فزع رشدي من ذلك الاقتحام الذي تم للتو، لكن لم يكن ذلك طويلاً بسبب تلك الكلمة التي اخترقت مسامعه بصوت مميز، صوت لم يسمح لغيره أن ينطق بتلك الكلمة. رفع رشدي أنظاره ليصرخ، لكن توقفت كلماته وهو يرى ما فعلته ماسة في نفسها. وخلفها العسكري الذي كاد يعنفها، ساحباً إياها للخارج. لكن رشدي وقف سريعاً مشيراً إليه بالخروج. "سيبها لو سمحت."
نظر العسكري لرشدي بعدم فهم، فهذه الفتاة لم تتجاوز حدودها في اسم رئيسه فقط، بل اقتحمت مكتبه بشكل وقح. تفهم رشدي نظرات العسكري، فتنحنح بحرج من أفعال زوجته المجنونة والتي يبدو أنها لا تهتم حتى بما فعلته. "دي المدام." تفهم العسكري سريعاً ما يقوله رشدي، فتراجع وهو يخفض وجهه أرضاً، ثم تحرك صوب الباب مغلقاً إياه سريعاً، تاركاً حرباً تدور بين هذين الاثنين. رفع رشدي نظره لماسة التي كانت تبتسم ببلاهة.
"أقدر أفهم حضرتك بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي أنتِ عملاه ده؟ *** ابتسم زكريا باتساع، بسمة هو متأكد أنه يوماً، ورغم كل البسمات التي كان يوزعها على الجميع، لم يبتسم مثلها لأحد قط، فهذه خلقت خصيصاً لها وفقط. "كل ده ليا؟ كده اتغر بقى." كان زكريا يتحدث وهو ينظر بعين فاطمة بحب شديد، يحاول تهدئة ضربات قلبه التي حتى الآن لا تصدق اعترافها الذي خرج من فمها للتو.
ابتسمت فاطمة بخجل شديد وهي تخفض نظرها للاسفل، لا تعلم كيف نطقت بكل ذلك أو حتى كيف طاوعها لسانها لذلك. كل ما تعلمه أنها حقاً قد أفضت بمكنونات صدرها. ابتسم زكريا لخجلها، ثم أضاف بمشاكسة ليمنعها من دخول قوقعة خجلها. "لا بس إيه الحلاوة دي؟ غزل فصحى مرة واحدة؟ ده إحنا هندخل على شغل بعض بقى." ضحكت فاطمة بسعادة، ثم قالت كطفلة صغيرة تشرح لوالدها كيف أجابت على أحد الأسئلة الصعبة. "عجبتك؟
الجملة دي جات في بالي في مرة لما كنت معاك مرة واحدة كده، لقيتها جات في بالي وحسيت وقتها إن من كتر قعدتي معاك ومن كتر ما بتسمعني كلام فصحى هبدأ ألقط كام كلمة كده وأكررها." انفجر زكريا بالضحك وهو يستمع لحديثها، فطريقتها في التحدث وهي تشير بيدها واصفة كل ما حدث معها جعلته يتخيلها وكأنها طفلته الصغيرة التي تسعد بتقليد والدها. "كانت جملة قمر يا روحي، أحسنتي يا فتاتي."
ابتسمت فاطمة بفخر شديد وكأنها قد أحرزت تقدماً ما، لتنمحي فجأة بسمتها وكأنها لم تكن، ثم قالت وهي ترفع عينها لزكريا. "زكريا، هي مين اللي حطت الرسالة دي في قميصك؟ نفخ زكريا بضيق وهو يغمض عينه بتفكير، ثم قال. "معرفش والله يا فاطمة، معرفش. أصل مين يعني اللي هيحط حاجة زي دي في قميصي، وإيه اللي يخلي بنت تقرب مني وأنا أساساً مش بسبب حد."
توقف زكريا عن الحديث وكأنه تذكر فجأة تلك الحادثة وسقوط الفتاة المدعوة أميمة عليه، وخوفها الغير مبرر، ذلك الذي جعله يشعر أنها ارتكبت جريمة ما وليس مجرد سقوط عليه. أغمض عينه بغضب شديد يتوعدها بداخله، فقد خيبت تلك الفتاة أمله كثيراً، وهو من ظنها هادئة، يا الله، أنها حتى كانت تذكره بزوجته في هدوئها وبراءتها. حسناً، لربما يكون أخطأ، وللحق هو يتمنى ذلك.
خرج زكريا من شروده على صوت فاطمة وهي تكتف يدها أمام صدرها، بشكل جعله يبتسم محاولاً نزع تلك الفكرة من رأسها. "هي ماما عملت الكيكة؟ *** حاولت كتم ضحكاتها على منظره الطفولي وهو يسير جوارها متمتماً بغضب وتذمر. "خلاص بقى يا هادي، هتحط عقلك بعقل عيال؟ "أهصدمت شيماء من رده السريع وهي تضربه في كتفه بخفة." "والله انت أساساً عقلك صغير." توقف هادي عن السير وهو ينظر لشيماء بحنق، ثم قال بعناد شديد.
"تصدقي أه، طب والله لارجع وأضربه الواد اللي مش متربي ده." أنهى هادي حديثه وهو يستدير راكضاً حيث شباك التذاكر الذي ترك عنده ذلك الطفل الغبي. بينما شيماء فتحت عينها بفزع تتعجب تصرفات هادي التي تقابلها لأول مرة، لكن لم تتوقف كثيراً حيث تحركت بخطوات سريعة خلفه دون أن تركض في الطرقات.
وصل هادي حيث ترك الطفل ليجده يقف جوار أحد اللافتات الكبيرة الخاصة بالحديقة، وهو ينظر بعين متفحصة حوله يتختار ضحيته القادمة. ابتسم هادي بغيظ شديد، يندفع جهة الطفل ثم التقطه بعنف شديد معلقاً إياه بالهواء، يقول بغيظ وغضب شديد. "بقى أنا ياض تضربني بمسدس خرز؟ وياريت ضربة واحدة، لا إزاي لازم تطلع روح الجندي اللي جواك ونزلت ضرب فيا لما خلصت كيس خرز عليا."
تحرك الطفل في يد هادي بحنق شديد يتحدث إليه بنبرة حانقة غير خائفا بالمرة. "سيبني يا جدع انت، انت هترمي بلاك عليا ولا إيه؟ فتح هادي عيونه بصدمة من حديثه، ثم صاح بغضب. "أرمي إيه يا ضنايا؟ إيش حال ما أنا لسه قافشك وأنت بتنقب عن ضحيتك الجاية يا سفاح." "أهدى بس وقولي إنت أي واحد فيهم." هدر هادي في وجهه بجنون. "ما شاء الله، ده انت ضحاياك كتير، ده انت مسجل خطر بقى." قرب الفتى من وجهه وهو يتحدث بغيظ.
"أنا اللي ضربتني في دراعي يا قليل الرباية." نظر الطفل لذراع هادي الذي يظهر من قميصه، ثم ردد ببرود شديد وحديث لا يليق بسنه. "مش ذنبي إن دراعاتك أغرتني، انت اللي نازل من بيتك وقاصد يحصل كده." نظر هادي لذراعه بفزع شديد، ثم همس متجاهلاً ضحكات شيماء في الخلف. "ولا انت متحرش؟ يعني قليل رباية وسافل." اقتربت شيماء وهي تحاول جذب الطفل من يد هادي وزجرته بعنف شديد على حديثه الذي ردده أمام طفل صغير كهذا. "هادي، إنت اتجننت؟
إيه اللي بتقوله ده قدام الطفل؟ "اسكتي، أنا عارف الأشكال الزبالة دي كويس." أنهى هادي حديثه وهو يجذب الطفل أكثر من يد شيماء، ثم ردد مشيراً لنفسه بشر. "أوعى ياض تكون مفكر إني محترم أو هادي وهقول عيل صغير، لا فوق، ده أنا كنت أسود منك يالا، ده أنا كنت معلم على كل أهالي الحارة وأنا صغير." "طب يعني طلعنا مش متربيين زي بعض، ليه بقى العصبية دي كلها، سيبني بس ونتفاهم وهخليك تضرب بالمسدس شوية."
ضحكت شيماء بشدة على حديث الطفل وعلى ملامح هادي، لتقول وهي لا تستطيع تمالك نفسها. "طب والله لايقين على بعض كأنه ابنك." نظر هادي للطفل وكأنه حشرة، ثم ألقاه أرضاً باشمئزاز مردداً وهو يشير إليه. "ابني؟ بقى ابني أنا يبقى صايع بالشكل البشع ده؟ أنا ابني أساساً هبعته لزكريا يربيه، مش ناقصة قرف." أنهى هادي حديثه وهو يلقي بنظرة شريرة للطفل يتوعده، ثم رحل، تاركاً خلفه شيماء تنظر ببلاهة وهي تفكر في كلماته. ***
نظرت ماسة لما تحمل، ثم ابتسمت بسمة واسعة وهي تشير للحقائب التي وضعتها أرضاً بمجرد دخولها، تشرح الأمر لرشدي. "دول شوية حاجات لزوم الفسحة، ودول بلالين وورد لزوم المصالحة." ابتسم رشدي بسخرية وهو يشير للأشياء التي تتحدث عنها. "فسحة إيه لا مؤاخذة؟ ثم أنتِ جاية تصالحيني بورد وبلالين؟ ليه جاية تصالحي صاحبتك في المدرسة؟
صمت رشدي وهو يرى نظرات ماسة قد انقلبت فجأة واختفى بريق عينها، ليشعر بانقباض في صدره، ورغم ذلك لم يتوقف عن الحديث، فيجب أن تعلم جيداً أن ما فعلته لا يغتفر بسهولة حتى لا تكرر الأمر. "اتفضلي يا آنسة، خدي الحاجة بتاعتك وارجعي البيت، ولما أرجع لينا كلام سوا، ده مكان شغل."
ابتلعت ماسة ريقها وهي تنظر للحقائب أسفل قدمها، فهي كانت تخطط لمصالحة رشدي كما تفعل كل مرة، ثم تأخذه ويذهبا سوياً في نزهة جميلة، وقد حضرت الطعام لذلك وجهزت كل شيء، ولم ينقصها سوى وجوده فقط، لكن يبدو أن ذلك لن يحدث.
وبطاعة غريبة لم يتوقعها رشدي، هزت ماسة رأسها، ثم انحنت قليلاً لتحمل الحقائب، وأثناء ذلك لمح رشدي محاولات ماسة في مسح دموعها، ليشعر بوجع كبير في قلبه، لكن وقبل أن يتحدث بكلمة، كانت ماسة تنهض وهي تحمل كل شيء مجدداً، ثم تحركت للخارج دون كلمة إضافية، تاركة رشدي ينظر في أثرها بصدمة، فماسة التي يعرفها جيداً لم تكن لتستسلم لأوامره أو تخضع لحكمه، بل كانت ستعاند معه حتى يسامحها وينفذ ما تريده. لكن ماذا حدث للتو؟
هل رحلت بتلك البساطة؟ عند تلك الفكرة، فتح رشدي عينه بإدراك لما سببه لها، ثم ركض سريعاً ليلحق بها حتى يعاتبها قليلاً، وبعدها يضمها إليه، فقد اشتاق عناقها وبشدة، لكن عندما خرج وجدها قد صعدت للسيارة بالفعل وترحل. وقف ينظر لأثرها بعجز، لا يستطيع ترك عمله واللحاق بها، لذا رأى أن يكمل عمله ثم يعود سريعاً للمنزل ويحدثها بكل شيء. ***
سحب كثيفة تغطي الرؤية أمامها، ورغم الظلام الذي يعم بالخارج، إلا أن ظلام روحها كان طاغياً يكاد يخنقها. هبطت دمعة دون أن تشعر وهي مستمرة بجلد ذاتها، فهي من أوصلت نفسها لهذه المرحلة، هي من فعلت كل هذا بنفسها.
استمرت دموعها في الهبوط وهي تتذكر كلمات هادي أثناء توديعها بالمطار، بعدما تم عقد قرانها على ذلك الجالس جوارها في الطائرة. لا تعلم كيف انتهى الأمر بهذه السرعة، فبغمضة عين كانت تجلس أمام المأذون تدلي بموافقتها، ومع غمضة عين أخرى أضحت تجلس جوار زوجها في الطائرة المتوجهة لمسقط رأسه. زوجها؟
ياللسخرية يا بثينة، ها أنتِ الآن أصبحت متزوجة وقد حققتي هدفك الذي كنتِ تطمحين إليه منذ زمن بعيد، لكن بفارق صغير وهو أن الشخص المعني ليس هو، فبدلاً من هادي معشوقها، أصبح ذلك الفرنسي البارد المستفز. معشوقها؟ حقاً؟ تتساءل إن كانت أحبت هادي يوماً، أم أن ما حدث كان كما قال هادي، مجرد مرض تملك؟
كان فرانسو ينظر لبثينة ويرى بملامحها حزن دفين، هو ليس غبي ليعلم جيداً أنها تحب هادي أو تظن أنها تحبه. هو ليس أعمى ليدرك أنها لا تطيقه، لكن ماذا يفعل بذلك القلب الأحمق الذي عشقها منذ سنوات واكتفى بها حبيبة.
أغمض عينه يرجع رأسه للخلف يتذكر أول مرة لمحها حينما كان شاباً يافعاً في مقتبل عمره. حينما جاء لمصر رفقة والدته ليزور عائلتها، وقتها أخذه أحمد في نزهة حول منطقتهم، وكان حقاً يوماً جميلاً خُلد في ذاكرته، وخُتم ذلك اليوم برؤيتها. جميلته الشرسة التي لمحها تتشاجر مع أحد سائقي السيارات، تتهمه بمحاولة خطفها وأخذها من شوارع غريبة. بالله، كم كانت جميلة يومها!
في البداية ظن أن ما يحدث معه إعجاب فقط لرؤيته لأول مرة فتاة بجمال شرقي جذاب كهذا، لكن ما حدث معه لاحقاً جعله يتأكد أنه سقط صريعاً لتلك المتمردة و…… خرج فرانسو من شروده على صوت مضيفة الطيران وهي تتقدم لهم بالطاولة الجرارة، تبتسم لهم بسمة هادئة عادة ما ترتسم على وجهها وهي تردد. "بعتذر لو بزعجكم يا فندم، بس كنت حابة أسأل إذا كنتم حابين أي مشروب أو محتاجين أي شيء؟
نظر فرانسو للمضيفة، ثم بعدها نظر لبثينة التي حتى لم تكلف خاطرها عناء الاستدارة ورؤية ما يحدث جوارها. "كوباية عصير برتقال إذا سمحتِ." ابتسمت له المضيفة وهي تهز رأسها، ثم مدت يدها حاملة أحد الأكواب التي ترتص على الطاولة الجرارة الخاصة بها ووضعتها على الفاصل بين الزوجين، ثم تساءلت إن كانوا بحاجة لشيء آخر ورحلت سريعاً دون كلمة إضافية. "اشربي."
استدارت بثينة ببطء تنظر لفرانسو بتعجب، لتجده يشير بعينه على كوب من العصير مشيراً إليها أن تحتسيه، لكنها لم تبدي أي ردة فعل، ثم استدارت مجدداً تتجاهله. ابتسم فرانسو بسخرية وهو يحمل الكوب، ثم جذب يدها من جوارها ووضعه بها، مقرباً وجهها منه هامساً. "حذاري تديني ضهرك مرة تانية سامعة؟ لما أكلمك تبصيلي وتحترميني يا بثينة، وإلا أقسم لك إن رد فعلي مش هيعجبني." "إيه؟ هتقول لهادي؟
ابتسم فرانسو وهو يراقب تجاوبها معه أخيراً، ثم قال. "لا يا قلبي، مش أنا اللي أروح وأفضح مراتي قدام حد، حتى لو كانت هي تستاهل القتل. بس أنا ليا عقاب خاص بيا ومش حابب إنك تجربيه، مفهوم؟ نظرت بثينة له قليلاً لتشرد في عيونه الملونة، وهي تطرح سؤالاً غبياً قليلاً لا تعلم كيف خطر على بالها في ذلك الوقت. "هو انت ازاي بتتكلم كده؟ جفل فرانسو للحظات بسبب ذلك السؤال الغريب، لكنه رغم ذلك ابتسم بسمة صغيرة مشيراً لفمه. "من بُقي."
أدركت بثينة سؤالها الغبي الذي طرحته في وقت خاطئ وبشكل خاطئ غبي، وهي من تعاهدت ألا تحدثه حتى يسأم منها ويتركها في حال سبيلها. ابتسم فرانسو وهو يقرأ دواخلها بكل سهولة، ثم قال يعود لمقعده مشيراً إليها أن تشرب عصيرها. "والدي فرنسي بس والدتي مصرية، عشان كده بتكلم عادي." ارتشفت بثينة رشفة سريعا لترطب حلقها بعدما تفوهت بتلك الكلمات السخيفة، لكنها توقفت وهي تستمع لحديثه ذلك، ليخرج من فمها ثاني أغبى جملة بعد جملتها السابقة.
"يعني إنت فرنسي من ناحية ابوك؟ هو ابوك كان مسلم؟ فتح فرانسو عينه بصدمة شديدة لحديثها ذلك وهو يجيب بسخرية. "لا بوذي." لوت بثينة شفتيها بحركة حانقة تدرك سخريته منها، لكنه وقبل أن تتحدث أجابها بجدية عن سؤالها. "بابا كان بلا ديانة و……" لم يكمل حديثه ليفزعه شهقتها وهي تضرب صدرها مرددة. "ملحد."
جزّ فرانسو على أسنانه بغضب شديد وهو ينظر حوله ليرى إن كان أحد قد انتبه له، ثم أعاد بصره لها يزجرها لتبتلع ريقها بخوف وتسمع صوته يجيبها.
"بقول كان، يعني زمان كان كده مكنش بيؤمن بالاديان أساساً لغاية ما صاحب في جامعته شاب سوري مسلم وبقى أقرب شخص ليه، ووقتها بدأ يدرس تصرفاته ودينه ويبحث عن الإسلام لغاية ما أعلن إسلامه بعد صداقتهم بـ 9 شهور، وبعد إسلامه بسنتين قابل والدتي اللي كانت بتكمل دراسة هناك واتجوزوا. ثم إن إزاي ممكن يجي على بالك إن والدي مش مسلم؟ أصل لو هو مش مسلم، إزاي والدتي هتتجوزه يا غبية أنتِ؟
تعجبت بثينة من تلك القصة وهي تنظر له بانبهار، حتى ألقى جملته الأخيرة في وجهها جعلها تفكر حقاً أنها كانت غبية لتسأل سؤال كهذا. لكن لحظة، هل نعتها للتو بالغبية؟ نظرت له بغضب شديد وفتحت فمها لتذيقه مرارة لسانها الذي لا تملك غيره، لكنها توقفت بصدمة شديدة، تفتح عينها بشكل مثير للضحك وكأن عينيها ستخرج من محاجرها، وهي تجده يجذبها لأحضانه بعنف دون أي مقدمات حتى، هامساً لها بصوت رخيم.
"دلوقتي بقى اسكتي شوية عشان تعبان وعايز أنام قبل الحرب اللي هتحصل." نست بثينة ما فعله للتو وركزت في كلماته بعدم فهم. "الحرب؟ "امممم حرب وشكلها هتكون شرسة أوي. بس تعرفي أنا مطمن لإني واخد معايا واحدة بتنافس إبليس." *** كان هادي يجلس في الصالة وهو ينظر للمنزل الفارغ حوله، بعدما رحل الجميع عقب عقد قران بثينة ورحلت والدته رفقة والدة بثينة لتواسيها في اليوم الأول لبُعد ابنتها.
نظر هادي حوله وهو يتساءل هل قام بالشيء الصحيح أم هل فرط في وصية والده وعمه؟ هو سأل جيداً وعلم كل شيء عن فرانسو، ومن حديثه وطريقة تصرفاته علم جيداً أنه الوحيد الذي يصلح لبثينة، لكنه بداخله ورغم كل ذلك لا يستطيع أن يمنع قلقه على ابنة عمه التي كانت بمثابة أخت له طوال فترة حياته. مسح وجهه وهو ينهض بتعب شديد، لا يود ترك نفسه للأفكار، سيذهب اليوم للمبيت عند زكريا و…
قاطع أفكاره صوت طرق على باب المنزل ليتجه صوبه سريعاً وهو يعلم جيداً صاحب تلك الطرقات، وقد صدق حدسه بالفعل وهو يجد رشدي يقف أمام الباب وجواره زكريا، وهما يبتسمان له ويردد زكريا. "عرفنا إنك هتبات ليلتك وحيد انهاردة فقولنا نيجي نونسك." ابتسم هادي وهو يبعد عن الباب ليفسح لهما المجال للدخول. "يا راجل؟ تصدق تأثرت وقربت أصدقكم." ضحك رشدي وهو يغلق الباب خلفه غامزاً له مشيراً للحاسوب الخاص به الذي يحمله.
"طب متصدقش أوي، لأننا أساساً جايين عشان حاجة تانية خالص." ابتسم هادي بسخرية وهو يتحرك صوب المطبخ محضراً بعض من المشروبات التي ابتاعها اليوم لعقد قران بثينة. "من غير ما تقول باين على وشكم. ها اتحفوني، أي مصيبة ألقت بكم؟ ابتسم رشدي وهو ينظر لزكريا ثم تحدث بخبث. "مصطفى…" *** "أنا مش فاهمة إيه لازمته القميص ده؟
نظرت ماسة لفاطمة بملامح منكمشة غيظاً مما حدث صباحاً مع رشدي، فهي لم تنسى ما فعله وكيف كسر قلبها. حتى أنها لم تدعه يلمحها من وقتها، فعندما عادت من عنده صباحاً جمعت بعض الثياب لها وجاءت لفاطمة هنا وجلست معها، ثم جلست مع والدتها أثناء حضور فاطمة لعقد قران تلك العقربة بثينة، وقد رفضت أن تدع رشدي يرى وجهها، وتعلم جيداً أنه لم يعد للمنزل حتى الآن، فهو عاد من العمل على عقد القران ولم يكتشف اختفاءها حتى الآن.
"يا ماسة يا حبيبتي، ما هو أنتِ متعصيش كلامه وبعدين تيجي تطبي عليه في شغله بدون أي إنذار وفي لحظات هو ليه متعصب فيها، وعايزاه يسامحك عادي؟ ده أنتِ اللي قولتي بلسانك إن عصبية رشدي صعبة ومش بيهدى بسرعة." نظرت لها ماسة بغيظ شديد، ثم همست. "أيوه بس هو مسألش عليا من الصبح ولا حتى قال يعدي يشوف حصلي إيه؟ صمتت قليلاً ثم أضافت بتفكير. "تفتكري يكون بيخوني؟ "يخونك؟ بثينة حبيبتي أنتِ بتخرفي؟ هو هيخونك إمتى وإزاي؟
هو ملاحق على مصايبك عشان يكون عنده رفاهية الخيانة؟ زفرت بثينة بحنق شديد، ثم ألقت نفسها على الفراش تنظر للسقف وهي تردد بحنين. "وحشني أوي يا فاطمة، وحشني أوي. تعرفي إنه بقاله كتير ما أخْدنيش في حضنه وطبطب عليا وقالي ماستي زي ما كان دايماً يعمل؟ سقطت دموع ماسة بحزن وهي تقول. "حاسة إنه بدأ ينساني أنا. أنا عايزة أباطة اللي حبيته يرجعلي تاني يا فاطمة، أنتِ مشوفتيش الصبح كان عامل إزاي؟
ده كأنه اتحول تماماً، كان بيزعق فيا جامد، خوفت منه ولأول مرة أخاف منه يا فاطمة." سقطت دموعها أكثر لتصبح تلك المرة الأولى التي تراها فاطمة باكية وهي تقول بوجع شديد من بين شهقاتها. "أنا بس مش طالبة أكثر من خمس ثواني يا فاطمة. خمس ثواني يضمني ويقولي إنه لسه بيحبني، يطمن قلبي إنه لسه معايا وليا زي ما كان دايماً، وبعدها يمشي ويغيب زي ما يحب، بس خمس ثواني مش كتير يا فاطمة."
ضمتها فاطمة وهي تربت على ظهرها بحزن، تدرك تلك اللحظة التي تمر بها ماسة، ومن يعلم عنها أفضل منها، وهي أكثر من مرت بتلك الحالة، لكن وقتها لم يكن هناك من يضمها. ربتت فاطمة على شعر ماسة بحنان. "اهدي بس يا ماسة وصلي على النبي كده. أنتِ أكتر واحدة عارفة رشدي، فمتزعليش دلوقتي يتصل بيكِ ويراضيكِ. أنا متأكدة." *** "عمل إيه زفت الطين ده كمان؟
هكذا تحدث هادي بحنق شديد بعدما استمع لاسم ذلك الملعون مصطفى، ليكمل رشدي حديثه وهو يلقي أمامهم بهاتف لينظر الاثنان لبعضهما البعض بتعجب. حتى بادر هادي بالتساءل. "إيه؟ هو هددك إنت كمان بصور؟ ابتسم رشدي بسخرية ثم أشار للهاتف قائلاً. "ده تليفون مصطفى اللي لقيت عليه كل البلاوي واللي ممكن توديه في داهية بدون حتى ما نظهر في الحوار، بس……" نظر له الاثنان بقلق شديد في انتظار باقي حديثه، ليطول صمت رشدي حتى فقد زكريا صبره.
"بس إيه؟ انطق يا رشدي." "بس كل ده بقى بح." تحدث هادي بعدم فهم. "بح إزاي لا مؤاخذة؟ زفر رشدي بتعب ثم عاد بظهره على الأريكة وهو يشرح لهما ما حدث. "مصطفى مش أهبل أبداً ولا مجرد عيل بيتسلى، لا ده ذكي جداً ودماغه عالية، عشان كده أول ما عرف إن فونه اختفى ودور عليه ملقهوش بدأ ياخد احتياطاته." "يعني إيه؟ هو التليفون مش معاك يعني؟ نظر رشدي لزكريا وهو يهز رأسه بالإيجاب. ثم وضح أكثر ما يقصده. "معايا بس للأسف مش فيه حاجة أبدا."
لم يفهم أياً من الاثنين حديث رشدي الذي أكمل وهو يحمل الهاتف يفتحه. "مصطفى أول ما عرف إن فونه ضاع وعليه بلاوي، قام جاب فون جديد وسحب عليه كل البيانات اللي هنا وقفل حسابات الفون ده اللي عليها الصور." فتح هادي عينه بصدمة وهو يهمس. "وده عادي؟ هز رشدي رأسه، ثم فتح الحاسوب الخاص به وأخذ ينقر على بعض الأزرار وهو يقول.
"ممكن لو كان رابط كل الحسابات بإيميل خاص بيه أو رقم، يقدر يروح لشركة الاتصالات ويثبت ملكيته للرقم ده والشركة وقتها تقدر ترجع ليه الرقم في خط تاني، ووقتها يرجع كل حساباته اللي مرتبطة بالرقم ده ويعمل خروج من أي جهاز تاني مفتوح فيه الحسابات دي، وبكده سحب كل المعلومات عنده وسابنا إحنا نزمر بالتليفون." أنهى رشدي حديثه وقد تعلقت عينه بالحاسوب أمامه، ليسمع صوت زكريا الغاضب وهو يصرخ به. "يعني كده خلاص؟ مش هتعرف نعمل حاجة؟
نظر له رشدي ببسمة خبيثة، ثم أدار الحاسوب صوبه هو وهادي، وقال وهو يشير للشاشة. "لا لسه اللعبة في البداية." نظر كلا من هادي وزكريا للشاشة أمامها بعدم فهم، ليفتح رشدي فمه بنية شرح ما يقصده لولا صوت رنين هاتف زكريا الذي قاطع تلك الأجواء، ولم يكن سوى اتصالاً من فاطمة. نظر زكريا لرفيقيه واعتذر منهما قليلاً، ثم نهض ليجيب على فاطمة. "الو يا فاطمة، خير ياقلبي، فيه حاجة؟ "……" "رشدي؟ أه هو معايا، فيه حاجة ولا إيه؟ "……"
"هي بخير طيب؟ "……" "طيب فهمت خلاص يا فاطمة، هشوفه كده، سلام عليكم." أنهى زكريا الاتصال، ثم عاد لرشدي وهادي ليبادر رشدي سريعاً وهو ينهض حاملاً حاسوبه. "تعالوا معايا وأنا هفهمكم كل اللي أقدر……" توقف رشدي عن الحديث وهو ينظر لزكريا الذي أخذه من أمام هادي واتجه صوب باب منزل هادي ونزع الحاسوب من يده، ثم دفعه للخارج وأغلق الباب في وجهه متحدثاً بحدة وحزم.
"مش هنعمل حاجة غير لما تشوف مراتك يا رشدي. روح شوفها، هي عند فاطمة عشان بتقول إنها تعبانة." ورغم صدمة رشدي لما فعله زكريا، إلا أن كل ذلك انمحى من رأسه عند نطقه لكلمة مريضة. هل ماسة مريضة؟ هو لم يتصل بها منذ ما حدث بينهما صباحاً. تحرك رشدي سريعاً صوب باب الشقة الخاص بفاطمة، ثم طرقه بسرعة وعنف وقلبه يقرع برعب شديد، حتى وجد الباب يفتح وتظهر له قريبة فاطمة، تلك الفتاة المراهقة تقف أمامه ليتحدث برعب.
"نادي فاطمة لو سمحتِ." *** "بثينة…. بثينة فوقي خلاص وصلنا." لم تهتم بثينة لتلك الأصوات المزعجة التي تقتحم نومها بكل وقاحة، لتكمل نومها بارهاق شديد. لكن فجأة شعرت بشخص ينكز كتفها ويحركها بعنف قليلاً، لتفتح عينها بغيظ وانزعاج وهي تنظر جوارها لتجد ذلك الشاب الذي يدعى فرانسو يضمها وهو ينظر لها نظرات لم تهتم لها كثيراً، حتى سمعت صوته وهو يقول لها بعبث بلكنته الفرنسية التي سلبت إحدى دقات قلب بثينة.
"لا أمانع أن أظل محتضنك هكذا لنهاية العمر، لكن الطائرة على وشك الهبوط جميلتي، لذا أيقظتك." لم تفهم بثينة شيء من حديثه، لكنها فجأة انتفضت بعيداً عنه وهي تنتبه لحالتها، قد تذكرت فجأة كل ما حدث معها وزواجها السريع من ذلك الرجل الذي يجاورها. انتفضت في مقعدها وهي ترى اقتراب فرانسو منها ليبتسم هو لها مردداً بهمس. "متخافيش، مش باكل بني آدمين، أنا بس هقفل لك الحزام عشان الهبوط."
أنهى فرانسو ما يفعل ليبتعد قليلاً عنها، ثم ربط حزام الأمان الخاص به. وبعد هبوط الطائرة، أمسك بيد بثينة بكل تملك وهو يتحرك بها خارج المطار، ثم صعد بها لإحدى سيارات الأجرة وتوجه بها لبناية عالية جداً تقع في شارع راقٍ ومنطقة جميلة جداً لم تكن تراها سوى في التلفاز. هبط فرانسو من السيارة، ثم سحبها خلفه وهو يصعد للبناية، وهي تسير خلفه تشعر بضربات قلبها تكاد تكسر صدرها من قوتها.
ابتسم فرانسو وهو يلمح خوفها ورعبها ويدرس جميع حركاتها. سحبها ودخل بها للمصعد، لتلصق بجدار المصعد برعب، ولم يكد الباب يقفل حتى وجدوا قدماً تمتد سريعاً لتمنع الباب من الانغلاق. أمالت بثينة رأسها وهي تنظر لتلك القدم التي كانت تلمع بشدة أسفل إضاءة المصعد القوية، ليظهر بعدها سيدة ترتدي ثياباً أنيقة وتضع عطراً جعلها تفتن بها، وهي المرأة، إذا ماذا عن زوجها؟
عند تلك الخاطرة، نظرت لفرانسو بسرعة كبيرة، ولا تعلم لماذا، لكن عندما رأته ينظر في هاتفه بعدم اهتمام، شعرت براحة كبيرة لتتنفس الصعداء. لكن ما كادت تخرج تلك الزفرة المتاحة حتى سمعت صوت تلك المرأة يصدح بنبرة ساحرة. "لا أصدق عينيّ! فرانسو، متى عدت؟ ابتسمت بثينة وهي تنظر لفرانسو، ثم همست بنبرة مخيفة. "كان عندك حق لما قلت إنها هتكون حرب، وادي أول دبابة ظهرت في الساحة." ***
كان ينام بعمق وهو لا يشعر بشيء حوله، غارقاً في أحلامه التي تجمعه بجميلته البريئة، ليتلاشى كل ذلك بسبب صوت رنين هاتفه الذي أخرجه من أحلامه الوردية. فتح زكريا عينه بحنق وهو يجيب على هاتفه بصوت ناعس. "السلام عليكم." "زكريا، إنت لسه نايم ومروحتش المدرسة؟ نهض زكريا بفزع وهو ينظر للساعة بيده، ثم دفع هادي الذي ينام بشكل فوضوي جواره ليسقط هادي أرضاً دون أن يهتم زكريا. ونهض سريعاً يركض في أرجاء الغرفة.
"راحت عليا نومة يا فاطمة. مش عارف إزاي، دي أول مرة تحصل و…" توقف زكريا عن الحديث فجأة وهو يقف في مكانه، ثم تساءل بنبرة متعجبة. "هو مش انهاردة الجمعة برضو؟ أجابته فاطمة عبر الهاتف بالإيجاب. "أيوه صحيح، انهاردة الجمعة." عض زكريا شفتيه بغيظ شديد وهو يكاد يقتحم الهاتف ويخنقها. "ولما هو الجمعة، إيه مناسبة السؤال اللي في الأول ده؟ تحدثت فاطمة بحنق شديد تتذكر حديثه لها بالأمس ووعده.
"مش إنت قلت إنك هتحقق في موضوع الجواب لما ترجع المدرسة، وإنك تقريباً شاكك في واحدة؟ زفر زكريا بيأس وقد فهم سبب اتصالاها هذا، يا الله، هي لن تنسى أبداً ذلك الأمر حتى يحضر لها رقبة الفتاة. "يا حبيبتي، كان قصدي يوم الأحد باذن الله، هروح وأشوف الموضوع وأنا أساساً لسه مش متأكد من الحوار ده و……"
توقف زكريا عن الحديث ليجد نفسه قد دهس هادي بالخطأ، ليعلو صوت صراخ هادي في الغرفة وهو يضع يده على بطنه ضارباً الأرض بيده الثانية، ساباً زكريا بكل ما يعلم من سباب. "زكريا، إنت لو ما عرفتش مين البنت دي وقولتلي عليها، أنا هاجي أجيب بنات المدرسة بنت بنت من شعرها." صدحت ضحكات زكريا العالية في المكان دون اهتمام بحالة هادي، ثم عبر عليه مجدداً متجهاً للخارج، تاركاً هادي خلفه يسبه ويلعنه بوجع.
أكمل زكريا ضحكاته وهو يخرج من الغرفة، ثم تحدث غافلاً عن تلك التي تكاد تسقط صريعة من صدى ضحكاته وتأثيرها على قلبها المسكين. "آه يا أميرتي، ما أسعد صباحي لسماعي صوتك، وما أسعده لشعوري بغيرتك." جاءه صوت هادي من الداخل. "آه يا واطــــي يا زبــــــالة." كاد زكريا يجيب هادي، لكن قاطعه ذلك صوت فاطمة الذي صدح في الهاتف.
"أيوه ابدأ بقى وصلة الشعر بتاعتك عشان تثبتني، وأنا هبلة وبتثبت بسرعة وأنسى، بس لا يا شيخ، أنا لازم أعرف مين البنت اللي عينها منك." تنهد زكريا وهو يهز رأسه بيأس. "حاضر يا فاطمة، حاضر، ممكن بقى أروح أتوضى وأصلي وأبدأ يومي وهبقى أعدي عليكِ و……" "زكريا…." صمت زكريا يستمع لصوت فاطمة. "عيوني." تنهدت فاطمة وهي تشعر أنها أثقلت عليه كثيراً بسبب حديثها ذلك، أو أنه ربما حزن من حديثها.
"أوعى تزعل مني، أنا بس والله مش قادرة أتخيل إن فيه واحدة ممكن تفكر فيك." ابتسم زكريا وهو يجلس على أحد المقاعد في البهو، ثم همس لها بحب. "أنا أجد السعة فيك، وسط ضيق يومي." صمت يبتسم وهو يستمع لتسارع أنفاسها. "لذا لا تظني بأن حديثك معي صباحاً قد يزعجني، بل هذا من دواعي سرور قلبي سيدتي، حتى وإن كان حديثك هذا صراخاً، فلا بأس، ارمي على قلبي ثقلك يتقبله مرحباً به." "زكريا…" "نعم…" "تعرف إنك بقيت أغلى حد في حياتي؟
"تعرفِ إنك بقيتي أغلى من حياتي؟ ضحكت فاطمة ضحكة خافتة، ثم قالت وهي تتنهد بعشق تشكر الله لقلبها على هكذا شخص أصبح لها حياة. "محدش يقدر يغلبك في الكلام." ابتسم زكريا مجيباً إياها. "بالعكس، كلمة منك قادرة تغلبني يا فاطمة، أنتِ بس استمري في بسمتك دي وأنتِ هتهزميني شر هزيمة." *** استيقظت ماسة بانزعاج شديد بسبب تلك الأشعة التي اقتحمت نومتها، لتفتح عينها بحنق شديد تحاول شد المفرش على وجهها، مرددة بتذمر.
"فاطمة، اقفلي الشباك، مش عارفة أنام." "فاطمة مين يا سنيورة، فوقي كده وقومي يا ختي." فزعت ماسة من ذلك الصوت لتنتفض من الفراش وهي تنظر حولها بعدم فهم، فهي غفت البارحة في غرفة فاطمة وفي أحضانها، إذا ما الذي أحضرها لهنا؟ "إيه اللي جابني هنا؟ ***
سار الاثنان في الممر خلف رشدي، لا أحد يفهم شيئاً ولا ما قصده رشدي في حديثه عندما أخبرهم أنه علم طريقاً للإيقاع بمصطفى. نظر هادي لزكريا يسأله بعينه عما إذا كان يعلم سبب وجودهم في هذا المكان، لكن زكريا هز رأسه بعدم فهم لما يحدث وهو يتحدث بهدوء. "خلينا نشوف آخرة رشدي إيه؟ "كل خير يا حبيبي، كل خير."
هكذا تحدث رشدي وهو يتوقف أمام أحد المكاتب بخبث، ثم نظر للعسكري وأخرج بطاقته الشخصية مخبراً إياه أن يبلغ رئيسه أنه يود مقابلته، ليغيب العسكري ثوانٍ ثم يعود لهم مجدداً سامحاً لهم بالدخول. تحرك رشدي للداخل يتبعه كلا من هادي وزكريا بهدوء شديد في انتظار ما سيحدث. دخل الثلاثة لينهض هو من مكتبه وهو يبتسم بسمة هادئة مشيراً بيده للمقاعد. "رشدي باشا، اتفضل."
جلس رشدي وايضاً رفيقيه، ثم نظر له وهو يبتسم له بسمة. وقبل أن يتحدث قاطعه جمال وهو يتحدث بنظرة محتارة قليلاً يحاول تخمين سبب وجود رشدي هنا. "خير يا رشدي باشا، فيه حد يخصك تاني هنا؟ لم يفهم زكريا الأمر، عكس هادي الذي فهم حديث جمال، فهو من جاءوا له يوم سجن ماسة ومن ساعدهم لإخراجها. ارتسمت بسمة ساخرة على شفتي رشدي وهو يتحدث بنبرة تنبأ بعاصفة هوجاء خلفها. "تؤ تؤ، المرة دي جايين عشان حد يخصك يا جمال باشا."
نظر جمال للثلاثة بتعجب، ثم تحدث بهدوء يحاول تكذيب ذلك الهاجس الذي تلبسه، وقد بدأ شكه في أخيه بشأن ماسة يزداد في تلك اللحظة. هز رشدي رأسه مجيباً إياه بكلمات كانت بمثابة جحيم وفُتح لمصطفى. "مصطفى أخوك…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!