ابتعد عن من تكره، لا تجامل كذبا، ولا توافق خجلا، لم يمنحك الله هذه النفس لتعذبها. دخلت وداد المنزل وهي ما تزال تحمل صينية الغداء التي كانت تأخذها لابنها. انتبه لؤي لها فضيق ما بين حاجبيه وهو يتعجب عودتها بالطعام كاملا دون نقصان. هل ما زال زكريا غاضبا منها؟ بادر لؤي بالسؤال سريعا وهو يحاول أن يدعي اللامبالاة حتى لا يكسر هو الصمت أولا بينه وبين زوجته. عدّل لؤي من وضعية الجريدة في يده وهو يتمتم وكأنه يحدث نفسه لا وداد:
هو زكريا رجّع الأكل ليه؟ ابتسمت وداد بسخرية وهي تضع الصينية على الطاولة ثم جلست بهدوء شديد دون تكليف نفسها عناء النظر له حتى. بينما لؤي اغتاظ كثيرا لتجاهلها له بهذا الشكل، فأخرج هاتفه سريعا وأجرى اتصالا بزكريا وهو يزفر بضيق يدعي نفاذ الصبر. ليسمع صوت زوجته بجانبه تتحدث وهي تنظر للتلفاز ببرود: متتعبش نفسك، زكريا خرج هو وهادي ورشدي مع صحابهم. كرمش لؤي ملامحه بتفكير. أي أصدقاء هؤلاء؟
فزكريا لم يكن له أصدقاء أبدا طوال حياته سوى رشدي وهادي فقط. لكنه ورغم كل التساؤلات التي تدور في رأسه، أبى إلا أن يدعي الثقل وهو يتجاهل حديث وداد وقال بضيق وهو يزفر: أنا كلمتك دلوقتي؟ أنا بتصل بابني بتكلميني ليه؟ ابتسمت وداد بغيظ شديد وقالت وهي تنهض بهدوء مريب متجهة للمطبخ تلوي شفتيها في حركة ساخرة: الحق عليا بقولك عشان تنزل للمحل بدل ما ابنك سابه لوحده كده. انتفض لؤي وهو يلقي الجريدة أرضا بغضب:
ساب المحل لوحده من غير حتى ما يكلمني أنزل بداله؟ هو ابنك اتجنن؟ تحدثت وداد من داخل المطبخ بعدم اهتمام: تلاقيه كان مستعجل ولا حاجة. أنا بس شوفته خارج هو والواد رشدي وهادي مع شوية شباب كده وركبوا معاهم العربية. حتى إني ناديت لهم عشان الغدا بس تقريبا مسمعوش. زفر لؤي بضيق وهو ينظر لثيابه بضيق ثم صرخ بوداد: طب اتفضلي شوفي ليا أي حاجة ألبسها خليني أنزل للمحل لغاية ما يرجع الأستاذ وأنا حسابي معاه بعدين. تحدثت وداد
من الداخل تدعي قلة الحيلة: كان على عيني يا غالي بس زي ما انت شايف كل الهدوم في الغسالة. صرخ لؤي بضيق وقد فاض به الكيل منها ومن أفعالها: بقولك يا وداد شوفي ليا أي نيلة خليني أنزل. *** كانت فاطمة تسير في الشارع بهدوء شديد كما اعتادت. فهي لطالما كانت تميل للهدوء والعزلة، لا تحب المشاكل رغم أن حياتها لا تخلو منها. تنهدت بضيق وهي تنظر خلفها لذلك الذي لم ينزع يده من على مزمار تلك العربة الصغيرة التي تسمى "توكتوك".
استدارت فاطمة بضيق شديد وهي تنظر لذلك الشاب الذي يكاد يصعد بالعربة الخاصة به على الممر الخاص بالمشاة. فيه حاجة حضرتك؟ عمال تزمر لما طرشتني فيه إيه؟ نظر الشاب لفاطمة ببسمة وهو يقول مراوغا: أنا بس كنت حابب أسأل لو عايزة توكتوك أو حاجة. هزت فاطمة رأسها برفض وهي تسرع من السير تنفي حاجتها له: لا شكرا مش عايزة حاجة.
أنهت حديثها وهي تسرع من سيرها تحاول الابتعاد عنه، فهي لا تطيق هذا النوع من الشباب العابث تخشى أن يقذف أي سائل في وجهها ويخطفها. انتفض جسدها بفزع عند هذه الخاطرة وهي تزداد في سرعتها وقد بدأت ضربات قلبها تعلو خاصة وهي تسمع صوت إلحاح ذلك الشاب. وفجأة شعرت بيد توضع على كتفها لتتراجع سريعا وهي تصرخ بعنف. صدمت بثينة من ردة فعل فاطمة الغريبة لترفع يدها تحاول أن تهدئها مشيرة لها أنها لا تقصد إخافتها.
تنفست فاطمة بعنف وهي ترمق الشاب خلف بثينة ما زال يقف وينظر نحوها. انتبهت بثينة لنظرات فاطمة لتنظر خلفها سريعا وهي تحدق بشر في ذلك الشاب تصرخ به بعنف: جرا إيه يا عسل ما تطلع بالتوكتوك بتاعك جنبنا؟ ابتسم الشاب يحاول تفادي لسان بثينة اللاذع وهو يغمز لها ملطفا: فيه إيه بس يا ست البنات أنا كنت بلطف معاها مش أكتر ولا إيه يا مزمزيل؟ لوحت بثينة بيدها مغتاظة منه وهي تشير له بالذهاب:
وهي مش طايقاك يا خفيف الدم واتفضل زق عجلك واتكل على الله. نظر الشاب لفاطمة بغيظ ثم تحدث بضيق: وليه بس كده يا أبلة بثينة ده أنا حتى كنت ماشي في حالي وهي اللي في سكتي ومعطلاني. نظرت بثينة حيث تقف مع فاطمة ثم قالت بسخرية: يعني البنت ماشية على الرصيف وتقول إنها معطلاك؟ تعملك إيه أكتر من كده مش فاهمة؟ تروح فين يعني؟ تطير عشان سيادتك تستريح؟ كانت بثينة تحرك يدها كما لو أنها تمتلك جناحين تسخر من الشاب ثم أضافت:
اتفضل امشي من هنا بدل والله تليفون واحد وتلاقي هادي في وشك. تعب الشاب سريعا بمجرد ذكر هادي، فمن في هذه المنطقة لا يعلم من هو هادي؟ لذا ودون كلمة إضافية أمسك المقود الخاص به وتحرك سريعا مبتعدا عنهم محاولا الخروج بأقل ضرر ممكن. استدارت بثينة سريعا لفاطمة وهي تبتسم وتمسك يدها قائلة: تعالي معايا ده انتِ شكلك لبخة زي البت شيماء. همشي أبعد الناس عنكم ولا إيه؟ سارت فاطمة خلفها وهي تحمل حقيبة مشترياتها تتساءل بتعجب:
شيماء مين؟ نظرت لها بثينة ببسمة وهي تشير لأحد المحلات: شيماء صاحبتي. تعالي هعرفك عليها. سارت فاطمة خلف بثينة وهي تعدل من وضع نظارتها تبتسم بغباء وقد سعدت وبشدة لدفاع بثينة عنها وبأنها تعتبرها صديقة وستعرفها على فتاة أخرى. لم تكن تتوقع أن تتعرف على صديقات بهذه السرعة. ***
كان الثلاثة شباب يجلسون في غرفة كبيرة فارغة إلا من طاولة تكاد تنهار إذا ما مرت بها نسمة هواء بالإضافة لمقعد صغير يحتل ركن صغير من الغرفة وهم يجلسون أرضا في محاولة الوصول لسبب وجودهم هنا. تحدث هادي وهو ينظر لرشدي يخمن سبب وجودهم: يكونش مفكرينك رشدي أباظة بجد وخطفوك عشان فدية؟ نظر له رشدي بغضب شديد ثم ودون إضافة كلمة واحدة كان يلكمه بعنف في وجهه يفرغ بعضا من غضبه. تأوه هادي وهو يمسد فكه بوجع:
وليه الغباء طيب ما كنت كلمني عادي زي ما بكلمك؟ أنهى حديثه وهو يزفر بضيق ثم استدار لزكريا الذي كان مستمرا في النظر حوله وهو يستغفر بخفوت ليتحدث هادي بغيظ وهو يرمق رشدي: أيوه والله يا زكريا استغفر الله فعلا. صمت قليلا ليعم الهدوء في المكان ثم سارع هادي بالتحدث مجددا وهو يقول ببسمة: يكونش حد أنا ضربته قبل كده؟ نظر له رشدي بسخرية يتمتم: وطبعا ما شاء الله حضرتك مش فاكر أنت ضربت مين ولا مين؟ هز هادي رأسه بضيق بعدم اهتمام:
آه والله يابني هو أنا دماغي دفتر يعني؟ صرخ به رشدي بغيظ شديد أن يصمت ليتذمر هادي. وبعد ثوانٍ صمت وكاد يتحدث مجددا لولا صوت فتح الباب ودخول بعض الأشخاص، ليتحدث رشدي سريعا للرجال: الحمد لله كويس إنكم لحقتونا. ابوس إيديكم اقتلونا. نظر له هادي وهو يغمض عينه بحسرة: لا حول ولا قوة إلا بالله. يا رشدي يا حبيبي بلاش تضحي بنفسك عشانا، إحنا هنخرج من هنا سوا. ثم نظر
للأشخاص الذين دخلوا وأضاف: بس لو أنت مصر صدقني هعمل كولدير مياه على روحك وهنحتسبك عند الله شهيد. نظر له رشدي بضيق ولم يجبه ليصدح صوت أحد الرجال في الغرفة وهو يتحدث كلمات عربية بلكنة أجنبية لتخرج منه الحروف بشكل يثير الضحك، لكن لم يكن الأمر كذلك عند زكريا الذي شعر فجأة بتلوث سمعه ليرمق ذلك الرجل بضيق. مين فيكوا أحمد النمرس؟ فيكا؟ إيه فيكا دي؟ يكونش قصده سيكا؟ ولا فيكا ده اسم يعني حد اسمه فيكا أحمد؟
كان ذلك هادي الذي عبس بتفكير ثم أضاف ببسمة يوجه كلامه للرجل: لا أكيد حضرتك غلطان محدش فينا اسمه فيكا ولو إن فيكا أهون من الأسماء بتاعتنا. تحدث رجل آخر كان يجلس على مقعد في ركن الغرفة ليظهر أمامهم بشكل مفاجئ وهو يصحح حديث رفيقه الأجنبي: هو قصده مين فيكم أحمد النمرس؟ تحدث رشدي يرمق صديقيه وقد أدرك أن الموضوع به خطأ ما فتنحنح متحدثا:
زي ما قال صاحبي تقريبا فيه سوء تفاهم، مفيش حد فينا اسمه أحمد النمرس وتقدر تتأكد من بطايقنا. تحدث ذلك الأجنبي مجددا بعربية فصحى ضعيفة بعض الشيء: لكن العموان معي يقول أن أحدكما هو أحمد النمرس. زفر زكريا بغيظ شديد وهو يستغفر ربه، بينما هادي رمقه بعدم فهم هامسا: مالك يا زكريا يا حبيبي هو الراجل غلط فيك ولا إيه؟ رمقت زكريا الرجل بضيق وهو يتمتم: ياريته غلط فيا كنت هقول الله يسامحه و هاخد حسنات وحقي هيرجع.
صمت قليلا ثم قال بتذمر: لكن من يعيد حق لغتنا الآن بعد أن شوهها؟ أجابه هادي بغضب مصطنع: آه والله من يعيد حق لغتنا ده أنت ليلة أهلك سودة كله إلا اللغة. فتح رشدي فمه بصدمة كبيرة لما يقول صديقه ولم يكد يتحدث حتى بادر زكريا بالقول بهدوء شديد يميز شخصيته: اسمها عنوان وليست عموان هذا واحد. كان يتحدث وهو يشير بأصابعه وكأنه في أحد الفصول الدراسية التي يقضي بها أغلب وقته: اثنان. انظر إلينا كم شخص ترى؟
نظر لهم الرجل بتعجب شديد، لكن تلك النظرة الصارمة في عين زكريا والتي كان غالبا ما يستخدمها مع طلابه أخافته، ليسارع بالعد بلغته الأصلية والتي اتضح أنها الفرنسية ليزجره زكريا بغضب وهو يشير له بإصبعه: لا لا توقف توقف أبدا العد خلفي ولكن بالعربية ارجوك. همس رشدي في أذن هادي بنبرة حانقة: ما شاء الله زكريا بيدي الحرامية درس خصوصي. ضحك هادي بصخب وهو يراقب زكريا وما يفعله في الرجل الذي ابتسم بسعادة حينما أتقن العد بالعربية،
ليتحدث زكريا مجددا له: حسنا كم عددنا؟ ثلاثة. أجاب الرجل بفخر شديد وهو يشير لهم، ليتحدث زكريا ببسمة يصحح له الجملة التي تقف في حلقه منذ سمعها منه: حسنا نحن ثلاثة، لذا عندما تشير إلينا لا تقول أحدكما بل تقول أحدكم. صفق هادي بصخب وهو يحي صديقه: الله عليك يا فخر المدرسين الله، صاحبي ده والله كان بيطلع الأول علينا كل سنة ماشاء الله يابني، ربنا يحميك من عيون أي مدرس نحو شافتك وما صلتش على النبي.
ردد زكريا في نفسه الصلاة على الرسول وكذلك رشدي الذي كان يضحك عليهم. ثوانٍ وكان الرجل المصري يصرخ بهم بعنف: أنتم جايين تهزروا هنا؟ أخلصوا مين فيكم أحمد النمرس؟ تحدث هادي وهو يشير لهم بعدم فهم: والله ما نعرف مين هو أحمد النمرس ده. ثم أشار لصديقيه معرفا: ياباشا ده اسمه رشدي أباظة إبراهيم و… انفجر أحد الرجال في الضحك على اسم رشدي وهو يقول من بين ضحكاته بأنفاس مقطوعة مشيرا لنفسه: وأنا اسمي أحمد رمزي. زفر رشدي بضيق
شديد ثم زجر الرجل بغضب: ابتدينا خفة دم أهو. تحدث الشاب بضحك أكثر وهو يلوح بيده: والله ما بهزر أنا اسمي أحمد رمزي أصل الوالد اسمه رمزي فقال ليه مسميش أحمد، كان بيستخف دمه وكله جه على نفوخي، وأنت برضه تلاقي والدك اسمه أباظة فحب يهزر معاك. ضحك هادي بعنف وقد نسي أنهم مخطوفون وهؤلاء الذين يمزح معهم هم الخاطفون، ليقول مشيرا لرشدي:
لا هو اسمه رشدي أباظة كده، يعني اسم مركب وأبوه اسمه إبراهيم… ده أبوه دفع فلوس كتير عشان يسميه اسم مركب تقريبا كان حابب يذله باين. أنهى حديثه ينفجر في الضحك ونظرات رشدي الحانقة تكاد تحرقه هو ومن يضحك معه، ليتوقف هادي تحت نظراته ثم أشار لزكريا وهو يقول بضحك: وده اسمه زكريا لؤي تخيل جحود أبوه… في زمن انتشر فيه إسماعيل وإبراهيم جه جده سمى أبوه لؤي معرفش إزاي؟
وفي زمن انتشر فيه دودو ولولو أبوه سماه زكريا ده بقى أبوه أكيد كان بيذله. أنهى حديثه وهو ينفجر في الضحك ويشاركه بعض الرجال عدا الرجل الذي يجلس على المقعد يحاول كتم ضحكته، ليتحدث الشاب الفرنسي: وأنت اسمك ما هو؟ كاد زكريا يفتح فمه ليعدل له حديثه لكن قاطعه حديث رشدي الشامت وهو ينظر لهادي بتشفٍ: هادي عبدالهادي المهدي. أنهى حديثه وهو ينفجر بالضحك ومعه زكريا الذي نظر لرفيقه المغتاظ وبشدة ثم قال معقبا على حديث رشدي
يحاول صبغ نبرته بالجدية: إنت تعرف يا هادي إن التكرار في اللغة العربية من ضمن أغراضه هو التوكيد؟ تقريبا عمي عبدالهادي كان عايز يأكد على أنك هادي بي يا عيني أحد صدمة عمره فيك. أنهى حديثه وهو يضحك بشدة يشاركه في الضحك رشدي الذي أضاف مشيرا لهادي: تقريبا أبوه بيعايره، لا ده أكيد. زمّ هادي شفتيه بغيظ وهو يضرب الاثنين بحنق ثم قال: خلاص يا خفيف يعني مش هيكون أقل منكم يعني. ضحك الرجل الذي يتوسط المقعد وهو يقول بمزاح:
ما شاء الله يا زين ما اختار أهاليكم.
ابتسم الثلاثة بخفوت يتذكرون بأن أسماءهم تلك هي سبب معرفتهم ببعضهم البعض أثناء الروضة، فل طالما عانى الثلاثة من تنمر أثناء تلك المرحلة بسبب أسمائهم وكانوا ينتقلون من روضة لأخرى حتى جمعتهم الصدفة في أحد الأماكن وتصادف أول يوم حينما استعلمت المعلمة عن أسماء الثلاثة ليقول كل واحد منهم اسمه بخجل. وبعد الانتهاء من التعارف نظر الثلاثة لبعضهم البعض وانبثقت بسمة صغيرة من أفواه الصغار توحي ببدء صداقة جديدة كانت بدايتها اسم غريب جمع الثلاثة ومنذ ذلك الوقت وكان زكريا لؤي ورشدي أباظة وهادي عبدالهادي المهدي أكثر من إخوة وأقرب لبعضهم من أنفاسهم تشاركوا كل شيء حتى المنازل فلا تعلم منزل من هذا.
وبعد أن كانت أسماؤهم أكبر عقدة في حياة الثلاثة شباب أصبحت تلك الأسماء أكبر منحة حصلوا عليها، فمع هذه المنحة حصلوا على صداقة لمدى الحياة. طب دلوقتي لو أحمد النمرس مش واحد فيهم يبقى إزاي وصلوا هنا؟ *** توقفت فاطمة مع بثينة أمام أحد محلات الخضار في انتظار رفيقتها التي كانت تتحدث عنها طوال الطريق. ثوانٍ وكانت هناك فتاة تتحرك ببطء وهي تزفر بضيق ترمق بثينة بغيظ صارخة في وجهها: كنتِ فين يا زفتة انتِ؟
مرة واحدة الاقيكي اختفيتي من جنبي. جذبت بثينة فاطمة إلى جوارها وهي تقول ببسمة معرفة شيماء عليها: شفت واحد بتاع توكتوك بيضايق البت فاطمة فقولت أروح أشوف الدنيا. نظرت شيماء لتلك المدعوة فاطمة بجوار رفيقتها ثم قضمت التفاحة بيدها وهي تنظر لها بتقييم مشيرة لها بالاقتراب. لتقترب منها فاطمة ببطء شديد ودون أن تمهلها شيماء فرصة كانت تجذبها طاحنة إياها بين ذراعيها وهي تقول ببسمة: الله هنبقى شلة من تلاتة.
ابتسمت فاطمة بسعادة وهي تبتعد عنها ترمق ملامح شيماء الطفولية بشدة رغم وزنها الزائد قليلا وجسدها الممتلئ في أماكن ليست مناسبة، إلا أنها كانت جميلة بريئة أو أن قلبها النقي ولطفها الواضح قد انعكس على ملامحها. تحدثت فاطمة وهي تنظر لساعة يدها بفزع: يا نهاري اتأخرت ده أنا ماما هتقتلني. ضحكت بثينة وهي تجذب يدها تسير معها نحو العمارة وهي تقول: طب خلينا نرجع وفي الطريق هقولك على شروط الاشتراك في شلتنا المتواضعة. ***
يعني يوم ما أقرر أعتمد عليكم وأبعتكم في مهمة متفلحوش فيها ولا حتى من باب جبر الخواطر وتفرحوا قلبي مرة. كان ذلك صوت الرجل الذي يحتل المقعد والذي اتضح أن اسمه هو مجدي وكان يوجه حديثه لفرانسو وأحمد رمزي اللذان اتضح أنهما قد أخطئا العنوان أحضرا أشخاص غير الذين طلب إحضارهم. تحدث أحمد بتذمر شديد وهو ينظر لفرانسو يحاول الدفاع عن نفسه: يا عمي مش إنت اللي قولتلنا إنه في محل الحلاقة اللي على ناصية شارع عمر بن الخطاب؟ صرخ
به الرجل بغضب شديد وغيظ: يا غبي أنا قولتلك إنه في محل الحلاقة اللي على ناصية شارع أبو بكر الصديق. يا جماعة ما كلهم خلفاء في الآخر رضوان الله عليهم، متزعلوش نفسكم. خلي بس الأستاذ أحمد رمزي والأستاذ فرانسو يجوا يوصلونا وبعدين يطلعوا على الشارع اللي عايزينه. كان هذا رشدي الذي قاطع حديث الرجال لينهي هذا الأمر ويعودوا للحارة. بادر مجدي بالحديث بقلة حيلة وضيق: يارب صبرني عليكم. أعمل إيه دلوقتي أنا؟
زمان الزفت رؤوف حذره وهرب. تحدث زكريا بهدوء وهو ينظر لهم: هو مين حضراتكم؟ أصل طريقتكم وكلامكم مش مبين إنكم يعني معذرة حرامية؟ ابتسم أحمد بغباء وهو يضرب على كتف فرانسو بمزاح: حرامية إيه بس يا جدع بقى الواد فرنسو ده منظر حرامي؟ ده شكله عارض أزياء. تحدث مجدي بحزن وهم:
حرامية إيه بس يابني.. أنا تاجر خردة عادي وأحمد يبقى ابن أخويا وفرانسو يبقى ابن أختي بس من أب فرنسي. والزفت اللي اسمه أحمد النمرس ده عيل شمام وديلر جر رجل ابني لطريق البودرة والشم. منه لله. أنهى حديثه وهو يحاول منع دموعه من الهبوط بقهر شديد على ولده الصغير. تحرك زكريا ببطء ناحية الرجل المكلوم على ابنه وهو يربت على يده يحاول أن يواسيه ثم همس له ببسمته المعهودة:
يا أخي ليه تزعل كده بعدين يعني فرانسو وأحمد مغلطوش يمكن ربنا دبر للي حصل ده عشان يساعدك ويمهد لك الطريق. نظر له مجدي بعدم فهم لينهض رشدي وهو يقول ببسمة مازحة: وعشان خاطر أحمد رمزي رفيق الشاشات والسينمات، أنا هروقلك الواد أحمد النمرس ده وأخليه يقول حقي برقبتينه. ينهض هادي سريعا وهو يرفع يده متوعدا: يمين بالله ما حد مادد إيده على الواد ده غير لما أخلص أنا معاه. ده أنا هطلع مرمطتي دي على جتة اللي خلفوه واحد واحد.
أشار رشدي لهادي ممازحا: مش قولتك هادي عبدالهادي… اسمي ليس على مسمى. *** كان لؤي يجلس في محله بعد أن انتهى للتو من حلاقة شعر رأس أحد الرجال. زفر بضيق وهو ينظر حوله للمحل يتوعد ابنه بضيق شديد. سيريه ذلك الشاب المزعج العنيد كيف يترك المحل ويذهب للتسكع دون حتى أن يكلف نفسه عناء غلقه خلفه. كان لؤي يجلس هكذا بكل ضيق وغضب ليجد زوجته تتقدم منه وهي تحمل صينية طعام تقول بشفقة عليه:
تعالى يا لؤي كُل لك لقمة ده إنت من صباحية ربنا ما حطتش الأكل في بقك. نظر لها لؤي بضيق شديد وهو ينظر للجهة الأخرى متمتما: كله من دلالك ليه يا هانم شايفة ابنك نزلت لقيت المحل لوحده ومفتوح ولولا ستر ربنا لقيت كل حاجة مكانها. بس لما يرجعلي والله لااااا… توقف عن الحديث وهو يرى ابنه يدخل للمحل ومعه رفاقه وشابين آخرين لينهض سريعا تجاهه بغضب شديد وهو يقول ملوحا بيده: كنت فين يا أستاذ زكريا؟ ازاي تسيب المحل مفتوح وتخرج كده؟
نظر له زكريا بتعجب ولم يكد يخبر والده ما حدث حتى قاطعه والده بغضب شديد: اسكت ولا كلمة، ولما أنت يا خويا غاوي صياعة وعايز تصيع مع صحابك مجتش تقولي ليه كنت نزلت أنا؟ فتح زكريا فمه بدهشة وهو يكرر الكلمة خلفه بتعجب: أصيع؟ همس هادي بضيق شديد: يعني كنا مخطوفين ويقولك بنصيع… ده لو كنا اتقتلنا كان قال إننا بنصيف في الساحل يومين وراجعين.
ضحك رشدي وهو يدخل للمحل متجاهلا كل هذا النقاش الذي أرهقه وما كاد يلقي بجسده على الأريكة حتى يتسريح لولا يد لؤي التي أمسكت بثيابه من الخلف في حركة مهينة وهو يصرخ به: رايح فين ياض؟ همدد شوية يا حاج لؤي فيه إيه؟ نظر لؤي لرشدي بغيظ وغضب شديد وهو يقربه منه ويجز على أسنانه بحنق: هو أنا لسه خلصت زعيق؟ ولا هي قلة الأدب بقت ببلاش؟ نظر له رشدي بصدمة من حديثه: وأنا مالي طيب زعق لابنك… أنا مالي.
تركه لؤي وهو يدفعه جهة زكريا وهادي يصيح بهم في ضيق شديد: أنتم مالكم إيه؟ مش كل البلاوي بتعملوها سوا يبقى تتهزقوا سوا. ودلوقتي بقى حد يفهمني كنتم فين؟ فتح فرانسو فمه بغية التحدث لكن هادي وضع يده على صدره يمنعه: لا استنى انت عشان زكريا هيفضل يصححلك الأخطاء الإملائية ومش هنخلص. أنهى حديثه وهو يستدير للؤي وألقى في وجهه الحديث مرة واحدة: أصلنا كنا مخطوفين يا حاج عقبال عندك يارب.
ضربت وداد على صدرها بفزع مما سمعت وهي من ظنت أنهم ذهبوا للتسكع برفقة أصدقائهم ولم يسعفها عقلها للتحدث، فكان أول ما خطر في بالها هو أن قالت: على لحم بطنكم كده؟ نظر زكريا لوالدته وهو يضحك بيأس ثم اقترب مقبلا مقدمة رأسها: معلش يا ست الكل المرة الجاية هنخلي اللي خطفونا يقفوا في الطريق ويجبولنا فطار. رمقت وداد ابنها بحنق شديد هي تحدثت بمنتهى العفوية ودون شعور وهو الآن يسخر منها:
بتتريق يا زكريا وأنا اللي مهانش عليا تتعذبوا من غير فطار يابني. علت قهقهات زكريا وهو يضم والدته إليه أكثر يدرك مقدار خوفها الآن ومحاولاتها البائسة لتطمئن نفسها ولو حتى بمجرد مزاح ليبتسم لها وهو يهمس بحنان: متقلقيش يا غالية إحنا كويسين والله وانخطفنا بالغلط أساسا. سخر لؤي منهم بشدة: حتى يوم ما حد يعبركم ويخطفكم يكون بالغلط؟ شوية فشلة ملكمش لازمة. تحدث أحمد بمزاح وهو يحاول أن يخفف حدة الأجواء:
لو الحاج عايزكم تتخطفوا أنا في الخدمة. نظر له هادي وهو يضع يده على صدره مرددا بامتنان مصطنع: تعيش يا غالي والله أنا بس كنت عايزك تخطفلي واحد كده. نظر له فرانسو بترقب وتعجب ليكمل هادي بملامح ممتعضة: فيه راجل بيقعد دايما على القهوة اللي في أول الشارع اسمه فرج فروجي فراريجو هربان من محل فراخ هو. عايزك تشوفلي أي تاجر أعضاء يشيله ومش هنختلف في السعر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!