انكمشت ملامح زكريا بعدم فهم لذلك الصوت ليتقدم بأرجل رخوة وبحركة بطيئة داخل الشقة وجواره هادي بملامح لاتفسر. لكنه للحق لم يكن يهتم في تلك اللحظة سوى لذلك الصوت الذي ارتفع مجددا وهو يردد: "يابني دي لحظات للذكرى هو احنا هنلاقي كل يوم بطة زي دي." صدحت ضحكات اخرى تعلو في المكان كله مرددة خلف ذلك الصوت بكل قذارة: "اسمها بطة وهي بطة."
عند تلك الجملة كان زكريا قد وصل البهو ليجد رشدي يجلس جوار جمال الذي كان يحمل الحاسوب الخاص به وهو يضعه على قدمه يراقبه بصدمة لم يعلم أن قذارة أخيه قد تصل لتلك المرحلة، فهو لم يكتفِ بتدمير تلك الفتاة بل أيضًا سجل لهم فيديو بعدما انتهوا منها. فأثناء حديثهم ذلك، ستلمح فاطمة ممدة على فراش بعيد قليلًا عنهم وهي مغطاه كليًا عدا رأسها.
أغمض جمال عينه يشعر بنيران تتصاعد داخله حثًا إياه على الدخول الآن وقتل أخيه بيده والانتهاء من ذلك. تقدم زكريا منهم بأقدام متجمدة، يبدو وأنها قد التصقت بالأرض أسفلهم، حيث كان يحثها بصعوبة على التحرك وكأنها تأبى أن تعرض صاحبها لهكذا عذاب. رفع جمال عينيه لزكريا ولم يكن أفضل حالًا منه، فهذا أخيه وصغيره بحق الله. ابتلع زكريا ريقه وهو يدعو الله ألا يكون ما يخشاه قد حدث وأنهم وثّقوا تلك اللحظات. "هو إيه؟ إيه ده؟
سؤال غبي بالطبع، فهو والجميع في هذا المكان يعلمون ما هذا. لكن ذلك القلب الذي يكاد يتوقف في أي لحظة يتمنى لو يكذبه أحدهم. أقرب هادي سريعًا منه وهو يمد يده يحاول أن يساندة، ليُبعد زكريا يده سريعًا ويبتعد هو بدوره عن هادي مشيرًا للحاسوب وكأنه مرض ما: "لقيتوا إيه عليه؟ اتكلموا؟ صمت يترقب الوجوه ليعلو حديثه وكأنه يتخبط في كل شيء حوله:
"لازم تعرفوا إن لو اللاب ده فيه أي فيديو لمراتي مش هيخرج من هنا وأنا هكسره بنفسي حتى لو اضطريت أدخل أقتلهم وأ... قاطعه رشدي سريعًا وهو يرى قرب انهياره: "مش فيه. متخافش يا زكريا فاطمة مش ظاهرة، هما بس كانوا بيصوروا فيديو سيلفي ليهم ومعترفين فيه بكل حاجة، ومش بس كده كمان باقي قاذورتهم اللي عملوها لأن الظاهر مش فاطمة بس اللي عملوا فيها كده."
ابتلع زكريا غصة في حلقه يرغب لو يبكي الآن كطفل صغير، لكنه تحمل، فبكفيه انهيارًا حتى الآن. فمنذ هذه اللحظة هو يحتاج لكل ذرة شجاعة وثقة بأن الله معه. ذلك قد يخفف عن بعض ما يعيشه الآن. "عايز أشوفهم." نظر له الجميع برفض لتلك الفكرة، ليتحدث هادي سريعًا بما قرره قبل أن يأتي زكريا: "بلاش يا زكريا ارجوك. أنا هاخد الفيديوهات دي وهتصرف بمعرفتي وصدقني مش هرتاح غير لما... قاطعه زكريا وهو يرفع يده برفض لحديثه:
"مش قبل ما أطفي ناري يا هادي. مش قبل ما أطفي ناري وأشوفهم مذلولين قدامي." أنهى حديثه ولم يعطِ فرصة الإجابة لهادي حتى نظر سريعًا لجمال الذي كان يرميه بنظرات مقهورة متحسرة ومعتذرة. "لو سمحت تعالى افتحلي الباب." وعلى عكس ما اتفق عليه مع رشدي وهادي قبل قليل ألا يسمح لزكريا برؤيتهما حتى لا ينهار أو يفقد عقله.
تحرك جمال ببطء صوب الغرفة التي يحتجز بها أخيه وذلك الضيف الجديد غير المرغوب به تمامًا، ثم انتظر حتى دخل زكريا وبعدها أغلق الباب خلفه ينظر للوجوه وهو يعلم أن خلف هدوء زكريا إعصار كبير سيقتلع الكل. *** "يابنتي دي عيال هبلة. درسين إيه اللي آخدهم في كل مادة؟ إيه عندي وقتي وفلوسي مش عارفة أعمل بيهم إيه؟
أنهت منار تلك الكلمات بسخرية كبيرة وهي تتحدث مع إحدى رفيقاتها عبر الهاتف، لتصمت قليلًا مستمعة للجانب الآخر ثم ضحكت بصخب شديد متجاهلة فاطمة التي دخلت للتو عليها وهي تتحدث بضيق شديد: "أستاذة منار مش أنا بناديكِ؟ أشارت لها منار بيدها أن تصبر قليلًا حتى تنهي المكالمة، لتزفر فاطمة بحنق شديد وهي تتركها خارجة بعد أن ألقت كلمتها: "خلصي واطلعي عشان تتغدي." ثم خرجت وهي تتمتم بغيظ وملل شديد منها ومن أفعالها تلك:
"مش فاهمة مروحتيش المدرسة ليه؟ ورغم سماع منار لحديثها إلا أنها تجاهلتها وهي تكمل حديث مع رفيقتها حتى قاطعت ذلك الحديث وهي تبعد الهاتف عن أذنها قليلًا ناظرة به مرددة: "طب يا منال اقفلي دلوقتي لما أشوف البت إسراء عايزة إيه؟ أنهت كلماتها وهي تغلق تلك المكالمة وتستقبل الأخرى التي كانت في الانتظار متحدثة: "الو يا إسراء عاملة إيه؟ لا أنا الحمدلله أخبارك إنتِ؟
يارب دايما يا قلبي، خير يعني متصلة بيا واليوم الدراسي لسه مخلصش تلاقيكِ بتتكلمي في الحمام. فيه إيه يابنتي إنتِ بتعيطي؟ طب اهدي بس وفهميني. ماله مستر زكريا؟ صمتت منار طويلًا وهي تستمع بصدمة لما فعلته رفيقتها لتهتف بدون وعي: "يا مصيبتي! إيه اللي هببتيه ده؟ إنتِ مش عارفة أنه متجوز؟ بتحبيه إيه ونيلة إيه؟
إنتِ هبلة يابت إنتِ ده أكبر مننا ومتجوز، ثم إنه أساسًا مش بيبص لواحدة فينا كده ولا هيبص لأنه بيحب مراته جدًا. أيوه وأنا المفروض أعمل إيه؟ نعم يا ختي اتوسط لمين؟ أيوه صاحبتي وكل حاجة بس مش في الحوار ده. إنتِ اتصرفتي بدماغك يبقى طلعي نفسك بنفسك بقى. إنتِ عايزاني أروح أقوله إيه؟ مستر زكريا معلش صاحبتي ك...
توقفت منار عن الحديث بصدمة وهي تلمح فاطمة تقف على باب غرفتها ترمقها بنظرات شعرت أنها تخترقها، ثم صدح صوتها جامدًا مرعبًا في الغرفة: "زكريا؟ مال زكريا بصحبتك يا منار؟ *** "اصبر طيب اصبر هتكفي على وشي مش طبيعي كده." أنهت بثينة كلماتها لذلك الطفل الكبير الذي يسحبها خارج شقتهما بحماس شديد وهو ينظر في ساعته بلهفة: "يلا يا بثينة اخلصي بقى كمان ساعة وكل الكافيهات هتتزحم." نظرت بثينة له بحنق وهي تعدل حجابها:
"وأنا مالي تتزحم ولا لأ. هو أنا هشتغل فيها؟ ضحك فرانسو بصوت عالي عليها ثم اقترب منها وهو يساعدها في تعديل وضع حجابها بلطف شديد مرددًا لها بحب: "مش إحنا اتفقنا امبارح أننا نبدأ قصة جديدة؟ هزت بثينة رأسها بنعم ليكمل هو الحديث ببسمة واسعة: "ودي يا ستي مقدمة القصة وأنا عايزها تكون متتنسيش."
أنهى كلماته ثم سحب يدها وجرها نحو المصعد بلطف شديد، وبعدها صعدوا وانتظروا دقائق قليلة حتى كانوا في الطابق الأرضي ليقوم فرانسو بفتح مظلة لم تنتبه لها بثينة سوى الآن، ثم جذبها لاحتضانه وهو يكتفها بطريقة غريبة هامسًا وهو يشير للخارج فقد كان الجو ممطرًا: "والآن أنستي هل تتكرمي على عبدٍ مسكين وتتناولي معه الإفطار في أجواء رومانسية كهذه؟ فذلك المسكين والله عاشق." رمقته بثينة بعدم فهم لتردد بغباء: "مش فاهمة."
شدد فرانسو احتضانها أكثر وضحكاته تتصاعد عليها ثم جذبها معه نحو الخارج وهو يردد بجدية كبيرة: "مش مهم تفهمي دلوقتي يا قلبي، المهم حاليًا في الفترة دي تحسي بكل اللي حواليكِ. تحسي وبس." تحركت بثينة لتخرج خلفه وتختبئ أسفل المظلة معه وهي تراقبه عن قرب كيف يتصرف، ولم تنتبه لنفسها ولا لشرودها به ليخرجها من كل ذلك صوته الذي صدح وهو يخبرها بجدية: "غمضي عينك وخدي نفس عميق وبعدين خرجيه." "ليه هنغطس؟
فتح فرانسو عينه بانزعاج من تلك المفسدة وهو يتحدث بغيظ: "لا يا ظريفة بس عايزك تستقبلي الصباح ببسمة ونفس منعشة." "واللي إنت بتعمله ده هو اللي هيخليني منعشة؟ هز فرانسو رأسه بالإيجاب لتغمض هي عينها وتستنشق نفس سريع ثم فتحت عينها وهي تهمس بسخرية كبيرة منه: "إيه الانتعاش ده مش معقول كده ده ولا كأنك شربت كوباية لمون بالنعناع في عز الصيف."
ضحك فرانسو بعنف وهو يجذبها إليه أكثر، ثم أخذ يحسس على جانب وجهها بيده مما صدمها لتحاول الابتعاد بخجل عنه، لكنه صدمها حينما أمسك بأذنها من خلف الحجاب وشدها بعنف لتصرخ هي بألم: "وهو اللي إنتِ عملتيه من شوية ده اسمه نفس؟ ده لو نفس حشيش كنتِ اخدتيه بمزاج أكتر. ده النفس يا حبة عيني ملحقش يوصل للرئة أساسًا، قومتي خرجتيه تاني." وهذه المرة كانت هي من تضحك؛ ضحكة لربما تكون غريبة حتى عليها هي، فهي يومًا لم تضحك بهذا الشكل.
ابتسم فرانسو وهو يدرك أن أول خطوات العلاج تسير بشكل صحيح وحالتها ستكون أسهل مما ظن، فهي تحتاج فقط للحنان وهو سيغرقها حنانًا. توقفت بثينة عن الضحك وهي تتنفس لتهدأ، ثم أغلقت عينها وأخذت شهيقًا طويلًا ثم أخرجته ببطء كما رأته، لتظل ثوانٍ مغلقة عينها لتردد ببسمة صغيرة ارتسمت على شفتيها: "وكأني أول مرة أتنفس فيها." ***
كانت تجلس على الأريكة في البهو وهي تستمع لحديث شيماء التي تردد نفس الحديث منذ ساعات وهي تقص عليها ذلك الموقف الذي تعرضت له في مكتب رشدي واصفة كم أخرجها وأخجلها هذا. "ياربي يا شيماء يا حبيبتي لو بتوصفي اللي إنتِ اتعرضتي ليه ده إحراج يبقى مشوفتيش اللي بعمله مع أخوكِ، وأهو عايشة زي الفل ولا هاممني تعرفي ليه عشـ...
توقفت ماسة عن الحديث وهي ترى رشدي يدخل من باب المنزل لتبتلع ريقها ظنًا منها أنه سيأتي ليكمل تقريعها، لكن على عكس المتوقع تجاهل الجميع وذهب لغرفته بملامح لم تستطع تفسيرها، وبدلًا من أن تفرح لذلك كانت تنهض سريعا متجهة صوب غرفته بقلق شديد متحدثة: "معلش يا شيماء هشوف رشدي ماله وأجيلك تاني."
أنهت حديثها وهي تطرق الباب ثم دخلت سريعا دون انتظار أذنه، تاركة شيماء خلفها تفكر في هادي وفي الاتصال به، فبما أن رشدي عاد فبالتأكيد هو أيضًا عاد، فهو ذهب إليه، لذا نهضت سريعا متجهة صوب غرفتها لتجري به اتصالًا غافلة عن ملامح أخيها الذي كان يبدو وكأنه خرج من حرب مرهقة للتو. دخلت ماسة للغرفة لتجدها غارقة في الظلام كما تركتها صباحًا بعد تنظيفها ورشدي لم يكلف حتى نفسه عناء فتح النافذة، لتقترب بأقدام مرتابة
من الفراش وهي تنادي باسمه: "أباظة؟ إنت نمت؟ لو لسه زعلان مني فأنا اعتذرت و... قاطع حديثها صوت رشدي الذي خرج بشكل غريب وهو يخبرها أن تخرج وتتركه وحده الآن. لكن ليست ماسة هي من تنفذ الأوامر وخاصة في هكذا موقف، فهي لا تعلم ما به وما باله صوته هذا وكأنه... توقفت ماسة عن التفكير وهي تستمع لشهقات تأتي من جهة الفراش لتفتح عينها بصدمة كبيرة، مفكرة أنها ربما أخطأت السمع. هل يبكي؟ رشدي يبكي؟
وهي التي في حياتها كلها لم ترى حتى دمعة واحدة منه. اقتربت بسرعة أكبر من الفراش وهي تنادي باسمه مرتعبة: "رشدي مالك إنت كويس؟ رشدي رد عليا متقلقنيش... لم يجب رشدي... واقتربت هي أكثر من الفراش لتنحني برأسها قرب رأس رشدي وهي تتساءل عن سبب حزنه، تمد يدها تحاول الوصول لوجهه حتى وصلت أخيرًا لتستشعر بالدموع أسفل يدها: "رشدي؟ إنت بتعيط؟ حصل إيه يا رشدي ارجوك قلبي واجعني رد عليا."
فجأة وجدت رشدي ينهض من الفراش ملقيًا بنفسه بين ذراعيها باكيًا بصوت عالٍ كالاطفال وهو يهتف من بين شهقاته: "مش قادر والله ما قادر أتحمل أكتر من كده. تعبت وأنا شايفه بيتدمر قدامي. شايفه بيحارب عشان م ينهار ش وأنا... أنا عاجز مش قادر أساعد صاحبي مش عارف أخفف عنه ومش عارف أساسًا إيه اللي ممكن يخفف عنه في الموقف ده بس... بس أنا عايزة بس يرجع زي الأول." صمت يبكي أكثر وهو يرثي حال صديقه:
"عايزة يرجع يضحك تاني يا ماسة يرجع يبتسم زي الأول. زكريا دلوقتي بقى يبتسم عشان يراضينا ويهزر عشان محدش يلاحظ السواد والدمار اللي جواه. طب أعمل إيه عشان يرجع زي الأول؟ أعمل إيه طيب؟ ربتت ماسة على ظهره وهي تبكي بتأثر من حديثه، ثم همست له: "ربك هو الوحيد القادر على إنه يخرج من اللي هو فيه يا رشدي، هو الوحيد اللي قادر يهونها على قلبه بس إنت قول يارب."
أخذ رشدي يبكي في أحضان ماسة وهو يردد تلك الكلمة التي كانت قادرة على إذابة أوجاعه مناجيًا ربه أن يريح قلب رفيقه، يتذكر مظهره اليوم وهو يواجه مصطفى وجمال كان كالجنون وهو يصرخ بهما بكل قهر وحسرة كان يضرب بهما كالطير المذبوح الذي يتخبط في جميع ما حوله وهو يخرج في روحه. أغمض عينه بوجع وهو يخبر نفسه أن نهاية هذه الحكاية قد اقتربت وكثيراً. خرج رشدي من أفكاره على صوت ماسة الهامس بتردد كبير عكس طبيعتها مما أثار ريبته:
"أباظة." انتبه رشدي وهو يضم نفسه لها أكثر: "قلب وعيون أباظة." سقطت دموع ماسة أكثر من حديثه ذلك لتهتف بصوت مختنق: "أباظة هو إنت مبقتش تحبني؟ يعني زهقت مني خلاص؟ ابتعد رشدي بسرعة عنها وهو ينظر لها بغباء لا يتوقع هذا السؤال أبدًا منها، هي أكثر من يعلم مقدار عشقه لها، فهي تجري مسرى الدماء في عروقه منذ كانوا أطفالًا. "ليه بتقولي كده يا ماسة؟ انفجرت ماسة في البكاء وكأنه بكلمته تلك فجر انهار حزنها وهي تهتف به في غيظ شديد:
"عشان إنت مبقتش تحبني يا رشدي." *** "تمام كده يا زكريا سيب الباقي عليا والأدلة اللي معايا كفيلة توديهم ورا الشمس بدون تفاهم." هز زكريا رأسه بدون أي تعابير قد تظهر أنه يتفاعل مع من أمامه. تنفس هادي بتعب شديد وهو يشعر بألم رفيقه. "هو ممكن يكون إيه الحكم اللي هيتحكم عليهم؟ يعني أقصد العقوبة هتكون إيه؟
هز هادي رأسه يتفهم سؤال رفيقه وما كاد يتحدث حتى قاطعه رنين هاتفه ليلمح اسم شيماء، لكنه وعكس عادته أغلق الهاتف ونظر بعدها لزكريا وهو يبدأ في توضيح الأمر له: "بص هو العقوبة بتكون من بين ٣ سنين ل ١٥ وده بيتم الحكم فيه على حسب الأدلة والواقعة نفسها... وكمان فيه حكم بالمؤبد بس ده مش بيكون دايما لأن ليه أحكام كتير عشان يتنفذ المؤبد ده وكمان فيه إعدام بس ده في حالة لو المجني عليها توفت أثناء الواقعة."
أنهى هادي حديثه وهو ينظر لوجه زكريا الذي تغضنت ملامحه بشكل لا يفسر ما يفكر به، ثم هز رأسه لهادي وقال بصوت خرج ضعيفًا بعض الشيء: "يعني هما على الأقل ممكن ياخدوا مؤبد؟ صمت هادي قليلًا يفكر في الأمر ثم أخبر زكريا ما يفكر به: "ممكن بس مش أكيد." نظر له زكريا بعدم فهم ليشرح له هادي ما يقصده: "بص يا زكريا المؤبد بيكون في حالات معينة مش دايما...
إحنا معانا فيديوهات أكيدة أنهم مش بس قاموا بجريمة واحدة لا دول قاموا بعدة جرائم وده اللي هستغله عشان أوقع أقصى عقوبة ليهم... وطبعًا فيه حاجات كتير وطرق ملتوية أكتر عشان نحقق اللي عايزينه فإنت عايز إيه؟ أنهى هادي حديثه وهو ينظر لملامح زكريا التي كانت مرعبة بحق والذي يفكر أن الأمر حقًا معقد. "أنا عايز حق مراتي يا هادي بأي طريقة." *** "يا فاطمة سيبيني في حالي قولتلك كنت بتكلم عادي مع صاحبتي."
أمسكت فاطمة يد منار تمنعها من الدخول لغرفتها بعدما كانت تحاصرها في الساعات السابقة محاولة أن تعلم ما علاقة رفيقتها بزكريا. "مش هسيبك غير لما تعترفي." "اعترف بإيه يابنتي فكك مني بقى إنتِ غريبة أوي." راقبت فاطمة هروب منار لغرفتها لتتأكد جيدًا أن ما حصل ليس طبيعيًا وأن هناك شيئًا تخفيه عنها، وهذا الشيء له علاقة بزكريا وهي أكيدة من هذا.
زفرت بضيق وهي تحمل مصحفها متجهة صوب الخارج لتلحق بزكريا، فالآن هو موعد لقائهم الأسبوعي الذي يدرس زكريا لها به، متوعدة منار حين عودتها. تحركت فاطمة لخارج البناية وهي تسير صوب منزل زكريا لتقابل في طريقها شيماء التي كانت على وشك الاصطدام بها: "فيه إيه يا ماما مالك متسريعة كده؟ توقفت شيماء عند سماعها لصوت فاطمة وهي تجيبها بحنق شديد: "الأستاذ هادي بيكلمه مش بيرد عليا." ضحكت فاطمة بخفة وهي تتحرك صوب منزل زكريا مرددة:
"طب ربنا معاكِ ياقلبي." صعدت فاطمة الدرج ببسمة واسعة وهي تتذكر أنها الآن على وشك الجلوس لفترة لا بأس بها مع زوجها الحنون الجميل وال... توقفت فاطمة عن التفكير وهي تصرخ بفزع متراجعة للخلف وضربات قلبها علت بشكل مخيف تهتف بصدمة: "يا أخي الله يعمر بيتك رعبتني يا ستار يارب." التوى فم هادي بحنق شديد: "ليه شوفتي عفريت ولا إيه؟ تجاهلته فاطمة وهي تتجه للأعلى بعدما أفسح لها هادي الدرج ليسمع صوتها وهي تردد بنبرة منخفضة:
"صحيح شيماء راحت لبيت عندك." أنهت حديثها وهي تصعد سريعًا ليبتسم هادي باتساع وهو يهبط بخطى مسرعة متجها صوب منزله يمني نفسه بلحظات جميلة رفقة دبدوبته الحبيبة. *** "إيه عجبك الفطار؟ أنهى فرانسو كلماته بعيون لامعة في انتظار ردها لترفع بثينة عينها له وهي تبتلع آخر لقيمات المخبوزات التي أحضرها لها وهي تقول بجدية مصطنعة: "اممم حلو عاملو زي الباتيه بالشوكولاتة." انمحت بسمة فرانسو بتعجب وهو يهتف: "باتيه؟
ماشي ما علينا، إيه رأيك في الأجواء الرومانسية دي؟ نظرت بثينة حولها بأعين متفحصة ثم أعادت نظرها له وهي تقول بحيادية: "عادي يعني مش رومانسي أوي." انهدلت أكتاف فرانسو وهو يصف ما حوله بسخرية: "مش رومانسي؟ يعني مطر في باريس وريحة المخبوزات والجو ده كله مش عامل أي جو معاكِ؟ مفيش أي دم خالص؟ حدثت فيه بثينة بحنق شديد وهي تهتف مغتاظة منه ومن حديثه: "هو فيه إيه من الصبح عمال تتكلم كلام غريب ورومانسية وقصص وحوارات؟
هو إنت ناسي إحنا اتجوزنا إزاي يا أبو باسم؟ استشف فرانسو سخريتها بوضوح ليفتح فمه بغية الإجابة عليها لكن قاطعه خروج أحد العاملين من المحل ليقف جوارها وهو يقول بحروف منمقة بعض الشيء وبسمة مستفزة مصطنعة: "نعتذر سيدي على قطع لحظاتكم، لكن إن كنتم انتهيتم من الطعام رجاءً غادروا المحل بهدوء فيبدو أن البعض يشتكي من وجودكما." احمرت عين فرانسو بغضب شديد وهو يعتدل في جلسته بتحفز مجيبًا:
"عفوًا يا سيدي، لعلي أخطأت السمع منذ قليل، هل طلبت منا الرحيل منذ قليل؟ لم تفهم بثينة شيئًا من حديثهما لكن تلك النظرات المحتدة والنبرات الشرسة أنبأتها بخطورة الأمر وازداد شعورها ذلك حينما نهض فرانسو بعنف شديد مسقطًا مقعده أرضًا وهو يصرخ بكلمات لم تفهمه ممسكًا بثياب العامل وكأنه على وشك خنقه. هسهس بكلمات حادة وهو يحاول تمالك غضبه جاذبًا لياقة العامل: "مـــاذا قـــلــت؟ هل أسأت لزوجتي للتو يا هذا؟ ***
"ليه بتقولي كده يا ماسة أنا عملت حاجة تبينلك كده؟ "ياريتك عملت يا رشدي المشكلة إنك معملتش. مبقتش مهتم بيا ولا بقيت تظهر حبك زي زمان." أبعدها رشدي عنه قليلًا وهو يهتف بكلمات كارثية يحاول إدخالها لذلك العقل الغبي: "إنتِ هبلة يا ماسة؟ هو أنا محتاج كل فترة أعملك حاجة أظهرلك بيها حبي؟ وهو أنا أساسًا حبي مش ظاهر؟ فيه إيه يا ماسة إيه الكلام ده؟ ضربته ماسة في صدره فجأة فسقط على الفراش بسبب تفاجئه من حركاتها:
"الكلام ده يا عنيا هو اللي كان لازم أقوله من زمان. بصراحة كده يا رشدي إنت بقى استعمالك صعب." احتدت عين رشدي وهو يعتدل جالسًا على ركبتيه مثلها يصيح مقابلاً لها: "وده من إيه يا عنيا؟ أكيد من سوء الاستخدام يا ختي." أنهى حديثه وهو يدفعها كما فعلت هي منذ قليل معها مسقطًا إياها أرضًا: "بعدين يا حبيبتي مش عاجبك اضربي راسك في الحيطة." نهضت ماسة من الأرض بحنق شديد وهي تصرخ به: "وليه ما أنا أرجع المنتج أحسن؟
ابتسم رشدي وهو يقترب من حافة الفراش ثم اقترب أكثر منها هامسًا: "يرضيكِ ترجعيني يا ماسة؟ كتفت ماسة ذراعيها عند صدرها بحنق شديد وهي تنظر الجهة الأخرى بعيدًا عنه ليكمل هو: "بعدين لما أرجع هبقى مستعمل وهضطر وقتها أقبل بأي واحدة." صمت قليلًا ثم قال وهو يدعي استحسانه للفكرة: "تصدقي فكرة؟ أظن أن أي مُستهلك مقارنة بيكِ هيكون نعمة. خلاص يا ماستي رجعيني وسيبيني لي حال سبيلي ومتقلقيش عليا أنا هعرف ألاقي مشتري كويس."
احتدت عين ماسة وهي تجذبه من ثيابه هامسة بشر: "جرا إيه يا رشدي يا حبيبي إنت بقيت تخبط في الحلل كتير الأيام دي ليه؟ بعدين إيه يشتري دي؟ "بحبك يا ماسة ولو في وقت كنت أهملتك فتأكدي إنه غصب عني أقسم بالله ما في أغلى منك عندي." حسنًا هو للحق فاجأها بالأمر، فهي كانت تتحدث معه وفي وسط الشجار يصرح بتلك الكلمات التي كان لها وقع الماء على جمرات مشتعلة مطفئة إياها مما جعل بسمتها ترتسم على وجهها وهي تردد بحب كبير:
"يا أباظة حتى لو زعلت منك هتفضل أباظة اللي مليش غيره في الدنيا." ابتسم رشدي وهو يفتح ذراعيه لها لتنقض هي فجأة مسقطة إياه بعنف على الفراش تضمه إليها أكثر وأكثر تحت همساته العاشقة والمعتذرة لها يبثها عشقه ومقدار تعلقه بها. *** "أهلًا يا قلبي ادخلي زكريا مستنيكِ جوا في أوضة التحفيظ."
ابتسمت فاطمة باتساع لوداد التي فتحت لها الباب ببسمتها المعتادة البشوشة تدلها على غرفة التحفيظ التي تحفظ كل ركن بها منذ بدأت دروسها مع زكريا. تحركت صوب الغرفة وهي تنظر حولها تتأكد من عودة وداد للمطبخ مجددًا، ثم تسحبت على أطراف أصابعها بهدوء شديد حتى وصلت لباب الغرفة الذي يتركه دائمًا زكريا مفتوحًا على مصراعيه حتى أثناء درسهما. ابتسمت بخبث شديد وهي تقف جوار الباب تراقبه وهو يحمل مصحفه يقرأ به في هدوء وسكينة كعادته.
فتحت فمها باتساع حتى تفزعه أثناء شروده لكنها عادت وأغلقت ه مجددًا وهي تستمع لكلماته الهادئة: "اتأخرتي كده إيه؟ صدمت فاطمة مما فعله فكيف اكتشف مجيئها وهو حتى لم يرفع عينه من مصحفه؟ "صوت خطواتك عالي أوي لما تبقي عايزة تخضيني أبقي البسي شبشب بلاستيك من الخفيف وهو مش هيعمل صوت." لوت فاطمة فمها بضيق شديد وهي تتحرك داخل الغرفة ثم تحركت صوبه حتى جلست أمامه تمد مصحفها له وهي تقول بحنق:
"خلاص عرفنا إنك جامد ومحدش بيقدر يفزعك." ضحك زكريا ضحكات عالية ثم مد يده ممسكًا خدها: "انظروا لهذه اللطافة. هل صغيرتي حانقة عليّ لأني أفسدت مقلبها؟ حسنًا اخرجي مجددًا وسوف أدعي الفزع ما رأيك؟ أبعدت فاطمة يده بحنق أشد وهي تهمس: "بتتريق عليا يا زكريا." "لا يا قلب زكريا بل لا يهون على قلبي نظرتك الحزينة تلك." "وحشني أوي." "مين اللي وحشك؟ تساءل بتعجب شديد وهو ينظر لها لتبتسم وهي تجيب:
"كلامك ده وغزلك والفصحى دي وحشتني أوي." "اه ما هذا الدلال سيدتي فلا أنا حمل هذا ولا قلبي قادر على مجابهة حديثك." ضحكت فاطمة ثم قالت له تعرف النهارده قرأت جملة حلوة أوي على الفيس وحسيت أنها بتنطبق أوي عليك. نظر لها زكريا بتعجب لتتحدث هي ببسمة تخبره بتلك الجملة: "وشخص ترميله عيوبك، فيقولك يا جميل." "يا جميل." ابتسمت له فاطمة وهي تنظر المصحف في يده ثم قالت ببسمة له وهي تنظر في عينه وقد لمعت عيناها بحماس شديد:
"أنا اخترت الدرس اللي عايزك تكلمني فيه النهارده يا زكريا." "واللي هو؟ ابتسمت فاطمة على ملامحه المتبقية ثم قالت: "النقاب كلمني عنه يا زكريا." *** دخل المنزل سريعا بلهفة ليلمحها جالسة على الأريكة رفقة والدته. ابتسم باتساع وهو يتجه لهم بحماس. "وأنا أقول البيت كله منور ليه." نظرت شيماء اتجاه الصوت وهي تدعي الغضب منه ثم تجاهلته وهي تنظر لوالدته قائلة ببسمة واسعة: "وبعدين يا خالتي إيه اللي حصل؟
"يا ختي الست تقولي ما صدقت... أخدت بنتها على طول وجريت تـ" قاطع هادي ذلك الحديث الشيق بينهما وهو يقول بحنق شديد مشيرًا بعينه لوالدته ليُشير أن تتركهم وحدهم: "جرا إيه يا خالتي مش هتعملي عصير لضيفتنا؟ "الخلاط مش هنا." هكذا تحدثت والدته قبل أن تلتفت مجددًا لشيماء وهي تكمل حديثها، لكنه قاطعها مجددًا بحنق شديد وهو يتنحنح: "ليه يعني يا ست الكل راح فين الخلاط؟ زفرت والدته بحنق شديد وهي تنظر له بغيظ:
"جه ياخده عشان رايح يتقدم لام اشرف. خلاص ارتحت؟ ... كنا فين يابنتي اه ام سعيد قوم بقى يا ختي تقولك لا بنتي لازم تروح وتكشف ونعرف إذا كان ولد ولا بنت أصلهم عالم ناقصة مفكرين إن خلفة الصبيان حلوة." أنهت كلماتها وهي تلوي شفتيها بحنق: "تيجي تشوف خلفة الشوم والندامة اللي عندي." لوى هادي شفتيه بحنق مجاريًا إياها في حديثها: "ومالها يا ختي خلقتك؟ يكونش خلفتي قرد ولا عيل براسين؟
"لا حمار واتفضل امشي من هنا أقولك روح استلف الخلاط من عند الست منيرة واعملنا كوباية عصير." وبالحديث عن الخلاط تذكر هادي حديث والدته الذي قالته منذ ثوانٍ: "صحيح تعالي هنا... خلاط إيه اللي فرج راح يتقدم بيه؟ *** لا صوت في المكان سوى أصوات أنفاس عالية وتأوهات تخترق ذلك السكون. ظلام يحيط بهما بعدما انتهى منهما زكريا منذ ساعات ومنذ ذلك الوقت لم يتحدث أحدهما للآخر، فلا طاقة لهما لذلك.
قطع ذلك الجو صوت فتح الباب الخارجي للشقة وبعدها باب الغرفة التي يقبعان فيها جالبًا معه النور ليغشى تلك الظلمة وتبعها صوت خطوات بطيئة بشكل أثار أعصابهما. "وأخيرًا جه وقت الحساب. أجهزوا عشان النهارده آخر يوم ليكم برة السجن."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!