الفصل 19 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
31
كلمة
5,690
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

كان القلق هو ما يسود المكان بعدما ركض زكريا تاركاً الجميع خلفه ما بين خوف وترقب. اقترب هادي سريعاً من رشدي الذي كان يقف جوار ماسة محاولاً فهم ما حدث. "والله يا رشدي ما أعرف حاجة، هي لما شيماء خرجت بعد كتب الكتاب خرجنا أنا وهي وراها، ويدوبك لسه رجليها ما خطتش للصالة لقيتها مرة واحدة اتسندت على الحيطة وهي بتتنفس بصعوبة، وبعدها وقعت في الأرض زي اللي بتطلع في الروح."

لم يفهم أياً من هادي أو رشدي شيء أبداً مما حدث، لكن هادي اقترب من أذن رشدي وهمس له بخفوت شديد: "رشدي معلش شوف زكريا كده لو محتاج ينقل مراته للمستشفى، وأنا هعتذر من الناس خلينا نقفل الليلة على كده ونشوف زكريا." نظر له رشدي قليلاً ثم هز رأسه باقتناع: "تمام، اصبر الأول أشوف زكريا واللي حصل معاه، ولو كده ألم الليلة يا هادي."

هز هادي رأسه ثم تحرك صوب شيماء التي كانت تبكي بخوف شديد لما سمعته منذ قليل، ثم جذبها لأحضانه بحنان هامساً لها بكلمات مطمئنة. *** "فاطمة اهدي لو سمحتي وفهميني تقصدي إيه؟ تحدث زكريا بعد صمت طويل ولحظات مرت على أعصابه كالجحيم بعد كلمتها تلك، وقد شعر فجأة بتوقف العالم من حوله. بكت فاطمة وهي تتمسك به، دافنة نفسها في صدره وكأن ذلك الشخص يقف أمامها الآن يخيفها، هاتفة بنبرة مرتعشة:

"هو… هو بره، أنا شوفته يا زكريا… هو بره أنا شوفته والله… بره… هو بره." كانت فاطمة تكرر كلمتها بهذيان وهستيريا لا تعي ما يحدث حولها، بينما زكريا كان يشعر وكأن كل جسده ينتفض مطالباً إياه بالخروج الآن وقتل كل رجل يقابله في الخارج دون تفرقة. لكنه رغم ذلك أغلق عينيه بعنف، ضاغطاً على قبضته بقوة شديدة حتى كادت عروقه تنفجر، ثم قبل رأس فاطمة بحنان وتحدث بنبرته الهادئة كما لو أن شيئاً لم يحدث. ثم ابتعد قليلاً عن فاطمة

وهو يهمس لها بحنان شديد: "أتسمح لي جميلتي أن أخرج لدقائق قليلة ثم أعود لها؟ وكأنه بحديثه ذلك قد ضرب رأس فاطمة بقوة لتستفيق من تلك الهوة التي ألقاها عقلها بها، صارخة وهي تتشبث به بعنف باكية بجزع: "لا لا متخرجش، هيجي هو، لا يا زكريا لا، هو هو هيجي، هو قالي كده، هو قالي…" ابتلع زكريا ريقه محاولاً الإفلات منها: "حبيبتي هطلع بس أستأذن من هادي وأجي آخدك ونمشي، متخافيش محدش هيدخل هنا، ماشي؟

نظرت له فاطمة برعب شديد وهي تهز رأسها بنفي، تبكي أكثر وهي تزيد من تمسكها به: "لا لا خليك جنبي بالله عليك، بلاش تسيبني بعد ما وثقت فيك." شعر زكريا بوجع شديد في قلبه من حديثها، ليضمها إليه أكثر وهو يهمس لها بحنان شديد: "حبيبتي مينفعش أفضل هنا والكل بره قلقان وهنبوظ الليلة بتاعة هادي وشيماء… يرضيكِ يعني نعمل كده؟ هزت فاطمة رأسها بنفي ومازال جسدها يرتجف بعنف شديد وهي تبكي، ليكمل زكريا حديثه:

"طيب ينفع أخرج أعتذر منهم وأجي على طول آخدك ونمشي، وصدقيني محدش هيدخلك هنا، هبعتلك ماسة تقعد جنبك لغاية ما أرجع، وكمان مش هشيل عيني من على الباب ده، ماشي؟ ورغم كل ما تمر به فاطمة في تلك اللحظة وذلك الشعور الموحش الذي سيطر على قلبها، إلا أنها بيد مرتجفة تركت ثياب زكريا التي تجعدت من تمسكها بها، ثم عادت للخلف ببطء وهي تهز رأسها له بالقبول.

ابتسم زكريا وهو ينهض ببطء من جوارها، ثم تحرك للخارج بعدما ألقى لها بواحدة من تلك البسمات التي تذيب قلبها. خرج زكريا سريعاً للصالة ببسمة هادئة كتلك التي يتخذها عنوان ملامحه دائماً، وبعدها اتجه صوب رشدي وماسة مخفضاً وجهه أرضاً: "معلش يا ماسة خليكِ خمسة كده جنب فاطمة وأنا شوية وأجي." هزت ماسة رأسها سريعاً، ثم اتجهت صوب الغرفة تتبعها شيماء التي تركت هادي. توجه هادي صوب زكريا ورشدي يتحدث بقلق شديد: "زكريا خير بإذن الله؟

فاطمة كويسة؟ الغي الليلة وناخدها تك…" قاطعه زكريا ببسمة واسعة وهو يضمه من كتفه بحب: "تلفي إيه يا أهبل إنت؟ مش دي الليلة اللي هتموت من زمان وتعملها؟ قلب هادي عيونه بملل وهو يتحدث: "يا عم فكك من الليلة تتعوض بس المهم فاطمة تكون بخير." هز زكريا رأسه ببسمة وهو ينظر حوله: "كويسة متقلقش… ألا صحيح يا هادي إنت مجبتش فوتوجرافر انهاردة ولا إيه؟ نظر هادي ببلاهة لرشدي الذي يستمر في مراقبة زكريا بنظرات غامضة:

"جبت أكيد ودي تفوتني… بس إيه مناسبة السؤال؟ ابتسم زكريا وهو ينظر له هو ورشدي: "كنت بفكر نتصور صورة مجمعة بالمناسبة السعيدة دي…." أنهى زكريا حديثه ثم صاح بصوت عالٍ سعيد وهو يصفق بكفيه: "يلا يا شباب كله يقرب هنا هنتصور بالمناسبة السعيدة دي.. عايز كل الشباب يتجمعوا هنا عشان نخليها ذكرى حلوة لينا."

ابتسم الجميع، وعلت هتافات الشباب تحت نظرات صدمة من هادي وتعجب من رشدي، فها هو زكريا الكاره للصور والتصوير والذي كان يتملص في أي مناسبة من تلك اللحظة يطلب من الجميع التصوير. ابتسم زكريا بشكل مخيف وهو يرى جميع الشباب يجتمعون في منتصف البهو الخاص بمنزل رشدي، لينادي زكريا فرج الذي اقترب سريعاً حاملاً بيده قطعة كعك وهو يهمس له: "فرج أخرج كده شوف لي فيه شاب بره ولا حاجة عشان بس عايز يكون الكل في الصورة."

ابتسم فرج وهو يرفع عينه لزكريا متحدثاً ببسمة واسعة: "وأنا كمان!؟ ابتسم له زكريا بسمة باهتة: "وإنت كمان يا فرج، بس يلا شوف فيه حد واقف بره ولا لا." ركض فرج بخطوات حثيثة للخارج ليختفي ثوانٍ قبل أن يعود وهو يسحب أحد الشبان من يده بعنف شديد: "يا بني تعبتني بقولك هنتصور سوا صورة." زفر الشاب بحنق شديد يحاول جذب يده من فرج، والذي لم يكن سوى فرانسو الذي كان يتحدث في هاتفه في الخارج: "طب سيبني بس، إنت ماسك فيا كده ليه!؟

بقولك ثواني وهحصلك." دفع فرج فرانسو في المكان الذي تجمع به جميع الشباب الموجودين، ثم وقف جوارهم وهو يبتسم لزكريا مشيراً له بإصبعه أن الجميع هنا. ابتسم زكريا وهو يفرد ذراعيه محيطاً رفيقيه اللذان يرمقانه بصدمة وعدم فهم. "يلا كله يبتسم للكاميرا… واللي ورا يقفوا على طراطيف الأصابع، عايز الكل يظهر في الصورة لأني هشيلها جوا قلبي." كاد المصور يلتقط الصورة للجميع لولا زكريا الذي تحدث سريعاً وكأنه تذكر شيئاً:

"لا بقولك إيه يا أبو علي، ادي الكاميرا لعمي إبراهيم وتعالى معانا في الصورة، عايزين صورة تجمع الكل هنا انهاردة عشان الذكرى بس." ورغم تعجب حسن (المصور وأحد جيران الشباب) إلا أنه خلع الكاميرا من رقبته، ثم أعطاها لإبراهيم وأخبره كيف يلتقط صورة، بعدما ضبط زاوية الالتقاط، ثم ركض ووقف جوار الشباب. ليبتسم زكريا بخبث وهو ينظر للكاميرا بعدما تأكد جيداً من وقوف كل شاب في هذه المناسبة جواره. ***

كانت تجلس في غرفتها وهي تشعر بنيران تشتعل داخلها، وكلمات ذلك الزوج المزعوم ترن داخل أذنها بعدما حدثها منذ قليل على الهاتف. "وده مين اللي هيعمل كده؟ كان صوته مرعباً رغم هدوئه، ومازالت هي حتى الآن لا تدرك كيف أن شخصاً بمثل ملامحه التي تدل على الرقي والتفتح بمثل هذا الخبث والدهاء. أجابت بثينة وهي تحاول أن تتمسك بآخر ذرة ثبات بها: "إنت… لو عايز تتجوزني، اعمل كده." انطلقت ضحكة من فرانسو وهو ينظر للخلف حيث

الجميع في عقد قران هادي: "امممم شكلك معرفتيش آخر التطورات؟ "تطورات إيه دي؟ ضحك فرانسو أكثر وهو يتحدث بصوت هادئ: "مش معقولة كده يابنتي، محدش عاملك قيمة في العيلة دي… ما علينا، بعد يومين كتب الكتاب والفرح وبعدها بيوم السفر يا بسبوستي." اشتعلت النيران في رأس بثينة التي انتفضت من مقعدها صارخة بعنف شديد: "ومين اللي قال كده إن شاء الله؟ "هادي، وأنا الصراحة موافق، خليني أخلص أصل آدم حبيبي وحشني."

لم يبدُ أن بثينة فهمت شيئاً، لذا صمتت تحاول التفكير فيما يقصد، لتسمعه يردد على مسامعها بنبرة لأول مرة تسمعها منه: "آدم ابني ٣ سنين." زفرت بثينة وهي تجيبه بوقاحة شديدة: "آخر همي… أنا دلوقتي في موضوع الفرح ده، أنا مش موافقة على الموضوع ده." أجابها فرانسو ببرود شديد: "آخر همي…" ولم يمنحها ثانية إضافية للإجابة وأغلق المكالمة ليجري مكالمة أخرى بالمحامي الخاص به. وأثناء ذلك جاء فرج لسحبه حتى يأخذ صورة مع الجميع.

أفاقت بثينة من شرودها تزفر بضيق وهي تفكر فيما يحدث وفي المسار الذي تحركت إليه حياتها. "إيه اللي وصلني لكل ده؟ *** ابتسم زكريا مبتعداً عن الجميع وهو يتحدث بصوت عالٍ ليسمعه الكل في المكان: "طب يا جماعة اعذروني أنا بس لأن المدام مريضة شوية فهضطر آخدها وأمشي." كاد هادي يفتح فمه للتحدث ليوقفه زكريا بإشارة من يده وهو يتحدث مبتسماً: "لا يا هادي مش هتلم الليلة، كملوا زي ما أنتم، كل شيء بخير متقلقوش."

أنهى حديثه وهو يتجه لهادي يضمه بحب شديد هامساً له: "صدقني والله هعوضها ليك في الليلة الكبيرة يا حبيبي، بس دلوقتي مش هقدر، صدقني والله مش هقدر… مبارك يا حبيبي." ابتعد زكريا ثم اتجه لرشدي تحت نظرات هادي المتعجبة لحديثه، وهو يشعر بغصة في قلبه وأن هدوء وبسمة صديقه تلك ليست سوى إشارة لحرب مشتعلة بداخله.

"مبارك لشيماء يا رشدي، صدقني مش هتلاقي حد يحافظ عليها ولا يحبها قد هادي، واسألني أنا لأني أكتر واحد شفت هو بيحبها قد إيه؟ ابتعد زكريا عن رشدي ثم ابتسم لهم بسمة صغيرة قبل أن يستدير ذاهباً للغرفة التي بها فاطمة. وبمجرد أن ابتعد عن أعين أصدقائه المراقبة له، حتى تحول وجهه بشكل مخيف ينبئ بكوارث قادمة. *** "بقولك إيه أنا بأستأذنك ليه أساساً؟

أنا هروح آخدها وأخرج ومتقولش كلمة واحدة لأحسن تطلع في دماغي وآخدها على البيت وإنت عارف إني قادر أعمل كده." أنهى هادي كلماته يتجه صوب شيماء التي تجاور ماسة بعدما تحدث لرشدي حتى يخرج مع شيماء لبعض الوقت وحدهما. وكالعادة بدأ رشدي في إزعاجه. وصل هادي جوار شيماء ثم تحدث ببسمة سخيفة: "يلا يا شوشو قومي غيري والبسي أي حاجة مريحة عشان نخرج سوا." رفعت شيماء نظرها لهادي بتعجب: "نخرج؟ ابتسم لها هادي يهز رأسه بإيجاب:

"أيوه يلا، أنا استأذنت من رشدي وهو وافق برحابة صدر." تحدث رشدي من بعيد قليلاً وقد وصل له حديث هادي: "كذاب، موافقتش والله." تجاهله هادي وهو يشير لها بالنهوض لتغيير ثيابها، والتي كانت عبارة عن فستان طويل باللون الذهبي به بعض الزينة الثقيلة نوعاً ما، لكن دون زيادة بل كان يبدو شديد الجمال عليها إلى جانب حجابها البسيط والراقي وبعض الزينة التي تكاد تظهر في ملامحها.

نظرت شيماء جهة رشدي تسأله بعينها أن تنفذ حديث هادي، ليبتسم لها رشدي هازاً رأسه بإيجاب يخبرها أن تذهب معه. رحلت شيماء مع ماسة وهي تنظر لهادي بخجل. ابتسم هادي وهو يلقي نفسه على الأريكة جواره بهيام شديد، يربت على قلبه وهو يبتسم بسمة هائمة غبية، يدور بنظره في المكان وهو يرى العالم حوله وردي، لكن فجأة فزع حينما جائت عينه على وجه شخص يكاد يلتصق به. انتفض هادي وهو يصرخ جالباً انتباه جميع من حوله:

"ياربي وقفت قلبي يا جدع… هو إنت لسه هنا؟ كان هادي يتحدث المأذون والذي كان يتوسط الأريكة التي ألقى هادي نفسه عليها ليفزع من وجوده، وقد أنهى بالفعل عقد قرانه منذ فترة. تحدث المأذون بتعجب شديد وهو ينظر لهادي: "هما خلصوا؟ لم يفهم هادي شيء ليتحدث بتعجب بعدما لمح رشدي يقترب منه: "هما مين دول اللي خلصوا؟ "العريس والعروسة خلصوا تصوير وهيصة؟ حسناً، يبدو أن ذلك العجوز خرف، فهادي لم يفهم جيداً ما يقصد، لذا تحدث بعدم فهم:

"آه يا حاج خلصوا، بعدين أنا العريس إيه مش عارفني؟ ده إنت لسه كاتب كتابي." نظر له الرجل من أعلى لأسفل بدقة وهو يجيب بتعجب: "إنت العريس؟ إزاي ده أنا فاكر إنه كان أبيض من كده." خرج صوت مستنكر من حنجرة هادي وهو يجيب الرجل: "معلش أصل الجو في صالة عمي إبراهيم الفترة دي استوائي فتلاقيني أخدت لون." هز الرجل رأسه وكأنه قد اقتنع، لكنه عاد وتحدث: "إيه ده لحظة، مش العريس أساساً كان عبيط؟

فرج قالي إنه فرح واحد عبيط وأجي بسرعة قبل ما يقتل حد، بس إنت شكلك كده والله أعلم مش عبيط." تحدث هادي بسخرية وهو يرمق الرجل: "الله يكرمك يا حاج والله." صدح في المكان ضحكات رشدي العالية وهو يسقط أرضاً صارخاً من بين ضحكاته: "لا يا حاج في دي إنت صح… العريس فعلاً عبيط." استدار هادي وهو يلمح بطرف عينه فرج الذي كان يجلس جانباً يتناول قطعة من الجاتوه بكل استمتاع، ليركض له سريعاً بغيظ شديد صارخاً:

"فــــــــــــــــــــــــــرج…." *** "وها نحن أميرتي قد وصلنا لغرفتك." هكذا تحدث زكريا وهو يضع فاطمة بحنان شديد على فراشها مبتسماً لها بسمته التي أضحت تسكن كل أوجاعها وآلامها وتطمئنها أن القادم سيكون سعيد طالما كان بجواره. "هو إنت يعني… أصل اللي حصل… هو…" كانت فاطمة تتحدث بحديث عشوائي لا تعلم ماذا تقول حقاً، كيف تتحدث معه بشأن ما حدث منذ قليل. لكن يبدو أن زكريا تفهم الأمر ليضمها بحنان مقبلاً رأسها:

"حسناً، ما رأيك بأن تنامي اليوم وغداً نتحدث." تحدث زكريا يود الرحيل من أمامها الآن حتى يفكر في القادم، لكن فاطمة أمسكت يده سريعاً وهي تتحدث بلهفة ودموعها بدأت في الهبوط: "مش عايزة أشوفه أبداً يا زكريا، مش عايزة أقف قدامه… هموت والله جسمي كله بيترعش وبحس إني عايزة أولع فيه و…" توقف زكريا عن الحديث وهو يجذب رأسها لصدره بتعب شديد ووجع:

"مش عليكِ تقفي قدامه أبداً غير يوم ما تاخدي حقك منه… يوم ما تشوفيه بعينك وهو بيتعاقب على اللي عمله، يومها بس هتقفي قدامه وإنتِ رافعة راسك." قبل زكريا رأسها بحنان هامساً: "أعدك جميلتي أنني لن أترك حقك أبداً… لذا نامي قريرة العين ولا تهتمي لأي شيء يحدث، حسناً؟ نظرت فاطمة لعيونه بدموع وهي تتحدث بوجع كبير: "أنا بظلمك أوي معايا يا زكريا، أنا دمرت مستقبلك كله بجوازي منك."

ابتسم زكريا وهو ينزع حجابها حتى لا تختنق، ثم رتب شعرها بحنان هامساً لها بحب شديد لا يعلم متى وأين تغلغل داخله، فالأمر بدأ بنزعة الحماية التي نمت بداخله تجاهها، وبعدها تحولت لمسؤولية، وها هي المسؤولية قد كبرت لتنضج مكونة ثمارها التي طرحت حباً انتشر رحيقه في ربوع جسده كله، معلناً بذلك بداية موسم عشق خاص حوّله من راهب لشاعر في حبها. "وما نفع المستقبل إن لم يكن جوارك غاليتي؟ ***

كان رشدي يضحك بعنف وهو يحاول جذب هادي بعيداً عن فرج الذي كان يضم طبق حلوى وكأنه يحمي صغيرة من وحش مفترس، صارخاً في هادي: "جرا إيه يا متخلف إنت؟ كنت هتخليني أوقع الكريزة في الأرض من الفزع." تحدث هادي بغيظ شديد وهو يضغط على أسنانه بعنف، يشير بكفيه لفرج وكأنه يطحن ثمرة طماطم أسفل قبضته: "ده أنا بص هخلع راسك دي وأحطها في خلة وأعملها كريزة… بقى أنا عبيط يا فرج؟ أنا عبيط؟

تحدث فرج وقد أدرك سبب غضب هادي، لذا تراجع أكثر على مسند المقعد الذي يتعلق به خوفاً من هادي: "لا يا هادي يا بني… قطع لسان اللي يقول عليك كده يا حبيبي…" "وأنا ميرضيني كلمتك تنزل الأرض يا حبيبي." ابتلع فرج ريقه بقلق وهو يرى هادي ينظر له بشر: "قصدك إيه؟ ابتسم هادي بشر كبير وهو يتحدث: "يعني هقطعلك لسانك يا فرج، ووريني بقى هتتغزل في أم أشرف إزاي؟ أما خليت أشرف يسدلك الشباك بتاعها مبقاش هادي عبدالهادي." "هادي بتعمل إيه؟

كان ذلك صوت شيماء التي خرجت للتو من غرفتها ترمق هادي بعدم فهم لما يفعل. انتفض هادي مبعداً رشدي عنه، ثم تحرك صوب شيماء بلهفة شديدة، ولم ينس قبلها أن يمرر يده على رقبته كحركة السكين مشيراً لفرج بها وهو يتوعده. وصل هادي لشيماء وهو ينظر لها بحب شديد وبسمة، ثم مد يده لها: "تسمحي لي جميلتي؟ نظرت شيماء حولها للجميع بخجل شديد، ووضعت يدها في يد هادي وتحركت معه وهي تبتلع ريقها بتوتر تحت نظرات الجميع السعيدة لأجل الاثنين.

نظر رشدي لماسة التي تقف تراقب خروج شيماء ببسمة واسعة، ليشير لها بعينه أن تتبعه لسطح البناية، ثم تحرك يسبقها وقد انقلبت ملامحه 180 درجة وكأنه ليس ذلك المازح الضاحك الذي كان في المنزل منذ ثوانٍ فقط. نظرت ماسة لأثره تعلم جيداً ما يريده، لذا تنفست تهدأ نفسها، وبعدها استأذنت من الجميع ثم تبعته سريعاً حتى لا تزيد من غضبه وتجعله يظن أنها تتملص من المواجهة. ***

خجلت فاطمة كثيراً من حديث زكريا، وما كادت تفتح فمها للإجابة حتى قاطعها صوت رنين هاتف ما. والذي كان هاتف زكريا. أخرج زكريا هاتفه وبمجرد أن لمح الاسم الذي أنار الشاشة، حتى علا وجهه ملامح غريبة كلياً عن وجه الذي اعتاد أن يحمل للهدوء والحنان والحزم دائماً. ابتسم زكريا لفاطمة بسمة لم تصل لعينه، ثم أجاب الهاتف وهو يتحدث بكلمات مقتضبة جداً لمحدثه: "بعتها؟

… جزاك الله خيراً… هستنى بقى تطلعها وأجي أستلمها منك… تمام، في رعاية الله." أنهى زكريا هاتفه، ثم أخذ ينقر فيه على بعض الأزرار بلهفة شديدة حتى توقف فجأة ونظر لفاطمة التي كانت تتابع حركاته دون فهم. ابتلع زكريا ريقه وهو ينظر لفاطمة بحنان يكاد يغطي وجهها، هامساً: "فاطمة هوريكِ صورة وعايزك بس تشاوري ليا على الشخص اللي شوفتيه انهاردة، ماشي؟

ازدادت خفقات قلبها لدرجة شعرت أن زكريا قد سمعها، لكن برؤية تلك النظرات المشجعة والمساندة لها في عيني زكريا، هزت رأسها بتردد كبير في انتظار ما يحدث. ابتسم لها زكريا بتوتر شديد، يخشى أن يعرضها لصدمة أو ما شابه، لكنه عليه معرفة ذلك الشخص ليبدأ في أخذ قصاصه منه ومن رفيقه، وهو بالطبع لم يكن ليعرض فاطمة لحمل أن تقف أمامه وجهاً لوجه وتشير عليه، لذا رأى أن هذه أفضل طريقة للوصول إليه.

مدّ زكريا يده بالهاتف وهو يترقب كل شيء يصدر من فاطمة، التي تحركت عينها من وجه زكريا ليده، تتحدث في صورة كبيرة تضم عدداً كبيراً من الشباب والذي تعرف منهم البعض مما رأت سابقاً.

أخذ وجهها يمر على الجميع وهي تشعر أنها على وشك الانهيار وتنفسها أصبح صعب جداً، تشعر ببوادر انهيار وتلك الحالة اللعينة تكاد تعود لها، لكن فجأة توقف كل ذلك حتى تنفسها الضعيف توقف، وهي ترمق ذلك الذي كان يجاور رشدي ويبتسم بسمة واسعة كأنه لم يذنب في حياته أو يحيل حياة أحدهم لتعيسة. يبتسم هكذا بكل بساطة وهو دمرها وحطمها. سقطت دموع فاطمة أكثر وقد أضحت شهقاتها عالية مرتعبة، تشير بأصبع مرتجف جهة أحد الأشخاص

وهي تتحدث بنشيج بكاء حاد: "ده… ده يا زكريا، هو ده كان… كان…" توقفت فاطمة عن الحديث وهي تصرخ بانهيار شديد، مغمضة عينيها تدفن وجهها بين قدميها، لا تود تذكر كل ما حدث، تتمنى لو تفقد تلك الذاكرة اللعينة، فهي للحق لا تحتاج شيئاً منها. تجمد زكريا محله بصدمة كبيرة وهو يفتح فمه غير مصدق لتلك الحقيقة التي ضربته بها فاطمة منذ قليل.

لا يصدق أن ذلك الشخص الذي يدعي البراءة والهدوء والشرف أمام الجميع ليس سوى واحد من أقذر أصناف الرجال إن صُنف رجلاً من الأساس. سحب زكريا نفسه بعنف من صدمته وهو يرفع رأس فاطمة، يضمها إليه بقوة وقد استحالت عينه للسواد تماماً، هاتفا بنبرة مرعبة: "اشششش خلاص خلصت… الموضوع خلص عندك لغاية هنا، وأوعدك مش هتشوف وشه غير وهو مذلول يا قلبي…" صمت قليلاً ثم تحدث بحب ونبرة مرعبة: "وعداً قطعته قلبي لعيناكِ جميلتي…." ***

كان هادي يجلس على مقعد أمام شيماء وهو يستند بظهره للخلف، يحدق في شيماء التي تدعي أنها تتناول الطعام لتتلاشى ذلك الحرج من هادي. لكن هادي كانت نظراته لها جامدة وهو يراقب كل ما تفعله بملامح ممتعضة. زفر ببطء ليهدأ نفسه، ثم اعتدل في جلسته، يدفع الطعام أمام شيماء، ثم سحب طبق السلطة التي لا تأكل سواه منذ جلست، وتحدث مشيراً للطعام: "كلي يا شيماء يا حبيبتي، أنا مش خارج مع معزة عمالة تأكل خس بس."

رفعت شيماء نظرها لهادي بعدم فهم، ليقترب هادي بجسده قليلاً منها هامساً: "أنا مش أهبل يا شيماء عشان ماخدش بالي من اللي بتحاولي تعمليه." توترت شيماء وهي تعتدل في جلستها أكثر مردفة: "قصدك إيه يا هادي؟ ما أنا بأكل عادي و…" "هو أنا عمري اشتكيت من جسمك يا شيماء؟ عمري شوفتي في عيني نظرة عدم رضا عن جسمك؟ لم تجب شيماء، فالسؤال ألجمها كلياً، ليكمل هو بغيظ يحاول كبت غضبه منها: "لا صح؟ يبقى ليه بتعملي كده؟

صمتت شيماء ولم تجب مجدداً، ليزفر هادي بضيق وهو يمد يده يمسك يدها التي تستقر على الطاولة بينهما: "شيماء اسمعي اللي هقوله عشان آخر مرة هقول الكلام ده… لو إنتِ بتعملي كل الهبل ده عشان مثلاً رأيي فيكِ أو رأي حد فيكِ، ففكك من الحوار ده كله ومتعمليش أي حاجة، لأن أنا معنديش أي مشاكل مع الحوار ده، بالعكس أنا يوم ما حبيتك.. حبيتك كده." صمت يتابع تعابير وجهها، ثم أكمل:

"إنما بقى لو بتعملي كل ده عشان نفسك، فأنا معاكِ، بس أنا مش عايزك تعيشي وإنتِ حاسة نفسك متكتفة أو متقيدة بحاجة معينة يا شيماء، ارجوكِ." سقطت دموع شيماء دون أن تشعر، لتهز رأسها له وهي تضع وجهها في الطعام أمامها، تحاول إخفاء دموعها، فهذا الموضوع حساس جداً بالنسبة لها وجسدها يعد أكبر عائق في دنيتها كلها.

نهض هادي من مقعده واتجه لشيماء، ثم سحب رأسها لأحضانه برقة وحنان شديد، مربتاً على رأسها دون كلمة واحدة، بينما هي وكأنها وأخيراً حازت فرصتها للانفجار بكل ما يعتمل نفسها، لتتحدث من بين شهقاتها: "أنا بكره نفسي أوي أوي يا هادي… بكره أبص لنفسي في المراية… لحظات لبسي بتكون أبشع لحظات في عمري وأنا بحاول ألاقي حاجة تناسبني… تعبت من كل ده."

ضمها هادي إليه أكثر، يقبل رأسها، ثم أبعدها بحنان وهو ينحني على ركبتيه جوار مقعدها، ممسكاً بيدها خامساً: "كل ده مش مهم عندي يا شيماء قد ما قلبك مهم عندي، لو حصلك إيه ولو حصلت أي تغيرات في شكلك هتفضلي شيماء اللي حبيتها وحبيت وراها وطلعت عين أهلي عشان في الآخر تكون على اسمي." ابتسمت شيماء بسمة صغيرة من بين دموعها، لتسمعه يكمل حديثه بهمس خافت وكأنه يدلي بسر: "أقولك على سر خطير؟ "إنت اللي قتلت موفاسا؟

صدم هادي من جواب شيماء ثوانٍ قبل أن ينفجر ضاحكاً عليها وهو يهز رأسه نافياً، متحدثاً: "لا، حاجة أخطر من قتل موفاسا…." حاول تمالك نفسه قليلاً ليهمس لها بخفوت: "أنا اللي كنت بطفش العرسان اللي بيجيلك." "عرسان؟ بيجولي؟ كانت معالم الصدمة تظهر جلياً على وجه شيماء، لا تصدق ما اخترق سمعها للتو. هز هادي رأسه وهو يقاوم تلك الضحكات التي يمنعها بصعوبة من الانطلاق لرؤية ملامح وجهها: "لا، هو أنا مقلتلكيش؟

مش عقبال عندك كان بيجيلك عرسان كتير وأنا اللي كنت بطفشهم؟ *** "ونهاية كل السكوت ده إيه؟ رفعت ماسة عينها لرشدي تحاول تفادي ذلك الغضب الذي يشع من عينه، وهي تحاول تفادي كل غضبه: "يا رشدي ما أنا مش عارفة أقول إيه، إنت اللي ناديتني." "ماسة…." كلمة واحدة، لكن أثرها على ماسة كان كبير، فقد ارتجف جسدها برعب لتلك النبرة التي تحدث بها إليها، لتبتلع ريقها وهي تستمع لحديثه: "إنتِ عارفة كويس أوي أنا ناديتك ليه؟

فاتكلمي قبل ما أعصابي تفلت ويكون رد فعلي مش حلو، وأظن مفيش حد يعرفني أكتر منك." ابتسمت ماسة بغباء وهي تحاول أن تلطف الأجواء: "ما إنت عارف يا رشدي إني بتخنق مرة واحدة و…" "وبتنهاري بالشكل ده اللي محصلش من وفاة والدك؟ ما أظنش يا ماسة." أغمضت ماسة عينها بتعب شديد وهي تتحرك صوب رشدي، تضمه بلا مقدمات وهي تستند برأسها على صدره ويدها تلتف حوله هامسة له بحب: "أنا بحبك أوي يا أباظة."

إن كانت تظن أنها بهذا الشكل قد امتصت غضب رشدي، فقد أصابت، فهي بالفعل بمجرد ضمها له هدأ جسده تلقائياً وبادلها العناق، يهمس جوار أذنها بحنان: "حصل إيه يا ماسة؟ ضمته ماسة أكثر وهي تقص عليه كل ما حدث وما رأت وكل شيء، لتستشعر بجسده يتيبس أسفل يدها بشكل مخيف، وما كادت تتحدث حتى قاطع هذا الصمت صوت رنين هاتف رشدي الذي أجاب سريعاً بصوت يحاول عدم إظهار غضبه فيه. "فين؟ ماله زكريا؟ طيب تمام، ثواني وأكون عندك."

أنهى رشدي حديثه، ثم قبل رأس ماسة بحنان وهو يتحدث لها: "انزلي دلوقتي يا ماسة وبعدين نكمل كلامنا…" "ماله زكريا؟ فاطمة حصلها حاجة؟ جذب رشدي ماسة خلفه وهو يجيبها باختصار: "فاطمة كويسة، بس زكريا الله وحده أعلم إيه اللي حصل ليه؟ *** كان يطرق الباب بإيقاع منتظم، ليسمع صوت لؤي من الداخل وهو يسب الطارق حتى فتح الباب بعنف شديد: "جرا إيه يا طور إنت؟ ماسك طبلة في فرح شعبي ولا إيه؟ مش عارف أتابع الماتش." لوى هادي فمه بحنق

شديد وهو يتحرك للداخل: "إيه يا لؤي العنف ده؟ كل ده عشان ماتش يا أخي، أووف منكم الكورة لحست مخكم." "منكم اللي هما مين يعني؟ بعدين إنت جاي عندنا عايز إيه؟ ابتسم هادي بهدوء شديد: "إيه يا لؤي بس كلامك ده كده، هحس إنك مش طايقني." "ما هي دي حقيقة فعلاً، أنا مش طايقك ولا طايق كابتن ماجد اللي بقاله ساعة عمال يصرخ جوا ربــــــــاه و ويحي، ولا كأنه بيحارب مع أحمد مظهر في فيلم واسلاماه."

ابتسم هادي وهو يستمع لصوت طرق عنيف على الباب جعل لؤي ينتفض من مكانه بغضب شديد صارخاً: "مين الحيوان اللي بيخبط ده؟ تحرك لؤي جهة الباب سريعاً يفتحه ليجد رشدي يدخل بعنف كما لو كان في غارة على وكر عصابات وهو يصيح برعب: "زكريا حصله إيه؟ نظر لؤي لرشدي يحاول أن يهدأ نفسه، ثم تحرك جهة الداخل ببرود شديد: "محصلوش حاجة، بس شوية كده وهيبقى مشرد بلا مأوى."

لم يفهم رشدي ما يحدث ليتحرك سريعاً صوب غرفة زكريا، يتبعه هادي الذي لم يحلو له المرور سوى من أمام التلفاز مانعاً عن لؤي الرؤية بالكامل، لينحني لؤي سريعاً ويمسك بخفه المنزلي ملقياً إياه على هادي، الذي صرخ متألماً من وقعه على ظهره. دخل رشدي الغرفة بنفس الشكل الذي اقتحم به المنزل وهو يصرخ بفزع في زكريا.

استدار زكريا لرشدي بملامح شبه خاوية من أي تعابير، وهو يتنفس بعنف، يرمق هادي الذي تبع رشدي للغرفة وهو يفرك ظهره بألم مغلقاً باب الغرفة خلفه. تحدث زكريا بصوت غامض مخيفاً موجهاً حديثه لرشدي: "رشدي إنت تعرف إيه عن صاحبك اللي اسمه مصطفى ده؟ انكمشت ملامح رشدي بعدم فهم وهو يطيل النظر في زكريا، ليتحدث هادي متدخلاً في الحوار: "مصطفى مين؟ قصدك زميله اللي كان جاي يطلب إيد شيماء؟ هز زكريا رأسه وعيونه تزداد سواداً

وهو يتحدث بنبرة مرعبة: "هو بعينه يا هادي…."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...