حاول قدر المستطاع كبت ضحكاته لكنه لم يستطع وانفجر ضاحكاً حتى لمعت عيناه. بينما كاظم ينظر له شذراً ثم قال: بتضحك على عمك يا واطي، طول عمرك واطي أوي. هارون: بعض مما عندكم يا عمي، أنا مش مصدق نفسي بجد، بقا معقول كاظم الصواف زير النسا ومنبع المليطة يحصل فيه كده؟ تبقى دي نهايته؟ صحيح يا ولاد، الحجر الداير لابد من لاطه. وقف كاظم مترنحاً وهو يردد: طب حاسب بقا عشان الدور عليك، أنا حاسس أنهم هيفضلوا ورانا لحد ما يجيبوا أجلنا.
زم هارون شفتيه مستنكراً وسأل: ده على أساس أنها هي اللي كانت بتجري وراك، يا عمي... يا عمي قول كلام غير ده، ده أنا ابن أخوك يعني ستر وغطا عليك. تأوه كاظم متألماً ثم قال: طب لعلمك بقا هي عينها مني، أيوه أسألني أنا، يتمنعنن وهن الراغبات، تحب احلف لك. ضحك هارون وقال بينما إصبعه على كدمات عمه: يا راجل من غير ما تحلف ده حتى باين على وشك. نظر له كاظم بجانب عينه وقال ساخراً:
اللي يشوفك يقول الواد الفيت اللي ما فيش منه، أمال لو ما كنتش مساويك على الجنبين زي الرنجاية كنت عملت فينا إيه. اتسعت عينا هارون بصدمة يردد: رنجاية؟ أنا رنجاية؟ كاظم: بصراحة أه، أنا مش عايز أقولك من زمان بس بصراحة بقا هي دي الحقيقة وشكلك بقا وحش أوي، فين هارون، الباد بوي اللي لا عنده ذمة ولا مبدأ، كان يخلص أي حاجة عايزها في مينت، من ساعة ما قلبك بقا قلب خساية وانت مش عاجبني خالص.
تحرك كاظم متأوهاً يصعد الدرج واحدة بأخرى حتى وصل لغرفته تاركاً هارون خلفه وقد اخترق الكلام عقله. بالفعل تلك لم تكن أبداً شخصيته، لقد تغير كثيراً مع غنوة، ربما هو مجبر على ذلك، أجبره عشقه لها. انتبه على صوت أشجان وسيل من السباب النابي قادم من أعلى، ثم هبوط كاظم الدرج وهو يتأوه بخفوت يردد: الخلوقة المحترمة، رفضت بكل أدب، لسانها ده ما يعرفش العيبة، بقولك إيه خلي حد ينضف لي أوضة من الأوض المقفولة.
نظر له هارون بجانب عينه ثم ترك له المكان ودلف لغرفة مكتبه يعيد حساباته من جديد. -خرجت نور من آخر محاضراتها، اليوم كان طويل ومرهق إلى حد كبير. جلست على أول درجة من درجات السلم الرخامي أمام كليتها تنتظر مرور زينب أو يوسف، أي منهما أولاً. كان الإجهاد قد تمكن منها علاوة على ألم أسنانها والذي أصبح شبه يومي، فلم تكن بمزاج جيد أو حتى صحة جيدة، لذا التزمت الصمت وجلست بعيداً عن باقي زملائها المجتمعين في حلقة كبيرة حول بعضهم.
واتكأت برأسها على ذراعيها تدفن وجهها بهما من شدة الإرهاق. ثوانٍ ورفعت رأسها إثر الصوت الصاخب القادم من عندهم، كانوا يهللون بسبب شيء ما. والملفت للنظر هو احتفاؤهم بشخص واحد. ضيقت عيناها تركز لتفطن هويته، ومن غيره معذب قلب فتيات جامعة القاهرة عامة وكلية حاسبات ومعلومات خاصة. تتذكر الصور والفيديوهات الطريفة التي قضت الليل كله تشاهدها لهم على مجموعة الكلية، وكان هو تقريباً بطل كل هذه الفيديوهات بسبب التفاف الكل حوله.
تنهدت بتعب وعادت لتدفن رأسها بين ذراعيها، متى يأتي يوسف ويأخذها للبيت، هي فعلاً مرهقة جداً. لتشعر بعد أقل من دقيقة بشخص يجلس لجوارها. رفعت وجهها لتعرف من، توقعتها زينب لكنها صدمت به. ترك كل المتجمعين حوله وجاء لعندها. إنه سامر المصري، وقد جاءها بقدميه. تنظر له بتفاجؤ وهو فقط يركز بنظره على عيناها البنية والصمت هو الشيء المتبادل بينهما، إلى أن ابتسم بعذوبة وقال: أعملك إيه، ما كانش ينفع معاكي غير كده.
هزت رأسها بجنون، ماذا يقصد عندما يتحدث. ابتسم مجدداً بثقة ثم قال: طول الوقت بنبص لبعض، أنا أبص لك وأنتي تبصي لي وما فيش حد فينا عنده الاستعداد يبادر هو، فقولت مابدهاش بقا، أجي أنا وأتعرف عليكي. جعدت ما بين حاجبيها ولم يعجبها حديثه، رغم أنها بينها وبين حالها تعلم أنه صحيح، لكنها قالت: بنبص لبعض؟ فين ده، أنا دي تاني مرة أشوفك بس. رفع إحدى حاجبيه وقال:
أممم، معقول أنا كل ده بيتهيألي، أكيد أنا مش بالعبط ده، بس بصراحة أنا كنت مستني تعملي زي كل البنات وتيجي أنتي تكلميني، لكن ما عملتيش كده، يمكن ده اللي شدني ليكي أكتر. انزعجت جداً من غطرسته في الكلام، تغير انطباعها عنه من الإنجذاب للنفور، فوقفت تردد:
واضح إنك واخد مقلب كبير في نفسك، مش عارفة أنت جايب الثقة دي منين، وعلى فكرة أنا أه كنت باخد بالي منك وبشوف ناس كتير حواليك، وده خلاني افتكر إنك شخص واو وكده، بس بعد أول كلمتين منك عرفت إن المظاهر خداعة. تركت له المكان وغادرت سريعاً بغضب، لأول مرة يقلل أحدهم من شأنها هكذا كما فعل. تجلى الضيق على وجهه وهو يراها تغادر غاضبة منه، فاقترب منه أحد أصدقائه مردداً: غلط، الدخلة كانت غلط، طيرت البت، منك لله.
نظر سامر عليها وهي ما تزال تسير في الحرم الجامعي مغادرة بغضب وقال: أعمل إيه بقا، أول ما بصيت لها فيس تو فيس وعيني جت في عينها اتلخبط، هموت عليها. هز صديقه رأسه وقال بيأس: خلاص خلاص، فكك. اتسعت عينا سامر وقال بإصرار: لأ، أنا هحاول تاني، وأكيد هعرف أصلح اللي حصل. نظر لصديقه ينتظر تأكيده على ما يقول، لكن صديقه قال: ما أظنش، الانطباعات الأولى تدوم، وعامل لي فيها فتك ومدوب البنات، اتحرك قدامي اتحرك.
-وقف بسيارته في مكان على الطريق الصحراوي، خالٍ تمام. ظل لدقائق داخل السيارة ينتظر إلى أن تقدمت سيارة أخرى وقلبت نور كشافاتها لثلاث مرات متتالية، وفعل هو كذلك. على ما يبدو أنها علامة تم الاتفاق عليها بينهما، لذا اطمأن قلبه وترجل من سيارته وفعل نظيره بالمقابل. حتى تواجهها في الظلام الذي لا يكسره سوى ضوء كشافات السيارتين. نظر ماجد للماثل أمامه بغضب ثم قال بلكنة أجنبية: هل ستقدر هذه المرة أم أنها مجرد محاولة فاشلة أخرى.
زم الرجل شفتيه بغيظ وقال: لن يحدث، فتلك المرة نفذت لأجل المال الذي تقاسمته مع صديقي، صديقي الذي قتله ذلك الوغد في أقل من ثانية، هذه المرة مختلفة، فهي مسألة ثأر، يجب أن يقتل كما قتل صديقي. زم ماجد شفتيه بتوجس وقال: أتمنى ذلك. تحرك ناحية سيارته وأخرج منها حقيبة سوداء، ناولها للرجل الآخر ثم قال:
بتلك الحقيبة نص المبلغ المتفق عليه، والنصف الآخر ما أن أرى رأس فلاديمير. يجب ألا يخرج حياً خارج مصر، هو من قدم لمصر بقدميه خلفي، لذا سأنشئ له قبراً بها، هل فهمت. هز الرجل رأسه والغل في عينه لم يقل كثيراً عن ماجد الذي تحرك سريعاً يغادر ذلك المكان، وكذلك فعل الآخر. عاد للبيت بخطى ثقيلة متعبة، ومثلما يفعل كل مرة ذهب لغرفتها أولاً.
فتح الباب لتتسع عيناه ويتوقف عقله عن العمل وهو يراها تقف في منتصف الغرفة متخصرة بشال من الحرير، تتمايل في كل الاتجاهات على أنغام موسيقى شرقية. التهبت كل حواسه وتخشب جسده، كانت مغوية لدرجة العذاب. شهقت بخفوت وهي تشعر بأحدهم يقترب منها، حتى التصق ظهره بظهرها يوقف حركة خصرها السائل والذي يتمايل مع أنغام الموسيقى يميناً وشمالاً. أغمضت عيناها مبتسمة وقد تعرفت عليه، ومن غيره قد يفعلها. ليردد بصوت متعب:
بتعملي إيه الله يخربيتك، هو أنا ناقص. ابتسمت وقالت: برقص، أنا بحب الرقص أوي، ما فيش حاجة بتغير لي مودي غيره. ماجد: وتجلطيني أنا، روحي اقلعي البتاع ده، أنا دقيقة كمان وهفقد أعصابي. التفت له تنظر لعيناه ثم قالت بعبث: ليه ماله؟ ملس بأصابعه الغليظة على شفتيها وردد بصوت ملتهب النبرات: حلو، أوي، أنتي أصلاً لوحدك مجننانني، وكمان تلبسي كده عايزة تعملي فيا إيه؟ روحي غيري. رفعت إحدى حاجبيها وقالت بعناد متلذذة: لأ.
اقترب منها يلف خصرها بذراعيه القوية ثم قال: ولما ما أقدرش أمسك نفسي يبقى ساعتها إيه العمل. قال جملته الأخيرة بأعين مظلمة من رغبته الجارفة، وعلى ما يبدو أن طاقة تحكمه في نفسه قد استنفذت، وبدأ يمد يده بأنفاس لاهثة غرضه فتح أزرار قميصها الوردي. فشهقت بهلع تبتعد عنه مرددة: أنت بتعمل إيه يا ماجد! أهمل كلماتها، بل على ما يبدو أنه لم يستمع لها من الأساس، وقربها إليه بإصرار يقول بأعين مظلمة: تعالي يا فيروز.
ابتعدت عنه أكثر حتى اصطدمت بالجدار من خلفها وقالت: أنت أنجنيت يا ماجد! مش كفاية اللي حصل قبل كده. وأخيراً استفاق على نفسه يمسح على شعراته بجنون يتنفس بوتيرة سريعة وعالية يحاول ملاحقة أنفاسه، ثم قال: أعمل فيكي إيه بس جننتيني بجمالك ودلعك، قولت لك غيري لبسك ده عايز أخرج بيكي من هنا من قبل ما حد يحس أو يعرف بحكايتي معاكي. جعدت ما بين حاجبيها واعتدلت في وقفتها بانتباه تسأل: يعني إيه؟ وتخرج بيا إزاي! وعلى فين؟
بلل شفتيه وقد جف حلقه من هيئتها المهلكة لأعصابه وقال: وأنا هعرف أكلمك وإنتي كده، أنا مش عارف أمسك نفسي قدامك، عشر دقايق تغيري وتجيلي على أوضتي. هم ليتحرك لكنه توقف وقال: ولا لأ، أوضتي لأ، أنا بردو مش ضامن نفسي، تعالي لي تحت في الجنينة أوكي. هزت رأسها إيجاباً وتحركت سريعاً كي تلحق به.
بعد قليل الدقائق خرجت إليه في الحديقة الكبيرة والفارغة تماماً من أي شيء، فقط نجيله طبيعية خضراء تكسو رقعة كبيرة من الأرض تسبق بحيرة صناعية خاصة بقصر عائلة الذهبي. التف إليها وقد سبقها لعنده عطرها، يراها وهي تتقدم في ثوب كريمي فضفاض، تباً لها حتى لو ارتدت شوالاً من الخيش تظل جميلة ومغرية. صورتها وهي بذلك الرداء الوردي مع حزام الخصر لا يبارح مخيلته مطلقاً.
حاول هز رأسه لينفض تلك الأفكار على الأقل مؤقتاً حتى ينفذ ما سعى له وخطط. توقفت أمامه تقول بابتسامة عابثة وكأنها قد أقسمت على إرهاق أعصابه: كده كويس؟ مد يده يجلسها لجواره ثم سألها مباشرة: فيروز أنتي بتحبيني؟ تلعثمت في الرد، لقد باغتها بسؤاله، بللت شفتيها وهي تبحث عن الإجابة وقد تجلت الحيرة على ملامحها، فقال: قولي اللي حاسة، حتى لو مش مفهوم، أنا أكتر حد هيفهمك لأني أكتر حد عاش الشعور وعكسه. ابتلعت رمقها وحاولت البدء في
الحديث للتعبير عن نفسها: أنا بحس إنك بتوحشني، ولما بتخرج ببقى عايزة أطمن عليك، وإنت بتحبني أوي. ماجد: يعني وافقتي تبقي معايا عشان بحبك؟ أنتي لأ؟ رفعت عيناها الرصاصية له وقالت: ماجد أنت تخوف، أنا أخاف أحبك، أنا حتى أخاف أتجوزك. احتدت عيناه وقبض على معصميها يهزها بغضب مردداً: يعني إيه أخاف أتزوجك، انتي مش من يومين بالظبط وافقتي، وقربنا من بعض، كل ده كان إيه؟ حاولت الابتعاد عنه وقد دب الرعب داخلها تردد:
شوفت، هو ده اللي أنا بتكلم فيه، مجرد كلامي معاك عن إن ممكن أرجع في كلامي خلاك تتحول لشخص تاني، شخص بيخوفني، وأنت هو هو نفس الشخص اللي من ثواني قالي اتكلمي باللي جواكي وأنا هفهمك، من كلمة كل ده اتبخر. رد عليها بقلب ملتاع: عايزاني أعمل إيه وأنتي بتقولي إنك رجعتي في كلامك، جوازك مني حاجة ما فيها كلام يا فيروز، أنتي بتاعتي و هتفضلي بتاعتي. فيروز:
أهو شوفت، هو ده بالظبط، كلامك بيخوفني بيحسسني إني أسيرة ليك، ده غير غيرتك اللي مش عادية وشكك فيا، أنا لسه فاكرة اللي أنت عملته كويس أوي وما نسيتش. هتف فيها بحدة: ما هو من غيرتي عليكي، أعمل إيه؟ بحبك ومجنون بيكي أنتي كمان لازم تقدري قلبي وإحساسي اللي بعيشه لو شفت حد مقرب منك، وتعرفي إنه إحساس وحش أوي، لا يحتمل فتتجني إنك تعرضيني ليه، هو أنا لو شخص غيور وربنا خالقني كده هيبقى الحل معايا إيه؟
إنك تسبيني عشان أموت في بعدك ولا تحترمي مشاعري. صمتت بحيرة لا تعلم هل معه الصواب أم عليه. تنهد بتعب يمسح شعره الكثيف ثم قال: يا فيروز أنا بعشقك، كل حاجة ممكن يكون ليها حل، بس وإحنا مع بعض. صمت لثوانٍ ثم أكمل: وإنتي هتيجي معايا. قال تلك الجملة بتأكيد وإقرار، لا يتناقش بل قد قرر وهو الآن يخبرها فقط. نظرت له بغضب ثم قالت: قررت يعني زغ بتعرفني. ماجد: فيروز أنتي بتاعتي وكده وكده أنا كنت هاخدك وأنا ماشي. هتفت بقوة:
مالك بتتكلم عني كده كأني شنطة هدومك. ابتسم لها يردد: لأ، أنتي حياتي، مش هينفع أمشي من غيرك. نظرت له بتيه لا تعلم ماذا تقول لكنها عادت تسأل: أنت عمال تقول ماشي ماشي وهاخدك وأنا ماشي، أنا مش فاهمة حاجة، ماشي فين وقصدك إيه؟ ماجد:
عيلة الدهبي مش هيعدوا الموضوع ده بالساهل، انسى كل الكلام اللي قولتي لفريال، أنا سبتك تقوليه عشان تخوفيها بس لكن هو مش حقيقي ومش هيتقبلوا الموضوع، وإن حصل واتقبلوه فمستحيل يسيبوني أتزوجك يا فيروز، عشان كده لازم نهرب من هنا. شهقت بصدمة فأكمل: نمشي عادي كأني واخد أختي الصغيرة أفسحها ونسافر بعيد ونتجوز ونخلص من كل الهم ده. كانت تستمع له وهي متخبطة مصدومة، والأفكار تتوافد على عقلها، بداخلها
الكثير من الأسئلة وأولها: طب والعيلة هنا. ماجد: أنتي مستنية منهم حاجة. فيروز: أيوه أنا.... قاطعها قائلاً: أنا عندي اللي يعيشنا ملوك إحنا وولاد ولادنا وخلاص، سألت كل الأصول وبعت كل حاجة وحولت الفلوس النهاردة على بره وإحنا هنحصلهم بكره. شهقت بقلق تضع يدها على فمها مرددة: بكره؟ ماجد: أيوه ما فيش وقت، فلاديمير عايز يتجوزك آخر الأسبوع. زاد الرعب داخلها والأفكار تتزاحم وتتداخل لحد التعاقد والتشابك، فتسأل:
طب، طب والراجل ده صحيح هو وعصابته هتعمل معاه إيه؟ ماجد: لازم نخرج برا مصر الأول بطيارة خاصة هتجيلنا هنا على سطح البيت الساعة أربعة العصر، هيكون ما فيش حد هنا ولا حتى الخدم، مش هينفع ناخد الطيارة من أي مكان تاني لأنه مراقبنا. ابتلعت رمقها بخوف وسألت: وافرض حصل زي المرة اللي فاتت؟ ماجد:
الغلطة دي عندي كان لازم قطع الراس الكبيرة من الأول، قبل ما تتحرك بينا الطيارة هيكون فلاديمير سافر للي خلقه، وساعتها بقا يبقى يعرف إن كان ابن الطبيعة ولا لأ. اتسعت عيناها برعب وقد صدمت فيه تسأل: هتقتله؟ نظر لها بغضب بسبب غبائها ثم قال ساخراً: لأ إزاي، أسيبه هو يقتلني، اصحي يا فيروز ده واحد القتل عنده زي صباح الخير عندنا.. يعني قتله شوية عليه. رفرفت بأهدابها متلعثمة ومتخبطة، لكنه لم يعطها فرصتها وقال:
تطلعي دلوقتي على أوضتك وما تخرجيش منها، ما تخافيش أنا مأمن البيت هنا كويس جداً، معادنا بكرة أربعة إلا عشرة، فاهمة يا فيروز. كانت تستمع له بصمت وتيه، فقال مجدداً: فاهمة؟ هزت رأسها إيجاباً وتحركت سريعاً لغرفتها تشعر بالخوف والهلع، قلبها غير مطمئن إطلاقاً. -ظل بمكانه لفترة طويلة ينتظرها، إلى أن ضاق صدره، فهاتفها وقد تمكن الضيق منه. لتجاوبه بعد عدة مرات من الاتصال: حبيبي، وحشتني. لكنه كان في أعلى درجات غضبه،
فسألها بجمود: أنتي فين يا غنوة؟ غنوة: مالك يا حبيبي؟ هارون: بأسألك سؤال أنتي فين كل ده؟ أنا بقالي فوق الثلاث ساعات مستنيكي. غنوة: أنا خلاص في التاكسي وقربت على البيت. هارون: تمام مستنيكي، أنا في المكتب. ثم أغلق الهاتف منزعجاً وعاد برأسه للخلف بضع دقائق ينتظرها إلى أن فتح الباب ودلفت لعنده تقف متسائلة بأستنكار: مالك يا هارون؟ نظر لها نظرة شمولية من قدميها حتى رأسها ثم قال: تعالي عندي.
نظرت له بريبة، بالفعل نظراته وطريقة كلامه كانت مريبة، فسألت: فيك إيه يا هارون، مالك؟ فقال بأمر: قربي. ظلت صامتة لا تتحرك أو تتكلم، فقال بشبه استنكار وسخرية: تعالي أحضنيني، إيه؟! مش عايزة تسمعي دقات قلب أبوكي؟ ألقى جملته عليها وهو يراقب عن كثب كل الانفعالات المتداخلة والتي مرت على عيناها وملامحها، تألم قلبه قليلاً ثم قال: تعالي.
أخذت تقترب بخطوات مترددة ومشاعر غير مفسرة حتى ما عاد هناك مسافة تفصل بين جسديهما، تنظر لعيناه وهو ينظر بعيناها التي يلاحظ انحدارها من النظر لعيناه وتستقر على أيسره النابض بالحياة. لم يطلب منها مجدداً وكأنه لن يطلب مجدداً أي شيء، بل سينفذ. فقد جذبها من ذراعها وضمها له حتى اعصر عظامها داخل أحضانه وهي تتأوه بخفوت، أغمض عيناه مستلذ ثم قال وشفتيه قريبة من أذنها: إحنا كتب كتابنا بكره، مبروك يا حبيبتي.
ابتعدت عنه متفاجئة، لكنه لم يفلتها وحافظ عليها بين ذراعيه يسأل: إيه؟ مش موافقة؟ كانت متوترة لدرجة كبيرة وواضحة، فقالت: لأ طبعاً موافقة، بس... قاطعها بصرامة: بس إيه؟ هتقولي شغلك، شغلك مع لمى بيخلص الساعة خمسة، نخلي كتب الكتاب ستة وأنا تاني يوم من كتب الكتاب هكون مخلص معاها موضوع الشرط الجزائي ده وهي مش هتقدر تنتطق. غنوة: طب وشغلي الخاص، ما أنت عارف إني شغالة على إيڤنت مهم وهو أول إيڤنت لشركتي. رفع أحد حاجبيه وقال:
كتب الكتاب مش هياخد ساعة أو ساعة ونص بالكتير عشان نحتفل مع صحابنا، تقدري بعدها تعملي اللي انتي عايزاه، نكتب الكتاب وبعد الإيڤنت بتاعك نعمل فرح كبير. نظرت له بتشوش وهو يدقق النظر لها، يقرأ بتفحص كل ردود أفعالها، فقال: اعزمي اللي حابة تعزميه، ما عدا ماجد وفيروز عشان هيسافروا بكره. غنوة: ليه؟ هارون: دي قصة طويلة. صمت لثوانٍ ثم ضحك ساخراً وقال: فاكرة يوم ما أجرتي حد يضربني بالنار قدام المطعم اللي جيت أقابلك فيه؟
تنهدت بتعب ثم قالت: إيه اللي فكرك؟ هارون: لولا ضرب النار ده كان زماني أنا مكان ماجد في الورطة اللي هو فيها، دخولي للمستشفى عطل كل حاجة. هزت رأسها بتشوش وقالت: أنا مش فاهمة حاجة. سحب نفس عميق ثم قال: بكره هحكيلك كل حاجة، بكره نبدأ عهد جديد مع بس المرة دي وإحنا متجوزين عند مأذون مش بورقة زي ما كنتي بتقولي. نظرت له بأعين لامعة وحاولت الاعتراض:
بس أنا كنت مخططة إن يوم كتب كتابي يبقى بترتيبات معينة وما حصلتش، أنا أشطر ويدنج بلانر في مصر مش معقول كتب كتابي يعدي عادي كده، لازم يبقى ترند. نظر لها وقد بدأ الضيق والشك يتمكنا من قلبه ناحيتها، ثم قال: ما علش، تتعوض في الفرح إن شاء الله. أنهى حديثه بابتسامة مجاملة ثم قال: كتب كتابنا بكره الساعة ستة وما فيش كلام تاني غير ده يا غنوة. هزت رأسها بتفهم ثم اقتربت منه تحتضنه، مرمغت رأسها في صدره تستمع لدقات قلب والدها
لتبتسم باتساع ثم قالت: موافقة يا قلب غنوة. ضمها له أكثر وهو يتنهد بتعب، لا يعلم هل يغمض عينيه براحة أخيراً أم ماذا؟ -جلست تراقبه من بعيد تبتسم بين الحين والآخر وهي تراه يجلس عينه لا تفارقها ولا حتى يمثل الانشغال، هو يجلس في مكانه يرجو نظره منها فقط. جلست نادين لجوارها تردد: في فوج كبير هياخد مركب بكرة ويرجع على القاهرة، أنا بفكر أرجع معاهم. نظرت لها تقى بتفاجؤ ثم قالت: إيه ده؟
إيه اللي حصل، مش لسه الرحلة قدامها أسبوعين كمان. نادين: غصب عني، بابا تعب. نظرت تقى ناحية ضياء الذي ما زال ينظر لها ثم قالت مبتسمة: خلاص روحي أنتي، أنا هكمل الرحلة. اتسعت عينا نادين بصدمة وقالت: وات؟ مين اللي بتقول كده؟ تقى؟! مش معقول! تقى: أمال لو قولت لك اللي بفكر فيه. نادين بتوجس: ربنا يستر.. قولي. صمتت وهي ترى تجعد ملامح ضياء بانزعاج شديد، ثم انتبهت على جلوس رائف لجوارها يردد: مساء الخير. تقى: مساء النور. رائف:
أنا جاي أكد عليكم عشان عاملين بارتي صغير في المركب من تحت الساعة سبعة. نادين: لأ أنا مش هحضر لأني هرجع مصر. نظر رائف تجاه تقى باهتمام وسأل: وإنتي يا جيجي، ضروري تيجي. استغربت تقى كثيراً من إصراره وقالت: هحاول. رائف: چيچي، ما فيش هحاول، عشان خاطري. نظرت له نادين بحاجب مرفوع وسألت: ليه الإصرار الشديد ده يا رائف. رائف: أبداً، بس حسيت إنها حزينة اليومين دول ودايماً قاعدة لوحدها. ضحكت نادين ساخرة ثم قالت:
وأنت بقا عارف كل حاجة عنها يعني عشان تحس إنها متغيرة، وبعدين لو كده يبقى من باب أولى تحس بصاحبك ما هو نفس الحال وحيد ولوحده وحزين. قهقه رائف عالياً ثم قال:
مين ده اللي حزين، ضياء، دي عمرها ما تحصل، ضياء مش بيسيب حاجة تحزنه أبداً، ولو عايز حاجة بيطولها، هو يجرح بس مش ممكن حد يجرحه، طب أنتو عارفين إنه بيتكلم إنجليزي لبلب، بس أي واحدة عايزة تبقى معاه لازم تتكلم بلغته هو مش هو اللي يتكلم بلغتها، ضياء عاشق للسيطرة وعشان كده تلاقي كلارا بتتكلم عربي، وكلارا دي حكايتها مع ضياء حكاية تانية خالص، لو سمعتيها هتصعب عليكي مش هتقولي ضياء قاعد حزين. رفرفت تقى أهدابها بذهول وقالت:
ياااه كل ده جواك ليه، اللي يشوفكم يقول صحاب. رائف: مش موضوعنا دلوقتي، أنا مستنيكي بكرة يا چيچي لأن.. قطع حديثهم صوت ضياء الغاضب الذي وقف يقبض على ذراع تقى يجذبها ناحيته مردداً: لأن إيه يا رائف؟ وقف رائف مبتسماً يردد: لأن وجود چيچي في الحفلة مهم أوي بالنسبة لي، فيها حاجة دي. لم يدري ضياء بنفسه إلا وهو يلكم رائف لكمة قوية في فمه مردداً: لو شوفتك قريب منها تاني هنسى إننا كنا في يوم صحاب أصلاً، فاهم.
تركت تقى لهم المكان وغادرت تمثل الغضب، فأسرع خلفها يناديها: چيچي. لكنها لم تستجب فتقدم ليوقفها بغضب مردداً: لو شوفتك واقفة معاه تاني أو مع أي راجل مش هيحصل كويس، أنتي سامعة. هتفت فيه بحدة: وأنت مالك، أنت دلوقتي راجل متجوز، المفروض توفر مجهوداتك دي ليها. ضياء: چيچي، حاولي تفهمي أنا... قاطعته بحدة وإصرار: ضياء مالكش كلام معايا غير لما أشوف ورقة طلاقك، غير كده تبقى مش عايزني، قدامك فرصة أخيرة تختار. هز رأسه مجدداً بأسى:
مش هقدر أطلق تقى. رقص قلبها فرحاً، لكنها ارتدت قناع الجمود بصعوبة والتفت مغادرة تقول: تبقى أنت اللي اخترت، سلام يا ضياء. غادرت مهرولة يظنها حزينة غاضبة، لا يعلم أنها تركض وهي تصرخ من السعادة متجهة لغرفتها. دلت بعدها نادين تراها وهي تقلب في خزانتها باهتمام فسألت: بتعملي إيه؟ التفت لها تقى بأعين سعيدة تقول: بحضر مفاجأة. -توقف يوسف بسيارته أمام الجامعة فتقدمت نور وجلست لجوارة فسأل: مالك؟ ظنت أنها يمكنها التحدث
بأريحية مع أخيها فقالت: في واحد ضايقني و... بترت عبارتها وهي تراه قد تحول لشخص آخر وقال بتأهب: واحد مين ده وعملك إيه... تعالي شاوريلي عليه. ارتعبت نور وقالت كاذبة ربما تهدئه: لأ ده ورقنا اتبدل مع بعض مش حكاية. تنهد أخيراً بهدوء ثم قال: ماشي، لو عمل لك حاجة تانية عرفيني، أنا حجّزت لك عند هاشم وهوصلك دلوقتي وأبقى أرجع آخد زينب. نور: أنت لسه مصمم على الراجل ده. يوسف: أيوه، يلا.
بعد ساعة تقريباً كانت تستقل المصعد الذي توقف بها أمام العيادة الخاصة بالدكتور هاشم، دلفت للداخل تخبر الممرضة عن اسمها فأخبرتها أنه ينتظرها. دلفت لعنده وهي تشتم رائحته القوية المميزة جداً جداً تملأ الغرفة وهو يقف ينتظرها، ينظر لها نفس النظرة التي رأتها في عيناه في بيتهم. اتسعت ابتسامته وهو يقول: أخيراً جيتي يا نور، أنا قولت رجعتي في كلامك، كنت هاجيلك البيت أنا. نور: لأ أنا خلاص جيت، شكراً. نظر للمساعدة الخاصة به وقال:
اطلعي أنتي برا. نظرت كل من نور والممرضة له باستغراب وسألت: مش هتساعدني زي ما بعمل دايماً. هاشم: نور حالة خاصة وأنا اللي هعمل لها كل حاجة لوحدي. استنكرت الممرضة ما يقوله كثيراً لكنها غادرت بهدوء وأغلقت الباب وبقيت نور مع هاشم وحدهما وهو يسلط نظره عليها بنفس الابتسامة. -خرجت نغم من بيتها وهي توعد له، لثالث يوم على التوالي وتلك الفتاة تأتي له متحججة بشراء الورود. أي ورد ها؟ أي ورود وهل هي بلهاء؟
ذلك المستفز لابد من التصدي له ولجمع الفتيات التي على ما يبدو لأول مرة يرون رجل أسمر عريض المنكبين لا ينقصه سوى تاج موحد للشمال والجنوب. أما ببيت يحيى فقد دق جرس الباب فذهبت الخادمة لتفتح متسائلة من؟ ليجيب عليها ذلك الرجل ببشاشة: شكلك لسه جديدة مش عارفاني، ناديني بس يحيى، أنا عبد العزيز والد زينب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!