الفصل 24 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
30
كلمة
8,004
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

ابتسمت بسمة واسعة وهي تتنحى جانبا فاتحة الطريق أمام تلك الجميلة الأنيقة كما وصفتها في رأسها لتندفع نحو احضان زوجها أمام عينها. ابتسمت بثينة تتأمل المنظر أمامها وهي ترى تلك الفتاة تتعلق برقبة فرانسو كما القرود. ثم وبوقاحة شديدة، على الأقل بالنسبة لها، قامت بطبع قبلة عميقة على خده. وكل ذلك وزوجها حتى لم يكلف نفسه عناء الابتعاد عنها.

ابتعدت الفتاة عن فرانسو وهي تبتسم باتساع تاركة فرانسو مصدوم. فهي لم تعطيه حتى فرصة لمحاولة دفعها فقد أخذته على حين غفلة منه أثناء شروده بزوجته وقبلته. اقتربت بثينة بشر كبير منهما ليبتسم فرانسو في نفسه يلمح شرارات الغضب تنتشر في الجو ليغمره شعور بالسعادة وهو يمني نفسه بأن ذلك الحجر المسمى بقلبها قد بدأ بالتحرك له والدليل ذلك الغضب النابع من غيرتها.

أمسكت بثينة وجه فرانسو بشكل آثار مفاجأته لتقلبه بين يديها بنظرات غامضة ثم هتفت بتفكير وهي تنظر له: "مسابتش فتفوتة روج واحدة على خدك…." فتح فرانسو عينه بصدمة كبيرة لحديثها ذلك ليجدها تلتفت للفتاة تسألها باستفسار: "هو ايه نوع الروج اللي أنتِ بتستخدميه شكله نضيف……" ابتسم فرانسو بسخرية وهو يستهزأ من نفسه كيف فكر للحظة أن بثينة قد تغار عليه بهذه السرعة وكأنها عاشقة له.

انفتح باب المصعد ليدفع الفتاة من أمامه بغضب و حنق ثم سحب يد بثينة التي سارت خلفه وهي تنظر بشر للفتاة ثم أشارت لها باصبعها وكأنه طائرة تسقط ارضا. وبعدها غمزت للفتاة بطريقة غامضة لم تفهم منها الفتاة شيء أو تفهم مقصد بثينة منها.

استخدم فرانسو مفتاحه الخاص ليفتح شقته التي كان يقطن بها قبل سفره ثم دخل سريعا ومازالت يد بثينة تستوطن يده حتى وصل لمنتصف الردهة. ثم ترك يدها بهدوء وتحرك بعدها لإحدى الغرف ببطء وبعدها دخل إليها ثم اغلق الباب خلفه تاركا بثينة تقف في المكان وهي تنظر حولها بعدم فهم تحاول تفسير تصرفات ذلك الشاب المريبة لكن لم تتوصل لشيء سوى أنه ربما جن لكثرة مصاحبته لاصحاب المشاكل النفسية. *** "مين اللي جابني هنا؟

لوت شيماء شفتيها بضيق من تصرفات ماسة التي أضحت تتمادى بها لتجيبها بضيق: "مين يعني؟ أكيد رشدي." اغتاظت ماسة بشدة من حديث شيماء ذاك لتنهض من الفراش والذي لم يكن سوى فراش شيماء وهي تهتف بضيق وصوت عالي تعتقد أن رشدي بالخارج فاليوم هو يوم عطلته: "وهو الأستاذ بأي حق يجيبني هنا بدون ما ياخد إذني؟ ثم إن هو ماله بيا أساسا ما أنام مكان ما أحب." "خلصتي؟

رشدي أساسا مش هنا ويلا قومي وفوقي كده عشان هننزل نشتري لبس أنا وفاطمة وهناخدك معانا…." انهت شيماء حديثها تاركة ماسة تتميز غيظا من رشدي وهي تنهض متوعدة إياه بالويل. "ماشي يا أباظة أما خليتك تتوب مبقاش ماسة…" *** "مصطفى؟ ماله مصطفى؟ ادعى جمال جهله بالموضوع رغم شكه من البداية في أخيه، لكن كان لديه أمل صغير. أمل صغير فقط أنه لم يخذله ويقوم بفعل شنيع كهذا.

ابتسم رشدي وهو يلاعب أحد قطع الأثاث الصغيرة على مكتب جمال وهو يتحدث بجدية بعدما رفع نظره له: "للأسف يا جمال باشا أخو حضرتك مترباش." اغمض جمال عينه يحاول التحكم بنفسه ثم نهض وهو يقول بجدية كبيرة يدور حول مكتبه حتى جلس على الأريكة جوار زكريا تاركا كلا من هادي ورشدي يتوسطان المقعدان المقابلان لمكتبه: "أحب أسمع بنفسي كل حاجة حصلت ومن الأول لو سمحت."

نظر رشدي لزكريا وهادي ثم بدأ بقص كل ما وصل له على هاتف مصطفى ليشتعل غضب جمال وهو يرى بعينه نفسه يقتل أخيه، لكن ليت ما فعله أخيه توقف على ما حكاه رشدي. إلا أن زكريا نظر لرشدي وتحدث بنبرة ميتة ولم يتحكم بنفسه: "أنا ليا حق عند أخوك ومش هستريح غير لما آخد روحه بإيدي يا جمال باشا." صمت ثم تحدث بعدها بقليل: "فهل حضرتك عندك استعداد تساعدني آخد حقي من أخوك؟

نظر جمال لعيون زكريا والغضب المشتعل داخله والذي خمن أنه ليس كما قال رشدي مجرد تهديد ببضعة صور كأي مراهق. لذا سارع وقال بقلق: "هو مصطفى عمل كده في مراتك برضه؟ يعني هددها؟ ابتسم زكريا بسمة ميتة ثم قال بنبرة خرجت خاوية منه: "للأسف مراتي مكانش عندها الرفاهية دي…أنها تتهدد ويكلمها وغيره." ابتلع جمال ريقه بعدم فهم: "قصدك إيه وضح لو سمحت لازم أكون عارف كل حاجة حصلت عشان أقدر أساعدكم." نهض زكريا من أمامه بغضب شديد يحاول

كبته كلما تذكر ما حدث: "اللي حصل حصل يا جمال باشا واللي يهمني في الحوار ده إن أخوك ياخد جزاته بس بعد ما أنا آخد حقي منه تالت ومتلت…" أنهى زكريا حديثه وهو يدور في المكتب بعصبية شديدة غريبة عليه. لكن في وسط كل ذلك كان هادي شاردا في شيء حتى انتفض بفزع وهو يتحرك سريعا صوب زكريا يمسكه من كتفه يجبره على الاستدارة ليواجهه: "زكريا هو مصطفى آآآ….. هو قرب من فاطمة؟

كانت كلمته الأخيرة خافتة بشدة لكنها وصلت لمسامع الجميع. فهادي من حديث زكريا ربط الأحداث بينه وبين حديث شيماء حينما دخلت فاطمة في حالة انهيار وقتها أخبرته شيماء أنها كانت تهزي بكلمات هيستيرية وكأنها تصرخ بأحد تخبره أن يبتعد عنها وبعدها تصرخ أنها لم تفعل شيء وأنها ليس لها ذنب. والآن حديث زكريا بأن فعلة مصطفى تخطت التهديد. كل ذلك تجمع برأسه مشكلا حقيقة واحدة بشعة ولكم تمنى لو ينفيها زكريا وهي أن مصطفى اعتدى على فاطمة.

نظر زكريا لهادي بنظرات ميتة ولم يجيب ليتأكد هادي من شكه عائدا للخلف بجزع. بينما كان رشدي في صدمة مما فهمه منذ قليل. يا الله في أي بئر سقط رفيقه؟ بأي مصيبة وقع؟ كان جمال وكأنه بعالم آخر يرى أين وصل أخيه من أفعاله تلك. أين أخطأ هو؟ لقد…. لقد تخلى عن حياته ليكون جواره بعد موت والده. تخلى عن منصبه في المخابرات المصرية وتخلى عن حلمه وأصبح ضابط عادي فقط لئلا يبتعد عنه وعن والدته. تخلى عن كل شيء لاجلهما.

وضع جمال رأسه بين يديه يشعر برغبة عارمة بالصراخ يود لو ينهض الآن ويصرخ هو بحياته. لم يتوقع أن أخيه وصل لتلك الدرجة من الحقارة. همس بصوت مختنق يمنع نفسه من الانهيار ليس قبل أن يقتله بيديه هاتين ليس قبل أن ينزع تلك البذرة الفاسدة من أرضها. "قولي كل اللي حصل بالتفصيل وحذاري تخبي أو تكدب عليا في حاجة."

اغمض زكريا عينه بغضب يرفض أن يتحدث بالأمر أمام أحد يرفض أن يفضح سر زوجته أمام أحد. لكنه مجبر على ذلك لينال القصاص الذي يسعى إليه عليه بقص كل شيء. *** "هتفضلي مخصماني لامتى يا ماسة؟ مش خلصنا واعتذرت؟ "بعدين أنتِ ليه محسساني إني كلمت راجل غريب عشان يجي ياخدك؟ ده جوزك يا ماما." نظرت ماسة بغضب لفاطمة وهي تترك قطعة الثياب التي كانت تنظر

إليها محلها تستدير هاتفة: "يعني أنا متنيلة على عين أمي وعاملة نفسي زعلانة وهربانة من البيت عشان أجننه وهو بيدور عليا تقومي أنتِ تقوليله مكاني قبل حتى ما يلاحظ غيابي؟ ضحكت شيماء من تذمرات ماسة ثم نزعت أحد الأثواب قائلة: "هروح أقيس الفستان ده يكون خلصتم الخناقة." انهت حديثها متحركة من جانب الاثنتين لتتحدث فاطمة

ببسمة وهي تلتصق بماسة: "خلاص بقى يا ماسة الحق عليا قلت هيجي عشان يشيلك تقومي أنتِ صاحية وتتصالحوا. هعرف منين إنك بتنامي زي الجثة؟ لوت ماسة شفتيها وهي تدعي البكاء: "ما هو ده اللي قاهرني إني محستش بيه واتقمصت وأنا بقوله نزلني دلوقتي يا رشدي مش عايزة أروح معاك… بس كل ده ضاع وأنا نايمة زي المتخدرة." كتمت فاطمة ضحكة كادت تفلت منها وهي تتذكر البارحة حينما دخلت رفقة رشدي لغرفتها حتى يأخذها.

دخل رشدي بفزع شديد وخلفه فاطمة وهو يتوقع رؤية ماسة منهارة. أخذ يلوم نفسه بعنف على ما فعله بها هو السبب بما حديث الآن لو لم يصرفها في الصباح لم تكن لـتوقف رشدي عن التفكير وهو يرى ماسة تنام بشكل فوضوي على الفراش الخاص لفاطمة وهي تفرد كلا ذراعيها فاتحة فمها بشكل مثير للضحك. أشار رشدي لها وهو يرفع حاجبه: "هي دي اللي تعبانة وبتموت؟ نظرت فاطمة

لوضع ماسة مبتسمة بغباء: "ربك هو الشافي يا بني شوف سبحان الله مسافة ما جيت كانت بقت زي القرد أهي." اطلق رشدي ضحكة ساخرة وهو يمسح وجهه مستمعا لحديث فاطمة التي تنحنحت بحرج تحديثها وتدخلها بينهما: "بس ده مينفعش إنها فعلا تعبانة يا رشدي تعب نفسي إنت ما شفتش حالتها دي يا حبة عيني مقهورة أوي باللي حصل… ما أظنش إنها هتتعامل معاك زي الأول بعد ما……." "يا رشدي يا حيوان."

توقف فاطمة عن حديثها بسبب تمتمات ماسة أثناء نومها وهي تسب رشدي. ابتسم رشدي بعدم تصديق مشيرا لها وكإنه يقول "أهذه هي المتعبة نفسيا؟ عادت فاطمة للخلف وهي تتنحنح: "شوف سبحان الله ربك شفى تعبها النفسي برضه." "هقتلك وأطلع عينك." كانت هذه همسة ماسة التي كانت تسبح في نوم عميق غير واعية لما يحدث حولها. ضحك

رشدي بسخرية وهو يشير لها: "مين دي اللي مريضة وتعالى خدها أنا قولت هاجي ألاقي البنت بتودع وعمال أجَلّد في نفسي وأنا جاي…. دي عايزة تقتلني… بتخطط لقتلي وهي نايمة." ابتسمت فاطمة بحرج وهي تبتلع ريقها مشيرة لخارج الغرفة: "إيه ده صوت زكريا ده؟ هروح أشوفه عايز إيه خد راحتك." انهت حديثها وهي تخرج تاركة رشدي يرمق ماسة بسخرية ثم اتجه وسحبها من على الفراش لاحتضانه يضمها بحب رغم كل شيء مقبلاً

جبهتها بعشق هامسا: "أنا فعلا حيوان عشان زعلتك يا ماستي حقك عليا…." "أنتِ يابنتي روحتي فين؟ خرجت فاطمة من شرودها على حديث شيماء التي أشارت لنفسها متحدثة بعدم اقتناع: "مخليني تخينة صح؟ نظرت فاطمة جيدا لشيماء وهي تهز رأسها برفض تام: "مخليكي قمر يا روحي… بعدين يا شيماء أنتِ مش تخينة الدرجة اللي تخليكِ متعقدة من نفسك." لوت شيماء شفتيها بضيق وهي تهمس: "أنا بس عايزة أبقى حلوة عايز أخلي هادي يشوفني حلوة…"

تحدثت ماسة وهي تضيق عينها: "وهو هادي كانت اشتكى ليكي من حـ…." توقفت ماسة عن الحديث وهي تستمع لصوت خلفها تعرفه جيدا وتمقته وبشدة. استدارت سريعا وهي تنظر لتلك الفتاة التي ابتسمت بخبث شديد: "أووه شوفوا مين هنا؟ ماسة البلطجية رد السجون." تحولت ملامح ماسة كليا فأصبحت كما لو أنها مجرمة خطيرة وهي تعود للخلف بتحفز متحدثة ببرود شديد: "إيه ده شوفوا مين اللي هنا؟ مليكة المبقعة."

احمرت عين مليكة بغضب شديد وهي تدرك أن ماسة تقصد تلك البقع في جلدها والتي نتجت عن بعض اللكمات والضربات التي تلقتها منها أثناء المؤتمر فهي واحدة من الأربعة فتيات اللواتي قامت ماسة بضربهن أثناء المؤتمر. "طول عمري كنت بقول عليكي حقيرة ولا تمتي للرقي بصلة وفعلا يوم عن يوم بتثبتيلي ده." ابتسمت ماسة وهي تقول بحنق شديد: "خليني بقى أَأْكدلك ده."

وعقبت حديثها بصفعة رنّ صداها في أرجاء المحل كله جعلت مليكة تشهق بفزع شديد وهي تضع يدها على خدها ولم تكد تبادر برد تلك اللطمة حتى وجدت ماسة تنقض عليها بعنف شديد استجمع جميع رواد المحل حولهما محاولين أبعادهمها عن بعضهما البعض. *** خرج من غرفته وقد أبَدل ثيابه لثياب منزلية مريحة وقد قرر الذهاب وتحضير بعض الطعام له ولبثينة. لكنه تفاجئ من وجود بثينة تجلس على أحد الأرائك في البهو وهي مازالت ترتدي نفس ثيابها ليتحرك

صوبها بعدم فهم وهو يتحدث: "أنتِ لسه قاعدة عندك؟ مغيرتيش ليه؟ رفعت بثينة عينها في وجهه وهي تتأمله للمرة الأولى ثم قالت وهي تهز كتفها ببرود شديد: "يمكن عشان معرفش حاجة في البيت مثلا؟ نظر لها فرانسو بحرج فهو بسبب غضبه منها لعدم اعتراضها على تقبيل امرأة له نسيّ أن يرشدها للغرفة لذا تنحنح بحرج وهو يشير للغرفة التي خرج منها للتو: "بعتذر… دي الأوضة تقدري تدخلي تاخدي دش وتغيري لبسك أكون حضرتك الأكـ"

"هي مش دي الأوضة اللي انت لسه خارج منها؟ هز فرانسو بنعم على سؤالها ليستمع بعدها للجملة التي توقعها: "وهو إنت مفكرنا متجوزين بجد عشان ننام في نفس الأوضة؟ ابتسم فرانسو وهو يقترب منها ثم انحنى على ركبتيه ليجلس أمامها في حركة مفاجئة لم تتوقعها ثم أمسك يدها وهو يتحسسها بأصبعه ناظرا لها ببسمة غريبة: "بثينة هو أنتِ مفكراني متجوزك ليه؟ صمتت بثينة لا تفهم سؤاله ذلك فهو أوضح لها جيدا سبب زواجه منها ولذا لم تتحدث

أو تجيبه ليكمل هو حديثه: "أنا مش متجوزك أقضي بيكِ غرض وبعدين كل واحد يروح لحال سبيله… بثينة أنتِ مراتي بكل ما للكلمة من معنى وأنا مش مخطط إن ده يتغير قريب أبدا." نهض تاركا إياها متجها صوب المطبخ متحدثا ببرود: "أنا وعدت هادي إني مش هقرب منك غير بعد ما نعمل الفرح فمتقلقيش مش أنا اللي أخلف وعد قطعته لنفسي أبدا… غيري لبسك أكون جهزت الأكل."

أنهى حديثه تاركا إياها ترمق أثره بعدم فهم وهي كل يوم تكتشف به سر آخر وكأنها سقطت في بئر لا قاع له. تنهدت وهي تمسح وجهها لا تعلم كيف ستكون أيامها القادمة لكنها تتوقع معركة حامية معه ومع تلك النساء التي تحوم حوله والأهم… مع نفسها التي بدأت تجهل تصرفاتها. ***

كان يستمع لكل كلمة وهو يشعر بنيران تنشب في صدره ورغم ذلك لم يظهر على وجهه أي شيء بل استمر في الاستماع بكل برود حتى أنهى زكريا قص كل ما حدث مع الاحتفاظ ببعض التفاصيل له دون أن يخبرها لأحد فهو قص عليهم كيف تم الأمر ولم يتطرق لشيء آخر فقط الخيوط العريضة من القصة يقنع نفسه أنه حان الوقت لكشف بعض الخطوط لينفذ وعده لفاطمة.

نظر رشدي لزكريا بحزن شديد يشعر بألم رفيقه… وأي ألم هو فصديقه يعيش بجحيم حقا. لا يمكنه تخيل حدوث ذلك مع ماسة يالله كان سيموت وقتها، لكنه وللحق يحسد زكريا على ثباته ذلك غير عالما بداخله الذي مات منذ سماعه لما حدث.

نهض هادي دون شعور متجها صوب زكريا ثم عانقه بشدة وهو يبكي على رفيقه وما تعرض له ويبكي فاطمة تلك الفتاة المسكينة التي تجرعت من الأوجاع ما يكفي. ولأن فقط استوعب انهيار زكريا ذلك اليوم… كان هادي يبكي بعنف شديد وكأنه هو من وقع بتلك المشكلة وهو يقف جوار مقعد زكريا يضم رأسه بين ذراعيه هامسا له بوجع: "ليه يا زكريا ليه استحملت كل ده لوحدك؟ سقطت دموع زكريا بوجع وهو يمسك ذراع هادي الذي

يحيطه متحدثا بكسره وقهر: "عايزني أقول إيه يا هادي؟ أقول إن شوية عيال لا يمتوا للبشر بصلة اعتدوا عـ…." لم يستطع زكريا إكمال كلمته بسبب بكائه الذي انفجر فيه وهو يشعر وكأنه قلبه يستغيث للتحرر من هذا الوجع. نهض رشدي سريعا متجها لزكريا ثم جذبه في أحضانه هو وهادي هامسا بحنان يقاوم دموعه: "حقها هيرجع يا زكريا والله ليرجع حتى لو كان آخر حاجة هعملها وبعدها استقيل… هيرجع بأي طريقة بس انت متعيطش عشان خاطري."

بكى زكريا أكثر في حضن رفيقه وكأنه يشكيه أحزانه. كان جمال يتابع كل شيء بملامح لا توحي بما في داخله ليهمس بعد صمت طويل منه: "أنا عارف فين الشخص التاني……" *** "خلاص خلصنا يا ماسة احمدي ربنا أنها مشيت وما أصرتش تعملك محضر والله العظيم المرة دي كان رشدي جاب أجلك فيها." انهت شيماء حديثها بغيظ شديد بعدما استطاعت بصعوبة إبعاد ماسة عن طريق الفتاة والخرج بها من المحل وها هم يجلسون في أحد المطاعم في ذلك المول الكبير.

ارتشفت فاطمة بعضا من العصير أمامها ثم قالت بحنق: "ربنا يعين رشدي على ما بلاه." نظرت ماسة لفاطمة بشر وما كادت تتحدث حتى لمحت بعينها أحد الأشخاص في محل يقع مقابل المطعم وهي تهمس بتعجب: "فرج؟ رفعت شيماء رأسها بعدما كانت مندمجة في طعامها تقول بعدم فهم: "فرج؟ إيه اللي هيجيب فرج هنا؟ هزت ماسة رأسها بعدم معرفة وهي تشير للواجهة الزجاجية لأحد محلات الملابس: "أهو هناك أهو…."

استدارت كلا من فاطمة وشيماء صوب ما تشير إليه ماسة ليجدن أن فرج يقف في أحد المحلات وهو يتحدث مع عاملة هناك. تحدثت فاطمة بعدم فهم: "هو إيه اللي جاب فرج هنا؟ نهضت ماسة سريعا وهي تتحرك صوبه ضاحكة: "معرفش تعالوا نشوف." نهضت شيماء تتبعها بفضول شديد وكذلك فاطمة تاركين الحقائب عند طاولتهم. متجهين صوب المحل الذي يقف به فرج وبمجرد دخولهم

سمعوا صوت فرج الحانق: "لا حول ولا قوة إلا بالله يابنتي افهمي شوية بقولك عايز نفس الفستان بس مقاس أكبر شوية." زفرت عاملة المحل بضيق شديد وهي تجيبه بنفس الكلام للمرة الألف: "يا فندم مينفعش أجيب كبير شوية كده بدون ما أعرف المقاس يعني حضرتك حدد المقاس بالضبط وأنا أجيبه يعني large ولا Medium ولا small؟ "بطاية." صدمت العاملة من حديث فرج ذلك العجوز الغريب: "هو إيه اللي بطاية يا فندم عيب كده."

تعجب فرج من حديثها: "هو إيه اللي عيب؟ أنتِ بتسألي عن مقاسها وأنا بقولك هي بطاية كده." انطلقت ضحكات صاخبة من الخلف استدار على اثرها كلا من فرج والعاملة ليجدوا ثلاث فتيات يضحكن. ابتسم فرج بفرحة شديدة وهو يتجه صوبهن متحدثا بسعادة كبيرة: "أنتم هنا؟ طب الحمدلله تعالوا ساعدوني لاحسن البنت دي مش بتفهم في حاجة أبدا." فتحت العاملة فمها بصدمة شديدة من حديثه. ابتسمت ماسة وهي تغمز له: "هي مين دي اللي بطاية يا فرج؟

وجاي تشتري ليها لبس ماركة كمان؟ ضحكت شيماء وهي تضيف بمزاح: "يا ريتني كنت خطبتك إنت يا فرج بدل هادي اللي أغلى حاجة جابها ليا كانت الخلاط بتاعهم وخده وهو مروح كمان." انطلقت ضحكات فاطمة بشدة وهي لا تستطيع تحمل ما يحدث لتسمع صوت فرج الذي بادر سريعا بالشرح: "أصل انهاردة عيد ميلاد أم أشرف وجيت عشان أجبلها هدية بس البنت اللي هنا دي مش بتفهم." "لو سمحت يا أستاذ أنا مسمحلكش."

كان هذا صوت العاملة الحانقة من ذلك العجوز الوقح. تجاهلها فرج وهو يشرح لماسة كل ما يريد: "بصي عايز أجبلها فستان حلو كده على ذوقك وأنتِ عارفة بقى أم أشرف هاتيلها حاجة كده كيوت ورقيقة زيها." ضحكت ماسة وهي تشير للعاملة بالاقتراب لتصف لها ما تريد. بينما شيماء نظرت للمحل حولها بفضول لتقول وهي تشير خارج المحل: "بطوط روحي هاتي الشنط من المطعم وتعالي نشوف لبس هنا." لوت فاطمة شفتيها بحنق

وهي تخرج متجهة صوب المطعم: "خفي لبس شوية يا شيماء مش معقولة كل الهدوم دي." دخلت المطعم وهي تنظر للطاولة الخاصة بهن لتجدها فارغة من الحقائب نظرت حولها سريعا تبحث عنهم حتى وجدت نادل يتحرك من أمامها فاستوقفته بسرعة وهي تسأل مشيرة للطاولة الخاصة بهن: "لو سمحت الترابيزة دي كان عليها شنط وحاجات."

نظر لها النادل وهو يبتسم بعملية مشيرا لمكان "الكاشير": "أيوه يا فندم إحنا دورنا عليكم بس ملقناش حد… حضرتك هتلاقي الشنط عند الكاشير هناك." هزت فاطمة رأسها شاكرة إياه ثم تحركت حيث أشار لتقف أمام طاولة طولية وهي تتحدث بهدوء ورقة كعادتها: "لو سمحت كان فيه شنط على ترابيزة ٣٤."

هز العامل رأسه مشيرا لها بالانتظار حتى يذهب ويحضرهم لتبتسم له وهي تهز رأسها بأنها ستنتظره. وأثناء ذلك كان يسير رفقة فتاة وهو يغمز لها بوقاحة متجها صوب الكاشير لدفع ثمن طعامه ووقف جوار فاطمة وهو ينظر للعامل الذي يجلس خلف أحد الأجهزة متحدثا بنبرة رخيمة بعض الشيء: "الفاتورة بتاعة ترابيزة ٩ لو سمحت."

كانت فاطمة تنتظر العامل ليعود بالحقائب الخاصة بها حتى سمعت ذلك الصوت بجانبها. ذلك الصوت الذي لطالما كان رفيق مخلص لأحلامها بل كوابيسها. شعرت فجأة ببرودة تسير في جسدها كله وهي تستدير ببطء تنظر لذلك الشخص داعية الله أن يكون مجرد تشابه في نبرات الصوت لا أكثر. لكن كل ذلك تحطم وهي تبصر وجهه المخيف والذي لم يغادر رأسها أبدا وسريعا ودون أن تشعر مرت الذكرى أمام عينها وصوته القذر يصدح في رأسها. "صباحية مباركة يا عروسة."

كان وجه فاطمة يتصبب عرقا والرعب قد احتل جسدها كله لتعود للخلف بسرعة وهي تنظر له بفزع لكن بالخطأ اصطدمت بأحد العاملين في المطعم لتستدير له بسرعة وهي تبكي معتذرة. بينما هو انتبه لتلك الضجة التي حدثت جواره لينظر بتعجب فوجد فتاة قد اصطدمت بالنادل لم يهتم كثيرا وكان على وشك الاستدارة لولا ذلك الوجه الذي ذكره بما فعله قديما فتح عينه بصدمة وهو يبتلع ريقه هامسا لنفسه برعب شديد: "أنتِ؟ إزاي؟ أنتِ……"

بكت فاطمة بعنف وقد رأته وهو يحدق بها لتستدير فجأة وتركض بسرعة كبيرة خارج المطعم وكأنه وحشًا يتبعها تاركة الحقائب وكل شيء خلفها. ركض مصطفى بسرعة خلفها يلحقها خوفا أن تسبب له مشاكل لكن لم يتسطع ذلك ليجد فجأة ماسة تخرج رفقة شيماء من المحل المقابل وماسة تنادي فاطمة بفزع فهما رأيا جيدا ما حدث بالمطعم والحالة التي كانت بها فاطمة. نظر مصطفى بصدمة لماسة وهو يتساءل بفزع: "ماسة؟ أنتِ تعرفي البنت دي؟

تعجبت ماسة من وجود مصطفى هنا فهي تعرفه رفيق رشدي، لكن لما يحدثها وما علاقته بفاطمة و لما يسأل عنها؟ لكنها رغم ذلك أجابت بخوف أثناء ذهاب شيماء لاحضار الحقائب ثم تحركت معها مسرعين خلف فاطمة: "أيوه فاطمة تبقى مرات زكريا."

انهت ماسة حديثها وهي تتحرك مع شيماء خلفهم فرج الذي أحضر ما يريد والجميع في حالة فزع لما رأوه منذ قليل ولا أحد يفهم ما حدث مع فاطمة تاركين مصطفى خلفهم يكاد يسقط أرضا من هول الصدمة. هل تركها في قريتها وهرب لتلحق به لهنا؟ *** انتفض الجميع على رنين هاتف أحدهم وبسبب الحالة التي كان بها الجميع لم يعلم أحد أي هاتف هو المقصود حتى انتبه رشدي لهاتفه الموضوع على المكتب هو الذي يرن.

اتجه رشدي صوبه ببطء وهو يحاول التحكم في غصته ويحاول التماسك فما علمه منذ قليل ليس بالهين. وجد رشدي أن المتصل لم يكن سوى ماسة، كاد يغلق المكالمة لكن توقف سريعا واجاب فهو لا ينقصه أن يزداد غضبها. "الو يا ماسة….. مالك فيه إيه؟ ….. إزاي يعني مش فاهم اهدي ووضحي….. طب إيه اللي حصل ليها؟ …. يعني إيه مرة واحدة كده؟ …. طب هي فين دلوقتي؟ …. خليكِ وراها يا ماسة متسيبيهاش غير لما توصل البيت وأنا هبعت ليها زكريا."

انتفض زكريا عند تلك النقطة وهو يتأكد رغم شكه في البداية أن المعنية في الأمر هي فاطمة لينهض سريعا متجها صوب رشدي يحاول الاستعلام منه عن ما حدث. وقبل أن يسأل عن شيء كان رشدي يفضي له بكل محتوى الرسالة: "البنات كانوا في السوق سوا ومرة واحدة فاطمة سابتهم وجريت كأن فيه مصيبة ومحدش عرف يلحق بيها وهما حاليا رايحين وراها البيت." لم يفهم زكريا شيء: "يعني إيه لوحدها كده؟ هي مش مجنونة عشان تتصرف بالشكل ده أكيد حاجة حصلت ليها."

تحرك رشدي وهو يحمل أشياءه مشيرا لرفيقه أن يلحقه: "هنعرف ده لما نوصل يلا…." *** دخلت منزلها سريعا دون أن تنظر جهة أحد أو تلقي بلكمة واحدة حتى على عمتها التي تجلس على الأريكة جوار ابنتها بكل برود. بل تجاهلتهم كليا وهي تتركهم وتركض لغرفتها مغلقة إياها خلفها بسرعة كبيرة وكأنه سيلحق بها للمنزل مفكرة في هول ما حدث. لقد رآها… لقد رآها…

لطمت وجنتها برعب وهي تتخيل ما سيحدث إن علم مكانها وجاء لأجلها. فجأة علت الضربات على بابها وهي تسمع صوت ماسة وشيماء العالي ومعهم والدتها التي لا تفهم شيء لكن حديث ماسة وشيماء أقلقها. لكن فاطمة لم تعطي اهتمام لأحد بل كانت في غرفتها تشعر بنهايتها قد اقتربت تتخيل أنه سيأتي إليها ويقتلها كما سبق وهددها إن لمح وجهها سيتخلص منها لكن بعد أن يذيقها الويل مرة أخرى.

ارتفعت شهقات فاطمة وهي تصرخ برعب في غرفتها تتخيل ما سيحدث لها وذكريات ذلك اليوم البشع تراودها وتمر أمام أعينها كشريط بعدما ظنت أنها على وشك دفنها نهائيا. "يا سكر… سكر." استدارت تلك الفتاة التي تحمل بعض الكتب بين يديها مجيبة على رفيقتها: "إيه يا فاطمة؟ هتيجي معانا السيما؟

تغضنت ملامح فاطمة بحنق شديد وهي تسحب يد رفيقتها وجارتها تحثها على العودة معها للمنزل وتتجاهل ذلك الأمر فهم ليس لديهم متسع من الوقت وقد أصبحت الامتحانات على الأبواب وهم الآن في السنة الأخيرة من الثانوية وعليهم استغلال كل ثانية في حياتهم للدراسة: "بطلي رخامة بقى ويلا نروح وسيبك من السيما والقرف عندنا امتحان يوم الخميس في درس التاريخ." جذبت سكر يدها من فاطمة بضيق شديد وهي تخرج

بعض الأموال من ثيابها: "بصي يا فاطمة أنا ما صدقت أبويا يديني الفلوس عشان أروح مع العيال السيما فبطلي بواخة بقى وتعالي معانا مش هنأخر والله." لوت فاطمة شفتيها بضيق وهي تعدل من وضع الحقيبة على كتفها: "لا أنا مقولتش لأمي ولا أبويا روحي أنتِ وخلاص أنا هروح."

زفرت سكر بضيق شديد وهي تنظر خلفها لباقي رفيقاتها في الدرس وهم يتعجلونها للمجيء وبعدها نظرت لفاطمة لا يهون عليها أن تتركها تعود وحدها خاصة في هذا الوقت وقد أوشكت الشمس على الغروب وهذا الوقت في قريتهم معاد مقدس لتناول العشاء لذا لا تجد الكثيرين في الشوارع. لكن هي ترغب وبشدة في مشاهدة الفيلم مع الباقيين لذا تحركت صوب فاطمة تقبلها سريعا

على وجنتها وهي تقول ببسمة: "هفوت عليكِ وأنا راجعة ونذاكر سوا لغاية آخر الليل إيه رأيك؟

ابتسمت فاطمة بلطف لرفيقتها وهي تعلم كم أنها ترغب وبشدة في الذهاب للسينما لذا هزت رأسها بالإيجاب وحثتها على الذهاب. راقبت فاطمة سكر وهي ترحل مع رفيقاتها ثم تحركت بملل شديد صوب منزلها الذي يبعد مسافة لا بأس بها عن مكان الدرس الذي تتلقاه. نظرت للسماء فوقها هي تشرد فيها تفكر إلى أين سيئول حالها و بأي تخصص ستلتحق. وفي هذا الوقت من العام القادم كيف سيكون حالها؟

أسئلة كثيرة كانت فاطمة تعتاد أن تفكر بها دائما وهي تدعو ربها أن ييسر لها حياتها. تنهدت بتعب ثم أخرجت علبة عصير كانت تحتفظ بها في حقيبها وأخذت تشربها أثناء سيرها. وها هي بعد سير لمدة خمسة عشر دقيقة بدأت تتوغل في الأراضي الزراعية والتي تدل على قرب وصولها للمنطقة الخاصة بمنزلها زفرت بتعب شديد وهي تسرع من خطواتها قبل أن يجن الليل عليها وقد بدأ الشمس بالفعل في الغروب الا من بعض الخطوط الذهبية اللون.

أثناء سيرها سمعت فاطمة بعض الخطوات خلفها لتنحني جانبا ظنا منها أن هناك من يود العبور لكن فجأة شعرت بيد تمتد لكتفها انتفضت سريعا وهي تصرخ بحنق شديد ظانة أنها سكر وقد عادت: "سكر يا…." توقفت فاطمة عن الحديث وقد تعرفت على هوية ذلك الشخص لتتحدث بهدوء شديد وهي تبتعد بضيق: "جمال؟ معلش فكرتك سكر." ابتعدت بقدمها بعض الخطوات لتجد فجأة يد تقبض عليها بعنف وصوت جمال جارها

يصدح في المكان بخبث شديد: "استني بس ما تعتبريني سكر يا ستي." نظرت فاطمة ليد جمال التي تقبض على يدها وصاحت بغضب وهي تجذب يدها منه: "انت اتجننت ولا إيه؟ إزاي تمسك إيدي كده؟ والله لا أقول لابويا يشتكيك لابوك، لأن الظاهر آخر مرة محوقتش فيك."

انهت كلامها وهي تسير بغضب شديد فهذه ليست المرة الأولى التي يعترض فيها جمال طريقها وليست المرة التي تتشاجر معه لذا لم تهتم كثيرا رغم الغضب الذي سكنها منه. خطوة…. اثنان… وما كادت تخطو الثالثة حتى شعرت فجأة بيد جمال تجذبها إليه للمرة الثانية، لكن هذه المرة وضع يده على فمها ليمنعها الحديث.

فتحت فاطمة عينها بصدمة كبيرة وهي تحاول الفكاك من بين يديه تفكر في وقاحة جمال التي ازدادت متوعدة له بالويل وهي تتلوى بين يديه تحاول الصراخ، لكن على عكس العادة هذه المرة لم يتركها جمال وهو يضحك بسماجة كعادته بل استغل خلو ذلك الطريق سوى منهما وحملها سريعا وركض بها لشارع جانبي وهي شعرت بدقات قلبها تتسارع بشكل غير طبيعي وفجأة وجدته يلقي بجسدها في سيارة مغلقة وهناك من يجلس خلف المقود ثم صعد جوارها وقبل أن تنطق بكلمة كان جمال يغلق فمها بيده وهو يضع إصبعه

على فمه مشيرا لها بالصمت: "اششششش لو سمعت صوتك هقتلك سامعة؟ أنهى حديثه ثم استدار للرجل الذي يحتل خلف المقود وهو يشير له بالتحرك: "ما تتحرك يا عم إنت مستني إيه؟ تحركت السيارة ليرتجف جسد فاطمة بعنف وهي تتشنج بطريقة مرعبة تحاول ترجي جمال أن يتركها وهي لن تخبر أحد لكنه لم يدع لها الفرصة ليبتسم لها وهو

ينظر لملامحها المرتعبة: "واخيرا يا بطوط….. الليلة دي هتكون ليلة وداع ليا عشان بكرة هسافر وملقتش حاجة مناسبة أكثر منك أودع بيها مصر." عند تلك الكلمات شعرت فاطمة بانفاسها تطبق على صدرها وهي تتحرك بجنون في السيارة تجذب شعر جمال بغضب شديد تضربه صارخة به: "يا ابن الـ….. يا زبالة والله لاقتلك يا حيوان قبل ما تقرب مني."

كانت فاطمة تنشب أظافرها في وجهه بعنف شديد جاعلة إياه يصرخ محاولة أن تفتح الباب لتقفز منه فالموت أهون عندها مما يخطط له هذا الحقير. وقبل أن تبادر في أخذ خطوة الهروب كان هناك مسدس يوجه لرأسها وصوت أجش يأمرها بحدة: "لو عملتِ حركة كمان هفرغه في راسك سامعة؟ على نحيب فاطمة وهي تنظر له بغضب: "الموت عندي أهون من اللي عايزين تعملوه يا ابن الـ…… إنت وهو والله لاوديكم في داهية."

أنهت حديثها وهي تهجم على قائد السيارة بعدما كان قد توقف أمام أحد المنازل يحاول أبعادها عنه بينما هي كانت تقاوم لآخر ثانية حتى وجدت جمال يجذب شعرها من أسفل الحجاب بشكل مؤلم صارخا بها: "تعالي بقى يا بنت الـ…"

أنهى جمال حديثه وهو يجذبها خارج السيارة بعنف وهي تصرخ به أن يتركها تشعر بقلبها يكاد يتوقف خوفا مما ستواجهه في الساعات القادمة وللحق كانت تدعو الله أن يتوقف الآن قبل أن يحدث لها ما سيحدث. فتح جمال الباب والقاها في المنزل بعنف شديد ثم دخل وخلفه رفيقه الذي رأته فاطمة جيدا والذي اتجه صوبها وقال ببسمة مخيفة جعلت فاطمة تبكي بعنف شديد

وقد تخلت عنها شجاعتها: "المفروض كانت صاحبتك تيجي معاكِ بس حظك بقى ملقناش غيرك نقضي بيه الليلة فأستحملي بقى." في هذه اللحظة شعرت فاطمة بالنهاية رعب لم ولن تشعر به طوال حياتها. شعرت بالرعب وهي ترى جمال يسحبها بعنف لإحدى الغرف ثم ألقاها على الفراش لتترجاه: "بالله عليك يا جمال بالله عليك أبوس أيدك سيبني والله العظيم ما هقول حاجة أحد والله ما هقول حاجة لحد بس سيبني أبوس إيدك أبوس إيدك."

كانت تترجاه وهي تبكي بعنف شديد من بين شهقاتها لا تستطيع التحكم برجفة جسدها ليبتسم جمال بسخرية منها وهو يلمح صديقه يحمل إبرة ويتجه لها. نظرت فاطمة لما ينظر له جمال لتفتح عينها بصدمة وهي ترى ما يحمل ذلك الشخص بيده وما كادت تتحرك هاربة حتى ألقى جمال بثقل جسده عليها مانعا إياها من الحركة وفي الثانية التالية كانت الإبرة تنغرز بجسدها لتشعر بسائلها يسير به مسرى الدم وهو ينتشر بسرعة رهيبة ليتيبس جسدها فجأة وقد ظنت أنها مخدر وأنها لن تشعر ولن تعي لما يحدث معها رغم بشاعته، لكن هذان الشيطانان لم تكن تلك خطتهما من البداية فهم حقنوها بمادة تشل جسدها بالكامل رغم شعورها بكل شيء يحدث حولها. وها هي تشعر بأنها غير قادرة حتى على الرمش رغم شعورها بأطرافها جيدا.

بكت بصمت غير قادرة على فتح فمها للصراخ حتى أبسط حقوقها منعوها منها. منعوها الدفاع عن نفسها أو حتى الصراخ. شهدت فاطمة بعد ذلك أسوأ وقت قد يمر على أحداهن وهي تشعر بالآلام تنتشر بجسدها يتحطم وكل ما تستطيع فعله هو البكاء بدون صوت. لم تستطع فاطمة التحمل أكثر من ذلك ليشفق عليها عقلها ويريحها من ذلك العذاب وتسقط فجأة في غيبوبة قصيرة هروبا من كل ما يحدث. ولم تشعر بعدها بشيء سوى أنها فتحت عينها بصعوبة كبيرة على صوت جريان المياة تبعها خروج ذلك الرجل الآخر وليس جمال وهو ينظر لها نظرة

قذرة هاتفا بطريقة مقيتة: "صباحية مباركة يا عروسة." ويا ليتها كانت قادرة حتى على الرد عليه أو الصراخ في وجهه إلا أن تشنج جسدها قد بدأ يتفكك بعض الشيء لتشعر بأن هناك أحد صعد الفراش جوارها. ولم تتمكن من الاستدارة له لكن وصلها صوت جمال الواضح: "شوفتي لو كنتِ جيتي معانا من الأول كنا مشيناها ودي بس أقول إيه أنتِ عنيدة." ضحك مصطفى وهو يلقي المنشفة أرضا ثم نظر لها نظرة

مخيفة لن تنساها طالما حيت: "لو بقك ده انفتح بكلمة واحدة أو لمحتك في يوم هقتلك بس مش قبل ما أعيشك ليلة أحلام زي امبارح كده سامعة؟ ومتحاوليش إنك حتى تتكلمي لأن ببساطة مش هتلاقينا. بمجرد ما تقومي من هنا هنكون إحنا الاتنين مشينا من البلد كلها."

أنهى حديثه وهو يضحك بصخب ويشاركه في ذلك جمال. وبعد ذلك اختفى الاثنان لتتمكن من الحركة بعد ساعتين وتخرج من ذلك المكان وهي تحاول تغطية جسدها بما تبقى من ثيابها بعدما قطعها جمال لتكتشف أنها بقيت في ذلك المكان ليلة كاملة وقد بدأت الشمس تشرق. سارت في الشارع بصعوبة كبيرة تشعر أنها ستسلم روحها في أي ثانية حتى شعرت فجأة بالوجه يزداد أكثر وفجأة سقطت أرضا وهي تستمع لصرخات حولها لم تدرك منها شيء لتستيقظ بعدما مستقبلة جحيمها.

خرجت فاطمة من ذكرياتها على صوت طرقات عالية وصوت زكريا يصرخ بها أن تفتح الباب. لتهز رأسها بنفي وهي تضع يدها على أذنها صارخة بهم أن يتركوها وشأنها هي لا تريد أحد معها ولا تود قرب أحد. التصق زكريا في الباب من الخارج وهو يضربه بعنف شديد هاتفها بها أن تفتح: "فاطمة افتحي الباب أنا زكريا يا فاطمة افتحي ليا." بكت

فاطمة أكثر وهي تصرخ بهم: "مش عايزة أشوف حد ولا حتى إنت يا زكريا مش عايزة حد أمشوا كلكم وأنا عايزة أبقى لوحدي مش عايزة حد." كانت تتحدث وهي تبكي بشدة من بين شهقاتها. تحدث رشدي وهو يشعر بوجع على رفيقه وما يعانيه: "إيه اللي حصل يا ماسة؟ بكت ماسة بعنف وقد أضحت لا تفهم ما يحدث مع فاطمة: "معرفش والله ما أعرف هي مرة واحدة جريت ومعرفش حصل إيه؟ تساءل هادي بشك: "شوفتوا حد هناك؟ أجابت

شيماء من بين شهقاتها: "لا هو فرج بس اللي قابلناه صدفة هناك والله ومحصلش حاجة خالص مش عارفة ليه زعلت كده." تحدثت ماسة بسرعة وهي تبكي: "وصاحبك يا رشدي شوفنا كما مصطفى هناك وسأل عليها… هو ممكن يكون ضايقها؟ عند تلك الكلمة ازداد ضرب زكريا للباب وهو يقول مانعا دموعه بصعوبة: "افتحي يا فاطمة بقولك بدل ما أكسر الباب." لم تجب فاطمة عليه لكن صوت بكائها الذي على أجابه جيدا ليسقط هو

أرضا وهو يبكي بوجع شديد: "أنا آسف يا فاطمة حقك عليا خلفت بوعدي ليكِ… أنا آسف افتحي عشان خاطر… افتحي يا فاطمة…" كان يتحدث وهو يبكي بعنف يتذكر وعده لها أنها لن ترى مصطفى حتى يأتي اليوم الذي ينتقم لها به: "حقك عليا أنا آسف بس افتحيلي أرجوك يا فاطمة… حقك عليا." كان يتحدث وهو يبكي بعنف فهو حتى لم يتمكن من حمايتها نفسيا من رؤية ذلك الحقير

ليأتي له صوتها من الداخل: "امشي يا زكريا ومترجعش لآني مش هجبلك غير الحزن وبس صدقني بعدك عني أحسن أرجوك امشي." ضرب زكريا الباب بغضب شديد ليصرخ بها من بين دموعه: "وأنتِ مالك؟ حد اشتكالك؟ افتحي الباب بقولك." صرخت فاطمة من الداخل بوجع شديد به: "مش هستنى لما تشتكي يا زكريا مش هستنى… تقدر تقولي من يوم ما عرفتني فرحت كام يوم؟ يا زكريا إنت من يوم ما عرفتني وما شفتش لحظة واحدة سعيدة أرجوك سيبني وامشي."

"كل يوم… كل يوم كنت بكون سعيد لأني بصحى وعارف إنك مراتي وعلى اسمي… كل يوم عشان كنت عارف إني هسمع صوتك… كل يوم عشان عارف إني هشوفك يا فاطمة… كل يوم وطول ما انتِ معايا هفضل سعيد… افتحي الباب أرجوك." بكت فاطمة بعنف من حديثه هي لا تستحقه… يستحق واحدة تجعل حياته سعيدة وليس تعيسة مثلما فعلت هي به. "أرجوك يا زكريا سيبني وعيش أرجوك ابعد عني." اغمض عينه بوجع

وهو يهمس لها بوجع شديد: "يا ليتْ كانَ ذلكَ مُمكنًا غاليتّي، لكنْ واللَّه حُكِمَ على قلبيّ أن يكونَ سجينًا مؤبدًا لقلبك." بكت فاطمة من الداخل أكثر لا تتحمل حديثه ذلك لتسمع بعدها جملته بصوت مختنق من الدموع هامسا وكأنه يحدث نفسه: "مِلْ عليَّ بكُل ثِقلك، وخوفك وحُزنك، كُلِّي يتحمُلك إنْ تعبَ بعضك مِن كُلَّك."

فجأة فُتح الباب بشكل فاجئ زكريا ولم يكد يستوعب الأمر حتى كانت فاطمة تلقي بنفسها بين أحضانه وهي تبكي بعنف هامسة له ألا يتركها أبدا أن يظل جوارها دائما فهي لا تستطيع من دون…. ليهمس هو لها بعشق. *** ظلام هو كل ما يمكنه رؤيته في ذلك المكان. يصرخ منذ ساعات، لكن لا أحد يجيبه أبدا شعر بالانهاك الشديد ليتوقف عن الصراخ وهو يتذكر كيف جاء هنا فبعدما رأى تلك الفتاة في المطعم وركضها بذلك الشكل ومعرفة من تكون.

ركض سريعا مبتعدا عن المكان عائدا لمنزله حتى يتحدث مع جمال رفيقه بعيدا عن الأعين وما كاد يهبط من سيارته حينما وصل المنزل إلا وشعر أن هناك ثقل شديد يهبط على رأسه مسببا في أغماءه وها هو منذ أفاق وهو يحاول مناداة أحد ليفك وثاقه، لكن ما من مجيب. أخذ يسب بعنف شديد وهو يتخيل أن تلك الحقيرة عادت وأخبرت زوجها بأمره لكن إن هذا صحيح هل سيتمكن زوجها من فعل كل ذلك في هذا الوقت القصير؟ أو حتى أنها لم تخبر زوجها. إذا من أحضره هنا؟

كان يقف بعيدا وهو يراقب صراعه مبتسما بسخرية وقد استحال وجهه للسواد واحمرت عيونه بشكل مخيف وهو يتخيل بنفسه طرق لقتله ثم همس: "نهايتك على أيدي يا حيوان." أنهى حديثه وهو يخرج هاتفه ثم ضغط على بعض الأزرار ووضع الهاتف على أذنه في انتظار أن يجيبه أحد. وصل إليه صوت عبر الهاتف ليتحدث بجمود شديد وهو مازال ينظر لأخيه بشر: "هبعتلك عنوان… تعالوا عليه…………….."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...