نظر في ساعة يده متأففًا بضيق شديد. لا يعلم لماذا تأخر ذلك المهمل عديم المسؤولية. كيف يتأخر شخص في يوم مهم كهذا؟ يا الله، كم هو شخص مهمل وغير ملتزم. "إيه يا هادي يا حبيبي، عندك ميعاد ولا حاجة؟ كان ذلك رشدي الذي لاحظ أن هادي كل خمس ثوانٍ ينظر لساعته متأففًا وهو يتمتم بضيق، وكأنه هو العريس. تحدث هادي بنزق يدعي الملل: "لا أبدًا، بس مش معقول كده يا أخي. من أولها تأخير وعدم مسؤولية، أمّال لما يتجوز هيعمل إيه مش عارف؟
رفع رشدي حاجبه ساخرًا من صديقه: "لا أصل هو ساكن بعيد، فتلاقيه اتأخر. متضايقش نفسك أنت بس، ده أنا أخوها ومش متضايق كده." كان زكريا يجلس في منتصف الأريكة بين هادي ورشدي وهو ينظر لهاتفه بعدم اهتمام بمن حوله. فهو معتاد على ما يحدث ويعلم أن هذه الحرب الباردة بين رفيقيه هي تمهيد لمجزرة ستحصل بعد قليل. دفع هادي زكريا للخلف بحنق حتى يتسنى له رؤية وجه رشدي: "ضهرك كده يا زكريا. نعم يا خويا، مين ده اللي متضايق؟
أنت شايفني متضايق؟ وهتضايق ليه يعني؟ رد عليا، هتضايق ليه؟ كان هادي يتحدث وكأنه على وشك الانقضاض على رشدي، مقطعًا إياه بأسنانه. زفر زكريا بضيق وهو يتقدم مجددًا في جلسته ليصبح بين الاثنين قبل أن يقتل أحدهما الآخر. فتحدث لرشدي بحنق شديد: "جرا إيه يا رشدي يا أخي، ما الواد زي الفل أهو وفي أكتر حالاته انتعاشًا." نظر بعدها لهادي وهو يربت على صدره بمواساة: "أهدى يا حبيبي أنت بس، ده رشدي وأنت عارفه يعني، مش حد غريب."
كاد رشدي يتحدث وهو يخفي بسمته بصعوبة، لكن قاطعتهم صوت ماسة الذي ناداه من الداخل: "رشدي، معلش عايزاك." نظر رشدي لهادي وهو يضيق عينيه، ثم تحرك صوب الداخل ليرى ما تريده ماسة منه. بينما التفت زكريا لهادي وتحدث بنبرة متأكدة: "إنت عملت حاجة في العريس، صح؟ كان تقريرًا أكثر منه سؤال، لكن هادي ادعى الصدمة وتشنج وجهه باستنكار شديد مشيرًا لنفسه، رافضًا ذلك الاتهام المجحف في حقه: "أنا؟ أعمل فيه إيه يعني؟ ما أنا متلقح قدامك أهو."
نظر له زكريا متبسمًا بسخرية، ثم اقترب منه هامسًا: "عايز تفهمني إنك هتكون قاعد هادي بالشكل ده وشيماء جاي ليها عريس؟ انقلب وجه هادي وهو يزفر بضيق، ثم تجاهل زكريا وهو يعود بظهره للأريكة مربعًا ذراعيه لصدره هامسًا بحنق: "إياكش بس فرج يقدر يتوهه كتير." *** "فيه إيه يا ماسة؟ بتنادي ليه؟ كان ذلك رشدي الذي تحرك للداخل استجابة لنداء ماسة. زفرت ماسة بضيق وهي تسحبه سريعًا للمطبخ، بينما هو ابتسم بخبث ظنًا منه
أنها تفعل ذلك لتنفرد به: "ماسة، مش وقته، الناس بره. بصي لما يمشوا يبقى تعملي اللي أنتِ عايزاه." توقفت ماسة بعدما وصلت معه للمطبخ، ثم رمقته بعدم فهم لثوانٍ قبل أن تبتسم بخبث مقتربة منه هامسة: "تعرف إيه اللي بيعجبني فيك يا أباظة؟ ابتسم رشدي وهو يجذبها لاحضانه بعشق هامسًا: "إيه يا قلب أباظة؟
"قلة أدبك. يا أخي عمي إبراهيم ما كلّفش نفسه يربيك شوية. بس متزعلش، هو عامة بيكون الطفل الأول مش متربي لأن أهله بيكونوا لسه مش عندهم خبرة في التربية وبيكونوا فاكرين أنهم استعجلوا ولسه عايزين يعيشوا حياتهم، فمش بيربوا الطفل الأول. فبيطلع العيل فاسد صايع قليل الأدب ومش متربي." أنهت حديثها تشير لنفسها ببسمة فخر: "أيوه زيي كده." لم يتمكن رشدي من كبت ضحكاته الصاخبة على حديثها، بينما هي رمقته بضيق وهي تبتعد
عنه مشيرة للطاولة أمامها: "أنا جايباك عشان الخلاط باظ يا محترم، مش عشان اللي في دماغك. أنا محترمة يا أخ." صمتت تراقب تعابيره الساخرة، فهو أكثر من يعلم تلك الفتاة التي تقف أمامه متبجحة: "شوف، وأنا اللي ظلمتك." "ما علينا، المهم اتصرف وصلّح الخلاط. عايزة أعمل عصير قبل ما حد يجي." نظر رشدي قليلًا للجهاز أمامه يحاول معرفة أين هو العطب، لكن هو لا يعلم شيئًا بخصوص هذه الأجهزة. لذا أشار لماسة أن تذهب
لشيماء وهو يخرج من المطبخ: "طب اخرجي أنتِ وشوفي شيماء لغاية ما أعمله." أنهى حديثه وهو يخرج، تاركًا ماسة تنظر بقلة حيلة لما يحدث، لتتجه بعدها صوب شيماء التي تكاد تبكي رعبًا بالداخل. *** "هادي، تعالى عايزك." كان ذلك صوت رشدي الذي خرج للتو حيث يوجد أصدقاؤه ليشير لهادي طالبًا إياه أن يقترب منه. نظر له هادي بشك يفكر فيما يحتاجه رشدي. لم يتحرك هادي من محله متحدثًا بحنق شديد: "عايز إيه؟ اخلص؟
تشنج وجه رشدي من حديث هادي، لكنه للأسف يحتاجه، لذا هو مضطر لإظهار بعض اللين والاحترام معه: "محتاجك يا هادي يا حبيبي شوية." رفع هادي حاجبه وهو ينظر له باشمئزاز من أعلى لأسفل، ثم تحدث بحنق شديد: "يحنن يا عسل." اغتاظ رشدي من هادي وتعنته الشديد، لذا تحرك بغيظ شديد صوبه وهو ينحني عليه ساحبًا إياه من ثيابه صارخًا به بغضب: "ولا مش عشان احترمتك هتسوق فيها؟ انجر قدامي عايزك."
"أولًا سيب البدلة عشان أنا قعدت ساعة بكويها. ثانيًا بقى يا زبالة، إنت مش هعملك حاجة ومش هتحرك من مكاني، سامع؟ كان هادي يفكر في رأسه أن رشدي يحاول أن يشغله بأي شيء أو يحاول صرفه بأي حجة منعا للمشاكل، لذا كان يعاند معه ويرفض الحراك. أبعد هادي يد رشدي وعاد للجلوس محله مجددًا وهو يرمق رشدي الذي أوشك على الانفجار بكل برود. حاول رشدي أن يهدأ نفسه وهو يشير لداخل منزله:
"الخلاط باظ وأنا مش بفهم فيه. فتعالى اتنيل صلحه، لأنك الوحيد فينا اللي بتفهم في الحاجات دي." نظر له هادي بشك مضيقًا عينيه يحاول أن يتبين صدقه من عدمه. لكن ملامح رشدي كانت تظهر جديته الشديدة. وأمام صمته الطويل صرخ رشدي بنفاذ صبر: "ما تخلص يالا، الناس على وصول وعايزين نعمل عصير." "مش لازم عصير، كفاية كوباية ميه وخلاص." تحدث هادي وهو يزم شفتيه بضيق، بينما نظر زكريا لهما بملل شديد، ثم نهض مشيرًا لرشدي أن يرشده للمطبخ:
"سيبك منه يارشدي، ده دماغ دبانة في جسم طور. وريني فين المطبخ واتأكد أن مفيش حد جوا وأنا هتصرف." نظر له رشدي بتعجب، ثم بادر بالسؤال: "إنت بتفهم في الخلاطات؟ هز زكريا رأسه برفض مجيبًا: "لا، بس بعمل عصير لمون حلو أوي." عض رشدي شفتيه بعصبية كبيرة من صديقيه الأحمقان، ثم دفع زكريا بخفة ليسقط على الأريكة: "يا أخي بقى ارحم أمي، إنت التاني. عصير لمون إيه؟ هما جايين لزيارة مريض."
صدح فجأة صوت رنين جرس الباب، لينظر الثلاثة لبعضهم البعض قليلًا حتى تحرك رشدي بلهفة للباب وهو يعد من ثيابه. وخرج والده من الداخل ليستقبل الضيوف مع ابنه. فتح رشدي الباب ببسمة واسعة وهو يرمق صديقه ووالدته مرحبًا بهم: "مصطفى باشا." سمع هادي من الداخل صوت رشدي وهو يرحب بالضيوف، ليغمض عينه بغضب شديد مستوعدًا فرج في سره بالموت. ذلك العجوز. إن فشلت خطته بسببه سيتزوج هو أم أشرف ويحرق قلبه.
دخل رشدي للصالون ومعه ضيوفه، حيث يقف والده وهادي وزكريا في انتظارهم. تقدم شاب طويل ورشيق خلف رشدي ومعه سيدة يبدو عليها الرقي والأناقة الشديدة، وخلفهم فرج الذي دلهم على الطريق. أشار هادي لفرج على رقبته بعلامة الذبح. ليبتسم فرج برعب وهو يحرك كتفيه بقلة حيلة. تقدم هادي منه وهو يهمس من بين أسنانه بغيظ: "هو أنا مش قولت يلفوا أحياء القاهرة كلها؟ إيه اللي جابهم دلوقتي دول؟ مكملوش نص ساعة حتى." ابتلع فرج
ريقه وهو يقص عليه ما حدث: "أصل الواد طلع ذكي وشكله حس إننا بنتوهه، فبعد ما بعته مع الواد محمد لقيته رجعلي وبيقولي فين بيت رشدي، لاحسن هبيتك في الحجز. يرضيك يعني يا هادي يا بني عمك فرج على آخر العمر يبات في الحجز؟ وام أشرف تتعاير إن جوزها سوابق؟ رقمه هادي بتوعد وعيونه تطلق شرار: "خايف تتحبس يا فرج؟ أنا بقى هرمل أم أشرف." نظر له فرج ثم قال بمزاح ثقيل وهو يضحك ضحكته الغبية: "ترملها إزاي؟ هي بطيخة؟ ضربه هادي بخفة في
كتفه وهو يدفعه بغيظ شديد: "امشي من وشي بدل ما أنزل أولعلك في أم أشرف وأشرف وفيك." رحب رشدي بالجميع، ثم أجلسهم على الأريكة ببسمة واسعة: "نورت والله يا مصطفى. منورة يا هانم." ابتسمت والدة مصطفى بهدوء وهي تهز رأسها: "البيت منور بأصحابه يابني." ابتسم مصطفى وهو يضع من يده بوكيه الورد إلى جانب علبة الحلوى التي كانت تحملها والدته منذ قليل، ليمتعض وجه هادي متمتمًا بسخرية:
"مش فاهم. كل اللي يلاقي نفسه فاضي يجيب تورتاية وبوكيه ورد وييجي يحرق دمي. الواحد يولع في محلات الجاتوه ولا يعمل إيه بس؟ *** في الداخل، كانت شيماء تقف أمام المرآة ترمق نفسها بحزن شديد وهي تتحرك أمام المرآة، تشعر بأنها لن تقدر على الخروج بمظهرها هذا. دخلت عليها ماسة وهي تتحدث بسرعة: "ها يا شوشو، خلصتي و... توقفت عن الحديث لرؤيتها دموع شيماء التي تهبط ببطء على خدها. فزعت ماسة من مظهرها واقتربت منها بعدم فهم مرددة:
"شيماء، مالك يا قلبي؟ بتعيطي ليه؟ نظرت لها شيماء بحزن وهي تشير لنفسها: "مش عايزة أخرج كده يا ماسة." "أمّال هتخرجي إزاي يعني؟ لكن شيماء أكثر وهي ترتمي في أحضانها بوجع: "مش عايزة أخرج أساسًا. أنا خايفة أوي. خايفة حد يبصلي بصة وحشة وأنا مش ناقصة والله." تألمت ماسة لحديث شيماء وشعرت بمقدار وجعها، فما أسوأ أن تفقد فتاة ثقتها في نفسها وجسدها، بل يصل الأمر لأن تمقت النظر لنفسها في المرآة. ربتت ماسة
على ظهر شيماء بحنان هامسة: "شيماء يا قلبي، أنتِ جميلة أوي. ومتصدقيش حد يقولك غير كده. لازم يكون عندك ثقة في نفسك يا شيماء، مينفعش كل كلمة تسمعيها تهز ثقتك كده." أنهت حديثها ثم قالت بمزاح وهي تحاول تلطيف الأجواء قليلًا: "بتفكريني يوم ما أخوكِ جه يطلبني، قعدت أعيط زيك كده؟ ابتعدت شيماء بتعجب عن ماسة وهي تردف: "كنتِ خايفة برضه؟ هزت ماسة رأسها بالنفي وتشدقت بجدية كبيرة:
"لا، كان جايبلي الجاتوه بالفراولة وأنا كنت بحبه بالشوكولاتة." ضحكت شيماء من بين دموعها وهي تفكر في علاقة أخيها وماسة. لكم تتمنى يومًا أن تجد من يحبها كما يفعل أخوها مع ماسة. *** "بس دي حتة مقطوعة واحنا مش هنرمي بنتنا في آخر بلاد المسلمين. يا إما تجيب لها شقة في المنطقة هنا يا ما خلاص." هكذا أبدى هادي اعتراضه الخامس عشر بعد المائة على كل ما يقوله مصطفى، فكلما أخبرهم شيء اعترض عليه هادي سريعًا يحاول إخراج العيوب به.
نظر زكريا لهادي بحنق شديد وقد سأم أفعاله تلك، لذا اقترب منه هامسًا بضيق شديد: "هادي يا حبيبي، أهدى شوية عشان رشدي هيقوم دلوقتي يولع فيك." زفر هادي بضيق وهو يتحدث بصوت عالٍ ليسمعه الجميع: "ما هو اللي ساكن في حتة مقطوعة بعيدة يعني نرمي البنت في أي حتة عشان تستريحوا؟ تحدث إبراهيم بعدم فهم لاعتراض هادي: "مقطوعة إيه يابني؟ ده بيقولك ساكن في المعادي." نظر هادي للشاب بغيظ شديد، ثم قال بعناد:
"أيوه ما المعادي حتة مقطوعة ليا، واحد صاحبي هناك بيقولي إنها حتة مقطوعة ومش ساكن فيها حد." أطلق زكريا ضحكة ساخرة على حديث هادي الذي يظهر للأعمى أنه يبدو مغتاظًا وبشدة: "أيوه فعلًا، ده حتى سكانها مكملوش المليون لسه. احنا نجوزها في كوخ في الصحرا عشان تستريح." تنحنح مصطفى وهو ينظر لوالدته يحثها على التحدث، لتهز هي رأسها بفهم: "ألا هي فين عروستنا؟ مش هنشوفها ولا إيه؟
اعتدل هادي في جلسته بتحفز شديد وهو يرمق السيدة بنظرات مشتعلة، ولو كانت أعينه رصاصًا لكانت سقطت صريعة. نهض رشدي ببسمة وهو يشير لهم أنه سيناديها، بينما أخذت والدته تشير لهم بتناول بعض الكعك والمشروبات الباردة التي ذهبت سحر وأحضرتها سريعًا.
غاب رشدي لدقائق قليلة قبل أن يخرج وهو يصطحب معه شيماء التي كانت تستند عليه بسبب قدمها، فهي تسير عليها بشكل متعرج تحاول ألا تضغط عليها. وخلفهم ماسة التي حيت الجميع ببسمة هادئة، ثم اتجهت لتجلس جوار والدتها.
نهض هادي سريعًا بمجرد أن لمح شيماء في شكل جذب انتباه الجميع له. لكن وكأنه يهتم لهم، فهو شعر بأن العالم كان خاليًا من حوله إلا منها هي، ملاكه الجميل البريء. ابتسم لها دون شعور وكاد يتقدم جاذبًا إياها من يد أخيها لولا زكريا الذي جذبه بعنف مجددًا ليجلس جواره: "اقعد، فضحتنا. غض بصرك يا أخي بقى واترزع، ده العريس معملش زيك."
لا يعيره هادي أي اهتمام وهو ما يزال يوجه بصره تجاه شيماء التي تحركت مع رشدي حتى جلست جواره مقررة عدم رفع عينها حتى لرؤية الشاب، تخشى رؤية نظرات ازدراء أو رفض في أعينه. "ما شاء الله، قمر يابنتي." هكذا تحدثت والدة مصطفى، والتي أخرجت كلماتها هادي من شروده، ليعيد نظراته الحارقة لها مجددًا. ابتسم مصطفى مؤيدًا لحديث والدته: "عندك حق يا ماما." "ياروح أمك." نظر الجميع سريعًا لهادي الذي انفلتت منه تلك الكلمات، ليبتسم هو
بسماجة يحاول أن يخفي حرجه: "أقصد يعني، واضح أن حضرتك روح الست الوالدة، ما شاء الله ربنا يخليهالك." تجاهله مصطفى، فهو لا يطيقه منذ بداية الجلسة ويشعر تجاهه بحنق شديد منذ بدأ يعارضه على كل شيء وأي شيء. تنحنح مصطفى وهو ينظر للجميع، ثم قال بتهذيب شديد: "بعد إذنك يا عمي، ينفع أقوم أنا والآنسة شيماء شوية في البلكونة نتكلم سوا؟ "تقوم إيه؟ قامت قيامتك يـــــ...
أمّممممم. وضع زكريا يده سريعًا على فم هادي الذي صاح بحنق شديد وهو يكاد ينهض ليقتل مصطفى. رمق الجميع هادي بصدمة، ليابتسم لهم زكريا يحاول إخفاء ما فعله رفيقه: "معذرة. هو لم يقصد شيئًا، أنه يعاني من خلل في المخ. المسكين." أبعد هادي يد زكريا عن فمه وهو يصرخ: "أوعى إيدك دي، جاك خلل في معاميك. هو إيه اللي يقوم يقعد معاها في البلكونة دي؟ وتحب بقى نجبلك حمص ودرة مشوية عشان تظبط القعدة؟
احمرت عين رشدي بشدة وهو ينهض بعنف صارخًا في وجه رفيقه: "هــــــــادي." قاطع ذلك الجو المشحون رنين هاتف يصدح في الأجواء: "أيوه. دلوقتي؟ طب تمام، أنا جاي." أنهى مصطفى حديثه وهو ينهض بحرج شديد ينظر لتلك الوجوه المتجهمة: "بعتذر يا جماعة، بس جالي شغل مستعجل، فهضطر أستأذن ويبقى أحدد معاد تاني مع رشدي." أنهى حديثه لتنهض والدته تتحرك خلفه سريعًا بخوف من ذلك الرجل المرعب.
سمع الجميع صوت الباب يغلق، لينطلق رشدي سريعًا صوب هادي وعيون تقدح شرار ناوٍ على قتله، بينما هادي لم يتحرك من مكانه وهو يرمقه بشر كبير. وقف زكريا سريعًا أمام هادي وهو يتحدث برعب من مظهر رشدي: "ما بك يا رشدي؟ اهدأ قليلًا يا رجل، أنت تعلم أن هادي بلا عقل." "ابعد يا زكريا، لاحسن أضربك إنت." فتح زكريا عينه بفزع ورغم ذلك لم يتحرك وهو يصرخ في رشدي: "اضرب، بس مش هسيبك تقرب منه وتضربه."
كانت نظرات زكريا تكاد تحرق رشدي كأم تدافع عن صغارها. هو لن يترك رشدي يضرب هادي في لحظة غضب قد تصنع بينهما حواجز، لكن إن ضربه هو سيتفهم الأمر ولن يعلق. بينما هادي يقف خلف زكريا لا يهتم لأحد سوى شيماء التي كانت تنظر للجميع بدموع غزيرة. لذا، وللمرة الثانية، ينطق دون وعي وبغباء شديد يضاهي غباءه في المرة الأولى: "جوزني شيماء يا رشدي."
عم الصمت في المكان كله وفتح الجميع أفواههم بصدمة كبيرة، وتوقفت شيماء عن البكاء وهي ترمق هادي بعدم تصديق لما يقول. نظر زكريا لهادي خلفه ببلاهة، ثم ابتعد من أمامه بهدوء: "غيرت رأيي، اديله بالجذمة أبو دماغ جذمة ده، إياكش يتربى." تحدث إبراهيم وهو يخرج من المكان: "قولتلك صاحبك عبيط، بس مسمعتش كلامي. اشرب بقى، جاتك نيلة، أهبل اتلم على شوية مجانين." نظر رشدي بحاجب مرفوع لهادي متجاهلًا حديث والده الذي خرج وخلفه والدته ظنًا
أن هادي جن لطلب كهذا: "نعم يا ضنايا؟ "بقولك جوزني اختك، إيه اتطرشت؟ ضحك رشدي بصخب وهو يهز رأسه بيأس مستديرًا ليرحل: "الظاهر فعلًا جنيت، وأنا مش هرد عليك." أوقفه حديث هادي الغاضب: "أنا مش فاهم، بتتنك على إيه بروح أهلك؟ أنهى حديثه وهو يتقدم جاذبًا رشدي من تلابيب ثيابه بعنف شديد: "ولا أقسم بالله، أما اتجوزت اختك لأكون متصرف تصرف مش هيعجبك." نظر رشدي ليد هادي ببسمة ساخرة:
"يامي يامي، اجري يا بابا هات المأذون بسرعة، لاحسن يقتلني." أنهى حديثه وهو يبتسم بسخرية: "أعلى ما في حمارك اركبه يا مهدي. بس اختي مش هتتجوزك بالهجمية اللي فيك دي، أنا مش مستغني عن اختي." تحدث زكريا مصححًا حديث رشدي: "اسمها خيلك يا رشدي." "لا حمارك. الأشكال دي آخرها حمار أعرج مش وش خيول لا." ارتخت يد هادي تدريجيًا من حول ثياب رشدي ليقول مبتلعًا ريقه: "طب أعمل إيه وتجوزني شيماء؟ "إيه يا عم إنت؟ هو إنت جاي تشتري بقرة؟
كان هذا صراخ شيماء التي شعرت بالغضب من حديث ذلك الهادي. رفع هادي نظره لشيماء وابتسم كمجنون دون أن يجيبها، بينما هي تقدمت منه كما فعلت المرة السابقة ووقفت أمامه متحدثة بجرأة لم تعرف من أين اكتسبتها: "مين قالك إني هوافق عليك يا... أبيه هادي؟ ابتسم هادي وهو يجيب باستخفاف: "لا ما هو بصي بقى... حتى لو ناديتيني بابا دلوقتي، برضه هتجوزك." ثم رفع عينه لرشدي وقال بعناد شديد:
"اسمع، إنت كمان شيماء مش هتتجوز غيري. تتصل بالاستاذ اللي كان هنا وتبلغه ينسى شيماء خالص." ابتسم رشدي وهو يربع يده ببرود: "وإلا؟ صاح هادي بغضب وغيظ: "لا ما هو أنا ممكن أعملك مصيبة هنا لو متجوزتهاش. ده أنا مش متربي وصايع، حتى اسأل زكريا." "نعم، وأنا أشهد على ذلك." هكذا أكد زكريا حديث صديقه مساندًا إياه في جنونه هذا، فبعد كل هذا الوقت تحدث أخيرًا بما في قلبه.
تحدثت شيماء بغيظ شديد، رغم أن هناك جزءًا داخلها يرقص فرحًا بتمسك هادي بها وشعور لأول مرة تختبره أن هناك من يحارب لأجلها، وهناك من يفعل المستحيل للفوز بها: "وأنا يوم ما أتـ... ـجوز، أتـ... ـجوز واحد اسمه هادي عبدالهادي المهدي؟ شهق هادي شهقة عالية تشبه تلك الشهقات التي تطلقها النساء تهكمًا، مع التواء طرف شفتيه لأعلى بتشنج. ثم أخذ يضرب كفيه ببعضهما في حركة شعبية وهو يصيح بها: "حوش حوش، مين اللي بيتكلم؟
يابت، ده إنتِ أخوكِ اسمه رشدي أباظة يابت. أمّال لو كان اسمه لؤي كنتِ عملتي فينا إيه؟ أنهى حديثه ثم نظر لزكريا: "لا مؤاخذة يا زكريا." أشار له زكريا بعينه أنه لا بأس. فتحت شيماء عينها بصدمة من حديث هادي وحركاته الشعبية التي يقوم بها، والتي تراها لأول مرة منه. بينما رشدي حاول كتم ضحكته على حديثه: "خلصت؟ استدار له هادي ونظر له بشر: "لا، مخلصتش يا أباظة، واسمعني عشان مش هعيد كلامي." صمت بكرى ثم تحدث بعدها بجدية كبيرة:
"هجيب أمي ونيجي نخطب اختك وهجيب جاتوه وورد والخلاط بتاعنا عشان تعملولي عصير ونقعد نتفق على الخطوبة وخلص الكلام. عقل اختك بقى عشان مطلعش عفاريتي عليها." اشتعلت نظرات شيماء من تهديده لها: "إنت بأي حق تهددني كده؟ مش فاهمة إيه البجاحة اللي في دمك دي؟ حد قالك إني مش هموت عليك؟ نظر لها هادي بشر مضيقًا عينيه، مما جعلها تتراجع سريعًا مختبئة في رشدي وهي تبتلع ريقها برعب تسمع حديثه المخيف: "لا، هو إنتِ متعرفيش؟ مش أنا مجنون؟
أه والله، حتى اسألي أخوكِ." أنهى حديثه وهو يرفع عينه لرشدي ثم أضاف: "أنا هجيب أمي بكرة والخلاط زي ما اتفقنا. خلي البت اللي وراك دي تنزل تجيب كيلو جوافة وكيس لبن عشان بحب الجوافة بلبن." رمقته شيماء بغضب شديد ليكمل هو بعدما كاد يرحل ساخرًا: "أجيب المصفاة بتاعتنا معايا؟ لاحسن تسبب البذر يقف في زوري ويخنقني." أنهى حديثه ثم رحل سريعًا وملامحه مكفهرة وغاضبة بشكل كبير من نظرات شيماء. نظر زكريا لأثر هادي ثم أعاد نظره لرشدي
بخيبة أمل يتحدث إليه بحزن: "عارٌ عليك يا رشدي. أنظر إلى ما فعلته بالفتى، لقد كاد قلبي يتوقف حزنًا على نبرته. ألم ترى نظرات الوجع في عيونه؟ ألم تستمع لصوته المكلوم؟ أنهى حديثه ليصل لمسامع الجميع صوت هادي الذي كان يغني على الدرج بفرحة كبيرة: "وهتجوز، هتجوز، هتجوز." ثم أطلق زغرودة كالمجانين. زكريا رأسه بشفقة وهو يهمس: "المسكين سيموت كمدا." ثم تنهد وهو يرفع رأسه لرشدي مضيفًا:
"ابقى اعملي عصير مانجو عشان مليش في الجوافة أوي." أنهى حديثه وهو يتحرك خلف هادي مستأذنًا الجميع. *** وصلت وداد لمنزل فاطمة أخيرًا، وبعد حديث طويل مع إحدى جاراتها التي أوقفتها أمام البناية لأكثر من ساعة تقريبًا قبل أن تسحبها معها لبيتها حتى تريها كيفية صنع أحد أصناف الحلويات بعدما تذوقته لديها ونال إعجابها.
طرقت وداد الباب بهدوء شديد منتظرة الرد لكن لم تسمع شيء. طرقت مجددًا، وأيضًا لا رد. تنهدت وداد بتعب ورجحت أنها ليست في المنزل اليوم، لذلك لم تحضر. حسنًا، هي فعلت واجبها وأتت للسؤال عنها، لذا لتعود لمنزلها و...
توقفت وداد في منتصف الطريق للدرج وهي تستمع لأصوات خافتة وتأوهات تصدر من الداخل، وكأن أحدهم يُعذب أو ما شابه. ارتابت وداد ثم عادت مجددًا للباب تحاول أن ترهف السمع لتتأكد أن ما سمعته صحيح وأن هناك صوت تأوهات في الداخل. لذا طرقت مجددًا بحذر: "فاطمة... يا منيرة... حد جوا؟
بالداخل، كانت فاطمة مسطحة أرضًا كجثة تنظر للسقف وعينها شاخصة، وكأن روحها تخرج منها. تضع يدها على صدرها وكأن هناك من يحاول كتم أنفاسها. وجع كبير ينخر عظام صدرها، وكأن مطرقة كبيرة تضرب ذلك الجزء. كانت تنظر حولها بتعب شديد ودموعها تهبط، لا تقدر سوى على إخراج تلك التأوهات الخافتة من بين أنفاسها المسلوبة. تشعر أنها تودع هذه الحياة. لكن فجأة سمعت صوت طرق على الباب. انتعش الأمل في قلب فاطمة وهي تتحرك بتعب شديد تحاول إخراج صوتها، لكن كل ما كان يخرج هو تأوهاتها العاجزة. بكت بعنف شديد تحاول الصراخ أن ينجدها أحد.
فجأة ارتفع صوت من الخارج وقد تعرفت عليه. إنه صوت وداد، لذا حاولت إخراج صوتها. مدت يدها وأخذت تطرق بضعف على باب غرفتها الذي سقطت جواره تحاول أن تخبرها أنها بالداخل. عجز هو كل ما شعرت به. ترى موتها يقترب وهي حتى لا تستطيع الصراخ. سقطت دموعها بضعف لقلة حيلتها.
في الخارج، كانت وداد لا تتلقى أي رد، ولولا ذلك الصوت الخافت في الداخل لكانت رحلت. فجأة تناهى لمسامع وداد صوت يشبه الطرق، وكأنه أحدهم يطرق بابًا أو ما شابه. لم تفهم ما يحدث، ولوهلة ظنت أنها تتخيل أو أن هذا المنزل مسكون. لذا تراجعت للخلف بخوف شديد واتجهت صوب منزل هادي المقابل لمنزل فاطمة وطرقت الباب برعب وهي تنظر خلفها للباب. "سناء... يا سناء."
فتحت سناء الباب بعدما سمعت صوت وداد لتتفاجأ بوجه وداد الشاحب وهي تقف أمام منزلها مشيرة للمنزل الذي يقابلها برعب: "هو فيه حد جوا يا سناء؟ لم تفهم سناء السؤال، لكن وجه وداد الشاحب جعلها ترتاب بشدة وهي تخرج من منزلها تحاول تهدئتها: "اهدي يا وداد، فيه إيه يا ختي؟ وشك مخطوف كده ليه؟ ابتعلت وداد ريقها برعب وأشارت لمنزل فاطمة وهي تتساءل: "هو فيه حد جوا؟ "معرفش والله، أنتِ عارفاني مش بطلع. بس ليه؟ عايزة حاجة منهم يعني؟
نظرت لها وداد برعب ولم تكد تجيب حتى سمعت صوت تحطيم داخل الشقة المقابلة لتصرخ السيدتان برعب وتتحرك سناء برعب جهة الشقة وهي تردد: "يا ستار يا رب، فيه إيه بيحصل جوا؟ ثم أخذت تطرق بعنف ورعب: "ست أم فاطمة، فيه حاجة ولا إيه؟
من الداخل، كانت فاطمة تبكي دون صوت، وقد بدأ الوجع يزداد، وانفاسها تتباطأ. فجأة انتبهت للطاولة الصغيرة التي تجاور غرفتها والتي تحتوي على فاز من الفخار، لذا بدأت تحاول أن تمد يدها لتسقطها. علّها تستطيع أن تنبه من بالخارج عن وجودها. حاولت وحاولت ودموعها تمنع عنها الرؤية بشكل واضح، بالإضافة أنها لم تكن ترتدي نظارتها. لكن شعرت بيدها تصطدم بالطاولة، لذا ودون تفكير ضربت الطاولة بعنف شديد لتسقط الفاز من عليها محدثة صوتًا عاليًا جدًا.
فزعت كلا من وداد وسناء لذلك الصوت، لذا تحركت سناء سريعًا لمنزلها بعدما لم تتلق جوابًا ممن في الداخل. وأحضرت المفاتيح الاحتياطية للشقة الخاصة بفاطمة، فهي تمتلك بعض الشقق في هذه العمارة وهذه واحدة منهم. تحركت جهة الباب بسرعة لتجد وداد خلفها تحثها: "بسرعة يا سناء، ليكون حصل حاجة." "حاضر، استني لحظة بدور على المفتاح. كويس إني نسيت ادي أم فاطمة النسخة التانية."
أنهت حديثها وهي تدس المفتاح بالباب، ثم فتحته سريعًا وأخذت تنادي على أي أحد لعل أحدهم يجيبها. كانت فاطمة تحاول رفع صوتها وهي تبكي لعل أحدهم يشعر بها. تقدمت وداد في الشقة وهي تنادي فاطمة، لكن فجأة اصطدمت قدمها في شيء. نظرت أرضًا بسرعة لتتسع عينها برعب شديد تضرب صدرها بخوف شديد: "يا مصيبتي... ركضت لها سناء سريعًا لترى ما حدث حتى تفاجأت بفاطمة التي تتسطح أرضًا وهي تتنفس بصعوبة شديد وكأنها على وشك الغرق. انحنت لها سريعًا
وهي تحاول التفكير في شيء: "يا ستار يا رب، البنت هتموت. اتصلي بأي حد يا أم زكريا بسرعة، البت هتروح من إيدينا." *** "إنت هتجوزني للمجنون ده يا رشدي؟ تحدثت شيماء باستياء كبير وهي ترمق أخاها والذي يبدو عليه الرضا التام لما قاله ذلك المعتوه هادي قبل رحيله. ابتسم رشدي وهو يقترب من أخته يردف بضحك: "محدش هيقدرك ويحافظ عليكِ قد المجنون ده يا دبدوبتي."
نظرت شيماء لوجه أخيها بحنق، إذا ما خمنته صحيح. رشدي يميل لذلك المجنون ويوافق على حديثه. "بس يارشدي... "أيوه، هو اعتراضك على هادي؟ كلمات قاطع بها رشدي حديث أختها التي لم تكن حتى تعلم بما تعارض ولما تعارض، لكن شعلة التمرد بداخلها قد اشتعلت بمجرد رؤيتها لإصرار هادي وثقته بالأمر. "هو... يعني... يارشدي، يعني إنت مشفتش كان بيكلمك ويعاملك إزاي؟
ابتسم رشدي بحنان وهو يربت على شعرها بحنان، ثم شرع يحاول إقناعها، فهو لن يجد من يهتم بطفلته البريئة بمقدار ذلك المجنون: "وأنتِ هترفضى عشاني؟ هزت شيماء رأسها بالإيجاب ليضحك هو بخفة: "لا، ملكيش دعوة بيا أو باللي بيني وبين هادي. هادي أخويا وابني، زي مكانتك عندي. عمري ما أزعل منه. ولو عايزة رأيي، مش هتلاقي في الدنيا دي كلها حد يحبك قد هادي." صدمت شيماء من حديث أخيها وخجلت بشدة، لذا اندفعت تدفن وجهها في صدره لتزداد ضحكته
عليه وهو يهمس لها بحنان: "خدي وقتك وفكري كويس. وأهو نأدب الزبالة ده ونربيه شوية." ضحكت شيماء بخجل شديد: "طب وصاحبك مينفعش؟ قاطعها رشدي وهو يضمها بحنان: "ملكيكيش دعوة بمصطفى، سيبيه." تحدثت ماسة التي تقف بعيدًا عن هذا الثنائي المريب وهي تقضم قطعة تفاح من تلك التي تحملها بيدها هامسة بشك: "أقطع دراعي أما كان مصطفى ده لعبة منك يا أباظة." ***
كان زكريا في طريق عودته للمنزل بعد أن ترك منزل رشدي بضيق من تصرفات رفيقه. فجأة سمع صوت رنين هاتفه ليجد أن المتصل ليست سوى أمه التي بمجرد أن فتحت المكالمة حتى سمع صرختها المفزوعة: "زكريا... الحقني يابني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!