أول مرة. فتقف من مكانها، تتحرك بغوغائية، تحاول فتح الباب فتجده محكم الغلق من الخارج. لتزداد هستيريا بكائها، وتبدأ في قذف أي شيء تطاله يدها وهي تصرخ بغضب وعجز شديد. ***
وأخيراً، وصلت غنوة إلى حيها العتيق، تترجل من سيارة الأجرة رفقة أشجان التي تساندها بيد وتحمل حقيبة ملابسها باليد الأخرى.
ليتقدم منها لفيف من الأهالي، رجال ونساء، يطمئنوا عليها، من بينهم حسن. حسن الذي جلس على باب بيته كالأسد الرابط، ينتظر خروج جنيته من الداخل. فمنذ ذلك اليوم وهو لم ير وجهها. توقفت عن مهاتفته بعدما كانت هي من تلح في الاتصال به. هي تقريباً اختفت تماماً. هذا ما طلبه منها، وبادر هو بفعله. قالها لها بمنتهى القسوة والجفاء، طلب منها أن تبتعد وتنسى تلك القصة، قاطعاً أي سبيل للحديث أو حتى احتمالية عودة المياه لمجاريها. لفظها بكل قسوة وعنف، وهو الآن غاضب. غاضب لأنها فعلت، وامتثلت لما أمر، وباشر هو وطلب. وكأنها...
وكأنها بالفعل كانت ستفعل ذلك مع مرور الوقت. كأن ما فعلته سهل هين عليها، وبضغطة زر نسيت كل شيء. كأن حديث والدته صحيح، وها هي تنسى بسهولة. لو كل هذا صحيح، فهو ما زال يريد رؤيتها. يريد رؤيتها ليسألها ويتعلم منها كيف يفعل، كيف ينساها كما استطاعت هي. جلس داخل البيت بحضور أشجان، بوجه أحمر غاضب بشدة أمام غنوة التي ترمقه بنظرات صامتة متيبسة. وأول ما نطقت به قالت: أد إيه انت بجح.
اتسعت عيناه بغضب، فرفعت صوتها عليه أكثر، رغم ألم جرحها، تقول: ده انت تستحق الشنق في ميدان عام. عايز تدبح اللي قدامك وتتقمص إنه عيط. وقفت من مكانها تضغط على جرحها الغائر بيدها، لكنها في حالة من الغل والغيظ جعلتها تستجمع كل قواها وتهجم عليه. لتتقدم أشجان في محاولة منها لمنعها، تذكرها بجرحها. وهو وقف بأعين متسعة غاضبة، لا يتقبل الإهانة، وقال بصوت عالٍ وهيّاج:
كنتي عايزاني أعمل إيه، عايزاني أفضل لما أبقى نسخة تانية من أبوكِ. عند ذكره لتلك السيرة المحرمة، كأنه قد خطى الحدود الحمراء. فزادت هيّاجاً وعصبية هي الأخرى، تردد: أنت اتجننت. بتجيب سيرة أبويا على لسانك. أنت تيجي إيه في أبويا. رد عليها بغضب هو الآخر: لأ مانا جيت خلاص وبقيت مكانه، بس أنا قدرت ألحق نفسي قبل ما أبقى نسخة تانية منه. توقفت عن حدتها وتحركاتها هنا وهناك، تقف أمامه متيبسة كأنها فقدت قدرتها أو رغبتها في الحديث.
بينما هو يردد: اللي أنتِ عمرك ما كنتي بتحكيه أنا عرفته. طول عمري وأنا بسأل، انتي ليه مش بتروحي لأمك؟ وليه مافيش بينك وبينها أي اتصال؟ وليه أول ما ظهرت لك أخت من ناحيتها كانت دي حالتك. عرفت الحقيقة، وعرفتي أمك، وعرفتي أنها هوائية ولعّابة، وعرفتي قصتها مع أبوكِ، وأكيد بنتها طالعة زيها. وأهو كل اللي كنت شاكك فيه وخايف منه حصل. الهانم أول ما قولت لها امشي مشيت. قدرت تمشي. عملتها ومشيت. مشيت وسابتني.
وقف يلهث أمام نظرات غنوة التي ترمقه بتشفٍ، وهو يردد بصوت مختنق لاهث: عرفت تمشي وتنساني. طب وهي بتعمل كده كانت تعمل إيه عشان أنساها أنا كمان. ابتسمت غنوة برضا وهي تراه هكذا، وقالت ببساطة: إيه يا سي حسن؟ مش ده كان اتفاقكم. أخذ يهز رأسه يميناً ويساراً برفض شديد، وهو يردد: لأ ماتفقناش على كده. ماتفقناش توحشني وما أعرفش أشوفها. التفت غنوة تعود للأريكة التي خلفها وجلست عليها متأوهة بألم. بينما تحدثت أشجان التي
تراقب كل ما يحدث بصمت: غلطان يا حسن وغلطك كبير. كنت فاكراك عندك نظر وليك نظرة في اللي قدامك. صوابع إيدك مش زي بعضها يا ابني، والبت دي مش كده، وأنا أشهد. سمعت كلام أمك وقلت البت لأمها؟ غلطان يا حسن. ما عندك غنوة أهي مش زي أمها خالص. أنا عارفة أمهم، وطول عمري من أول ما شفتها لا أطيقها ولا أطيق سيرتها، بس من نظرتي لنغم بقولك لأ، هي مش زيها أبداً. رفع حسن عيناه لأشجان، ثم لغنوة التي رمقته بمقت ونفور، ثم قالت بازدراء:
قوم روح لأمك قوم. ظل بمكانه ينظر لها بعينين متسعتين من إهانتها الساخرة المبطنة، لتكمل مرددة وهي تشيح بيدها على الخارج: قوم يا حبيبي روح لأمك لا تستعوقك. أنا مش فضيالك. رفعت عيناها للسماء بقلب متعب، تردد: يا ترى انتي فين دلوقتي يا نغم. عاودت النظر له تقول: بقولك أخفى من قدامي. ده أنت ما عندكش دم. البت ماتعرفش حد غيرنا هنا. ياترى راحت فين بس. أشجان: لأ تكون سافرت تاني.
أغمضت غنوة عيناها بألم. هل صحيح غادرت وتركته بعدما اعتادت وجود شقيقة من دمها بحياتها؟ إن صدمت في حسن، فما ذنبها هي؟ بينما حسن وقف منتصباً في مكانه، يردد: مش هسيبها. هي مفكرة نفسها إيه، ومفكرة قلوب الناس إيه لعبة في إيدها. أقسم بالله ما سايبها. أنا مش شوية في البلد. استدار ينوي المغادرة، لكنه التفت بغضب يناظر غنوة، مردداً:
قسماً بعزة جلال الله لاعمل اللي صالح ما عرفش يعمله. مش أنا اللي واحدة تدخل حياتي تقلبها وتمشي كده عادي. هجيبها وهقصقص جناحتها لو فكرت تطير. هي مفكرة الدنيا سايبة. غادر سريعاً بخطوات مبعثرة متخبطة، لا يعرف أين يذهب ولا من أين يبدأ كي يصل لها. وغنوة تشيعه بنظرات ممتعضة غير راضية. كل ما تفكر به هو أين ذهبت نغم الآن. ***
كان يقف مقابل صديقه، ينظر له بنفاذ صبر، يتوقع ما اكتشفه الآن ويريده من أجله. مستعد لمواجهة غضبه، فلو طال الزمن أو قصر، بالتأكيد كان سيعرف كل ما فعله. وهو لديه الكثير والكثير من المبررات التي يعتقدها كافية كي يصمت هارون.
لكن الأهم الآن هو العودة سريعاً لعند حبيبته المظلومة. مرعوب من فكرة أنه ظلمها وأهانها، يعملها علم اليقين ويخشى رد فعلها. يعلم فيروز لن تمرر ما حدث. لم يكن رعباً من رد فعلها وحسب، بل قلبه ملتاع، يؤلمه وهو يتذكر ما وضعها به من اتهام مهين. ظلمها ولم يؤازرها أو يظهر ولو حتى كذباً ثقته اللامتناهية بها، بل كان الشك هو أقرب شيء لقلبه.
يعصر عيناه بغضب وهو يتذكر كيف سحلها أرضاً، يجرها على السلم، رافضاً حتى استخدام المعصم، بل تعمد سحقها وجرها خلفه حتى تمزقت ثيابها وانخدش جسدها. لا يزال يتردى صوتها في أذنه وهي تتعوده صارخة بأنها لن تنسى له ما فعل، وسيندم أشد الندم.
أجفل على لكمة عنيفة سددت له من قبضة يد هارون. أطبق جفنيه بغضب، يحاول تماسك أعصابه وتحمل نوبة غضب صديقه، فهي مبررة جداً وهو يعلم. صك أسنانه يحاول كظم غيظه وغضبه، يضع يده على وجنته مكان لكمة هارون، ثم تحدث بصوت غاضب: قلت لك سيبني أمشي دلوقتي. أنا عملت مصيبة ولازم ألحقها، وبعدين نبقى نتحاسب.
لكن ما قاله هكذا ببساطة لم يفعل بهارون شيئاً سوى أن زاد غيظه وغضبه، ليهجم عليه بلكمة أخرى على الناحية الثانية من وجنته. أخذ ماجد يلهث بشدة، يحاول التماسك، فقد بدأ غضبه يتفاقم، وبدأ الجميع في المكان يتجمهرون بينهما. وأمام لكمات هارون الشديدة، رفع ماجد قبضة يده يسدد له لكمة هو الآخر، مردداً: اهدأ يا بني آدم واسمعني. الناس بتتفرج علينا. رد له هارون الضربة يردد:
خليهم يتلموا ويتفرجوا عليا وأنا بضرب صاحبي، اللي كنت فاكره صاحبي، ضهري في ضهري طلع هو بيعمل إيه. وجه ماجد رغماً عنه لكمة لهارون وهو يردد: قلت هفهمك أنا عملت كده ليه؟ ماتكبرش الموضوع وبلاش نخسر بعض. زادت عينا هارون قتامة وهو يردد بهياج: نعم. ما أكبرش الموضوع؟
قبض على ملابسه وسحبه يمسح به سطح البار حتى ارتد على أثره في نهايته، وارتمى أرضاً ليقع عند أقدام بعض زبائن الكازينو. تقدم منه هارون يقبض على ملابسه بمهانة، يوقفه رغماً عنه، وماجد يردد بأنف ينزف دماً: اسمع يا غبي وافهم. كان لازم أعمل كده عشان ده كان شرط مختار عشان الصفقة اللي كلمتك عليها وأنت طنشت. زاد غيظ هارون ومال عليه يبرحه ضرباً وهو يردد:
بعت صاحبك يا واطي. قال لك أخلص منه وأنت نفذت. وبتتكلم ببرود عادي ولا كأنك عملت حاجة. كان يردد كل كلمة بكلمة وهو يزداد وحشية، يردد: بتحاول تقتلني. تقتلني أنا؟ اتسعت عينا ماجد، ينفض يده عنه بغضب، ويجابهه بلكمة قوية وهو يصرخ فيه بجنون: قتل إيه اللي بتتكلم عنه. أنت جرى لمخك حاجة. ضربه هارون في معدته بعدما سدد له ضربة من قدمه، مال على أثرها جسد ماجد لأسفل متألماً، وبعدها باغته بلكمة جعلته يترنح أرضاً. وصرخ هارون:
كفاية بقا كذب وخيانة وبجاحة. أنا إزاي عمري ما شكيت فيك. كل مرة كان بيحصلي حاجة كنت بتبقى أنت الوحيد اللي معايا فيها. بلف أسلمك ضهري وأنا مطمن لك، وعارف إنك حامي ضهري. لييييه؟ عملت كده ليه؟ كان ماجد يتلقى ضرباته، وقد توقف عن رد ضربات هارون. هل يتهمه هارون بأنه هو من يحاول اغتياله من فترة؟ فصرخ به:
إيه اللي بتقوله ده. أنا ما عملتش كده ولا عمري أفكر أعملها. كل اللي عملته هو إني أخدت شوية شغل مهم منك ووقعت الصفقة الأخيرة عشان مختار، وأنا عارف إن مش ده اللي يهدك يعني ولا يوقعك. لكن قتل إيه اللي أنت بتتكلم عنه، أنت اتجننت أكيد. تحدث هارون بغيظ: كفاية بقا بطل تمثيل. كفاية. كفاية أوي لحد كده. توقف عن ضربه، ينظر له بنفور وتقزز، يردد: مش عارف أصدق إنك عملت كده. بس فعلاً كان لازم أبقى متوقع كده من واحد مالوش أصل زيك.
اتسعت عينا ماجد، وتوقف به الزمن عند جملة صديقه الأخيرة بعدما عايره بأصله. وقف ماجد من على أرضية المكان، والكل من حولهما يتابع. ظل كل منهما يتنفس بسرعة من شدة الغضب. فقال ماجد: بتعايرني بأصلي يا هارون. يا ابن الأصول والحسب والنسب. هارون: وندمان على سنين عمري اللي كنت فيها مصاحب واحد زيك. ماجد بجمود: عندك دليل واحد على تهمتك ليا؟ صرخ به هارون:
كل حاجة دليل لوحدها. مافيش مرة اتعرضت فيها لمحاولة قتل إلا وكنت معايا، وفي الآخر طلعت متفق مع مختار. أنا مش هرحمك. هعيشك جهنم على الأرض. هعرفك إنك غلط غلطة عمري لما فكرت تلعب معايا.
رفع هاتفه كي يأمر رجاله بالدخول لتقييده وأخذه، لكنه تفاجأ بوصول الشرطة بعدما أبلغ صاحب المكان عن نشوب عراك بالداخل. لتأتي الشرطة كي تفض الأمر، خصوصاً بعدما علموا بمكانة هارون وماجد. لكن تفاجأ كل منهما وهما يجدان الشرطة تلقي القبض على ماجد، تخبره أنه متورط في قضية مقتل مختار. خرج من المكان وعقله يضج بالفكر. ما علاقته بموت مختار، ولما يتهمه هارون أنه وراء محاولات قتله؟
قبضة قوية تعتصر قلبه وهو يفكر بحبيبته المحبوسة حالياً داخل جدران شقته، يريد العودة إليها سريعاً، يبدي ندمه الشديد، يتحمل منها أي رد فعل حتى تصفح عنه. لكن كل شيء يخرج بعيداً عن حدود سيطرته، وهو مكبل بأساور من حديد، متجه إلى عربة الشرطة، لا يعرف كيف ستخرج فيروز من مكانها. يلعن نفسه وغباءه، فهو قد اختطفها وأحكم غلق بابها بنفسه، ولا أحد يعلم أنها هناك، فيمكنه الذهاب لها كي تخرج من محبسها. صعد سيارة الشرطة وهو ينظر لهارون بنظرات خاوية لائمه، وهارون يردد أنه لن يتركه ينعم بالراحة، وأنهما أصبحا ألد أعداء الآن.
***
جلست نغم على أطراف فراشها في إحدى الفنادق السياحية الفخمة المطلة على النيل، وقد أغلقت هاتفها للتو بعدما أكدت حجز تذكرة طيران لألمانيا. تحاول منع دموعها. قلبها مكلوم على ما حدث معها في سفرة الأحلام كما كانت تلقبها، معتقدة ذلك، بل وموقنة به بشدة. خانها دمع عيناها. فالحياة بدون شخصك المفضل كئيبة للغاية. تأمل أنها تستطيع النسيان وتجاوز تلك الفترة. حسن كان تجربة سيئة جداً، عايشتها وحدها بصمت، وهي تراه مجذوباً لشقيقتها، وبعدما شعرت بالقليل من ميله نحوها وتأملت بغد أفضل معه، جاء هو ليلفذها من حياته كأنها علقة.
كانت تبكي كل ليلة من فرط ما تشعر به وتعيشه. قررت الابتعاد، تخرج من
هذه التجربة بحقيقة واحدة: أنه أفضل للإنسان ألا يحب أبداً. أغمضت عيناها وتقرر ألا تبكي مجدداً، فحتى البكاء لم يعد يكفي للتعبير عن نزيف قلبها. يجب أن تغادر هذه البلاد حزينة على فراق شقيقتها التي تناغمت معها سريعاً وعشقت ذلك الإحساس. تعلم أن غنوة ستغضب منها كثيراً، وربما لن تغفر لها فعلتها، وأنها تركتها وحيدة من جديد. لكنها حقاً لا تستطيع. المكوث معه تحت سماء أرض واحدة يقتلها، يقتلها حتى فكرة أنه يتنفس معها هواء نفس المدينة. تتذكر ذلك اليوم، آخر يوم رأته فيه، وهو يقف يتحدث بعصبية مفرطة مع أحد العاملين معه، متخذة القرار الصحيح
وهي تحكم غلق النافذة: أنه يجب التوقف عن مراقبة شيء لم يعد لك. أخذت نفساً عميقاً وحزيناً، تأمل أنها ربما تستطيع فيما بعد التحدث مع غنوة، تبرر لها لما تخلت عنها وعادت لموطن والدها. تمددت على الفراش في محاولة بائسة منها للنوم استعداداً لطائرة الغد. ***
ظلت تدور في الغرفة حولها، وقد تأخر الوقت كثيراً، ولم يعد ذلك النذل ثانية، كأنه لا يقوم بسجنها هنا. حالتها مزرية، ولديها خدوش وجروح تؤلمها، شعرها مبعثر، وملابسها ممزقة من تعنيفه لها. يأن جسدها كله بالألم، علاوة على الجوع والعطش. مر وقت ليس بالقليل وهي تبحث عن أي شيء يساعدها في الخروج من هنا. تمكن الإعياء منها، وجسدها كله يرتجف، تبكي هوان نفسها وتلك الحالة التي هي عليها. حاولت بشتى الطرق فتح باب الغرفة المغلق، لكنها لم
تفلح. كررتها للمرة العاشرة وبلا جدوى، إلى أن ابتلعت لعابها بصعوبة وألم، تتجه للنافذة المغطاة بستائر. قامت بسحبها، ثم فتحت النافذة، ليتجدد داخلها الأمل من الخلاص وهي تراها مطلة على شرفة اتخذت واجهة البيت كله، تصل بها لشرفة الصالة. فتحتها على الفور وذهبت حيث شرفة الصالة، لتغمض عيناها بتعب وهي تجدها مغلقة بباب زجاجي. بللت شفتيها تفكر، وبيدين مرتعشتين رفعت إحدى المقاعد الموجودة وألقته على الزجاج بعنف، ساعد على كسره،
لتقوم بفتح الباب وتصبح في الصالة، تحاول جاهدة فتح باب الشقة. بكت بحرقة، وشعور العجز والألم يتسلل لها. حاولت التركيز مرة أخرى، واستجماع كل قوتها للخلاص. وفكرت في استخدام سكين لفتح قفل الباب، فاتجهت للمطبخ تبحث عن سكين، وخرجت من جديد تحاول وتحاول بأيدٍ مرتعشة، حتى سقطت باكية ترتجف. تسأل ربها متضرعة أن يخلصها. رمشت بأهدابها سريعاً وهي تتذكر ذلك الباب الموجود في المطبخ يؤدي إلى سلم من المعدن. تهلل وجهها وذهبت متعثرة،
تسقط وتقف، حتى وصلت للباب، تخشى أن تجد صعوبة بالغة في فتحه هو الآخر. لكنها تنهدت بفرحة وهي ترى الباب يفتح بسهولة وطواعية، يبدو أنه قد نسي أمره ولم يغلقه كما فعل بكل شيء. بدون أي تفكير، أخذت تخبط الدرج تلوذ بالفرار من جحيم عاشته لساعات، وعلى يد من؟
على يد ماجد... الذي كاد أن يوهمها بحبه. *** جلس فلاديمير على بار كبير داخل قصره البارد، يرتشف من كأس به نبيذ معتق. ينظر بهوس لشاشة الهاتف المفتوحة على صورة لفيروز، لا يحيد بنظره عنها. تقدم أحد رجاله منه، يتوقف بطاعة، ليقول هو بغضب: هل تقدم بك العمر وأصبحت على مشارف التقاعد ستيڤ؟ التف ينظر له ويردد بفحيح: هل تحتاج سنوات كي تنفذ ما أطلبه؟ قلت لك أريدها، والآن. ابتلع ستيڤ لعابه بصعوبة، ثم قال:
اختفت فجأة سيدي، ولا أحد يعلم أين هي. هدر فلاديمير بغضب: تصرف. أريدها. ضغط ستيڤ على سماعة بيضاء متصلة بأذنه، يسمع منها شيئاً ما، فتهلل وجهه كأنه هرب من عقاب بالقتل بعد هذا النبأ، وقرر نقله لسيده بفرحة وانتصار: وجدناها سيدي. ظهرت الآن ورجالنا خلفها. لمعت عينا فلاديمير والتف له، يردد: أحضرها الآن. هل فهمت؟ لتكن معي الليلة. ردد ستيڤ بطاعة وهو يهز رأسه، قبل أن يغادر: أمرك سيدي.
استدار مغادراً، يترك خلفه فلاديمير، وعاود النظر لصورة فيروز، يردد: آآآآه حلوتي، وأخيراً، ستكونين الليلة بأحضانى. ابتسم بخبث وهو يطالع ضحكتها وشقاوة ظاهرة في عينيها الرماديتين، يردد: وستعاقبين على كل الليالي التي سرقتي فيها النوم من عيني منذ رأيتك. ***
جلس ماجد في سيل من التحقيقات والأسئلة، لا يعرف لماذا تم توجيه تهمة قتل مختار له، أو حتى فرضية تورطه بها. لقد مرر له صفقة عمل فقط، ولا يعرف عن سبب مقتله شيئاً. كان يوم عصيب مرير مر عليه، من أطول الأيام في حياته، كأنه دهر. رأى فيه بعينه تأثير السلطة والنفوذ وفرق المعاملة بينه وبين بقية المتهمين. اسم الذهبى وحده شكل فارقاً. واستطاع المحامي إخراجه بكفالة على ذمة التحقيقات التي لم تتوقف بعد، وقد أخبره محاميه أن القضية كبيرة ولها ذيول وأطراف، ولن تنتهي بهدوء أو بسرعة.
ليدرك حقيقة واحدة كان غافلاً عنها، أنه في أشد الأوقات حاجة لاسم الذهبى بعد اسمه كي يساندَه في القادم، والذي على ما يبدو أنه سيكون صعباً للغاية. ذهب على الفور لاهثاً إلى شقته، يصعد بسرعة ويفتح الباب بحثاً عن حبيبته، ينوي الاعتذار لها وتحمل أي رد فعل حتى تسامحه.
لكن تخشب جسده بعدما فتح الباب بأيدٍ مرتعشة، وظهر له باب الشقة المكسور. ليتذكر سريعاً باب المطبخ المؤدي لدرج خارجي. ركض إليه ووجد الباب مفتوحاً، يعني أنها خرجت منه. هرول سريعاً يخرج من الشقة والبناية كلها، يقود سيارته بسرعة متهورة، يتجه ناحية البيت، فبالتأكيد ذهبت لهناك. يقود وهو يمسح على وجهه بألم، إحساس بالعجز يخنقه، والمرارة كأنها مر العلقم في حلقه. يعلم فيروزته جيداً، ويعلم أيضاً علم اليقين أنه هدم كل شيء بينه وبينها، هذا إن كان قد استطاع بناء أي شيء.
وصل للبيت، يصف سيارته بإهمال، يفتح باب المنزل بتخبط ويدلف للداخل تحت أنظار الجميع. ينظرون له باستغراب تحول لصدمة وهم ينادونه، وهو لا يجيب. هو فقط يصعد الدرج قاصداً غرفتها. وهم من خلفه مستغربين حالته ولما ينادي شقيقته بهذه الطريقة المريبة. فتح باب غرفتها، يهجم عليه، ليهوي قلبه بين قدميه وهو يجدها فارغة منها. التف لهم بعينين حمراوين ووجه مصفر هلعاً، يردد بتلعثم: فين فيروز؟ نظر له مصطفى بريبة مردداً:
هي مش خرجت معاك الصبح؟ أنا اللي عايز أسألك هي فين، وإيه اللي حصل في القسم؟ وهي راحت فين لما اتقبض عليك، ولا أصلاً إيه دخلك بحكاية قتل مختار؟ كان يتنفس سريعاً، يبتلع ريقه بصعوبة بسبب جفاف حلقه، يستمع لسيل من الأسئلة من محمود تارة، ومصطفى تارة أخرى. كل هذا هراء، غير مهم، هم أنفسهم غير مهمين وهو كذلك. الأهم الآن حبيبته... فيروز.
رفع هاتفه يحاول الاتصال بها للمرة الألف، وللمرة الألف أيضاً هاتفها مغلق. كانت أنظار محمود ومصطفى مسلطة عليه، وقد قذف الخوف لقلوبهما وهما يشاهدان حالة الهلع التي تملكتَه، ترتجف أوصاله وهو يحاول الاتصال بها، وأصبح السؤال الأوحد والأهم عندهـما: أين فيروز؟
وضع يده على وجهه، يحاول أخذ أنفاسه، وبشق الأنفس يمنع دموعه التي لم يسبق وذرفها من بعد سن الثانية عشر. كان بكاؤه سابقاً خوفاً وهلعاً من تهديدات فريال، إلى أن وعى قليلاً وأدرك أن في وجوده أمانها وليس العكس. ومن يومها، وبسبب نوبات بكائه والحالة التي عاش بها لسنوات، أقسم ألا يبكي أبداً، إلى أن جاءت فيروز.
زادت دقات قلبه وهو يجد اتصال فيديو من شخص ما. زادت مرارة حلقه، وعقله يرمي إليه بمئات السيناريوهات، كلها أبشع من بعض. بأصابع مرتعشة وترقب خوفاً من أخبار سيئة، اضطر لفتح الهاتف. جعد بين حاجبيه وهو يرى شخصاً أمامه غريباً لم يسبق وأن رآه، وابتسامة شر ممتزجة بانتشاء منبلجة على وجهه البارد، يردد بينما يحرك إصبعه على فوهة كأسه: أهلاً أيها العربي. زم شفتيه بازدراء، يغمض عينيه ويتصنع التذكر فيما يردد: أظن اسمك ماجد...
ووصمت يزيد من الضغط العصبي عليه، ثم أكمل: تبحث عن شيء تقريباً... تضخمت نبضات قلبه وزاد معدل الأدرينالين في دمه، ينظر للهاتف كأنه سيتحول لشخص آخر، مردداً: من أنت ومن تعني بحديثك الأخير؟ بنبرة شيطانية وهالة من الغموض والهيبة، ضحك قهقه بصخب، مردداً: أنا من تجرأت ولعبت معه عزيزي، أنت ومختار، وسرقت ماساتي الغالية.
صمت، وضع كأسه، ومد يده على صحن الفواكه الموضوع بجواره، يلتقط منه إحدى حبات التوت البري، ينظر لها بتلذذ، مردداً: لكنها لم تعد أغلى من هديتي التي اختارت أن أحصل عليها عوضاً عن الألماسة. كان يردد حديثه وهو ينظر لحبة التوت كأنه يعنيها أو يصفها، ثم التهمها مهمها بتلذذ وهو يغمض عينيه، يكمل باستمتاع: شيء مقابل شيء. صرخ فيه ماجد وعقله يضج بالأفكار، ولا ينقصه مراوغة ذلك الماجن: تحدث بوضوح، تقصد من؟ أنا لا أفهمك.
ابتسم فلاديمير وجذب ببطء شديد جهاز لوحي آخر كان موضوعاً مقابل منه، مفتوحاً على الكاميرا المسلطة على فيروز. انهار ماجد وهو يرى فيروز نائمة بهيئة مزرية، توضح أنها مخدرة، في طائرة تبدو خاصة، في سماها متجهة إلى وجهتها الآن خارج حدود يده. شعور بالعجز وفوران الدم يغزوانه، ولا يجد ما بيده كي يفعله، خصوصاً وهو يستمع لصوت فلاديمير يردد: أقصد صغيرتي الجميلة، لا تعلم كم أشتاق لاحتضانها بين ذراعي.
استحالت عينا ماجد لنيران، ووجهه مكفهر، يستمع له وهو يقلب الهاتف في يده وينظر لها عبره بوله، مردداً: أميرتي النائمة. ليصدح صوت ماجد وهو يزأر كالأسد الحبيس: سأقتلك، سأقتلك إن اقتربت منها. قهقه فلاديمير بصخب، وهو لم يشح بعينيه عن صورة فيروز، يردد قبلما يغلق: إلى اللقاء صهري العزيز..... *** وصل هارون إلى الحارة التي تسكنها فيروز، يصف سيارته أمام باب منزلها، وهو يهاتف مديرة أعماله:
لأ مش هستنى كل ده يا هويدا. نص ساعة ويكون عندي مأذون غيره، و أستنى لما آخد كام صورة لينا بعد كتب الكتاب عشان تنشريها على كل الصفحات العامة، فاهمة، عايز الخبر ينتشر... سلام.
ترجل من السيارة، يحاول نسيان غدر صديقه، ينتظر فقط خروجه من محبسه كي يصفّي باقي حسابه معه. لكن ليتجه الآن حيث موطن راحته وحلاوة أيامه. بشيء من التقزز والنفور كان يتقدم وهو يطالع سكان الحارة وبيوتها العتيقة الآيلة للسقوط، كلها إلا من بعض البنايات الحديثة نسبياً، لكن تظل بأشكالها وألوان دهانها أقل من شعبية. حاول التغاضي عن كل ذلك ولو لمدة نصف ساعة، ليتحامل على نفسه فيها كي يبطل شرط حبيبته في رغبتها بعقد قرانها ببيت والدها.
دلف داخل البناية كما ينص العنوان، ينظر للجدران المتهالكة بضيق، يضغط على نفسه حتى يأخذ حبيبته من هنا. وقف أمام باب شقتها يدق الباب. ثوانٍ وفتحت له بوجهها المشرق، تردد بصدمة: هارون؟
لكنه ابتلع اسمه وشهقتها معاً، وهو يهجم عليها يقبلها بعمق وتهور، يضمها له وهو يتقدم للداخل، يغلق الباب بقدمه. تمر إحدى يديه بلا أي تردد على مفاتنها، يفترسها بيد جائعة، والأخرى تطوق خصرها. أنت غنوة بخفوت، مما زاده إثارة وتهور، يزيد من ضمها له، يبحث عن أول أريكة خلفه كي يزيد في أخذ راحته. بالفعل تعثرت قدمه بأحد الأرائك، فمال بها كي يستريح عليها، وهي ما تزال بين ذراعيه، يعتصرانها برغبة حارقة أفقدتها هي الأخرى تركيزها، وشعر بها لأول مرة تبادله تهوره. فأبتسم من بين قبلاته بسعادة حقيقية، وبدأ في فك أزرار منامتها، يكشف عن جسدها الرائع.
شهقت برعب وهي تسمع صوت دقات الباب، والذي انتشلها من تلك المشاعر الجارفة المحمومة التي أخذته فيها هارون. فجأة... لتدرك ذوبانها بين يديه وانسجامها معه، بل وشعورها بالاستمتاع أيضاً. انتبه هو أيضاً نتيجة لتصلب جسدها بين أحضانه بدلاً من الانصهار، ينظر لها فيجدها محمرة الوجه، لا تستطيع رفع أنظارها فيه. هم كي يسأل عن السبب، ليدق الباب مجدداً، ويستمع لصوت أشجان تردد: افتحي يا بت يا غنوة. حمرتلك الفرخة. صك أسنانه بغل، مردداً:
يا دي الفراخ اللي مش وراكوا غيرها. ترك غنوة تحاول استيعاب فداحة ما فعلت، وذهب هو ليفتح الباب، يكتف ذراعيه حول صدره، مردداً: شامورت برضه؟ نظرت له أشجان بنزق، ثم قالت: إنت بتعمل إيه هنا يا معدول. رفع إحدى حاجبيه، يردد: معدول! سب من بين أنفاسه، ثم تحدث بضيق: جاي عشان أكتب الكتاب وسط الحتة هنا، وآخد مراتي وأمشي. أظن كده أبقى بطلت حجتك ولا إيه؟
اصفر وجه أشجان وحولت أنظارها إلى غنوة، فتجدها شاحبة الوجه هي الأخرى، تنظر أرضاً بأنفاس لاهثة. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم قالت: لأ عداك العيب. وحيث كده بقى يبقى حتماً ولابد نبل الشربات. دلفت للداخل قاصدة المطبخ، وهو اتجه لغنوته، يجلس بجوارها مردداً: ست لا تطاق ولسانها مبرد. لأ وداخلة مزاج كاظم أوي. طول عمره وهو غريب حتى في المزاج. التف يضم غنوة له مبتسماً، ثم قال: مبروك يا حبيبتي. ابتسمت له بصعوبة، فمال برأسه على كتفها،
يردد: وأخيراً النهاردة هنام في حضنك. تنهد بأنفاس ساخنة، يردد: أعملي حساب إني هبقى لازق في ديلك زي العيل الصغير. أنا ما صدقت لقيتك، أنتي أمي اللي اتحرمت منها. مش هسيب حضنك ثانية. حتى مش عارف هعمل إيه في شغلي، وكمان أنا بفكر... قطع حديثه تقدم هادمة اللذات، وهي تضع كأسين من الشربات أمامهما، وتبتسم مرددة: اشربوا يالا يا عرسان. على ما أروح أنادي أهل الحتة دول هيفرحوا أوي. ابتعدت مغادرة، ثم التفت لهارون، تردده:
اشرب شرباتك يا عريس. ألا ده فال وحش على الجوازة. ليسارع في رفع كأسه لآخر قطرة، وهو يردد: لأ فال وحش إيه ده أنا ما صدقت. خرجت سريعاً تنادي أهل المنطقة، بينما هو يكمل كأسه لآخر قطرة تحت أنظار غنوة. *** وقفت نغم في المطار تستمع لصراخ والدتها عليها: ماذا الآن؟ ألم تكن تلك هي بلدك وترغبين في المكوث بها فترة أطول؟ وحينما أطلب منك أنا ذلك تقولين إنك تريدين العودة. صرخت بها نغم هي الأخرى تردد:
نعم، ولن أبقى هنا كثيراً. لن أجعلك تستغلينني كي تحكمي مخططك ضد غنوة. بادلتها والدتها الصراخ تردد: ضدها كيف يا غبية؟ أتعلمين أي شيء عمن تتحدثين؟ إنها فرصة الأحلام. بصوت ناقم كاره، رددت نغم: أعلم المدعو "ألبير" جيداً، وأنه ضمن قائمة أغنياء العالم، وأعلم أيضاً كم دفعت لكِ مقابل شقيقتي. إنها ثروة. رددت أمها بصوت حاولت صبغه بالبكاء: ما دمتِ تعلمين، لما تصرين على الوقوف ضدي؟
قد أسجن في أي وقت إن لم أسلمه غنوة. لقد صبر عامين كاملين، وقد أخبرني صراحة أن الشوق يقتله ولن يصبر كثيراً. ساعديني يا نغم بأن أمهد لها القصة. فقد أخبرني أنه وخلال شهرين إن لم أتصرف فسيفعل هو. أطبقت نغم جفنيها بألم، ثم رددت بصوت مهزوز: إذاً، بدليني أنا بها. اتركي غنوة وشأنها. يكفي ما مرت به وحدها. صرخت فيها والدتها تردد: يا غبية، يا غبية. ألا تظنيني قد حاولت؟
لأ، فعلت وعرضت عليه الكثيرات من أقاربي العربيات أيضاً، فهي ابنتي على كل حال. لكنه مصر على غنوة إصرار قذف الرعب في قلبي. زاد الرعب في قلب نغم على شقيقتها، مدركة الخطر الذي يدور حولها وهي لا تدري عنه شيئاً. فقرت استغلال تأخر إقلاع الطائرة بسبب الظروف الجوية، وأن تذهب لغنوة تحذرها. فتحركت على الفور مغادرة، تردد ببرود قبلما تغلق الهاتف: أعذريني، فأنا لن أساعدك فيما تريدين أبداً.
ثم أغلقت الهاتف سريعاً، تنهي سماع صوت والدتها وهي تصرخ عليها، وتحركت قدماها سريعاً تستقل أول سيارة أجرة متجهة إلى حي الغورية. ***
فتح هارون عيناه بتشوش وتخبط، يشعر بثقل في جسده وسائر أوصاله. تأوه بخفوت وهو يشعر بصداع يعصف بدماغه، يحاول تذكر ما حدث وأين هو. رمش بأهدابه يرى سقف غرفة نوم ببيت قديم، ليتذكر على الفور أنه ببيت غنوة. اتسعت عيناه وهو يشعر بيداه وقدماه مقيدتين بأصفاد معدنية. هز رأسه باستنكار، يحاول الاستيعاب، يرفع أنظاره على صوت أقدام مترددة تقترب منه، ليبصر غنوة وهي تقف أمامه، فردد ضاحكاً: إيه يا حبيبتي اللي حصل؟
وبعدين إيه التكتيفة دي؟ ثوانٍ والتوى شقه بابتسامة جانبية وقحة، يغمز لها بعينه مردداً: مش تقولي إنك ليكي في الجو ده. سسس يا شرس يا خطر أنت. ابتلعت لعابها بصعوبة واقتربت منه، تردد بوجه صلب جامد: نفسك في إيه قبل ما تموت؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!