الفصل 27 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
29
كلمة
5,035
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

صمت هو كل ما قابلها من الجهة الأخرى حتى كادت تظن أنه أغلق المكالمة، لكن اسمه الذي ينير الشاشة أمام أعينها هو ما أكد لها أنه مازال موجوداً. فتحت فمها لتتحدث، لكن أي حديث هذا يمكن أن تقوله بعد كلمتها الغبية تلك، لذا أغلقت فمها مجدداً وكأنها سمكة تحاول التنفس خارج الماء. وبعد صمت طويل بعض الشيء وصلها صوته الذي كان أبعد ما يكون عن المزاح: "بتتكلمي جد؟ فاطمة حد عملك حاجة أو فيه حاجة حصلت؟

وكم آلمها خوفه عليها في حين أنها الآن تمزح معه في أمر كهذا، والذي كان من الممكن أن يكون مجرد مزاح عادي بين أي زوجين، لكن ليس هما، فهما في حالة مختلفة عن الباقيين. أخرجها همسه الحنون من شرودها: "فاطمة حبيبتي أنتِ كويسة صح؟ يعني مفيش حاجة حصلت ليكِ" وكان هذا أكثر ما يقلقه أن تكون تعرضت لشيء في غيابه مما دفع تفكيرها لهذه النقطة كما حدث منذ قليل. يالله ماذا يفعل؟

هل يحضرها ويحبسها في منزله ولا يسمح لأي إنسان برؤيتها حتى لا تتأذى؟ كلما تركها، تعرضت لشيء محزن وهذا ما يؤلمه بشدة، وهذا الصوت الغبي في رأسه يدفعه للالتصاق بها. تنهد زكريا بوجع وهو يستمع للصمت على الجهة الأخرى قائلاً لينتهي هذا الأمر: "فاطمة حبيبتي هقول كلمتين ومش هكررهم تاني ماشي؟ انتظر اجابتها والتي كانت عبارة عن همسة صغيرة: "ماشي"

"كلمة انفصال أو طلاق أو أننا نسيب بعض دي تمحيها من حياتك لأن ده هيحصل في حالة واحدة بس وهي إني أموت تمام؟ "بعد الشر عليك يا زكريا اوعى تقول كده بالله عليك والله انا اللي هموت لو حصلك حاجة" كانت تتحدث وهي تبكي تتخيل تلك الفكرة المرعبة وبشدة. حياتها بدون زكريا. يالله حتى مجرد التخيل مفزع. كانت شيماء تبكي بتأثر مما تراه وتسمعه أمامها حتى وجدت منديلاً ورقياً يظهر أمام عينها لتأخذه من يد ماسة وهي تمسح

به عينها وتسمع همس ماسة: "اسمعي يا ختي اسمعي.. ده احنا متجوزين عربجية" تحدثت بخفوت شديد وهمس: "لا محصلش حاجة يا زكريا هو بس كنت مخنوقة و…." صمتت لا تعلم ماذا تقول لذا تحدثت سريعاً وهي تنهي المكالمة قبل أن يفلت الحديث منها وتخبره عن تلك اللعبة الغبية: "بص خلاص انسى كل اللي قولته ماشي؟ هكلمك بعدين سلام يا زكريا" أنهت كلمتها وهي تغلق المكالمة بسرعة تتنفس الصعداء محاولة إبعاد تفكيرها عما حدث.

رفعت بعدها نظرها للفتاتين ثم انقضت عليهما بغل كبير وهي تصرخ بهما: "كنت هطلق بسببكم يا شوية بقر" *** عاد زكريا وجلس جوارهم ليسمع جمال وهو يتحدث: "لا بإذن الله بكرة هيوصلكم اتصال مني أول ما الزفت جيمي ده يوصل" صمت قليلاً ليستمع لسؤال زكريا الذي كان استقر جوار هادي: "طب بعد ما نجيبه الشقة عندك هنعمل ايه؟ انت عارف إن إحنا مش معانا أي دليل يثبت اللي حصل وممكن نـ….." قاطعه جمال وهو يشير بيده مطمئناً إياهم:

"بس أنا زي ما قولت لمصطفى أنا عندي دليل يثبت اللي عملوه ومش بس كده دليل على كل البلاوي اللي عملوها" انتبه له الجميع جيداً ليكمل هو حديثه بتركيز: "الكومبيوتر بتاع مصطفى فتحته ولقيت فيه فولدر باسم جمال بس للأسف مقفول بكلمة سر ولسه بحاول افتحه وأنا متأكد أن ممكن يكون عليه دليل" أنهى حديثه وهو ينظر لزكريا الذي انسحبت الدماء من وجهه تاركة إياه شاحباً وهو يفكر أن هذا الحقير ربما سجل ما فعل؟

يالله ليس هذا هو، تحمل كل شيء إلا أن يرى هذا بعينيه. أفاق من شروده على صوت رشدي: "وايه اللي خلاك متأكد أوي كده ما يمكن حاجة عادية بس خاصة بيهم بعيداً عن القرف اللي هو بيعمله؟ هز جمال رأسه بعدم معرفة وهو يجيبه: "أنا مش عارف بس شبه متأكد من الحوار ده وأتمنى يكون صح ولو مش صح هقدر أجيب اعتراف منهم لأن الغرفة اللي هما فيها مليانة كاميرات ومسجلات صوت وهقدر تخليهم يعتـ…"

قاطع حديثهم صوت رنين هاتف يصدح في الغرفة كلها لينظر رشدي بتعجب له ثم نهض وهو يستأذنهم للرد على الهاتف سريعاً ثم يعود لهم. توقف رشدي خارج الغرفة وهو يفتح المكالمة متحدثاً بنزق شديد وهو لم ينسى بعد ما قامت به: "أفندم؟ تحدث رشدي وهو يراقب بعينه والده الذي كان يتراقص في الصالون كراقصين الباليه، لكنه لم يهتم كثيراً وهو يستمع لصوت ماسة الذي أتاه عبر الأسلاك: "فيه إيه يا رشدي إيه الأسلوب ده؟ أبعد رشدي عينه من

على والده بملل وهو يجيبها: "والله ده أقل واجب مع حضرتك" *على الجهة الأخرى* انتفضت ماسة بعدما كانت تتسطح على الفراش بكسل وهي تتخصر كأنه يراها: "نعم نعم يا أستاذ أباظة؟ وضح كلامك كده وبلاش لف ودوران" أطلق رشدي ضحكة ساخرة وهو يشير بعينه لوالده أن ينتبه للطاولة حتى لا يكسرها في غمرته أثناء الرقص ثم أجاب: "عايزة إيه يا ماسة عشان حالياً مش فايق الصراحة" "عايزاك تطلقني يا أباظة"

وفجأة صدح صوت زغرودة من الهاتف جعلت الفتيات ينظرن لبعضهن البعض بتعجب شديد لتتحدث ماسة بعدم فهم: "إيه صوت الزغاريد دي يا أباظة هو فيه حد بيتجوز عندك ولا إيه؟ تحدث رشدي ببسمة واسعة ونبرة يعلم جيداً أنها ستستفزها ولكن هي من استحقت ذلك بعد كل ما فعلته به وبمن معه: "لا يا ختي عقبال عندك أخدت إعفاء" "إعفاء؟ هو مش إنت خلصت جيش من زمان؟ ضحك رشدي بشدة عليها ثم قال بعدما هدأ من ضحكاته:

"لا وأنتِ الصادقة خدت إعفاء من بلاء أنا اللي جبته لنفسي" ابتلعت ماسة ريقها بخوف من نبرته تلك: " قصدك إيه يا أباظة؟ ابتسم رشدي ثم ردد بنبرة خبيثة: "قصدي هقولهولك بنفسي لما تيجي يا ماستي وجهاً لوجه يا روحي لأن مينفعش يتقال أبداً على التليفون" "قلة أدب صح؟ ضحك رشدي بعنف على حديثها وهو يهز رأسه بيأس منها ومن تفكيرها: "اممم حاجة شبه كده ودلوقتي سلام عشان مشغول"

أنهى حديثه وهو يغلق الهاتف مبتسماً كالغبي ينعي نفسه على هذا الزواج الذي لن يسبب له سوا المرض حقاً. دخل رشدي للغرفة ليجد الجميع ينظر له بعدم فهم. "الزغرودة اللي…." صمت جمال عن إكمال كلماته بسبب ضحكات رشدي وهو يتحدث بلا اهتمام: "لا ده أنا كنت بزغرد لأبويا برة أصله أبدع النهاردة المهم كنا فين؟

لم يكد أحد يفتح فمه حتى ارتفع رنين هاتف هادي لينظر له بابتسامة واسعة ولم يكد يتحدث وهو ينهض حتى امسك رشدي يده يجذبه ليجلس مجدداً مردداً له وهو يشير برأسه للهاتف: "رد عليها وافتح الاسبيكر" رفع هادي حاجبه بتعجب: "نعم؟ "رد بس عليها عشان فيه حاجة كده في دماغي" فتح هادي المكالمة بحنق شديد وهو يرمي رشدي بنظرات سامة ثم فتح بعدها المكبر ليصدح صوت شيماء وهي تلقي على مسامعه نفس الجملة التي سبق وسمعها كلا من زكريا ورشدي:

"هادي طلقني……." *** "وبس يا ستي هي دي حكايتي كلها بس بيني وبينك أنا أساساً من صغري كنت طفل أهبل شوية عشان كده بـ….." توقف فرانسو عن الحديث وهو يرى بثينة جانبه قد غطت في نوم عميق أو هذا ما تدعيه هي بمهارة، لكن ليست عليه، فحركة أجفانها أنبئته جيداً بكذبتها، لذا ابتسم بخبث وهو يقترب منها أكثر هامساً بنبرة هزت كيانها كله: "آه لو تعلمين مقدار الخراب الذي تحدثيه بقلبي يا مليحة"

ورغم عدم فهمها لما قال منذ قليل، فهو تحدث بالفرنسية إلا أنها انقلبت للجانب الآخر مدعية أنها مازالت نائمة حتى لا يشعر بما فعله بها، وهي لأول مرة في حياتها تتعرض لمثل تلك المواقف منه ومثل تلك الأحاديث التي تخوضها معه. أشياء جديدة كلياً على حياتها تخشى أن تنهزم أمامها بسهولة وتسلم له رايتها.

ابتسم فرانسو على كل تلك الصراعات التي تطغى على ملامحها ليبتعد عنها قليلاً بعدما طبع قبلة خفيفة على خدها مربتاً على رأسها بحنان شديد ثم سحب الغطاء عليهم جيداً ونام جوارها لتمر دقائق من الصمت وانتظمت انفاسهما دلالة على سقوط الاثنين في النوم، لكن قاطع كل هذا صوتها الذي صدح في الغرفة بسؤال لطالما أرق مضجعها: "فرانسو" "اممممممم"

اعتدلت بثينة في نومتها لتقابل وجهه بعدما فتح عينه ينتظر ذلك الشيء الذي جعلها تتخلى فجأة عن ادعائها. "مش انت دكتور نفسي؟ هز فرانسو رأسه ببطء ينظر لها جيداً يحاول أن يستشف منها ما تريده لتكمل هي بنبرة أصابته في مقتل: "طب هو أنا مريضة نفسية؟ يعني انت عارف كل حاجة عني تقريباً فهل كده أنا مريضة؟

نظر لها فرانسو بتفاجئ من سؤالها لا يدري بما يجيبها حقاً، لكن هذا لا يمنع سعادته الشديدة بها فهي بإدراكها لوضعها قد خطت أول خطوات علاجها. "آه يا بثينة" "يعني أنا مجنونة؟ "وهو الشخص اللي محتاج علاج نفسي يبقى مجنون" سقطت دموع بثينة بعنف وهي تخبره: "أنا مش عايزة أبقى مجنونة يا فرانسو ومش عايزة أبقى كده" تحدثت بتشتت وهي تشير لنفسها:

"مش عايزة أبقى كده… كده أنا.. أنا مش عارفة أنا فيا إيه بس.. بس أنا مش مستريحة مش عارفة أعيش طبيعي وأبقى…" صمتت قليلاً وهي تذرف المزيد من الدموع ثم تساءلت بنبرة مقهورة: "انت فاهمني صح؟ هز فرانسو رأسه وهو يراقب صراعها ذلك يدرك جيداً أن هذا بداية انهيار كبير. انهيار سيكسر قشرتها التي جاهدت دائماً لبنائها. "فاهمك يا بثينة فاهمك يا قلبي… تحبي تتكلمي معايا ندردش سوا بعيداً عن جو الدكتور والمريض؟

كان رجاء أكثر منه سؤال لتسارع هي بهز رأسها وهي تنهض وتجلس على الفراش مشيرة له بيدها: "أنا…. أنا مش عارفة فيه إيه بس أنا.. أنا بضايق لما أشوف حد سعيد وأنا لا و..وكمان مش بحب حد ياخد حاجة أنا اتحرمت منها أنا… أنا وحشة أوي وأنا عارفة كده كويس بس مش بقدر أسيطر على تفكيري مش بقدر ااااا" توقفت عن الحديث وهي تدفن وجهها في يدها منفجرة في البكاء:

"أنا.. أنا الشريرة في كل القصص يا فرانسو… عمري ما كنت في مرة البطلة… طول عمري ببقى الشريرة و… وأنا مش سعيدة لمدة ومش عايزة أبقى كده أنا بس… تعرف أني طول عمري كنت بتعاطف مع الأشرار في الأفلام بحس إنهم كانوا يستحقوا فرصة البطل.. يعني ليه ميبقوش هما أبطال… أصل لو هما أخدوا نفس الفرص اللي أخدها الأبطال مش كان ممكن يكونوا أبطال؟

كانت تتحدث عدة أحاديث غير مرتبة ولا مرتبطة ببعضها فقط تخرج كل ما بداخلها تحاول إفراغ كل ما بعقلها دفعة واحدة دون أن تصيغ حديثها بشكل منظم. ابتسم فرانسو وهو يتحدث بهدوء شديد لها: "تعرفي إن أنا كمان بفكر كده؟ نظرت له بتعجب من بين دموعها ليكمل هو ببسمة: "دايماً بفكر يا ترى لو الشرير ده كان في ظروف تانية مع ناس تانية كان هيبقى برضو شرير؟ ولا هيكون كويس ويصنع قصته الخاصة ويكون هو بطلها؟

نظرت له قليلاً لا تفهم مقصده ليتحدث هو بعملية شديد حاول صبغها بالحنان: "لو أنتِ كنتِ في ظروف تانية ومع ناس تانية هل كان ممكن تعملي كل اللي عملتيه ده؟ أو لو مثلاً كان والدك عايش أو ليكِ أخ يعرف يوجهك كويس كان ممكن تعملي كل اللي عمليتيه ده؟ "أنا… ممكن يعني… مش عارفة… مش عارفة"

ابتسم فرانسو وقد أدرك جيداً ما تعاني منه زوجته وعلم كيف يعالجها من ذلك الذي تعاني منه، فهو في حياته قابل العديد من المجرمين الذين عانوا من نفس ما تعاني منه، لكن في حالتهم هم تطور الأمر أكثر وأكثر حتى وصل لارتكابهم جرائم بشعة وهذا ما كانت بثينة بصدد فعله إن لم تعالج وفي أسرع وقت. "تحبي أساعدك؟ نساعد بعض ونكتب قصتك وتكوني أنتِ البطلة اللي فيها؟ رفعت بثينة نظرها بعدم فهم له وهي تتساءل: "هو ينفع؟

ابتسم لها فرانسو بسمة واسعة أكثر وهو يسحبها مقرباً إياها منه ثم تسطح وهو ما زال يضمها أكثر يجيبها بحنان: "اممم ينفع أوي ومن بكرة هنبدأ الفصل الأول في حكاية من بطولة بثينة وفرانسو…." *** "نعم؟ كانت كلمة واحدة أجاب بها هادي على طلب شيماء الغبي لترتعد شيماء من الجهة الأخرى. "بقولك عايزة أطلق" "تمام يا فندم أي حاجة تانية؟ يعني طحينة زيادة أو كاتشب؟ نظرت ماسة للهاتف بحنق شديد وهي تعلم أنه يسخر هامسة:

"مش قولتلك متجوزين عربجية؟ اهو قلب أبو عمار السوري اهو" نظرت شيماء للهاتف بحنق تكره سخرية هادي منها: "هادي إنت بتتريق؟ وصلتها ضحكته عبر الأسلاك لتبتسم بغباء شديد جعل ماسة تضرب كف بكف: "متخلفة والله العظيم متخلفة وهتبوظ اللعبة" صدح صوت هادي مجدداً وهو يتحدث بنبرة عادية: "شيماء يا حبيبتي…" "نعم؟ "نعم الله عليكِ يا قلبي.. روحي نامي وأنا الصبح هجبلك شكولاتة ماشي؟ سارعت شيماء بالإجابة بلهفة كبيرة: "وجيلي كولا؟

أنهت حديثها لتتلقى ضربة عنيفة على رقبتها من الخلف من يد ماسة التي عنفتها بغيظ شديد: "بقرة حلوب أقول إيه يعني وأنتِ فيكِ كل العبر؟ نظرت لها شيماء بعدم فهم وهي تقول بألم من الضربة: "إيه فيه إيه.. إيه؟ لم تجب ماسة عليها ليصدح صوت رشدي من الهاتف: "ماشي يا ماسة بقيتي شغالة مأذون وماشية تطلقي في خلق الله؟ بس لما أشوفك عشان حسابك تقل أوي.. وقُولي للهبلة اللي جنبك دي هي كمان حسابها معايا عشان تبقى تسمع العبط ده تاني"

أنهى حديثه وهو يغلق الهاتف بغيظ وأعطاه مجدداً لهادي لتصدح ضحكات جمال في المكان عليهم جميعاً بينما رشدي يتمتم بغيظ وزكريا يبتسم براحة أن ما حدث مجرد مزاح سخيف من ماسة وليس أن فاطمة قد تعرضت لما أحزنها. *** في صباح يوم جديد وبعدما انتهى الشباب من الاتفاق على كل شيء يخص أمر مصطفى وصديقه عاد كل واحد منهما لمنزله.

كان يسير في ممرات المدرسة وهو يحمل حقيبته ينظر كل ثانية لساعة يده حامداً ربه أنه الآن لا يملك أي فصول ليدرسها حتى ينتهي مما أجله كثيراً. توقف أمام أحد الفصول يعدل من هيئته ثم طرق الباب ليسمع صوت زميل له يأذن له بالدخول. أطل زكريا برأسه وهو يبتسم بسمته المعروفة: "معذرة لو عطلت الحصة بس ممكن استأذن حضرتك في أميمة"

نظر له المعلم الواقف وهو يشير له بمعنى لا بأس ليبتسم له زكريا ثم أدار رأسه يبحث عنها بعينه حتى رآها تكاد تسقط أرضاً بملامح باهتة مشيراً لها برأسه أن تلحق به: "أميمة… ورايا على غرفة المعلمين إذا سمحتي"

أنهى حديثه وهو يستدير شاكراً المعلم زميله ثم بعدها رحل بخطوات هادئة صوب غرفة المعلمين والتي لم يكن بها سوى معلمة كبيرة في السن قليلاً وأيضاً معلم آخر وكلا منهما يجلس على مكتبه ينكب على الكتب أسفل يده غير منتبهين له وهو كان شاكراً لهذا في الحقيقة. ثوانٍ ورأى أميمة تتحرك بخطوات بطيئة صوب مقعده وهي ترتعش بشكل جعله يشفق عليها. أشار بيده صوب مقعد خشبي يقبع جوار النافذة: "هاتيه يا أميمة وتعالي اقعد قدامي هنا"

ابتلعت أميمة ريقها برعب شديد ثم تحركت بخطى شعرت أنها تخطوها للجحيم حملت المقعد بأيدي مرتعشة وبعدها وضعته حيث أشار ثم جلست عليه ولم تكد تلتقط أنفاسها حتى عاجلها زكريا بحديثه: "أنتِ اللي حطيتي الظرف في قميصي اليوم إياه صح؟ *** خرجت من غرفتها وهي تتثائب بنعاس شديد لتتفاجئ به يقف جوار باب غرفتها وهو يربع ذراعيه لصدره مبتسماً بسخرية كبيرة: "صباح الخير يا قمر"

فزعت ماسة من وقوفه بهذا الشكل أمام غرفتها لتبتعد للخلف قليلاً وهي تلمح تلك النظرة في عينيه ويده التي تحركت ببطء صوب حزامه: "صباح النور يا رشدي يا حبيبي… خير يعني مروحتش الشغل ليه؟ ابتسم رشدي وقد انتهى من فك حزامه وهو ينزعه مردداً على مسامعها: "لا ما هو أنا بدلت مع زميلي ومسكت شيفت مسائي عشان أقدر أخلص شوية حاجات كده متأجلة…."

ابتلعت ماسة ريقها وهي تنظر حولها تحاول البحث عن أحد تستنجد به، لكن قبل أن تعثر على أحد كان رشدي يدفعها للغرفة التي خرجت منها للتو مجدداً ثم أغلق الباب خلفه ناظراً إليها بغضب جحيمي وهو يلف الحزام على يده بشكل آثار فزعها: "إيه؟ بتعمل إيه؟ والله أصوت والم الناس وأقولهم عايز يمارس عنف أسري عليا" ابتسم رشدي بسخرية ثم اقترب أكثر وهو يهتف: "وماله صرخي يا ماسة تحبي أصرخ معاكِ؟ ارتعبت ماسة أكثر وقد شعرت بجدية الأمر

وهي من ظنته يمزح معها فقط: "انت هتضربني بجد يارشدي؟ ابتسم رشدي وهو يهز رأسه لها بحركة عادية لا مبالية وكأنه لا يهتم لها أو لأي شيء. "على فكرة أنا كنت بهزر بس والله كل ده عشان اتبليت ده أنا بس كنت بنعشك أثناء الحرب عشان لقيتك كده بتنام وأنت بتضربهم فقولت يابت يا ماسة اديله دوش كده يفوقه و……." توقفت عن الحديث بسبب اصطدامها بالفراش خلفها لتبكي برعب شديد وهي تراه يرمقها بنظرة مخيفة:

"خلاص يا رشدي أنا آسفة مش هعمل كده تاني… خلاص" ورغم كل الغضب الذي يعتريه إلا أنه وللمرة التي لا يعلم عددها يضعف أمام رجائها ودموعها بالإضافة أنه لم يكن ينوي ضربها أبداً ولن يفعلها أبداً، فليس هو من يرفع يده على نساء بيته أو أي نساء عامة، هو فقط أراد إخافتها. ورغم لينه إلا أنه تحدث بنبرة حادة بعض الشيء حتى يعلمها ألا تتجاوز حدودها مجدداً:

"اللي حصل يا ماسة لو اتكرر هيكون فيه رد فعل وحش مني وأنتِ عارفة قلبتي… أنتِ مش صغيرة عشان تصرفاتك دي سامعة؟ هزت رأسها بسرعة وهي تمسح دموعها التي تتجدد باستمرار: "سامعة والله سامعة… أنا آسفة يارشدي أوعدك والله ما هعمل أي تصرف غبي زي ده تاني و……" قاطع حديثها صوت رنين هاتف رشدي لينتزعه من ثيابه وينظر به. ثوانٍ وانقلبت ملامحه للسواد ثم أشار لها متحدثاً بعجلة: "تمام يا ماسة كلامنا لسه مخلصش لما أرجع هنكمل…" نظرت ماسة

لأثره بحنق شديد وهي تردد: "كل مرة تقول نفس البوقين دول قبل ما تختفي… مش فاهمة إحنا هنكمل إمتى الكلام ده؟ في محكمة الأسرة؟ *** قبل ذلك بساعة تقريباً استيقظ من نومه الذي سقط به دون شعور على صوت جرس المنزل الذي كان يرن بإصرار شديد لينهض وهو يحاول إبعاد النعاس عن عينيه. توجه صوب باب المنزل وهو يتحدث بحنق: "حاضر لحظة جاي" فتح جمال الباب ليتفاجئ أمامه بـ جيمي (جمال رفيق مصطفى) وهو يدخل للشقة بفزع شديد هاتفا:

"إيه يا جمال برن عليك من أول ما وصلت مصر ومش بترد… مصطفى كويس دلوقتي؟ هو حصله إيه؟ ورغم صدمة جمال إلا أنه تدارك نفسه سريعاً وهو يسحب جيمي كاتماً فمه بسرعة وكأنه يخفي سراً: "اشششش وطي صوتك أمي واخدة العلاج ونايمة وأنا أساساً مش معرفها اللي حصل لمصطفى عشان متتعبش أكتر" رفع جيمي حاجبيه بعدم فهم: "إزاي يعني مش معرفها اللي حصل؟

"أنا قولتلها إن مصطفى في مأمورية واخدته لشقتي الخاصة عشان يتعالج هناك لغاية ما يقوم انت عارف إنها بتتعب بسرعة وممكن تروح فيها" هز جيمي رأسه باقتناع ثم قال سريعاً: "طب فين شقتك دي وأنا أروح ليه؟ ابتسم جمال بخبث شديد ثم أشار على الأريكة التي تتوسط البهو: "اتفضل ارتاح وأنا هلبس وأجي معاك أوريك وبالمرة نطمن سوا على مصطفى……" *** "أنا… أنا يا أستاذ مش أنا والله مش أنا"

كانت تتحدث وهي تبكي بعنف شديد تنفي عنها تلك التهمة التي ألصقها بها زكريا للتو بعدما أخرج الرسالة ووضعها أمام عينها ليشهد بنفسه صدمتها وهي تهز رأسها بهستيريا أنها لم تقم بما يقوله. زفر زكريا وهو ينظر حوله ليتأكد أن لا أحد ينتبه لهم، فهذه سمعة الفتاة في النهاية وهو لن يكون سعيداً عندما تتناقل الأقاويل عن أنها حاولت إغواء المعلم. "طب يا أميمة طالما مش أنتِ اللي عملتي كده يبقى مين؟

أصل يومها محدش لمسني غيرك وأنتِ بس اللي قربت مني لدرجة تسمح أنها تحط الورقة دي في جيب القميص" بكت أميمة وهي تخفي وجهها بين كفيها تندب حظها السيء الذي أوقعها في هذه المصيبة وهي تردد: "مش أنا اللي كتبته والله ولا أساساً كنت أعرف إيه اللي فيه… ده هي اللي خلتني أحطه في جيب حضرتك وقالتلي إنها ورقة فاضية عادي جداً وكان مجرد تحدي مش أكتر" تنفس زكريا وهو يحاول تحليل كلماتها تلك عله يتوصل لمن فعل هذا:

"اتكلمي براحة يا أميمة عشان أفهمك أرجوكِ… مين اللي قالك تعملي كده وتحدي إيه ده اللي بتتكلمي عنه؟ *** "تمام يا فندم… كده أنا محتاج أكتر من شاهد عيان ممكن يشهدوا قدام المحامي إنك أم تصلحي لحضانة الطفل عشان نقدر نـ……" توقف هادي عن التحدث بسبب ذلك الذي اقتحم مكتبه بعنف شديد وهو يصرخ بجنون: "هادي يا كداب فين الشكولاتة اللي……"

توقفت شيماء عن الحديث وهي تنتبه لنظرات هادي المصدومة مما فعلت للتو ونظرات السيدة المتعجبة مما تقول. "أنا آسفة مكنتش أعرف إن فيه حد هنا" ابتلعت ريقها وهي تشير لأريكة تقبع في أحد أركان الغرفة مرددة: "كملوا زي ما كنتم أنا هقعد أنا…" أنهت حديثها وهي تركض صوب الأريكة تاركة هادي يناظرها بحنان يحاول كتم بسمته ليرسم هيئة عملية ويكمل الحديث مع السيدة التي تنظر لشيماء بتعجب جاذباً انتباهها. "تمام زي ما قولت لحضرتك محتاجين……"

كان هادي يتحدث مع السيدة بجدية كبيرة صارفا انتباهه عن تلك التي تلتفت حولها كطفلة صغيرة تستكشف الحياة من جديد وهي تلعب في كل ما تقع عليه يديها حتى انتهى أخيراً من جلسته لينهض مودعاً السيدة التي حيته بابتسامة ثم خرجت تاركة إياه يرمق تلك الصغيرة اللطيفة بحب شديد. أشار هادي لشيماء أن تتقدم منه لتنهض هي ببطء متجهة صوبه بخجل شديد مما فعلت وهي تتحدث بخفوت: "آسفة مكنتش أعرف إن عندك حد وكمان السكرتير مكانش برة و…"

توقفت عن الحديث بصدمة وهي تشعر بيد هادي تجذبها إليه ثم همس لها وهو يخرج حقيبة من الدرج المجاور له: "آهي الشيكولاتة فين بقى المقابل؟ نظرت له شيماء بصدمة شديدة وهي تردد: "مقابل؟ انت عايز مقابل مني يا هادي؟ ابتسم هادي وهو يهز رأسه لها بمعنى نعم أريد مقابل ابتسمت هي بغباء شديد وهي تسأله: "كام؟ "أنتِ وذوقك يعني معاكِ من بوسة لـ ألف وأنا واحد على باب الله" فتحت شيماء عينها بصدمة من حديثه:

"هادي إنت طلعت قليل الأدب زي رشدي وماسة؟ "يعني هو حلال على أخوكِ وحرام عليا؟ بعدين يعني مش كل مرة تتفاجئ إن إني قليل الأدب تقبلي الواقع بقى و….." قاطع حديثه رنين الهاتف ليرفعه وهو يهتف بحنق شديد: "أهو شكله حس إننا جبنا في سيرته… الو يارشدي.. فين؟ بجد طب أنا جايلك دلوقتي" أنهى حديثه وهو يغلق الهاتف ثم نظر لشيماء بحسرة وهتف مقبلاً إياها من وجنتها سريعاً وهو يخرج: "معلش يا دبدوبتي عندي مشوار مهم هاجيلك بليل اشطا؟

روحي على طول بقى" أنهى حديثه وهو يخرج من المكتب سريعاً تاركاً إياها تنظر في أثره بتعجب شديد. *** خرج زكريا من المدرسة بعدما استطاع إقناع المدير بصعوبة بضرورة رحيله وبعدما علم أيضاً من وراء تلك الرسالة الملعونة متوعداً لها بكل الويل. لكن رنين هاتفه وما علمه جعله يهرع خارج المدرسة رامياً أمر الرسالة جانباً حتى ينتهي مما بيده الآن.

وبعد ربع ساعة تقريباً كان قد وصل أمام البناية التي بها شقة جمال ليصعد سريعاً وهو يسابق الريح يحاول احتواء غضبه الذي سينفجر الآن إن لم يرى ذلك الحقير الثاني ويشبعه ضرباً. طرق الباب بسرعة كبيرة لينتظر ثوانٍ حتى فتح له هادي وملامحه لا تفسر لينظر له بتعجب وهو يتقدم للداخل وأثناء ذلك وصل لمسامعه صوت ضحكات عالية لمصطفى وهو يهتف بخبث شديد: "لا بس إيه رأيك باللي عملناه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...