الفصل 1 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل الأول 1 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
289
كلمة
5,832
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

كان يجلس في منزله ممسكًا مسبحته، يقلب حباتها بين أصابعه يستغفر الله. ليعلو صوت استغفاره وهو يستمع لحديث ابنه الذي يصرخ داخل غرفته بغضب شديد. يسير في غرفته ذهابًا وإيابًا، يصرخ بهياج على ذلك الذي يحدثه من الجهة الأخرى، حتى أنه كاد يسبب له الصمم: "انت اتجننت؟ "اسكت خالص ولا كلمة، أحسن والله أجيلك دلوقتي أضربك." صمت قليلاً يستمع لأسباب محدثه حول تلك المصيبة التي تسبب بها، ليعلو صراخه دون أن يشعر: "ويحك يا رجل...

ماذا أصاب رأسك الفارغة؟ زفر والده في الخارج مشيرًا لزوجته التي خرجت للتو من المطبخ بعدما انتهت من إعداد الطعام: "قولي للاستاذ اللي جوا يقفل قناة اسبيستون ويخرجلي." ضحكت وداد، تضع ما تحمله على الطاولة، ثم سارعت بالتحرك جهة غرفة ابنها الوحيد لتطرق الباب وهي تصيح عليه أن يخرج: "زكريا... يلا يا زكريا عشان الفطار." أجابها زكريا من الداخل وهو يحاول تمالك غضبه بسبب ذلك الذي يحدثه: "حسنًا يا أمي، أنا قادم." لوت

وداد فمها بسخرية وهي ترحل: "لا تتأخر يا روح أمك." *** توقفت السيارة أخيرًا بعد رحلة طويلة جدًا، عانت فيها بسبب ذلك الدوار اللعين الذي يصيب رأسها بمجرد أن تلمح سيارة أو تشتم رائحة وقود. خرجت من السيارة وهي تترنح يمينًا ويسرة بسبب وجع رأسها.

رفعت عينها عاليًا ترمق مسكنها الجديد الذي قرر والدها نفيها به بعيدًا عن الجميع. التوى ثغرها بسخرية وهي ترمق والدها الذي هبط للتو من السيارة يخرج حقائبهم، ثم أخرج بعض النقود ومنحها للسائق ليرحل سريعًا بعدما حصل عليها. رأت عين والدها ترتفع لعينها وقد أمسك بها وهي ترمقه بتلك النظرة التي يمقتها بشدة. أبعدت عينها عن والدها وهي تسير جهة العمارة التي يقفون أمامها، لتسمع صوت والدها يصدح خلفها محدثًا والدتها:

"اسمعيني كويس، البيت ده أوْعي رجلك تخطي براه من غير إذني، لا انتِ ولا بنتك، سامعة؟ "أكيد يا مرسي، اطمني يا خويا، ربنا يديمك لينا يا رب."

وكان هذا آخر ما سمعته قبل أن يختفي الصوت بسبب بُعدها. صعدت البناية بهدوء شديد وهي تنظر حولها تحاول استكشاف المكان بطبيعتها الفضولية. كانت تصعد وهي تعد الدرجات التي تصعدها، فقد أخبرها والدها أنهم سوف يقيمون في الطابق الثالث، والآن هي وصلت أخيرًا له. وبينما هي هكذا، إذ فجأة وجدت أحد الأبواب يفتح بعنف شديد، لتصدح صرختها في المكان كله. ***

خرج زكريا من غرفته يستغفر ربه لما سمعه من صديقه الأحمق في بداية يومه. وجد والده يجلس على طاولة الطعام تجاوره والدته، ليبتسم بهدوء شديد يحاول محو ما سمعه منذ قليل: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." ردد والديه التحية، ليشير له والده بالجلوس جانبه مرددًا بحنق: "ياترى إيه اللي عكر مزاج حضرتك من الصبح يا شيخ زكريا؟ أجاب زكريا بهدوئه المريب وهو يتناول بعض الطعام: "إنه ذلك الأبله رشدي." شهق والده بفزع

وهو يضع يده على فمه بصدمة: "ياللهول! ماذا حدث لرشدي يا بني؟ هز زكريا رأسه بيأس من صديقه المزعج: "آه يا أبتاه، ماذا أقول لك؟ ذاك الأحمق قد... توقف عن الحديث وهو ينتبه لنظرات والده الساخرة منه، ليدرك أن والده ما قال ذلك إلا ليسخر منه: "أتسخر مني يا أبي؟ هز والده رأسه بابتسامة وهو يجيبه بحنق: "ما شاء الله عليك، طول عمرك لماح." لوى زكريا فمه بضيق من حديث والده، ثم نهض ليقول بهدوء وجدية:

"هنزل أفتح المحل شوية قبل الصلاة يا والدي، خلص وحصلني." ثم تحرك ليخرج من المنزل بخطوات هادئة كعادته، ليمد يده ويفتح الباب، ثم تحرك للخارج، لكن قبل أن يغلق الباب ألقى كلمته التي أصابت والده في مقتل، وكأنه ينتقم منه على حديثه معه منذ ثوانٍ: "سلام عليكم يا حاج لؤي." اسود وجه لؤي بشدة من حديث ابنه، والذي يعلم تمام العلم أنه ينتقم منه به، فهو لطالما استفزه بهذا الشكل: "عجبك كده يا وداد كلام ابنك؟ شايفة بيغيظني إزاي؟

ضحكت وداد وهي تنهض وتحمل الأواني مرددة باستخفاف من غضبه الواهي على لا شيء: "جرى إيه يا لؤي، الواد بيهزر معاك... بعدين يعني ما انت عارف زكريا مش بيحب حد يستخف بيه، خصوصًا بكلامه، وانت بقى مش بتفوت فرصة غير وتضايقه." أنهت حديثها وهي تدخل للمطبخ، ثم أكملت بسخرية من الداخل: "بعدين مش مكسوف من نفسك؟ اسمك لؤي ومسمي ابنك زكريا؟ يعني لو حد سأله اسمك إيه يقوله زكريا لؤي؟ عقدت الواد في عيشته يا شيخ."

لوى لؤي فمه بضيق وهو يتناول الجريدة من أمامه معارضًا حديث زوجته: "وهو ماله يعني زكريا؟ كخة؟ ده حتى اسم جميل وماشي مع شخصيته." "أيوه بس لما ما يكونش اسم الأب لؤي يا حاج لؤي." *** فزعت برعب تتراجع للخلف وهي تصرخ من ذلك الذي فتح الباب فجأة، ليخرج هو يرمقها بتعجب ولصراخها الغريب ذاك. أشار بكفه لها أن تهدأ ثم قال: "اهدي، فيه إيه؟ وضعت يدها على قلبها برعب شديد وهي تنظر حولها تحاول تنظيم تنفسها، ليعلو صوت ذلك الشاب مجددًا

وهو ينحني لها: "أنتِ كويسة يا آنسة؟ رفعت نظرها له وهي تهز رأسها ببطء شديد، ثم ابتلعت ريقها وتحدثت بخفوت: "أيوه الحمد لله، أنا كويسة و... قاطع حديثها لذلك الشاب صوت والدتها الذي ارتفع وهو ينادي عليها: "فاطمة... بت يا فاطمة." نظرت فاطمة خلفها للدرج فتجد والدتها تصعد عليه بصعوبة بسبب وزنها وسرعة تنفسها، وقبل أن تتحرك سريعًا لمساندة والدتها، كان ذلك الشاب يتحرك لها وهو يمسك يدها يساعدها على الصعود متحدثًا بهدوء:

"براحة على مهلك." رفعت والدة فاطمة نظرها لذلك الشاب المليح مبتسمة بود وطيبة: "شكرًا يا حبيبي، ربنا يديك الصحة يا رب." ابتسم لها الشاب وهو يعاونها للصعود، ثم تحدث موزّعًا نظره بينهما: "حضرتكم جايين لحد هنا؟ تحدثت السيدة بخفوت وهي تحاول تنظيم أنفاسها: "لا يا حبيبي، إحنا السكان الجداد هنا." ابتسم الشاب بسمة صغيرة وهو يتوقف بجوار شقته مشيرًا لشقة أخرى تجاورها: "آه، أنتم اللي هتسكنوا في شقة الحاج مبروك؟

على كده إحنا جيران بقى... أنا هادي جاركم في الشقة دي." تحدث مشيرًا للشقة التي تجاور شقة فاطمة ووالدتها، لتبتسم فاطمة بود وهي تتناول يد والدتها منه متحدثة بامتنان: "شرف لينا، وبشكرك على مساعدة ماما." أنهت حديثها وهي تسحب والدتها لباب شقتهم، ووالدتها تتحدث بخفوت: "شكرًا ليك تاني يا بنيه."

هز هادي رأسه وهو يتحرك متوجهًا خارج البناية حتى يذهب لمحل صديقه ويساعده، لكن أثناء خروجه اصطدم بشاب آخر، ليزفر بضيق وقد تعرف لذلك الصدر العضلي ومن غيره ضابط حارتهم الموقر. رفع هادي رأسه لرفيقه الذي كانت ملامحه تنبئ ما يعتمل داخله، ليبتسم هادي ساخرًا يرمق ملامحه: "الله الله، مالك بس يا باشا على الصبح ده، حتى إنهاردة الجمعة."

رمقه رشدي بغيظ شديد، ثم تركه وتحرك دون تكلف نفسه عناء الإجابة على تساؤله، لحق به هادي وهو يضحك بشدة على صديقه والذي لم يره مبتسمًا كما كان سابقًا. تحرك الاثنان جهة محل رفيقهم، والذي يقضون به إجازتهم كل أسبوع بغض النظر عن وظائفهم، إلا أنهم لم يخجلوا يومًا بالعمل مع رفيقهم في محل الحلاقة الخاص بوالده.

دخل رشدي وهادي للمحل ليجدوا زكريا يجلس على أحد المقاعد ببرود، وهي يرمق الباب منتظرًا إياهم، وبمجرد دخولهم نهض سريعًا متجهًا لرشدي وهو يمسك ياقة ثيابه بعنف شديد صارخًا به: "قسما بربي يا رشدي، لولا إنك الكبير ومحترمك، أنا كنت قليت بقيمتك هنا." أخرج رشدي صوتًا ساخرًا من حنجرته وهو ينظر ليد زكريا مردفًا بحنق: "وعلى إيه بس؟ والله يا راجل ما انت منزل من نفسك عشان كلب زيي."

أنهى حديثه وهو يبعد يده، ليتدخل هادي وهو يجلس على المقعد المقابل للمقعد الذي كان يحتله زكريا، يردف ببرود شديد وكأن ما يراه طبيعي: "حد منكم فطر؟ انتبه له الاثنان ليقول زكريا ببساطة وكأنه لم يكد يقتل رفيقه منذ ثوانٍ: "لا، الحاج لؤي نكد عليا، فسبت الأكل ونزلت." ضحك هادي بصخب، فكلما استمع لكلمة صديقه تلك لا يتحمل وينفجر ضاحكًا. شاركه رشدي الضحك وهو يتجه للمقعد المجاور له:

"يا أخي، أبوك كان بيفكر في إيه وهو بيسميك زكريا لؤي؟ ضحك زكريا ساخرًا من رفيقه وهو يجلس على مقعده بهدوء شديد متشدقًا بجدية: "نفس اللي كان أبوك بيفكر فيه وهو بيسميك رشدي أباظة." انفجر هادي في الضحك أكثر وهو يرمق ملامح رشدي، لدرجة أنه سقط من على مقعده وضحكاته تتعالى أكثر وأكثر، ليشاركه الاثنان في الضحك ساخرين مما هم به. ***

خرجت فاطمة مفزوعة من شقتها بسبب ارتفاع أصوات صراخ في الخارج، لتشاهد فتاة تقاربها في العمر تقريبًا تقف خارج الشقة التي خرج منها الشاب منذ قليل وهي تصرخ بحنق شديد: "والله لأروح أقول لهادي وهو يتصرف معاكِ."

ثم استدارت سريعًا وملامحها مليئة بالغضب، لكن اختفت فجأة وهي ترى فتاة تقف على أعتاب الشقة المقابلة لهم، لترفع حاجبها بتعجب وهي تتخصر ترمق تلك الفتاة من أعلى لأسفل، مما جعل فاطمة تنكمش في نفسها برهبة لا تنفك تتركها أبدًا، وقلة ثقة تكاد تجعلها تسجن نفسها في غرفتها دائمًا. "أنتِ مين؟ أنتِ الساكنة الجديدة؟ ابتلعت فاطمة ريقها وهي تهز رأسها بإيجاب، لتبتسم لها تلك الفتاة وهي ترمقها من أعلى لأسفل بدقة، ثم اقتربت منها وهي تمد

يدها متحدثة ببسمة لطيفة: "أنا بثينة، قوليلي بوسي... وأنتِ؟ ابتسمت لها فاطمة بخفوت وهي تمد يدها متحدثة بهدوء شديد: "أنا فاطمة." ابتسمت بثينة وكادت تتحدث لولا ذلك الصوت الصادر من خلفها ليجعل ملامحها تتمعض بشدة: "واقفة عندك بتعملي إيه يا بثينة؟ جزت بثينة على أسنانها بغيظ شديد وهي تستدير وترمق زوجة والدها بحنق شديد: "برحب بالضيوف الجداد يا مرات عمي، فيها حاجة دي؟ نظرت السيدة لفاطمة بنظرات مخيفة، ثم

تحدثت موجهة كلامها لبثينة: "لا يا ضنايا، مفيش حاجة، بس اخلصي عشان أمك تستعوقك." أنهت حديثها ثم دخلت للشقة مجددًا وهي ترمي فاطمة بنظرات مخيفة، بينما نظرت بثينة لفاطمة وهي تقول بتجاهل لحديث زوجة عمها ووالدة هادي: "شكلنا كده هنبقى صحاب، وأنتِ قمر وكتكوتة في نفسك كده."

ابتسمت فاطمة بسمة واسعة وهي تستمع لثناء بثينة في مظهرها، الشيء الذي لا تسمعه كثيرًا، فهي دائمًا ما كانت تستمع أنها ذات ملامح عادية، لا شيء بها مميز، وللحق هذا صحيح، فهي فتاة كأي فتاة بملامح عادية، لا شيء بها مميز، وهذا ما سمعته كثيرًا من والدها. *** كان هادي يسير وهو يحمل الفطور له ولأصدقائه، لكن توقف فجأة حينما كان يمر من أمام القهوة ليسمع صوت يناديه بخفوت: "واد يا هادي... انت ياض يا هادي."

توقف هادي وهو يتنهد بتعب مما يتكرر كل صباح، ثم استدار ببطء لذلك الذي يجلس على القهوة في مقعده المميز، والذي لا يغيره أبدًا وكأنه قد صُنع لأجله خصيصًا وحُرِم على غيره. تحرك هادي جهة ذلك الرجل الذي ينظر له ببسمة ليقول بهدوء شديد قلما يخرج من فمه: "نعم يا عم فرج، اؤمر يا غالي." أشار له فرج بيده ليقترب منه وهو ينظر حوله بقلق: "خد الجواب ده وصله لام أشرف في سكتك، وقولها فرج مش هيتخلى عنك أبدًا يا حبة الجلب."

نظر هادي للخطاب بيده وهو يقول بحنق شديد: "والله العظيم أنا آخرتي على إيدك انت وأم أشرف بسبب العشق الممنوع بتاعكم ده، ابنها أشرف العجل ده مسيره في مرة هيمسكني يخلص علي." سخر فرج من حديث هادي وهو ينظر له: "فشر... أشرف مين ده؟ عيب عليك، ده انت أكبر بلطجي في الحارة كلها." ابتسم هادي ساخرًا من حديث فرج وهو يعتدل: "الله يكرمك يا حاج فرج، محدش بيشجعني على هوايتي غيرك...

والله محسسني إني أمام مسجد، مش فاهم إيه الفخر اللي بتتكلم بيه ده؟ زفر بضيق وهو يتحرك مرددًا بنزق: "خليك فاهم يا فرج إن دي آخر رسالة هوصلها لام أشرف، ومرة تانية هروح أدي الرسالة دي لأشرف نفسه." أنهى حديثه وهو يتحرك مبتعدًا عن فرج، الذي ابتسم بشوق يهتف بصوت عالٍ نسبيًا ليصل له: "قولها إن شوقي زاد وفاض، وبكرة يجي اليوم اللي أخلص من الواد أشرف ابنها وأتجوزه." تمتم هادي بسخرية وهو ينحرف لأحد الشوارع الجانبية:

"والله شكلك أشرف هو اللي هيخلص منك يا فرج، ويخلصني من القرف بتاعكم ده." توقف عن الحديث تزامنًا مع توقفه أمام أحد الأبواب، ليمد يده ويطرق الباب بعنف بعض الشيء وهو يزفر بضيق، يلعن حياته وفرج وأم أشرف وأشرف نفسه. فتحت إحدى السيدات الباب لتتفاجئ بوقوف هادي أمام المنزل، وسرعان ما انفرجت شفتيها عن بسمة واسعة وهي تنظر حوله بريبة، ثم همست ترمق يده بشوق: "فروجي فراريجو اللي بعتك؟ لوى هادي فمه بضيق وهو يمد يده بالظرف ساخرًا

منها: "آه يا أم أشرف، فروجك فراريجو أبو الفراريج هو اللي بعتني... إياكش ربنا يتوب علينا من الشغلانة الهباب دي." "شغلانة إيه اللي هباب دي؟ تصنم جسد هادي وهو يستمع لذلك الصوت خلفه، ليستدير ببطء شديد وهو يبتلع ريقه متمتمًا ببسمة غبية: "أشرف حبيب قلبي... *** هو الزفت هادي اتأخر كده ليه؟ تحدث زكريا وهو ينزع قطعة القماش من على صدر أحد الزبائن. ثم نظر له وهو يرحل، وبعدها اتجه ليجلس جانب رشدي بتعب وملل: "تلاقي فرج قفشه."

هز رشدي رأسه وصمت، ليقترب منه زكريا وهو يهمس له بحاجب مرفوع: "مالك؟ لسه بتفكر في الموضوع إياه؟ رفع رشدي أنظاره لرفيقه وهو يشرد في حياته التي تزداد تعقيدًا أكثر وأكثر كلما مر به الوقت. تنهد يخرج أنفاسه بتعب، ثم همس: "تعبت يا زكريا، تعبت ومش عارف أستريح في حياتي دي خلاص، جبت آخري." ربت زكريا على قدم صديقه يساندُه، فهو يشعر به وبحيرته الكبيرة تلك، ليهمس له بحزن: "برضو موضوع شيماء؟ هز رشدي رأسه بإيجاب

وهو يتنهد بتعب شديد: "غلبت معاها يا زكريا، غلبت معاها... ما عندهاش أي ثقة في نفسها أبدًا، وكل ما يتقدم عريس لازم البيت كله يتنكد عليه." ابتسم له زكريا وهو يتحدث بخفوت: "براحة عليها يا رشدي، إنت عارف هي حساسة إزاي وأقل كلمة بتزعلها." أجاب رشدي لينهي الموضوع: "حاضر، هحاول يا زكريا، هحاول." ابتسم له زكريا وهو ينهض ليلملم الأشياء في المحل: "طب قوم يلا خلينا نجهز للصلاة، شكل هادي طمع في السندوتشات لوحده." ***

جرى إيه ياض يا زبالة، انت تكونش فاكرني محترم ياض ولا اسم على مسمى. أنا هادي آه، لكن عربجي. أنهى هادي حديثه وهو يدفع أشرف بعيدًا عنه بغضب شديد، ثم تحرك مبتعدًا وهو يتمتم بضيق، لاعنًا فرج وأم أشرف وعلاقتهم المقززة تلك. كان هادي يتحرك وهو يتمتم بغيظ شديد بينه وبين نفسه: "بتخلوا الواحد يتخلى عن أخلاقه اللي بيجاهد إنه يحافظ عليها... حارة همج." خرج من حديثه مع نفسه على صوت يصدح من خلفه:

"ها يا هادي يا ابني، وصلت أشواقنا وحبنا للي يستحقه؟ توقف هادي وهو يبتسم بغيظ، ثم استدار ببطء وهو يرمق فرج بنظرات مرعبة، ثم اقترب من مقعده المميز على القهوة وهو يضع الفطور على الطاولة متمتمًا بينه وبين نفسه: "حرام السندوتشات دي نعمة برضه." أنهى حديثه وهو يرفع نظره لفرج، ثم ابتسم له قيمة مخيفة: "ها يا فروجي فراريجو، تحب تعرف حبة الجلب وصلتلك إيه؟ ابتسم فرج باتساع وهو ينظر له متلهفًا: "هي بعتت معاك حاجة؟

"ياااه يا فراريجو، دي بعتت معايا أشواق وحب وكل ما تهوى الأنفس... تعالى يا غالي خلينا أعبرلك عن جزء صغير من اللي شوفته." *** دخل زكريا للمنزل سريعًا وهو ينادي والده حتى يذهبا سويًا للمسجد لتأدية صلاة الجمعة، لكن لم يسمع ردًا. فاتجه حيث يجلس والده وجده يحدق في والدته بنظرات لا تنذر بالخير. ارتأل زكريا من الوضع الدائر بين الاثنين ليتحدث وهو يهز رأسه بفزع للفكرة التي وصلت لرأسه ليصيح وهو يركض لغرفته سريعًا:

"يارب لا يارب... يارب مش اللي في بالي يارب." دخل زكريا غرفته سريعًا وهو يتخبط يدعو الله في قلبه ألا يكون ما يخشاه قد حدث. انطلق لخزانة ملابسه وهو يفتحها سريعا بفزع ليجد ما كان يخشاه. استند على باب الخزانة وهو يقول بقهر: "ليه يا لؤي، ليه؟ لازم تخانقها دلوقتي؟ طب كنت استنى أنزل الصلاة."

مسح وجهه بضيق وهو يخرج من الغرفة يأمل أن تكون والدته رأفت بحاله وتركت له عباءته المفضلة على الأقل. وكل آماله ذهبت أدراج الرياح وهو يرى والدته تتحرك لمكان المغسلة وهي تحمل ثياب المنزل كله. نظر زكريا لوالده وهو يقول بحزن: "ليه يا لؤي مزعل ست الكل، ليه؟ ولا هو عشان انت اسمك لؤي واحنا اسمنا زكريا ووداد هتطيح فينا؟ نظر له والده ولم يجبه، بل اكتفى بالصمت جوابًا. نظر زكريا لوالدته ليقول محاولًا أن يجعل والدته

تحيد عن اعتصامها ذاك: "وداد يا حبيبتي، أنا ابنك زكريا حبيبك، أكيد خبّيتي جلبية كده ولا كده عشاني، صح؟ لم تجب عليه والدته، بل أشاحت بنظرها بعيدًا، ليزفر زكريا وهو يقول بترجّي: "يا ست الكل، أبوس إيدك، مش وقته احتجاج دلوقتي، الخطبة شغالة من عشر دقايق وعايز ألحق الصلاة." نظرت والدته له بتذمر، ثم ألقت نظرة حانقة لوالده تبتسم بسخرية، ليبادلها والده نفس النظرة. مسح زكريا وجهه بضيق شديد، هل كان يجب أن يتجاذبا في الحديث الآن؟

فها هي والدته ترفض التحدث بكلمة واحدة عن مكان العباءة الخاصة به، وهذا لأنها غاضبة من والده، وكأن أدلاءها بمكان عباءته سيفقد غضبها رونقه. اتجه زكريا لوالده وهو ينحني مقبلاً يده: "يا حاج، أبوس إيدك صالحها دلوقتي، وبعدين اتخانقوا براحتكم." لوى والده فمه بسخرية، ثم نهض يقول وهو يرمق زوجته بحنق: "أنا رايح ألبس، خليني ألحق الصلاة." خرج صوت ساخر من فم زكريا وكأنه يخبر والده (هذا إن وجدت ما ترتديه)

. ألتفت زكريا لوالدته، مشيرًا للجهة التي سلكها والده: "أنا مش فاهم إيه دخل اللبس في زعلكم؟ كل ما تزعلي منه تلمي هدوم البيت كله تغسليها... مش فاهم... هل مثلًا صوت الغسالة بيغطي على صراخ روحك من جوا؟ عصرة الجلبية في إيدك بتنسيكي زعلك مثلًا؟ بعدين هتزعلي، لمي هدومه هو وسيبي لبسي... أنا مالي أنا."

رفضت والدته التحدث بكلمة واحدة كما تفعل كلما غضبت من والده. صاح زكريا بضيق وهو يستغفر ربه، ثم خرج من الشقة وقد قرر الذهاب كما هو. رحل حزينًا، فهو اعتاد الذهاب لصلاة الجمعة بعباءته المفضلة، لكن كان للحاجة "وداد" رأي آخر. يشكر الله أنها لم تجعله يخلع ثيابه تلك حتى تغسلها.

سار طريقه للمسجد يستغفر ربه ويحاول أن يهدأ، فهذه ليست المرة الأولى التي تفعل والدته هذا، فهذه عادة عندها، لكن هذه أول مرة تفعلها يوم الجمعة وأيضًا قبل الصلاة مباشرة.

تنهد وهو يبحث في جيبه عن هاتفه حتى يغلقه قبل الصلاة، لكن لم ينتبه لتلك التي كانت في الشقة فوقه تحمل سطلًا كبيرًا من المياه التي استعملتها سابقًا في تنظيف الشرفة، فهي ساكنة جديدة في هذه الحارة وما زالت تنظف الشقة رفقة والدتها. نظرت للشرفة بابتسامة حينما انتهت من تنظيفها، نظرت للمياه في السطل باشمئزاز شديد، فهي أصبحت سوداء من كثرة الأوساخ التي نظفتها فيها. لذا حملت السطل والذي كان ثقيلًا نسبيًا وخرجت للشرفة مجددًا على أطراف أصابعها حتى لا تفسد ما نظفته للتو. رفعت يدها وهي تتنفس بعنف شديد من ثقل السطل، ودون حتى أن تكلف نفسها عناء النظر لأسفل، قامت بسكب السطل سريعًا وهي تتنفس براحة لتخفيف وزنه.

أثناء بحثه عن هاتفه شعر فجأة بسيل من المياه يسقط على رأسه، ليشهق بصوت عالٍ وهو يرتد للخلف كحركة طبيعية لجسده صارخًا: "ربــــــــــــــــــــــــــاه! انتبهت هي من فوق لصوت شهقات أسفل شرفتها، أطلت برأسها لتجد جريمتها أمامها، لتترك السطل برعب وهي تضع يدها على فمها شاهقة. ما كاد زكريا يستفيق من صدمته حتى شعر فجأة بشيء يهبط عليه من الأعلى بعنف، لتصدح صرخته في المكان كله، بينما هي صرخت برعب تركض لداخل شقتها برعب شديد.

اتجهت وداد لتفتح الباب الذي يصدح جرسُه بإصرار، لكن فجأة شهقت بدون صوت لما رأت من حال ابنها. نظر لها زكريا مبتسمًا وهو يشير لنفسه: "أهو يا ست الكل... ربك انتقملك مني عشان زعقت قبل ما أخرج... مفيش أي ردة فعل، طيب إيه؟ هتتصدمي بهدوء من غير كلمة؟ ثم انحنى يقبل يدها وهو يترجاها: "أبوس إيدك انطقي فين مكان الجلبية؟ خلاص مبقاش فيه حاجة أروح أصلي بيها... يرضيكِ أفوت صلاة الجمعة يا ست الكل؟ أروح أشحت طيب جلبية؟

زفرت والدته بضيق وهي تتركه، ثم تحركت متجهة لإحدى الغرف وعادت بعدها بحقيبة بلاستيكية تعطيها له. انفرج فم زكريا ببسمة واسعة لينكب على والدته تقبيلًا، ثم جذب منها الحقيبة ودخل غرفته سريعًا ليرتدي ثيابه، في نفس الوقت الذي خرج به والده وهو يرمق زوجته بحنق مشيرًا لنفسه: "حلو كده؟ عجبك كده يعني؟ ابتسمت وداد وهي تضم ذراعيها لصدرها. خرج زكريا من غرفته وقد كانت ملامحه عابسة ليشير لنفسه: "إيه ده؟

نظر لؤي له ليراه مرتديًا عباءة كانت تخصه حينما كان في عمر العاشرة تقريبًا. انفجر أسعد على ابنه وهو يشير له ضاحكًا. نظر له زكريا بحنق سرعان ما تحول لقهقهات وهو يرى والده يرتدي عباءة نفس شكل خاصته. أشار زكريا لفخذه: "طب حتى يا حاجة، كنت هاتي واحدة لبعد الركبة... يرضيكِ أنزل كده؟ أبين عورتي للناس كلها؟ ابتسمت وداد ولم تجب، بل نظرت لهم نظرة مستهزئة ثم رحلت لتكمل عملها. نظر زكريا لوالده بغيظ شديد، ثم أشار لنفسه قائلًا:

"دلوقتي يا والدي العزيز، اتفضل اتصرف ليا في أي بنطلون على الميني جلبية دي، خليني أروح أشحت أي حاجة من رشدي ولا هادي." نظر له والده بحنق وهو يتحدث مشيرًا لما يرتديه: "ماله يعني الميني جلبية دي؟ مش فاهم؟ دي حتى مبينة جمال الفخدة." ضحك زكريا بصخب وهو يترك والده، ثم اتجه ناحية غرفة والديه وهو يتحدث بحنق: "آخرتي على إيدك انت ومراتك يا حاج، ربنا يخرجني من البيت دي سليم."

أنهى حديثه وهو يخرج من الغرفة يلف على قدمه حجاب خاص بوالدته، ثم أشار لنفسه ببسمة مغتاظة: "حلو قلة القيمة دي؟ ضحك لؤي على ابنه بعنف ولم يتمكن من كبت ضحكاته، فمظهر والده كان يدعو للضحك، ليتحدث زكريا بغضب شديد: "اضحك اضحك، ما هو ده اللي انتم فالحين فيه، انت ومراتك." أنهى حديثه وهو يزفر بضيق، يرمق هاتفه فهو يحاول الاتصال برشدي أو هادي، لكن لا أحد يجيب عليه. تحدث وهو يتجه للخارج وقد نفذ صبره:

"هروح لهادي أشحت منه أي جلبية ولا نيلة... ياريت بس تكون انت وست الكل مرتاحين وناركم تبرد."

أنهى حديثه وهو يخرج من المنزل كاللص، ينظر يمينًا ويسارًا حتى يتبين إذا كان هناك أحد بالشارع، لكن لم يجد أحد، ليتنفس الصعداء ويتحرك سريعًا لأقرب منزل له، ألا وهو منزل هادي، والذي يقع على بعد منزلين منه. وبينما هو يسير كان يتلفت حوله بريبة، يحمد الله في قلبه أن الجميع الآن في صلاة الجمعة والطرق شبه خالية، وبسرعة كبيرة كان يقف أسفل منزل هادي، ولم يكد يخطو بقدمه للداخل حتى شعر بسطل ماء يسقط عليه للمرة الثانية.

شهق زكريا بعنف وهو ينظر لنفسه صارخًا بغضب شديد دون أن ينظر حتى للأعلى: "يابنتي ما تكبي عليا بنزين وترمي عود كبريت وتولعي فيا أرحم، إيه الغُلب ده ياربي؟ أنهى حديثه وهو يتحرك لداخل المنزل بسرعة كبيرة قبل أن ينتبه له أحد ولما يرتديه. بينما في الأعلى كانت فاطمة تقف في الغرفة الخاصة بها وهي تتنفس بعنف شديد وتضع يدها على قلبها بخوف شديد وهي تهمس موبخة نفسها: "تاني مرة... تاني مرة أبهدل الراجل ده. انهاردة...

كادت تبكي وهي تلطم متذكرة ركضه لداخل المنزل: "أكيد هيجي يشتكيني دلوقتي." *** وقف زكريا أمام الشقة وهو يتنهد بضيق شديد مما يتعرض له منذ الصباح. تحسس رأسه بألم، لا ينسى ذلك السطل الذي سقط على رأسه ومن نفس النافذة. تنفس لحظة وهو يهدأ من نفسه، لا يطيق ثيابه المبتلة، وما كاد يرفع يده ليطرق الباب حتى سمع صوت هادي يقترب منه.

صعد هادي الدرج وهو يتمتم بضيق يتناول الفطور، فقد ذهب لمحل الحلاقة الخاص بوالد زكريا ليجده مغلقًا. وبينما هو في شروده ذاك، تفاجأ بزكريا الذي يقف أمام شقته ومظهره غريب وبشدة. همس وما زال الطعام في فمه: "إيه يا زكريا اللي انت عامله في نفسك ده؟ *** السلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم ورحمة الله. كانت تلك الكلمات تصدح في مكبرات الجامع، والجميع يخرج منه بعد انتهاء الصلاة.

كان زكريا يسير جوار هادي ورشدي، اللذان لم يتوقفا عن الضحك منذ انتهاء الصلاة، وقص هادي على رشدي ما حدث مع زكريا. "خلاص يا لطيف منك، ليه خلصنا؟ ضحك رشدي بصخب أكثر وهو يضرب على كتف هادي، لا يتخيل ما حدث مع صديقه. الشيخ زكريا، الذي يخشاه الجميع في الحارة، كان يسير بعباءة قصيرة وحجاب ملفوف على قدمه. لا يتخيل الأمر حقًا. زفر زكريا بغيظ شديد وهو يتجه للمحل الخاص بوالده، ثم دخل وهو يشير لهم بالجلوس:

"اتنيلوا اقعدوا لغاية ما أكلم الحاجة وداد تبعت الغدا وناكل سوا." ابتسم له هادي وهو يربت على معدته بجوع: "آه بالله عليك يا زكريا، لاحسن فطسان جوع." ابتسم زكريا بسخرية وهو يجري اتصالًا بوالدته متحدثًا لهادي: "يا أخي ده انت واكل السندوتشات بتاعة الفطار لوحدك، ارحم معدتك شوية." زفر هادي وهو يلقي بنفسه على الأريكة الموجودة في أحد الأركان: "بصلي فيهم بقى دول، هما ست سندوتشات."

أخرج زكريا صوتًا ساخرًا من فمه وهو يتحدث في الهاتف مع والده ليخبره أن يرسل بالطعام إليهم. مرت دقائق والثلاثة يجلسون وهم يتحدثون في أمور العمل: "طبعًا ما انت مستريح، عندك إجازة طويلة عريضة يا أستاذ زكريا." نظر له زكريا بسخرية: "يا عم اسكت، ده أنا بيطلع عيني في الشغل، غير إن كل شوية يطلبوني في المدرسة، مش زيك قاعد في المكتب تحت التكييف 24 ساعة، لا شغلة ولا مشغلة." ابتسم هادي بكبرياء وهو يهز كتفه:

"جرى إيه يا أستاذ زكريا، بلاش الحقد والسواد اللي جواك ده... بعدين إيه لا شغلة ولا مشغلة دي؟ طب ده أنا المكتب بتاعي مش بيخلى من القواضي... قضية خارجة وقضية داخلة." قهقه رشدي بعنف على حديث صديقه، ذاك المحامي الفاشل: "حوش المحامي المخضرم... يابني ده انت نص القواضي بتاعتك بتقضيها في السجن مع الموكل بتاعك لغاية ما أنا أتدخل وأخرجك." تحدث هادي بجدية: "وهو أنا بدخل السجن ليه؟ مش عشان أآنس وحدة موكلي جوا وأملي عليه حياته؟

انحنى هادي لرشدي وهو يهمس له: "هما دول تبع حد انت حبسته؟ ولا تبع موكل أنا وديته في داهية؟ ولا تبع وليّ أمر ابنه شال نحو بسبب زكريا؟ كانت وداد تسير للمحل وهي تحمل صينية الطعام لابنها وأصدقائه، لكن فجأة وجدت هناك مجموعة من الشباب تخرج من المحل وهم يجذبون ابنها ورفاقه معهم ويصعدون لبعض السيارات التي تصطف أمام المحل، وفي ثوانٍ كانوا يختفون من أمام أنظارها. نادت وداد بصوت عالٍ علّ صوتها يصل لهم:

"يا زكريا، طب والغدا يابني؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...