الفصل 11 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
28
كلمة
5,898
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

الصوت الخافت تسلل من بين أخشاب نافذتها ليثير انتباهها أثناء وقوفها في مطبخها تنتهي من غسل الأواني بعدما أطعمت ابنها وذهب للنوم قليلاً. اتجهت جهة النافذة ترهف السمع لذلك الهمس الخافت تحاول أن تتبين أي شيء من خلاله، لكن لم تستطع لذا مدت يدها وفتحت النافذة بهدوء شديد لتتفاجأ بوجهه يطل عليها منها بشكل أثار فزعها. تراجعت سريعا جاذبة طرف عباءتها بخفة ثم بصقت به بصقات وهمية وهي تتمتم برعب: _كده يا فراريجو كنت هتوقف قلبي.

ابتسم فرج وهو ينظر حوله بعدما تأكد من خلود ابنها للنوم وقرر النزول قليلاً من على عرشه الذي يستقر في القهوة والمجيء بنفسه هذه المرة، فيبدو أن هادي سيعزف عن مساعدته حتى إشعار آخر بسبب ما حدث. _وحشتيني يا ام اشرف. ابتسمت السيدة بخجل شديد وهي تنهره بعينها: _عيب يا فرج اختشي يا راجل. هو إنت صغير؟ بعدين اشرف نايم جوا ولو صحي دلوقتي هيفضحك في الحارة. لوى فرج فمه بضيق من هذا الأشرف الذي يقف في وجه سعادته مع والدته:

_أنا مش فاهم ابنك ده قلبه حجر؟ ليه مش راضي يريح قلبي ويجمع قلبين سوا؟ تنهدت ام اشرف وهي تجيبه مبررة لابنها: _اعذره يا فراريجو صعب برضو بعد العمر ده يجوز ابنه لراجل تاني. تشنج وجه فرج وكاد يتحدث لولا شعوره بيد تمسك بثيابه من الخلف بعنف شديد جاذبة إياه خارج هذا الشارع الفرعي الصغير والذي يحتوي منزل ام اشرف ومنزل آخر فقط. أخرج فرج الخطاب سريعاً وهو يشعر بنفسه يبتعد عن ام اشرف ثم ألقاه سريعاً على النافذة وهو يصرخ

قبل أن يخرج من الشارع: _اقرأي الجواب يا أم اشرف. تصبحي على خير يا حبة الجلب. أنهى حديثه وهو يلوح لها بيده بشكل مثير للضحك بينما كان هادي يجذبه لخارج الشارع حتى وصل به أمام الشارع الصغير وتنحى به جانباً لأحد الجدران يهمس بشر كبير: _أنا قولتلك إيه؟ _إيه؟ صرخ هادي في وجهه بغضب شديد: _هتسوق العبط ولا إيه؟ مش قايلك الواد ده ميوصلش لبيت رشدي؟ هز فرج رأسه مبتلعاً ريقه بخوف من هذا المجنون ليكمل هادي بغضب وهو يقترب منه:

_وحضرتك عملت إيه؟ داخلي بيه الشقة بكل سعادة ولا كأنك وليّ أمره. أنهى حديثه وهو يتحدث متعجباً يتذكر بسمة فرج الغبية التي دخل عليهم بها: _لا وداخل مبتسم أوي وسعيد جداً وإنت داخل وراه. هو إنت رايح تخطب لابنك؟ ابتسم له فرج نفس تلك البسمة الغبية جاعلاً هادي يكاد ينقض عليه يقتله: _ما هو أصل إنت مشفتش وهو نازل من العربية وقعد يهددني. ابتسم هادي ساخراً منه: _هو مش هددك أساساً صح؟ هز فرج رأسه مبتسماً وهو يجيب:

_هو قالي بيت رشدي فين وإلا هتشرف في الحبس. قمت قولتله والله لاوصلك بنفسي كمان وركبت معاه العربية. عربيته كان فيها تكييف حلوة أوي يا واد يا هادي. صرخ هادي به بغضب شديد وهو يضرب الجدار خلفه ولم يكد يتحدث حتى لمح بطرف عينه زكريا يركض برعب شديد على وجهه، لأول مرة يراه صوب بنايته. كرمش هادي ملامحه بعدم فهم فماذا قد يكون حدث في البناية الخاصة به وقد يثير رعب زكريا هكذا.

فجأة شعر بقلبه يكاد يتوقف عندما تخيل أن والدته مرضت أو ما شابه. ودون لحظة تفكير كان يركض خلف زكريا برعب شديد ليرى ما حدث، تاركاً فرج ينظر في أثره بتعجب قبل أن يهز كتفه بعدم اهتمام متجهاً صوب القهوة يفكر في كلمات لخطابه الذي سيرسله في الصباح لام أشرف.

صعد زكريا الدرج سريعاً وضربات قلبه تقرع بشدة ورعب، فوالدته لم تنطق سوى بكلمتين بعدما استغاثت به وأخبرته أن يحضر لمنزل هادي. ولم يستوعب ما حدث، كل ما اعتقده أن هادي حدث له شيء أو والدته. كان يتنفس بعنف شديد يشعر بالرعب الشديد يكاد يوقف قلبه عن الخفقان.

وصل أخيراً للطابق المنشود وما كاد يتحرك جهة شقة هادي حتى سمع أصوات شهقات وتأوهات قادمة من الشقة المقابلة لشقة هادي، لذا تحرك بأقدام مرتخية من الرعب جهة الباب وهو يحاول ألا يختلس النظر. مد يده ليطرق الباب لكن سمع فجأة صوت بكاء والدته، لذا سريعاً لغى عقله وتوغل داخل المنزل بخطى سريعة جداً وعقله يحاول مساعدته لتخمين ما يحدث في الداخل.

لكن ما رآه حينما وصل حيث والدته لم يكن عقله ليصل له ولو بعد مئات السنين من التفكير. توقفت أقدام زكريا بصدمة وهو يرى جسد فاطمة متيبساً أرضاً تحاول أن تتنفس بعنف شديد وكأنها تصارع الموت بينما كان جسدها وكأنه شُل. وسريعاً دون أن يسأل عن سبب ما حدث أو يستفسر عن شيء كان ينحني حاملاً إياها بين ذراعيه وهو يركض كالمجنون لأسفل.

بينما فاطمة كان ذراعيها مرتخيين بجانبها ومازالت أنفاسها تصارع للخروج، تشعر أنها على وشك الموت. لكن فجأة وصل لها همس بجانب أذنها وكأنه شعلة في وسط ظلمتها، لذا جاهدت لرفع يدها وتمسكت في قميصه بعنف شديد وكأنها بتركه ستفنى.

كانت تتنفس بعنف شديد وهي تزداد تمسكاً به، بينما زكريا كان يركض بها كالمجنون في الشارع وهو يشعر بها وكأنها على وشك الموت. وأثناء ركض اصطدم بعنف في هادي الذي نظر ليده بصدمة ولم يكد يتحدث حتى صرخ به زكريا أن يحضر سيارة سريعا. ركض هادي ليحضر أي سيارة وسريعاً عاد لزكريا وفتح له الباب ليدخل ثم صعد هو جوار السائق.

كان زكريا يجلس في الخلف وما تزال فاطمة تستوطن أحضانه، وضربات قلبه تكاد تحطم صدره من قوتها ويد فاطمة تزيد من التمسك بثيابه. نظر لها زكريا برعب وهو يهتف: _بسرعة لو سمحت. دي بتموت. كان يتحدث وهو يكاد يبكي، فلاول مرة يوضع في موقف كهذا، ولأول مرة يرى أحد يحتضر بين يديه. نظر هادي لصديقه الذي كان على حافة الانهيار يحاول أن يطمئنه لكن زكريا لم يكن في حال تسمح له الانتباه.

وصل الجميع واخيراً إلى أقرب مستشفى لهم ليهبط هادي سريعاً يفتح الباب لزكريا الذي هبط سريعاً يركض بها للمشفى وهي ما تزال تتمسك به رافضة تركه وكأنها ستموت إن تركته. دخل زكريا للمشفى سريعاً وهو ينادي على أحد ليساعده بسرعة قبل موتها بين ذراعيه: _دكتور لو سمحتم. هتموت. دكتور. ركضت له بعض الممرضات الخاصات بحالات الطوارئ ومعهن سرير ناقل ليضع هو فاطمة عليه بعد أن نزع يدها بصعوبة من ثيابه، وهو يقول لهم شارحاً ما حدث:

_مش عارفة تتنفس خالص. مش بتتنفس. كان يتحدث بهذيان كالمجنون وهو يرمق وجه فاطمة الذي كان شاحباً وكأنها تسلم روحها. دخلت الممرضات بفاطمة لإحدى غرف الفحص سريعاً وخلفهن زكريا الذي كان يشيعها بنظرات مرتعبة قلقة وكأنه يودع ابنته لبداية أول يوم دراسة لها. شعر بكف هادي على كتفه بعدما دفع الأموال للسائق ولحق به، يربت على كتفه هامساً بهدوء شديد: _أهدى هتكون بخير.

نظر له زكريا برعب لا يعلم ما ذلك الخوف الذي سكن قلبه ليشير جهة الغرفة التي دخلت لها منذ قليل: _هي... هي كانت... هي... صمت ولم يعرف ماذا يقول. صمت لكن ضربات قلبه الهادرة لم تصمت. خلاص يا مرسي قولتلك كل حاجة هبلغك بيها. كان ذلك صوت منيرة الحانق محدثة زوجها الذي يصر على أن تخبره تحركات ابنتها كلها. سمع الاثنان صوت يقترب منهما متحدثاً بهدوء لكن خبيث: _مرسي يلا عشان حطوا الاكل للرجالة. أنهت حديثها وهي تنظر لغريمتها

التي تقف أمام زوجها: _ازيك يا منيرة. عاش من شافك. ابتسمت منيرة بسمة حانقة وبشدة مجيبة إياها بهدوء: _الحمدلله يا صفية. اهو عايشين. _وبنتك عاملة إيه يا حبيبتي مجبتهاش معاكِ ليه؟ على الأقل كانت جات هيصت شوية مع البنات. زفرت منيرة بغيظ شديد فهي تعلم إلى ما ترمي تلك الحية: _بنتي مش بتحب الأفراح وأنتِ عارفة. بعدين هي مش فاضية أساساً. لوت صفية فمها يميناً ويساراً بسخرية: _ياحسرة على إيه يعني ياختي؟

أنا قولت تيجي تفرفش لها شوية وتشوف الأفراح. يعني لا هتعمل فرح ولا تحضر أفراح يا عيال؟ أحمر وجه منيرة لتحدث صفية عن هذا الأمر المحظور في هذا المنزل وفي كل مكان لتصيح فيها بهياج: _تتردلك يا حبيبتي في فرح بنتك. ده لما تلاقي اللي يرضى يشيل شيلتها. أنهت حديثها اللاذع والذي أصابت به صفية في مقتل، ثم نظرت لزوجها بغضب شديد لوقوفه هكذا كعمود الإنارة دون الدفاع عن ابنته أمام زوجته البغيضة تلك.

_عن إذنكم ترجع البيت لاحسن فاطمة لوحدها. ابقى قول لأختك يا مرسي إني سبقتها لما تخلص الحنة براحتها يبقى تحصلني. ولو عايزة تبات براحتها. أنهت حديثها ثم خرجت من المنزل قبل أن تصطدم بابنة صفية وهي تتحدث بتعجب لرحيلها الآن: _مرات عمي؟ أنتِ ماشية ولا إيه مش هتاكلي؟ رمقتها منيرة بشر كبير وسخط: _تسلمي يا حبيبتي يبقى ناكل في فرحك.

نظرت علياء لأثر زوجة عمها الغاضبة بتعجب لكنها رجحت الأمر لحدوث مشاداة بينها وبين والدتها كالعادة، فمنيرة تكون زوجة عمها الذي تزوج والدتها بعد موت والدها، ليصبح مرسي في مقام والدها بعد الزواج من والدتها. دقائق عصيبة مرت على زكريا الذي كان يقف في الخارج مع هادي ووالدته وسناء بعدما أتوا خلفهم بسرعة. خرج الطبيب ليتجه له زكريا برعب شديد وهو يسأله عما حدث: _خير يا دكتور هي كويسة؟ هز الطبيب رأسه بإيجاب أنها بخير:

_متقلقش هي كويسة دلوقتي. _طب هو إيه اللي حصل؟ نظر الطبيب لملامح القلق على وجه زكريا مجيباً وهو يهز كتفيه بعدم معرفة: _معرفش. شهق زكريا بفزع مصطنع وهو يعود للخلف: _يا ستير يارب. ودي ليها علاج ولا نسفرها برة يا دكتور؟ رمق الطبيب زكريا بحنق لعلمه أنه يسخر منه: _حضرتك بتتريق؟ ابتسم زكريا بسمة مغتاظة وقد بدأ يفقد هدوءه: _يعني هو الكلام اللي حضرتك بتقوله منطقي؟ يعني لو حضرتك معرفتش هي فيها إيه مين اللي هيعرف؟ هادي؟

أنهى حديثه بسخرية مشيراً لهادي الذي يقف جواره ليتحدث هادي بحنق: _الاه؟ وماله هادي؟ مش يمكن أطلع بعرف وأنا معرفش؟ بعدين متنساش إن كنت علمي علوم. ده أنا جبت ٩ من ١٥ في أحياء أولى ثانوي. رمقه زكريا بشر ليصمت ثم نظر مجدداً للطبيب الذي بدأ يتحدث متغاضياً عن حديث الاثنين:

_الآنسة معندهاش أي شيء عضوي أبداً أقدر أشخص منه مرض. عموماً أنا طلبت تعمل أشعة على الرئة عشان نتأكد أكتر. بس موضوع شلل الجسم اللي حصل ده نفسي مش عضوي. ياريت تعرضوها على طبيب نفسي أفضل. أنهى حديثه وهو يستأذنهم للرحيل تاركاً الجميع يقف بتعجب من حديثه، فما هي الحالة النفسية التي قد تؤدي لشلل جسدها؟

فجأة انتبه الجميع لصوت بكاء يأتي من نهاية الممر والذي لم يكن سوى لمنيرة التي حدثتها وداد بمجرد دخولها للمشفى وأخبرتها كل ما حدث. اقتربت منيرة وهي تكاد تنهار أرضاً من كثرة الرعب الذي يسكن قلبها على ابنتها. اتجهت لها وداد سريعاً تحاول تهدئتها لكنها استمرت في البكاء تلوم نفسها لتركها ابنتها وحدها في المنزل رغم علمها بحالتها.

لم يفهم زكريا مقصدها لكنه استأذن من الطبيب لتدخل عند ابنتها وتطمئن عليها. ثم نظر لوالدته وأخذ هادي ليدفع ثمن الفحص الذي أجراه الطبيب. وهو يتنهد بتعب فهذا اليوم كان مليئاً بالمفاجآت حقاً. تعالى يابني دخلها الأوضة دي.

ردفت منيرة وهي تشير لغرفة فاطمة التي يحملها زكريا. دخل زكريا للغرفة بحرص شديد وخوف على تلك التي تتوسط أحضانه ثم انحنى قليلاً على الفراش جاعلاً إياها تتمدد بحذر شديد وما كاد يبتعد عنها حتى وجد يدها ما تزال تتمسك في ثيابه بعنف كما كانت تفعل حينما أخذها للمشفى.

ابتلع زكريا ريقه ثم ابتعد سريعاً مستغفراً ربه. واخيراً استطاع الفكاك منها ثم كاد يخرج خلف والدتها لولا أنها أمسكت يدها مرسلة بشرار عبر جسده، فهذه الفتاة هي الوحيدة التي استطاعت تحطيم حدوده ودخولها ضمن أماكن شائكة حرص دائماً على إبقاء أي فتاة بعيدة عنها. أغمض عينه بضيق شديد محاولاً أن ينزع يده من يدها طارداً كل تلك الأفكار من رأسه لكنها فتحت عينها بتعب شديد تشد على يده بحزن هامسة: _لا لا خليك ارجوك.

تَصَنّم جسد زكريا وهو يبتلع ريقه، لكنه رغم ذلك نزع يده بخفة منها وخرج سريعاً مخبراً والدتها أنه وضعها مكانها متمنياً لها الشفاء العاجل. ثم غادر سريعاً تاركاً والدته تجلس رفقة والدتها وقلبه يكاد يخرج من ذلك الموقف الذي يختبره لأول مرة. أغمض عينه بغضب شديد من نفسه ينهر نفسه عما فكر به وهو معها. ما بك زكريا هي مريضة لا تعي شيء. بينما أنت؟ توقف في منتصف الطريق يتنفس بعنف. أنا ماذا؟ ما الذي حدث لي؟

ألأنها أول فتاة يقترب منها بهذا الشكل؟ أم... في صباح يوم جديد كان زكريا يتسطح على فراشه بتعب. فقد عاد البارحة متأخراً بعدما ظل هائماً على وجهه كالمغفل يجلد نفسه دون رحمة عما فكر به. وقد اتخذ قراراً لا رجعة فيه. استيقظ زكريا من نومه وأدى صلاته وخرج من الغرفة حيث وجد والده ينتظر الإفطار على الطاولة ووالدته تعده بهمّة كبيرة. ابتسم زكريا وهو يجلس ملقياً السلام على الجميع ليسمع صوت والده الحانق: _كنتم فين امبارح يا زكريا؟

أمك مش راضية تقولي. معقولة كنت رايح تخطب من غير ما أعرف يا ابني؟ إيه هعرك يا زبالة ولا إيه؟ فتح زكريا فمه بتشنج من خيالات والده ولم يكد يتحدث حتى وجد والده يتحدث بدرامية كبيرة: _طبعاً تلاقيك مستعر من أبوك اللي فاتح محل حلاقة. ومين يعني هيكون فخور إن أبوه حلاق على باب الله؟ تألم قلب زكريا كثيراً على والده لذا سريعاً نهض متجهاً صوبه يضمه بحب شديد مقبلاً رأسه: _أبي أنت فخري دائماً. لا تقل هذا مجدداً عن نفسك أرجوك.

ضم زكريا أكثر وهو يدفن وجهه في صدر والده قائلاً بحزن لحديثه السابق: _نحن البارحة لم نذهب لرؤية عروس أقسم لك. فجأة شعر زكريا بصفعة قوية تسقط على رقبته من الخلف وصوت لؤي يخرج بحنق: _ما أنا عارف يا خويا هو لو كان بجد كنت سبتكم في البيت أساساً ده أنا كنت نزلته على دماغكم. ابتعد زكريا سريعاً عن مرمى يد والده بغيظ شديد وهو يصرخ بحنق: _و لما الضرب إذن؟ ما بك أبي؟

ضحك لؤي على منظره ولده ثم انتبه لوداد التي تضع الطعام على الطاولة وقال وهو يغمز لها متجاهلاً زكريا: _ألا هو القمر بيطلع الصبح ولا إيه؟ فتح زكريا فمه بحنق مردداً: _أنا حاسس إني بقيت عزول في نصكم. أنا بقيت حمل تقيل على قلبكم والله أنا عارف. وما كاد يتجه صوب المقعد الخاص به حتى سمع صوت طرق عنيف على باب شقتهم جعل والدته تشهق برعب شديد وهي تردد بعض الكلمات.

أشار لها زكريا أنه سيرى الطارق لذا سريعاً اتجه صوب الباب بخوف أن تكون فاطمة مرضت مجدداً ولم تجد والدتها من يساعدها سواه، لكن بمجرد أن فتح الباب انكمشت ملامحه بتعجب وهو يجد هادي يقف أمام شقته في هذا الوقت متأنقاً بشدة وكأنه على وشك الزواج. لكن هادي بمجرد أن فتح الباب حتى امسك بيده في عنف وجره بسرعة خارج الشقة وهو يقول بصوت عالٍ ليصل لمن بالداخل: _متستنوش على الفطار يا لؤي بالهنا والشفا.

نظر زكريا لما يرتدي بصدمة فقد كان يرتدي بجامته المنزلية وخف كل قدم تختلف عن الأخرى، فاليمين يرتدي بها خف باللون الأحمر واليسرى باللون الأسود المخطط بالأبيض. صدم زكريا حينما وجد صديقه يضع خلاط كهربائي أسفل ذراعه الآخر وهو يجذبه ليفتح عينه بصدمة من تصرفات هادي الذي أخذ يرغو ويزبد أثناء طريقه من منزله وحتى منزل رشدي. فعلم زكريا فوراً ما حدث لذلك الغبي منذ الصباح لذا سريعاً حاول الفكاك من أسر يده:

_دعني فقط أبدل ثيابي. بربك هادي أبدو كالابله هكذا. كان زكريا يضرب هادي بعنف في يده التي تتمسك به وهو يُسحب لمنزل رشدي وقابل في الطريق والدة هادي والتي كانت تحمل بعض الأشياء لترمقه معتذرة من همجية ابنها الغبي. توقف زكريا عن الاعتراض فهو يعلم رأس ذلك الثور الذي يسحبه، إن أراد شيئاً فلن يقنعه أحد بالتراجع.

ثوانٍ ووجد زكريا نفسه يقف أمام شقة العروس وهو يرتدي بيجامة سخيفة وخف ذو أشكال مختلفة ومازالت خصلاته مهتاجة بعض الشيء لولا تمسيده عليها أثناء الوضوء. وبجانبه يقف هادي مرتدياً أفضل حلاته، ووالدته في الطرف الآخر ترتدي أسدالاً للصلاة ويبدو أنها جرت بنفس الشكل الذي جُر هو به. تنفس هادي ليهدأ ضربات قلبه فهو منذ البارحة ينتظر هذا اليوم الجديد ليضمن وجود شيماء جانبه باقية العمر. مجنون؟

نعم لكن ومنذ متى تصرف أحد بعقله في الحب. رفع هادي يده لطرق الباب وانتظر الرد بفارغ الصبر في مظهر نادر لعريس يأتي صباحاً مع عائلته التي ترتدي ثياب النوم. ابتسمت شيماء بشدة لبثينة وشيماء اللتين أتيتا لها منذ الصباح لزيارتها فهي لم تر فاطمة منذ كُسرت قدمها بينما بثينة اختفت منذ ذلك اليوم الذي حدث فيه جدال حول هادي. _خلاص يا فاطمة سيبيها هي قفل أساساً.

ضحكت فاطمة وهي تتجه للجلوس جوار شيماء مجدداً بعدما فشلت في جعل بثينة تنضم لهم في الحديث لكنها كانت مستمرة في العبوس بشكل كبير. ابتسمت فاطمة وهي تربت على يد شيماء بحنان: _معلش يا شيماء مكنتش أعرف إنك تعبانة غير من بثينة. شوفتها بالصدفة وسألتها عليكِ وقالتلي اللي حصل. ردت لها شيماء البسمة بلطف تحاول ألا تحزنها: _ولا يهمك يا قلبي وجودك يكفي.

استيقظ رشدي بملل وغيظ كبير من ذلك الطارق على باب غرفته لكنه لم يجيب لعلمه بهوية ذلك المزعج وأنه عندما يمل سيدخل بنفسه وبكل وقاحة. وبالفعل ثوانٍ وكان ذلك المزعج يقتحم الغرفة بعنف صارخاً في ذلك النائم بلا حول ولا قوة: _هو أنا مش خبطت كتير وعملت نفسي محترمة؟ مش بترد عليا ليه ولا هو انتم مش بتيجوا غير بقلة الأدب؟ اعتدل رشدي وهو يفتح عين واحدة بنعاس ثم قال باقتضاب: _اه. اقفلي الباب بقى زي الشاطرة عايز اتخمد.

لم تأبه ماسة لاعتراضه لكنها انطلقت له تقف فوق رأسه جوار الفراش وهي تلكزه في كتفه بشر: _إنت متفق مع مصطفى ده صح؟ أبعد رشدي يدها بضيق شديد: _ماسة أنا تعبان وعندي شيفت من العصر لحد الساعة ٣ الفجر فــ أباديس يدك سيبيني أنام ممكن؟ اغتاظت ماسة بشدة منه وكادت تجيبه لولا أنها سمعت صوت يأتي من الخارج لذا تركته وخرجت سريعاً وأغلقت الباب خلفها لتجد بثينة تتحرك صوب الحمام بهدوء شديد لتبتسم بخبث متجهة لها وهي تهمس خلفها:

_اقفش حرامي شامبو وصابون. انتفضت بثينة برعب شديد وهي تستدير للخلف وما كادت تتحدث حتى وجدت باب الحمام يفتح ويخرج منه شخص ذو وجه أحضر يخرج من فمه سائل أبيض لتنطلق صرخات من الفتاتين برعب خرج على أثرها ساكني المنزل كلهم حتى شيماء التي استندت على فاطمة لتخرج. تحدث ابراهيم بتعجب شديد لصراخ الفتاتين في وجهه: _فيه إيه؟ برص في الحمام ولا إيه؟ كان يتحدث بفزع وهو يستدير خلفه ليجد صوت ماسة يصدر بحنق شديد:

_إيه يا حاج ابراهيم اللي عامله في نفسك ده؟ نظر لها ابراهيم بعدم فهم فماذا فعل هو؟ هو فقط وضع ذلك الماسك الذي وجده في الداخل وايضاً يفرش أسنانه. لم يكد ابراهيم يجيب حتى ارتفع صوت رنين الباب. تيبست أجسام الجميع بتعجب لهوية القادم. لتحرك سحر سريعاً جهة الباب والذي بمجرد أن فتحته وجدت أمامها مشهداً عجيباً لهادي ببذلة فخمة يتوسط والدته وزكريا اللذان كانا يرتديان ثياب النوم.

ابتسم هادي باتساع وهو يحيي سحر التي تنحت داعياً إياه للدخول بتعجب شديد. تقدم هادي رفقة من معه للداخل ببسمة واسعة لكن فجأة توقف بتعجب ليرى ذلك المشهد أمامه. شيماء تستند على جارته مرتدية بيجامة زهرية ذات رسومات كرتونية وتضع حجابها بإهمال. رشدي يقف على باب غرفته مرتدياً شورت يصل لركبته بينما ارتدى ثيابه العلوية بشكل عكسي بسبب فزعه لصراخ ماسة.

وإبراهيم يقف أمامهم ببجامته المنزلية ذات الأشكال المضحكة يضع المنشفة على كتفه مع وجه أحضر وفرشاة في فمه وأمامه كلا من ماسة وبثينة بوجوه متعجبة بينما أسماء تقف على باب المطبخ وهي تنظر له بصدمة. الموقف برمته كان يدعو للضحك وبشدة. استقر الجميع في غرفة الضيوف في منزل رشدي في مظهر أقرب لمشفى المجانين وليس جلسة للاتفاق على خطوبة.

ابتسمت سناء بحرج كبير لما عرضها له ابنها الأحمق تود لو تنهض وتنقض عليه وتقتله لهذا الإحراج الذي تعيشه الآن بسببه. تغاضى هادي عن كل نظرات الحنق والغضب الموجهة له ليتحدث وهو يعتدل في جلسته يهندم من حلته: _بعتذر ياعمي لو جيت في وقت مش مناسب. ابتسم رشدي والذي كان يجلس بثيابه المعكوسة والشورت بغيظ شديد: _لا يا حبيبي وتعتذر ليه بس؟ المرة الجاية يبقى تعالى بعد الفجر على طول. بعدين الوقت مناسب أوي زي ما انت شايف فمتقلقش.

أنهى كلامه وهو يشير بيده على جميع الجالسين في حالات مضحكة ووالده لم يغسل وجهه بعد حتى. تجاهل هادي حديث رشدي ثم ابتسم باتساع وهو يضع علبة جاتوه بجانب الخلاط على الطاولة أمامه: _أنا يشرفني يا عمي أني أطلب إيد بنت حضرتك الآنسة شيماء. ولو حضرتك وافقت ممكن نكتب الكتاب آخر الأسبوع.

نظر الجميع له بصدمة بينما رشدي تشنج بغيظ شديد لبرودته تلك التي تكاد تصيبه ودون لحظة تفكير كان ينهض من مقعده متجهاً صوب هادي بغضب الدنيا ينتوي قتله بأبشع الطرق. لكن زكريا كالعادة توقف في المنتصف ليصاب بلكمة كان من المفترض أن تكون على وجه هادي الآن. نظر له زكريا بشر وسرعان ما رد له لكمته بغضب شديد تملك منه منذ الصباح، ليبدأ الاثنان بالشجار وهادي يقف في الخلف يصرخ بهم أن يتوقفوا ليس وكأنه هو من تسبب في البداية

بهذا الشجار من الأصل: _بس يا شوية همج. عايزين تبوظوا خطوبتي ولا إيه؟ يا شيخ حسبي الله ونعم الوكيل فيكم هتضيعوا فرحتي. أنهى حديثه ليرمي جسده عليهما سريعاً بغضب شديد يحاول الفصل بينهم ليشتعل الشجار بين الثلاثة وكأنهم في الروضة. كانت بثينة تجلس مشتعلة في الداخل حينما علمت سبب حضور هادي في الخارج. واشتعلت أكثر لرؤية لهفته التي أصابتها في مقتل. _مش مصدقة يا شيماء هتتجوزي هادي؟

كان ذلك صوت فاطمة التي صاحت بفرح عندما أخبرتها شيماء بسبب وجود الجميع هنا. خجلت شيماء بشدة وهي تبتسم ثم هزت رأسها. دخلت ماسة سريعاً للغرفة وهي تبتسم باتساع وبعدها أشارت لفاطمة أن تساعدها: _يلا يا فاطمة تعالي جهزيها معايا. صمتت ثم ألقت نظراتها على بثينة مرددة بخبث: _اديك معانا يا بوسي ياقلبي لاحسن العريس مستعجل أوي. رمقتها بثينة بشر كبير بعدما أخرجتها من شرودها، لترمي لها بنظرات غامضة مخيفة.

جلس الجميع بهدوء شديد بعدما تم الفصل بين الثلاثة، ليتحدث هادي مجدداً وبنفس البسمة الغبية مكرراً طلبه على مسامع الجميع: _أنا يشرفني يا عمي أطلب إيد الآنسة شيماء. صمت الجميع في انتظار رد ابراهيم الذي طال صمته بشكل مريب. استدار رشدي لوالده يحثه على الحديث: _إيه يابابا مش بتتكلم ليه؟ أشار ابراهيم لوجهه متحدثاً ببطء شديد وكأن وجهه من صخرة: _مش عارف أتكلم. من البتاع اللي على وشي ده. كان يتحدث بحديث غير مفهوم نسبياً.

عقد رشدي حاجبيه بتعجب: _إيه ده يابابا ما تقوم تغسله وخلاص. _لا لسه مكملتش ساعة. تحدث هادي ببسمة وهو يمد يده بالخلاط: _خلاص لغاية ما عمي ابراهيم يفقس حد يقوم يعملنا عصير جوافة بلبن. رمقه رشدي بغضب شديد، هو أساساً لا يطيقه منذ الصباح. لكنه تجاهله ونظر لوالده بحنق وهو يتحسس قناع وجهه بتعجب: _إيه ده يابابا؟ ده شكله مجبس أوي. _معرفش أنا لقيت برطمان أسود في الحمام فحطيت منه. نظر رشدي له بشك كبير ثم اقترب منه واشتم ذلك

القناع الذي يضعه والده: _علبة سودة؟ هز ابراهيم رأسه بإيجاب ليتحدث رشدي وهو يدعو ألا يكون ما يفكر به صحيح: _مرسوم عليها فواكه كده؟ ومجدداً هز ابراهيم رأسه ليشعر رشدي وكأنه على وشك السقوط أرضاً بذبحة قلبية مردداً بقهر وحسرة: _دي علبة البروتين والمغذيات اللي جايبها ب٥٠٠ جنيه يا ابراهيم حرام عليك. تحدث ابراهيم بتعجب شديد وكان يتحدث بصعوبة: _يا راجل عشان كده طعمها مسكر وحلوة. نظرت له أسماء بحنق شديد لأفعاله المخجلة:

_وهو إنت كلته ولا إيه يا ابراهيم؟ _لا بس وأنا بحطه وقع شوية في بقي فلقيت طعمه مسكر كده وزي الفواكه. دخلت ماسة وهي تحمل صينية عصير تتبعها فاطمة التي كانت تحمل صينية كيك. ابتسمت ماسة الجميع وهي تضع الصينية على الطاولة تتبعها في ذلك فاطمة التي ابتسمت للجميع لتقع عينها فجأة على زكريا الذي جعل جسدها ينتفض متذكرة ما حدث البارحة وما قصته عليها والدتها.

شعر زكريا بعيون موجهة إليه ليرفع عينه سريعاً فوجد فاطمة تنظر له بخجل وصدمة لا يعلم لما، لكنه ابتسم دون وعي لرؤيتها بخير وقد أضحت طبيعية فهو لم يسأل والدته عن حالتها خوفاً من إظهار اهتمامه الغير مبرر والغريب بها. انتبه زكريا أنه يطيل النظر بها لذا سرعان ما اخفض بصره مبعداً عينه عنها متمتماً: _استغفر الله العظيم.

انتبهت فاطمة من شرودها على صوت ماسة التي هزتها لتفيق بسرعة وهي تنظر لها ببسمة مهتزة لولا رنين المنزل الذي صدح في الأجواء كاسراً الصمت بين الجميع. تحدثت فاطمة سريعاً وهي تبعد نظرها من على زكريا بصعوبة وخجل، تحاول تدارك نفسها: _هروح أشوف مين. ادخلي أنتِ لشيماء يا ماسة.

أنهت حديثها متجهة للخارج بينما ماسة استأذنت من الجميع للذهاب حيث شيماء فهي لن تتركها مع تلك الحية وحدها كثيراً لربما أقنعتها هذه المرة أن هادي كائن فضائي يأكل الفتيات وهذه الساذجة ستصدقها سريعاً. تحدث هادي ببسمة واسعة هاتفاً: _ده أكيد فرج. يارب يكون جاب اللي طلبته. ابتلع زكريا ريقه الذي جف جراء ما حدث منذ قليل ليشعر لهادي يقترب منه يهمس ببسمة مستفزة: _بقينا نبتسم اهو ومش بنغض البصر.

رماه زكريا بنظرات مشتعلة لم يقطعها سوى صوت تكسير عالٍ يتبعه صرخات من الخارج. لينتفض زكريا برعب جلي راكضاً للخارج وهو يصرخ: _فــــاطـــمــــة……. خرج الجميع بسرعة خلف زكريا الذي كان يبدو مرعباً بشكل كبير أثار انتباه رشدي الذي ابتسم بخبث: _دي شكلها لعبت معاك يا شيخنا. توقف زكريا برعب في بهو المنزل وهو يرى ما فعلته تلك الكارثة ذات الأرجل التي تأوهت بوجع تكاد تبكي كالأطفال.

أغمض زكريا عينه بغضب وهو يستدير معطياً ظهره لها هامساً بحنق: _مش معقولة كمية المصايب دي في بني آدم واحد. أنهى حديثه ثم تمتم لنفسه بصوت لم يصل لأحد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...