كانت عيناه ثابتة عليها مأخوذ ومبهور، تحاشى بصعوبة عيناها الآسرة لينظر إلى ملامحها. نعومة وحلاوة، وشيء آخر لم يحدده، شيء ما يصنع حالة من التيه، الشعور بالضياع ولربما الخطر. كأنها الخطيئة، تتزين بعينيه، من مجرد نظرة عابرة لتلك العيون الواسعة. عينيها كخطر الموت.
حمحم يستدعى ثباته الذي افتقد منه الكثير لأول مرة بحضرة أحد، حتى لو كانت أنثى جميلة. اقترب منها يجثو بركبتيه على الأرض التي تفترشها بفستانها الجميل وتحدث بنبرة حنونة آسرة يتقنها جيدا عند الحديث للجنس الآخر خصوصا عندما تكن حلوة: "مالك طيب، حصلك مشكلة؟
كانت عيناها وحتى ملامحها قد هدأت وثبتت، تنظر بصمت ثم تمد يدها تمسح أنفها المحمر وهزت رأسها نافية، بدت كطفلة صغيرة يتيمه. رق قلبه كثيراً كثيراً ومد يده لها يحاول مساندتها كي تقف. لكنها تحاشت مد يده، تضع يدها على شعرها تتأكد من وضع حجابها. ثم تناولت حقيبتها ووقفت بهدوء. رفع حاجبه الأيسر وهو ينظر لكف يده التي أُهملت للتو. هل هي غبية أم لا تعرف من هو؟
أم إنها متعجرفة تفتكر كثيراً للذوق والأدب. قبضت على حقيبتها الصغيرة تنظر له بلا اهتمام، ترددت: "لأ، أنا تمام." اعتدل ببطء حتى وقف ليشرف عليها بعرض كتفيه وطوله المهيب. ليظهر الفرق الشاسع وتشعر بالضآلة لجوارة. ابتلعت رمقها وقد اهتز ثباتها قليلا، بينما هو ينظر بعينيها حيث يكمن السر الأعظم. عيناها ثابتة، قد تبدو باردة، لكنه...
لكنه يقسم إن بداخلها عدة ثورات مندلعة الآن تحاول هي تهدئتها. وهذا أراحه كثيرا، فكرة التعامل مع طلة شخص مثله بمثل هذا الهدوء والثبات ضايقته. عدم الانبهار واقتناص الفرصة أغاظته. همهم داخله بسأم.. إنها تلك الطريقة المستهلكة في لفت النظر. وضع يديه بثبات في جيوب بنطاله يفرد ظهره أكثر وأكثر كأنه ينقصه. هم ليهز رأسه بعدم اهتمام ويتركها وطريقتها لتعرف إنها لم تلفتة. لكنها تحدثت بخفوت، ترددت بتهذيب: "شكراً ليك."
عدل عن تفكيره... لقد شكرته، وهذا كافٍ، بل هو جعله كافياً. وابتسم لها بثقة وثبات ثم مد يده بكياسه إلى جيب بدلته الداخلي وأخرج منها أحد المحارم الورقية يعطيه لها مردداً: "اتفضلى." أخذته منه بهدوء، تسلط عيناها عليه وكأنها واثقة من تأثيرها. أم لأنه منعكس على اهتزاز ثباته ونظره هو الآخر على عينيها ذات السحر الفتاك. تحدث يسأل باهتمام: "كنتي بتعيطي ليه؟ أعطته نظرة مطولة من عينيها ثم جاوبت باقتضاب: "ولا حاجة." همت كي تتحرك
مغادرة لكنه أوقفها بلهفة: "لأ استنى." ثبتت مكانها بالأرض، والتفتت تنظر له باستنكار ثم رداً: "افتكرت بس حاجات مزعلاني، عن إذنك." استدارت بكتفها كله كي تتحرك. وشيء غريب بداخله جعله يسألها: "اسمك إيه؟ عصفت عيناها بمشاعر مختلجة لكنها هدأتها وجابت دون أن تلتف له: "مش مهم، فرصة سعيدة." بفعلتها زادت اهتمامه، إنها أمامه وستتحرك مغادرة. قصف يسأل خلفها بلهفة استشعرت بها اللوع، يسأل سؤال غريب لشخص لم يراه سوى من ثوان:
"طب مش هشوفك تاني؟ التفت هذه المرة ولكن نصف التفاته وقالت وعيناها الأسرة في عينيه تعصف به أو تأسره: "ما أعتقدش." قالتها بفتور وبساطة مغادرة بعدها تاركة كف يده خلفها كأنها تناجيها وهي لا تهتم. ظل واقفاً بمكانه لأكثر من خمس دقائق وطيف ثوانٍ قليلة ما زال يؤثر عليه حتى الآن. قد ينسى ما حدث، تلك الذكرى، حتى المكان، كل شيء. لكن تلك العينان.. يقسم أنه لن ينساهم أبداً.
استنشق زفير سريع يفيق به نفسه، يتذكر لماذا قدم بالأساس لهنا... هاااا.. خطبته.. البذلة. تباً لهكذا عينين، لقد أنسته نفسه.
حمحم بقوة يستدعى هيبته المعتادة ثم أخرج سيجاره البني ينظر للطريق الذي اختفت فيه بشرود. نفسه تراوده على أن يذهب خلفها وهو يقاوم بقوة مضنية وبالفعل نجح. وتحرك مغادراً المرآب يصعد حيث أول طابق بمحل البذل ذو العلامة التجارية المعروفة. يتلفت يمينا ويسارا كالمعتوه، ينظر هنا وهنا ربما لمحها حتى ولو من بعيد. ضبط نفسه بالجرم المشهود، إنه متلهف يريد أن يراها. نهر نفسه جداً من تلك التصرفات الغبية، يجب أن يتعقل. ماله وهذه
التصرفات المتصابية، وهذه أيضاً.. كأنها فص ملح وذاب بماء. لما قلبه متلهف عليها بحنان لا يوجد له مثيل بطريقة لا منطقية إطلاقاً فهو لتوه رآها. نهر نفسه سريعاً وأرغم قدمه على الدلوف للمحل الذي جاء لأجله يريد الانتهاء مما يفعل سريعاً ويذهب. لكنه ما زال متلهف عليها بطريقة غير صحية بتاتاً. فرغم إنهائه لكل ما أراد شراءه، ورغم أنه ببداية مجيئه لهنا كان على عجلة أمره، يريد الانتهاء سريعاً مما قدم لأجله. فلما الآن يتفتل بأروقة
السوق ينظر على المحال النسائية ويدقق النظر. للمرة الثانية ضبط نفسه يبحث عن فتاة رآها منذ دقائق، لا يعرفها ولا تعرفه، أو حتى تهتم. وعلى ما يبدو لم يؤثر بها وهي الآن بطريقها للعودة إلى منزلها بينما هو يبحث عنها كالمجذوب. زم شفتيه بسأم وتوقف عن سيره يشدد قبضة يده وهي داخل جيوب معطفه واستدار عن مواصلة السير يعود حيث سيارته، يستقلها مغادراً.
ظل يقود ويقود حتى وصل إلى بيت كبير وعميق بعد الشيء. تستطيع أن تقول عليه أثرى لتلك العائلة الكبيرة، عائلة الصواف ذات الصيت المعروف والباع الكبير. مكونة من بيت على مساحة ٤ فدان عبارة عن طابقين وحمام سباحة وأمامهم حديقة كبيرة ليست من النجيل الصناعي كما الفلل الحديثة، بل هي من أشجار الفاكهة المختلفة كما أمر صاحب البيت الأول "الصواف الكبير" وقد فعل كل خلفائه من بعده. حتى البيت نفسه من الداخل كان عتيق، لم يمسه التغيير
العصري، بقي كما بني من مئة عام يتسلمه كبير العائلة. دلف للداخل تفتح له الأبواب مرحبة بمالك البيت الذي ناله عن استحقاق وجدارة رغم أنف الجميع. ورغم أنه ليس الحفيد الأكبر، بل يوجد عمه كاظم في الخامسة والأربعين من عمره وهو من أحفاد أحفاد الصواف، لكنه خفيف. نعم خفيف أكلت النساء عقله، كل سنة يبيع عدد من أسهمه، سهم فسهم يشتريها هارون كي يجد هو ما يكفي للإنفاق على سهراته ونزواته بالإضافة إلى داء القمار الذي طالته ينغرس به
يوم بعد يوم.
هم ليصعد السلم لكنه وجد عمه يقف عند باب المكتب مردداً بقوة: "مش شايف أن المبلغ اللي بعته النهاردة أقل كتير من الحصة اللي أنا عارضها للبيع يا هارون؟ توقف على أثر الصوت يوليه ظهره وهو يزفر بضيق لا يريد الحديث. حقاً لا يريد أي حديث. صدح صوت عمه المغتاظ من خلفه يردد: "هو أنا مش بكلمك، لف وبص لي ولا هتعمل عليا كبير." وإن كان لا يريد الحديث فهل سيريد الالتفات والنظر له بعدما كان ينظر لعينان آسرتان؟!
لكنه عمه ويعرفه جيداً.. لن يكل ولن يمل، لذا أخذ نفس عميق والتف يواجه ذلك الرجل الخمسيني بطوله الفارع ككل رجال العائلة وشعره الكثيف الأبيض وكذلك لحيته. عريض المنكبين ضخم الجثة، قوي الصحة، لديه انتفاخ بمعدته نوعاً ما يحاول إخفاءه بملابس منمقة بطريقة لبس معينة. تحدث له هارون بثبات وقال: "ده سعر السوق واسأل برا." قصف عمه يرد بغضب: "ده سعر سوق السنة اللي فاتت، هو أنت هتشترى النهاردة بنفس سعر سنة فاتت؟! مط هارون شفتيه
دليل عدم اهتمامه وقال: "فعلاً، تصدق ما كنتش واخد بالي، إحنا في ظروف استثنائية وفي وباء عالمي هز اقتصاد العالم." اهتزت أعين عمه يرى تلاعب ابن أخيه، وبالفعل ردد هارون: "كان المفروض أقلل السعر عن السنة اللي فاتت كمان، بس أنا ما عملتش كده." أشار على نفسه بكبر زهو يردد: "كرم أخلاق مني برضه." نظر له عمه بكره وغضب يقول: "يااااه، كمان، بقى عارض أقل من نص التمن وتقولي كرم أخلاق منك؟! رفع حاجب واحد يقول بتحدي:
"بس خلاص أنا مش هبيع ليك." التوى شدق هارون يجيب ساخراً: "أحسن، أنا أصلاً مش معايا سيولة." هم ليتحرك وبالفعل استدار يصعد الدرج ليوقفه صوت عمه المهتاج يتحداه: "أنا هشوف حد تاني يشتري واكيد هيتعرض عليا سعر أحسن." استدار بجسده كله يهبط درجات السلم التي سبق وصعدها بخفة الفهد يتربص بعمه الذي حاول ابتلاع ريقه بصعوبة وهو يواجه نظرات ابن أخيه المرعبة تلك. أخرج هارون الحديث من بين أسنانه لتكون مرعبة وهو ينذر عمه:
"أنا كل يوم بحاول أفكر نفسي إنك عمي الوحيد، فبلييييز... بليز ما تخليناش أنسى، وأوعى تكون فاكر إن محاولة قتلي اللي كل يوم والتاني دي هانتني، أنا ولا يهمني بدليل إني لحد دلوقتي بمشي من غير حراسة." اشتعلت أعين عمه يقول بغضب: "قولتك ١٠٠ مرة قبل كده مش أنا اللي بحاول أقتلك، شوف أنت أذيت مين وبيحاول يقتلك." رأى الغضب مندلعاً بأعين ابن أخيه مما أراحه كثيراً ليكمل بتلذذ:
"انت عارف أنت عرفت كام ست على جوزها، ولا خطفت كام واحدة من حبيبها، ده انت تخصص ستات مرتبطة، مش بتحلى في عينك الحاجة غير وهي في إيد غيرك، أكيد حد منهم دمه حر حالف لا ياخد بتاره منك." ضحك هارون بتهكم يردد: "بجد والنبي؟! كاظم: "أيوه انت ليك ألف حد يكرهك، ف وحياة أبوك ما تجيبها فيا." شمله هارون بنظرة من أعلاه لأسفله والعكس ثم ردد: "هيبان.. هيبان." أخذ نفس عالي ثم أكمل:
"ولحد ما يبان، مفيش سهم واحد هيخرج من تحت إيدي لحد غريب، هارون الصواف بيشتري مش بيبيع والكل عارف عني كده، ف أكيد مش هسيبك تضيع لي برستيجي والإيمدج اللي أنا عامله لنفسي في السوق." كاظم أسنانه بغل وهو يردد: "يعني أنت عشان فارقلك شكلك تقفل عليا، يا أشتري بالسعر اللي أنت عارضه يا تمنع حد يشتري، وياريت عشان عندك مبدأ وحابب تحتفظ بتعب العيلة وممتلكاتها، لا، أنت كل اللي فارقلك اسمك وبرستيجك." ابتسم هارون يهز رأسه مردداً:
"بالظبط.. سلام." استدار يصعد الدرج وعقله منشغل بسؤال واحد يراوده لأكثر من عام، من ذا الذي يحاول قتله ولما؟ إنه عدو لدود، لديه إصرار رهيب...
هو شهرياً يتعرض لهجوم مفاجئ منذ عام تقريباً. بالشهور الأخيرة أصبح مرتين في الشهر كأن القاتل قد نفذ صبره.. وسبحان الله هو بكل مرة ينجو بمعجزة ما. هل عمه هو من يفعلها، لأنه الوارث الوحيد له الآن. أخذ نفس عميق، قرار خطبته السريع لم يكن من فراغ، يريد أسرة واستقرار، يريد وريث لهذه الإمبراطورية.
دلف لغرفته يلقي تلك البذلة التي ذهب ليشتريها كي يقابل تلك العينين ويعود مشغول البال. ارتمى على فراشه يصطدم به بقوة يضرب بمرتبة السرير مع إغلاقه لعينيه يتذكر أثر نظره بعينيه إلى عينيها الكحيلة الواسعة ذات العسل الصافي. يبتسم بلا هدف وهو مغمض عينيه يتذكرها. فتح عينه التي وقعت على الحقيبة المصنوعة من الكرتون تحتوي على علبة من اللون الأزرق بداخلها طاقم من الألماس والذي أوصت به لمى. اااه لمى...
تلك الفتاة ذات الخامسة والعشرون، هو على يقين أنها لم تعشقه يوماً ولا حتى تحبه، بل تراه أكثر الأشخاص مناسبة لها. لن يكذب كثيراً فهي أيضاً بالنسبة له كذلك، هي من أكثر الفتيات المحيطة بمجتمعه مناسبة له. رغم أنها لا تعجبه كثيراً وهو يعلم، وهو لا يعجبها كثيراً وهي تعلم، بل الأكثر أنها تعلم أنه يعلم علمها بذلك. إنه اتفاق دون حديث، لمى مختار عندما تتزوج فلن تتزوج سوى برجل يفوق أهلها مالاً وعزاً وجاهاً. هو أيضاً عندما يتزوج فلن يتزوج سوى بفتاة تساويه على الأقل...
وبمقارنة عملية بسيطة كانت لمى الأكثر توفيقاً والأجدر بالاختيار. ارتفع رنين هاتفه لينظر له من بعيد، ثم استقام يلتقطه بخمول. ينظر لاسم المتصل ثم يلمس الشاشة يفتح المكالمة ويجيب بخفوت: "عايز إيه يا زفت." جاوبه الزفت بغضب: "انت بهيم يالا، تسبني في المستشفى وكمان تاخد عربيتي، تقوللي نص ساعة وجايلك وماتعبرنيش تاني."
اتسعت أعين هارون من بعد خمولها يضرب جبهته بغبااااء. تباً لتلك العينين.. أنسته لأول مرة بحياته صديقه، هو حتى طوال الطريق يشعر إنه نسي شيئاً مهماً لكن تركيزه لم يسعفه بعدما استحوذت هي عليه. هو حتى كان يشعر بعدم الراحة وهو يقود سيارته كأن يديه قدميه غير معتادة عليها، يسأل ما به. ليتضح في النهاية إنها ليست سيارته، قدمه ويده كانت على حق. لكن عقله كان هناك، بعيداً بعيداً حيث تلك العينان الواسعة. أغمض عينيه يهز رأسه باستنكار غير مصدق ما وصل له.
وصاحبه عبر الهاتف ويصرخ: "انت يا غبي، أنا تلجت من هو المستشفى." ردد هارون بضجر: "شششششش خلصنا، قولت جاي." ماجد بصدق: "أد إيه أنت بجح، اتفضل اخلص عايز أروح." أغلق هارون الهاتف ونظر حوله ثم ضحك بقوة، لم يسبق أن حدث معه ذلك. استقام من الفراش بتعب وأخذ معطفه ومتعلقاته ثم خرج من الغرفة والبيت كله يذهب لصديقه. _سوما العربي _"وهي حلوة بقا على كده." كان سؤال ملح ألقاه ماجد على هارون بعدما قص عليه ما حدث.
ليجيب هارون بأعين لامعة: "حلوة أوي أوي أوي، ولا عينيها يااااه." قالها بتلذذ وهو يغمض عينيه ليسأل ماجد بفضول: "ايه زرقا ولا خضرا ولا رمادي رمادي، أنا بموت في العينين اللي لونهم رمادي." هز هارون رأسه مردداً: "لأ لأ مش ملونة بس واسعة ومرسومة رسمة بنت لذينا." اللمعت أعين ماجد وسال لعابه يسأل: "اوبااا، قشطة أنا بحب كده، أخدت رقمها بقا ولا عرفت عنها إيه؟ هز هارون رأسه بقمت ثم قال: "ولا أي حاجة، ما رضيتش تقولي حتى اسمها."
صفق ماجد بيديه يردد: "وكمان صعبة، الله، أنا بعشق المعاناة حتى الوصول." نظر له هارون بسخرية وأكمل: "فين بقا ما طارت الحتة." ماجد بيأس: "أيوه صحيح، يلا خيرها في غيرها، الحلوين كتير، واهو انت هتخطب وتتلم اهو عشان الساحة تفضالي حبة." نظر عليه هارون بجانب عينه يقول باستغراب شديد: "مال الخطوبة بالستات مش فاهم، أنا هخطب مش طالع على المعاش على فكرة." صمت يكمل بخفوت: "بس لو أشوفها تاني بنت اللذينة دي."
رفع ماجد إحدى حاجبيه يردد: "مش للدرجة دي خلاص فكك منها." هارون بأعين لامعة: "دخلت مزاجي أوي." ماجد: "إيه لو شوفتها تاني تتجوزها وتسيب لمى ولا إيه؟ ضحك هارون بسخرية ينظر له بجانب عينه ثم قال: "انت عبيط ياللي... لأ طبعاً دي آخرها معايا ليلة ليلتين حتى الورقة العرفي خسارة فيها، أكيد يعني مش هسيب لمى بنت الوزير وأتجوز واحدة من الشارع حتى لو عجبا ني." ابتسم ماجد يقول: "أيوه أنا برضه بقول مش أخلاقك." ضحك هارون عالياً
ثم قال: "بس أشوفها تاني بس." ضحك ماجد عالياً ثم ردد: "يا مان.. واطي أنت." ليهقه بعدها بمجون وهو وصديقه يذكر كل منها الآخر بذكرياتهم النسائية البذيئة وتصرفاتهم المجنونة. _سوما العربي
_وفي الحارة بحي الغورية. كان حسن الشاب الوقور الذي هو على خلق يجلس خلف مكتب خشبي جديد وأمامه تجلس تلك الماكينة الألمانية شديدة الصحة والجمال. تخترقه بنظراتها الممتزج بها البراءة والخجل، تراه بطل أسطوري وتعترف أنها معجبة مغرمة. تتذكر ألحان تلك الأغنية العربية التي تحمل نفس المقطع وأنها أعجبتها كثيراً أول ما ترددت على مسامعها. فهي ولسنوات عديدة منذ طفولتها عملت بجد وإصرار على تقوية نفسها بلغة موطنها الأصلي والأقرب
لقلبها بمشاهدة مسلسلات وأفلام عربية وكذلك الأغاني أيضاً. كانت مصرة على كل ذلك وحدها فحتى والدتها لم تكن تتحدث العربية كثيراً إلا عندما يثور غضبها فيتحرر لسانها ويعود لأصله رغماً عنها. وأول ما تهدأ تعود للحديث بالألمانية مستنكرة إصرار وعناد ابنتها في تعلم العربية والتمسك بها، لكنها لم تهتم كثيراً وتركتها تفعل ما تريد فمهما شطحت بخيالها لم تكن لتتخيل يوماً أن ابنتها الجميلة ذات الجمال الأوروبي الصارخ، حديثة السن عديمة
الخبرة ستترك ألمانيا وتهرب لمصر دون إخبار أحد. لكنها فعلت. وها هي تجلس وجهاً لوجه أمام فرعونها المثير كما لقبته سراً من أول ما وقعت عيناها عليه.
يحدثها وهو ينظر أرضاً يردد بابتسامة بسيطة: "ماتقلقيش غنوه مش بتتأخر زمانها جايه، اشربي اللي إيدك عشان يدفييكي." نظرت عليه ترددت بقوة وبساطة: "أنا معاك فمش قلقانة."
رفع عينه لعيناها وسمح لنفسه بالنظر لها، مصعوق من ردها المختصر، المفيد، البسيط، الواثق جداً. هزت ومست شيئاً ما بداخله وهو يدعي الثبات. شعرت أن كلماتها البسيطة أصابت هدفها وكان رفع عينه للنظر لها بدل ما هو ينظر أرضاً وهو يحدثها كنتيجة حتمية وجائزة على ما فعلت. ابتسمت بدلال ثم سألت وهي تشير على الكوب الزجاجي الدافئ بيدها: "إيه ده؟! ضحك بخفة ثم استند بذراعيه على المكتب يتكئ عليه هو يقول كأنه يشرح لطفلة صغيرة:
"ده اسمه سحلب." زوت مابين حاجبيها تسأل بغرابة شديدة: "إيه سحلب دي؟! فلتت ضحكته منه وقال: "سحلب يتقال معاها ده مش دي.. والسحلب ده مشروب عربي بيكون مسحوق أبيض وفيه مكسرات وبيتحط على لبن." اتسعت عيناها تردذد بذعر: "مسحوق أبيض؟!!! "كوك؟ انفجر ضاحكاً رغماً عنه ثم حاول التحدث يقول من بين عينيه التي أدمعت: "لأ كوكايين إيه حد الله ما بينا وبينه... ده السحلب ده مشروب الشعب الغلبان." هدأت أخيراً تقول براحة: "اهااااا."
هز رأسه بيأس تلك النغم على ما يبدو حكاية وحدها. علاوة على أنها جميلة.. جميلة جداً. حمحم بحرج فهو لمرتين ضبط نفسه وهو ينظر خلسة لقدمها البيضاء الممتلئة من فوق رقبة حذائها الجلدي وهو الذي ظل طوال حياته يغض البصر، حتى غنوه لم يسبق أن فعلها معها. حاول تحاشى النظر إليها ينظر أرضاً من جديد وهو يستغفر الله بسره لأكثر من عشر مرات ربما غفر له. لينتبه سريعاً على ظهور غنوة بجوار بيتها وقال: "أهي أختك وصلت أهي."
اللمعت عيناها تبحث عنها وسط مرور الناس بالشارع وهي بينهم. وقفت سريعاً ووقف معها حسن ثم سبقها ينادي: "غنوه... غنوه."
وقفت بتعب على أعتاب بيتها. حسن هو آخر شخص تريد رؤيته الآن. لكن مع إصرار ندائه التفتت له. ليتجعد مابين حاجبيها باستغراب وهي تجد فتاة صارخة الجمال تقف خلف كتفه بطريقة أثارت الغيرة بداخلها. تقدم منها وتبعته الأخرى وهي عيناها عليهم بها ألف سؤال. كان سيتولى حسن المهمة لكن تلك الألمانية المصرية تولت الأمر تتقدم من غنوة تنظر لها بانبهار وأعين لامعة تردذد: "انتي غنوة؟ رفعت غنوة حاجبها وقالت: "أيوه.. انتي تعرفيني منين؟
ابتسمت نغم تقول: "أنا نغم." حاولت نغم الابتسام وقالت: "أهلاً وسهلاً... لتكمل نغم: "أختك." هزت غنوة رأسها تقول ضاحكة: "هههه نعم.. إزاي معلش." تدخل حسن يقول: "من والدتك يا غنوة." على ذكر اسم تلك السيدة تشنج جسد غنوة بطريقة واضحة للماثلان أمامها وتفاجئا بذلك. وهي أخذت تصرخ: "مش عايزة أسمع سيرتها وأنا ماليش أخوات." التفت المارة لصوتها مع زهول نغم وحسن. وضعت نغم يدها على فمها تمنع دموعها وحسن يحاول تهدئة غنوة يبتعد
بها عدة خطوات عن نغم يقول: "إيه اللي بتعمليه ده يا غنوة، انتي عمر ما كانت دي أخلاقك." أدمعت أعين غنوة تقول باختناق: "انت ماتعرفش الست دي عملت إيه في أبويا يا حسن، أنا مش عايزة حتى أفتكرها، مجرد سيرتها بس بتخنقني، عايزني أموت يا حسن؟ رق قلبه لها كثيراً يسأل بلوع: "مالك بس يا غنوة، من الصبح وأنا حاسس فيكي حاجة، النهاردة بالذات."
أغمضت عيناها تبتسم بألم وبداخلها كلام كثير. هي كل يوم بها أشياء وليس شيئاً واحد، ربما اليوم فقط فقدت القدرة على المدارة. نظرت خلفها لتلك الفتاة ورغماً عنها ابتسمت لا تعرف لما. نظر لها حسن وهو يرى الحنان غلب عليها ثم قال: "أيوه خديها، أقولك." نظر على نغم ثم قال وهو ينظر لعيونها: "اعتبريها قطة ودخلت من باب شقة موارب." زجرته بعينها تقول: "والله.. قطة.. طب أخفي بقا من قدامي." تقدمت من نغم وتركته وهو يردد:
"بموت فيك وانت شِرس." أما غنوة فقد توقفت عند نغم وقالت: "اسمك إيه؟ غلبتها نغم وهجمت عليها تحتضنها بقوة مبادرة هي. لتغمض غنوة عيناها بمشاعر تختبرها لأول مرة، مشاعر دافئة تتحدث دون كلام تخبرها أنها ليست بطولها في هذا العالم الكبير. _سوما العربي _في أشهر فنادق القاهرة مساء اليوم التالي. وقف هارون لجوار لمى تلك الحسناء صارخة الجمال متناسقة القوام. والتي كانت تصرخ بغطرسة:
"أنا قولت قالب التورته يبقى معمول من عجينة السكر باللون الوردي إزاي يتعمل بربل؟ حاول مدير القاعة التحدث يقول: "دي غلطة هتتصلح فوراً يا فندم والبنت اللي كانت مسؤولة عن التنظيم مشيت جاي دلوقتي حد تاني بروفيشنال أكتر وهتشوفي بنفسك.. هي بس اتأخرت كام دقيقة." صرخ هارون بغضب وغطرسة: "أيوه وأنا والهام هنفضل واقفين نستنى معاليها يعني ولا إيه، دي مش أول غلطة ليكم، مع إني دافع كتير أوي." تحدثت لمى:
"بالظبط أنا عايزة أعرف فين الهانم دي." تنفس الموظف الصعداء أخيراً وهو يردد: "أهي وصلت الحمد لله." رفع هارون حاجبه بغضب ينوي الصراخ في وجهها وسبها أيضاً. واستدار لينهرها ويسبها ليتسمر مكانه وهو يردد بذهول: "المزة أم عيون دباحة؟!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!