الفصل 18 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
30
كلمة
6,876
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

حامدون الله فيما مضى، طامعين في كرمه فيما آت. فال اللهم جبرًا. صمتت وصمت هو، فأي حديث قد يقال في هكذا موقف؟ ذرفت دموع كثيرة، لكن هل تشفع لها تلك الدموع؟ ابتسم هادي بوجع وهو يقترب منها يتساءل مشيرًا لنفسه باستنكار: _قللتي من قيمتي وطلعتيني إني واحد ابن **** وبجبر بنت عمي على الجواز مني. رغم إني أساسًا ما كنت حابب كده.

بكت بثينة أكثر تحاول الحديث، لربما استطاعت الدفاع عن نفسها، لكن هادي قاطعها وهو يصرخ مذكراً إياها بذلك اليوم الذي تجلد نفسها كل ثانية لما فعلته فيه: _قعدت معاكِ وكلمتك، قلت لك على الوصية وسألتك يا بثينة عندك مانع؟ يا بثينة عندك أي اعتراض؟ وأنتِ سكنتِ وقتها، وأنا فسّرته إنه كسوف منك وعمري ما كنت أتخيل اللي عملتيه يومها.

صمت يتنفس بعنف شديد، يتذكر ذلك اليوم جيدًا حينما أتى المأذون لعقد قرانه على بثينة وحضر معه أصدقائه وبعض الجيران لحضور العقد، لكن وقتها فعلت بثينة ما أحطّ من قدره أمام الجميع: _كلمتي خالك يجي جري من البلد عشان يلحقك من ابن عمك الوحش اللي عايز يتجوزك غصب. وخالك يسكت؟ لا. ازاي! جه قدام الكل هنا وقعد يشتم فيا ويزعق ويقولي: "هو عشان أبوها مات هتستقوي نفسك وتشوف نفسك عليها؟ لا فوق، أنا لسه عايش". سقطت

دموع هادي وهو يشير لنفسه: _أنا بستقوى عليكِ؟ أنا عمري جيت عليكِ يا بثينة؟ حتى بعد اللي عملتيه يومها ونزلتِ من صورتي قدام الكل وطلعتِ زبالة قدامهم إني بجبرك على الجواز وخالك الهمام جه أنقذك. رغم كل ده عذرتك وقولت لسه بنت صغيرة ومش ذنبها اللي خالها قاله وسكت وعاملتك بما يرضي الله. صمت قليلاً ثم صاح بقهر شديد: _ده أنتِ أول واحدة يا شيخة أقولها إني بحب شيماء واعتبرتك وقتها أختي. تعملي كل ده فيا؟

شوهتي صورتي قدام الكل بأني مدمن وسكت. طلعتيني واطي بجبر بنت عمي على الجواز وسكت، لكن توصل للأعمال والسحر. توقف عن حديثه وهو يصفعها بعنف وقد أضحت عيناه حمراء بشدة، صارخًا في وجهها: _ده أنا اقتلك يا بثينة، سامعة؟ أنتِ مدركة أنتِ عملتي إيه؟ ولا غلك وحقدك عماكِ؟ بكت بثينة بعنف وهي تضع يدها على خدها بوجع شديد من صفاته: _يا هادي والله عملت ده عشان بحب… _اسكتي. تعرفي تسكتي؟ بتحبي مين؟ بتحبيني أنا؟ الكحيان؟

اللي مش عنده عربية ولا فلوس في البنك؟ مش ده كلامك ليا بعد ما خالك مشي يوم كتب الكتاب وأنك ما كنتيش حابة ترتبطي بيا لإنك مش طموحك؟ صمت ثم قال بعدها ببسمة ساخرة: _ولا لما لقيتيني بروح لغيرك احلويت في عينك؟ أصل ده مش حب أبدًا. إن الحاجة تكون معاكِ ومتبصيش ليها، ولما تلاقي غيرك أخدها تفضلي تدبدي برجلك وتقولي: "لا دي بتاعتي أنا". ده مش حب أبدًا يا بثينة. انتِ عارفة ده اسمه إيه؟ صمت يراقب ملامحها الشاحبة

وقد عراها أمام نفسها: _ده اسمه مرض نفسي. أنتِ مريضة يا بثينة والمفروض تتعالجي، وأنا عندي اللي يعالجك. رفعت بثينة عينها الحائرة له لا تفهم حديثه، لتجده يقول بكل قسوة:

_فرانسو كلمني عشان أسرع الجواز وأنا رفضت، وقولتله مش أنا اللي أرمي لحمي بالسهولة دي، ولازم كل حاجة تمشي براحة عشان تاخدوا على بعض وتعرفوا بعض. بس خلاص، أنتِ جبتي آخرك معايا يابنت عمي وأنا هعمل بأصلي وأكمل للآخر وأسلمك لعريسك. ووقتها أنسي إنك كنتِ تعرفيني في يوم يا بثينة، لأني هنساكِ. صمت وهو يرى ملامحها المفزوعة لما قال، ثم نظر لمروة وهو يتحدث بجدية كبيرة:

_ومتقلقيش على والدتك، هي أمي وهاخد بالي منها. لان ملهاش ذنب في مرض بنتها ولا عمايلها، وهاخدها تعيش مع أمي وهاخد بالي منهم. واظن كده عداني العيب. أنهى حديثه ثم تحرك صوب الباب، لكنه توقف فجأة وهو يقول دون أن يستدير: _آه صحيح، متخافيش محدش هيعرف بقذارتك دي غيرنا إحنا، لأن مش أنا اللي أفضح حد حتى لو كان عدوي. وكمان لأن شيماء متستحقش تتصدم بالشكل ده في صديقة عمرها.

أنهى هادي حديثه وهو يتحرك بسعة كبيرة جهة الباب، ثم أغلقه بعنف شديد خلفه، جاعلاً مروة تنتفض بفزع، ثم رمقت ابنتها بغير تصديق لما سمعته منذ قليل. لكنها لم تفعل شيئًا سوى أن رمتها بنظرة قطعت بثينة، ثم تحركت صوب غرفتها تستغفر ربها، تبكي حالها وتفكر فيما قصرت لتُبتلى بابنة كتلك؟ بينما بثينة كانت ترى عالمها ينهار أمام عينيها، لا تصدق ما حدث منذ ثوانٍ وكأنها في كابوس. كل شيء تدمر. كل شيء.

قد يكون العقل شرقي… لكن القلب والله عاشق. تلك الجملة لو يعلم زكريا وقعها على قلب فاطمة لاشفق عليها مما سببه لها. شعرت فاطمة بجسدها كله يرتجف بين ذراعي زكريا بعد سماعها لكلماته، لا تصدق ما سمعته للتو. ألن يرمقها بنظرات مشمئزة؟ أو يرميها بكلمات كالسهام كما فعل الجميع؟ أو حتى يشفق عليها كما البعض؟ وللعجب وجدته يتساءل عن المجرمين الحقيقيين، رافعًا عنها ذلك اللقب البغيض.

ابتعلت فاطمة ريقها وهي ما تزال تسكن أحضانه، تهمس بصوت منخفض جدًا يرفض عقلها التصديق بوجود شخص كهذا في العالم: _دي مثالية ولا ادعاء للمثالية؟ ابتسم زكريا بوجع شديد لما وصلت إليه. أبعدها زكريا عنه قليلاً ثم تحدث ببسمته الحنونة التي اعتادت فاطمة مشاهدته بها بعد أن كان التقطيب عنوان ملامحه: _تعرفي يا فاطمة إيه مشكلة المجتمع اللي إحنا فيه؟ صمتت فاطمة ولم تجب سوى بإيماءة، رافضة ليكمل زكريا وهو يتنهد:

_إن من كتر ما المجاري طافحة فيه وريحة الصرف الصحي ملياه، بقينا نستغرب ريحة المسك ونقول عليها معجزة. انكمشت ملامح فاطمة بعدم فهم لحديثه، ويبدو أن مغزى حديث زكريا لم يصل لها. ضحك زكريا بخفوت ثم جذبها لاحتضانه مجددًا وتحدث وكأنه يشرح لأحد التلاميذ عنه: _يعني من كتر ما بقى الكل بيتصرف تصرفات لا تمت للدين بصلة، بقينا نتصدم من اللي بيتصرف تصرفات عادية. صمت ثم أكمل:

_يعني اللي أنتِ بتقولي عليه مثالية ده أساسًا تصرف طبيعي المفروض كان يحصل، لكن لأنه أضحى نادر في المجتمع بقينا نشوفه تصرف خارق للطبيعة. الآن فهمت فاطمة ما يقصده، لكن ورغم ذلك لم تتغير ملامحها بمقدار أنملة. ليبعدها زكريا جاعلاً إياها تجلس على الأريكة، ثم جلس جوارها وصمت. طال الصمت بين الاثنين حتى كادت فاطمة تظن أنه دخل في صدمة متأخرة قليلاً، لذا نظرت بطرف عينها جهته لوحده شارد بشكل مخيف، ثم تحدث بهدوء شديد وتردد:

_هو… أنتِ يعني… قصدي… صمت لا يعلم كيف يخبرها بالأمر. زفر بضيق شديد وهو يدفن وجهه بين يديه. مهما ادعى أن الأمر لم يؤثر في رأيه، لكنه بالفعل أثر في قلبه. يشعر بطعنات متتالية توجه لصدره، لا يعلم ماذا يفعل. يود سؤالها عن من فعل ذلك، يود معرفة ما حدث معها بالتفصيل. لكنه لا يأمن انهياره أمامها بعدما هدأ. يود لو يركض من أمامها الآن لمنزله، ينزوي في غرفته ثم يبكي كطفل صغير بعيدًا عن أعين الجميع.

خرج زكريا من حديثه مع نفسه على صوتها الخافت والجامد بشكل مخيف حقًا: _كنت في تالتة ثانوي وقتها… كان يضمها بوجع شديد وفكرة أنها قد تتعرض لخطر يقتله، فها هي صغيرته الجميلة التي كتم حبه لها حتى أضحى قادرًا على الفوز بها… بين يديه وقد تعرضت للانهيار بسبب شيء لا يعلمه. ضم رشدي ماسة إليه أكثر وأكثر وهو يهمس لها أن تكون بخير لأجله فقط. حتى سمع طرقًا على الباب ليصرخ دون وعي: _قلت سيبونا لوحدنا، مش عايز أشوف حد.

أنهى حديثه يدفن وجهه في ماسة مجددًا يحاول كتم دموعه، لكن صوت شيماء الذي وصله مرتجفًا وهي تتحدث بخفوت جعله ينتفض وهو يستمع لنبرتها المرعوبة: _رشدي… هادي بره وشكله متبهدل أوي وعايز يقابلك. انتفض رشدي من جوار ماسة وهو يركض للخارج دون حتى أن ينتبه لثيابه غير المنمقة، متحدثًا بسرعة لشيماء: _خليكِ جنب ماسة ومتسبيهاش.

أنهى حديثه راكضًا لغرفة الضيوف ليجد أن شيماء قد أخطأت الوصف حين استخدمت كلمة "متبهدل" لوصف هادي. فهوئة هادي كانت أقرب للدمار، وكأنه قد تعرض لحادث منذ قليل. دخل رشدي بسرعة يغلق الباب خلفه سريعًا، ثم هرول جهة هادي بملامح مفزوعة لحالته: _هادي! مالك؟ حصلك حاجة؟ رفع هادي عيونه التي كانت أشبه بعيون رشدي، مليئة بالدموع وحمراء: _تعبان أوي يا رشدي ومش عارف أروح فين. زكريا مش في البيت و…

لم يكمل بسبب سماع الثلاثة لجرس المنزل يتبعه صوت سحر مرحبة بزكريا وهي تدله على مكان وجود رفاقه. طرق زكريا باب الغرفة ليتجه رشدي له ويفتح الباب ليفاجئ بزكريا يلقي بنفسه بين ذراعيه مرددًا بتعب شديد: _حاسس إني مخنوق أوي وبموت… نظرت منيرة بتعجب شديد لابنتها التي تتوسط الأريكة جوارها بهدوء مريب، وهي تفكر أنها لم تخبر زكريا بعد بالحقيقة. فهي لم تستمع لأصوات شجار أو صراخ منذ جاء وحتى غادر.

كانت نحمده تجلس على الأريكة المجاورة لتلك التي تتوسطها كلا من منيرة وفاطمة، وهي ترمق الاثنتين بشك كبير لهذا الهدوء: _هو فيه إيه؟ وزكريا كان هنا ليه؟ نظرت منيرة لنحمده بتأفف شديد، فهي دائمًا تتدخل فيما لا يعنيها، حاشرة أنفها في حياة الآخرين: _ولا حاجة يا نحمده يا ختي، كان جاي يطل على فاطمة ويشوفها لو عايزة حاجة. مصمصت نحمده شفتيها بسخرية وهي تتمتم بحنق: _ومالك يا حبيبتي بتقوليها كده ليه؟

هناكل حاجتها ولا يكونش هنحسدها يعني؟ زفرت منيرة بضيق شديد، فها هي تفسر حديثها على هواها. وما كادت تتحدث بكلمة إضافية حتى خرجت منار من غرفتها تحمل ورقة وقلم، تتقرب من فاطمة ببسمة واسعة: _فاطمة اديني رقم مستر زكريا عشان محتاجاه ضروري. وأخيرًا أصدرت فاطمة حركة تدل على أنها حية، حيث ارتفع طرف شفتيها بتهكم شديد دون أن تعي، مجيبة منار: _زكريا؟ وأنتِ هتحتاجي إيه من زكريا؟ ابتسمت منار تضم الورقة لصدرها ببسمة غبية:

_آه تصدقي نسيت أقولك… مش مستر زكريا هيدرس لنا العربي بعد كده؟ أصل المدرس القديم سافر تقريبًا. مستر زكريا أحسن كتير. صمتت ثم قالت بحماس شديد وبسمة بلهاء، غير منتبهة لتلك التي رمقتها بتشنج: _تعرفي أساسًا في الأول الكل ما كانش مطمن للمدرس الجديد، بس بعد ما شافوا مستر زكريا غيروا رأيهم. أصلك مشوفتيش هو كاريزما إزاي في الفصل ولا طريقة كلامه و…

توقفت عن الحديث وقد انتبهت فجأة لما تقول، وهي تجد الجميع يرمقها بتعجب شديد والبعض مستنكر كفاطمة ومنيرة التي صاحت بحنق شديد: _شوف العيال لسه قد إيه وبتتكلم إزاي؟ نظرت نحمده لابنتها بضيق شديد لحديثها ذلك، لكن منار لم تأبه لها ونظرت لفاطمة تحدثها: _هاتي بقى رقم مستر زكريا عشان عايزة أسأله عن المجموعات. شعرت فاطمة بنيران تشتعل داخلها بشدة لسبب تجهله أو تتجاهله:

_آه قولتيلي… بس يا خسارة. أصل مستر زكريا ملهوش في حوار المجموعات والحاجات الفاضية دي… وكمان مش بيحب يدي دروس خاصة لبنات أساسًا. صدمت منار من حديث فاطمة وقد التقطت اعتراضها الواضح من بين حروفها لتقول ببسمة خبيثة: _هو أنتِ غيرانة ولا إيه؟ ده المستر بتاعنا يعني، خلي عقلك كبير شوية، أكيد محدش هيبص ليه بالشكل ده. نهضت فاطمة تتحدث بحنق وغضب شديد: _والله محدش بيفكر بالشكل ده قد اللي في سنك يا منار.

أنهت حديثها ثم تحركت جهة غرفتها بغضب شديد من نفسها لشعورها بالتملك جهة زكريا، وهي من كانت تفكر في الانفصال عنه من ساعات فقط قبل محادثته. تاركة خلفها منار تبتسم بغيظ شديد. كان الثلاثة يجلسون في غرفة رشدي بعدما أخذهم لها بعيدًا عن الجميع. يتوسطون فراشه بين أحضان رشدي الذي كان يضم كلا منهما في جانب، مربتًا عليهما كأم تضم طفليها. كان الجميع في الغرفة يسبح في أفكاره الخاصة.

_نحن في غاية البؤس. الآن أدركت أننا لا نتشارك فقط الأسماء العجيبة، بل وأيضًا حظنا التعس. رفع هادي رأسه من على صدر رشدي يرمق زكريا بنظرات حزينة، ثم زفر وهو يعود ويضع رأسه على صدر رشدي الذي كان يستند برأسه على الحائط متحدثًا بضيق: _حاسس نفسي خلفتكم ونسيتكم… هو أنا ناقص هم؟ أبعد ياض منك ليه؟ مش ناقصة غم. تحدث رشدي وهو يبعد زكريا وهادي عنه ليعتدل في جلسته وهو يرمق الوجوه الواجمة ليقول مقتنعًا:

_الظاهر لما باظت، باظت على الكل. مالكم منك ليه؟ تحدث هادي دون أن يوضح: _بثينة. أضاف على حديثه زكريا: _فاطمة. ابتسم رشدي بسخرية كبيرة: _ماسة. نظر الثلاثة لبعضهم البعض ثوانٍ قبل أن ينفجروا في الضحك بصوت عالٍ، محاولين به إسكات صرخات قلوبهم وإخفاء آهاتهم. صمت الجميع ليتحدث زكريا بسخرية كبيرة: _آه من حواء… بإمكانها جعلك نرقص كالمجنون، وأيضًا قد تجعلك تبكي كالنساء. وكأن حواء خلقت فقط لتتحكم في آدم المسكين ومشاعره.

نظر هادي له ثم تنهد بتعب شديد وهو يلقي برأسه على قدم رشدي الذي حاول إبعاده بنزق شديد، لكن هادي تمسك في قدمه يرفض الابتعاد وهو يقول: _اسكت بقى خليني أرسم حالتي. نظر له الاثنان بعدم فهم ليتحدث رشدي بحنق شديد: _ترسم حالتك؟ _هممم… هما بيقولوا كده في الأفلام لما واحد يكون زعلان أوي بيقول: "سيبوني أرسم نفسي لوحدي". فجأة صرخ هادي منتفضًا من على قدم رشدي وهو يشعر بصفعة شديدة تهبط على وجهه وصوت زكريا يهدر به:

_اسمها "يرثي حالته" يا مغفل. إيه "يرسم" دي؟ أقول إيه جاهل ومتخلف. ابتعد هادي سريعًا من على قدم رشدي وهو يجلس على ركبتيه يصيح بحنق شديد: _يا عم زكريا مش ناقصة حصة عربي الله يكرمك. الواحد على آخره. وكما صفعه فجأة ضمه فجأة، حيث اتجه زكريا جهة هادي وضمه إليه وهو يربت على ظهره متحدثًا بخفوت: _خلاص يا هادي كله هيعدي يا حبيبي صدقني. كله هيكون بخير وأنا جنبك.

تعجب هادي حالة رفيقه لينظر نحو رشدي يسأله بعينه عن سبب ما يقوم به زكريا، ليهز له رشدي كتفيه بعدم معرفة لما يحدث. وما كاد هادي يبعد زكريا عنه حتى شعر به يبكي وكأنه حينما قال تلك الكلمات كان يقولها لنفسه ليهدأ. كانت تجلس جوار ماسة وهي تنظر لها بحزن شديد، تتذكر ما حدث لها. لكن أثناء ذلك حضرت في رأسها ذكرى مرأى هادي بتلك الحالة التي أصابت قلبها في مقتل، فهي شعرت بضيق تنفسها بمجرد رؤيته في تلك الحالة.

أغمضت عينها بوجع تود لو تنهض الآن مقتحمة الغرفة عليهم لترى إن كان بخير أم لا. أفاقت شيماء على صوت أنين جوارها لتنتبه أن ماسة على وشك الإفاقة من غفوتها القصيرة بفعل المخدر. كانت ماسة تحاول فتح عينيها بوجع شديد لا تشعر بأطرافها وكأنها تجمدت كليًا. حاولت فتح فمها للتحدث لكن لسانها لم يسعفها سوى بقول: _رشدي… نهضت شيماء سريعًا وهي تقترب من ماسة تبتسم لها: _ماسة حبيبتي أنتِ بخير؟

نظرت لها ماسة بتشوش تهمس مجددًا باسم رشدي، تريده جوارها الآن. لتتحدث شيماء وقد وجدت فرصتها للذهاب والاطمئنان على رشدي: _رشدي؟ عايزة رشدي؟ هزت لها ماسة رأسها وهي تشعر بدوران شديد قد أصابها. تحركت شيماء سريعًا جهة الباب وهي تجيبها: _هروح أناديه… يعني أنتِ قلتيله كل حاجة؟ هزت فاطمة رأسها بإيجاب على سؤال والدتها التي لحقتها للغرفة ومنذ ذلك الحين وهي تستجوبها عما حدث حينما كان زكريا هنا.

لم تصدق منيرة ما سمعته من ابنتها. هل علم كل شيء؟ ورغم ذلك لم تسمع صوته حتى أو صراخه بهم أنهم خدعوه أو ما شابه. _طب… طب هو قال إيه؟ زفرت فاطمة بضيق شديد وهي تعيد حديثها للمرة المائة على والدتها: _بعد ما حكيت له كل حاجة ابتسم بس وهز رأسه ومشي يا ماما مقالش حاجة أبدًا. _يعني هيطلقك؟ فزعت فاطمة من مجرد الفكرة، فليس بعد أن وجدت الأمان في حياتها البائسة يتركها. _لا مش هيطلقني. _هو قالك كده؟

صمتت فاطمة لا تعرف بما تجيب والدتها وكيف تصف لها ردة فعله وما فعله والذي يؤكد لها جيدًا أنه لن يطلقها أبدًا: _أنا واثقة فيه يا ماما ولأول مرة في حياتي أثق في حد وواثقة جدًا إنه عمره ما هيسيبني. قلبي بيقولي كده. قلتلك هحكي لكم بعدين يا رشدي، سيبوني بس أهدى الأول لو سمحتم. زفر رشدي بضيق شديد، فهو منذ عاد زكريا للبكاء بين أحضان هادي وهو يشعر بوجع شديد في قلبه وقلق كبير قد ملء صدره. _تمام يا زكريا، اعرف إننا دايما معاك.

ابتسم له زكريا ثم هز رأسه بشرود شديد، وهو قرر أنه سيبدأ البحث عن ذلك الحقير الذي تجرأ وفعل ما فعله بفاطمة: _رشدي لو عايز ألاقي شخص معين ومعرفش غير اسمه وعنوان سكنه القديم، تاخد قد إيه وتلاقيه ليا؟ نظر كلا من هادي ورشدي لبعضهما البعض بعدم فهم، لكن رشدي أجابه بتفكير: _على حسب الأمر ده مش محسوم غير لما أدور بنفسي.

هز زكريا رأسه ثم انحنى قليلاً للطاولة التي تجاور فراش رشدي وحمل قلم ودفتر صغير، ثم خط فيه ببعض الكلمات الصغيرة وقطع الورقة وأعطاها لرشدي وهو يقول بجدية كبيرة: _عايزك تجبلي الشخص ده يا رشدي. تعرفلي هو فين بس ارجوك الموضوع مهم أوي بالنسبة ليا. تعجب الاثنان أكثر من حديث زكريا، فلم يسبق أن تحدث زكريا في هكذا أمور أو كان مهتمًا بأحد بهذا الشكل الذي يظهر من تعابير وجهه وطريقة حديثه. نظر رشدي للورقة بيده وهو

يقرأ الاسم بحيرة شديدة: _جمال عبدالعظيم؟ سمع الثلاثة طرقًا على الباب ليتجه رشدي صوبه، ثم بعدها سمع هادي وزكريا صوته يقول بلهفة شديدة: _فاقت؟ استدار رشدي وهو ينظر لرفيقيه متحدثًا بسرعة وهو يركض خارج الغرفة: _ثواني وجاي… راقب الاثنان رحيله المتلهف ليعلموا أن ماسة أفاقت وأخيرًا. استدار زكريا لهادي ثم قال له فجأة بشكل صدمة: _لو حابب أفرح بنت يا هادي، أعمل إيه؟

كان الجميع متجمع في غرفة رشدي بعد رحيل كلا من هادي وزكريا بشكل غريب. لم يترك رشدي ماسة ولو لثانية واحدة، فقد كان يضمها بشدة وأمام الجميع، حتى تحدث إبراهيم بحنق كبير لابنه: _مش معقولة قلة الأدب دي. يابني احترم إننا واقفين. تنحنح رشدي بخجل وهو ينظر لوالده قليلاً قبل أن يقول: _والله يا حاج كويس إنك فتحت الموضوع لإن كنت محرج أفتحه. نظر له الجميع بعدم فهم ليكمل هو ببسمة محرجة:

_أنا يعني كنت بقول لو تاخد الناس اللي معاك دي وتخرج يعني، هكون ممنون ليك. فتح الجميع أفواههم ما بين مستنكر وخجل، حيث ركضت شيماء للخارج بخجل. تحدث رشدي بضحك وهو ينظر لرحيل شيماء: _شوف أهي شيماء طلعت ذوق وفهمت أنا عايز إيه ومشيت. يلا بقى جر شوية العواجيز دول معاك وسيبنا. اقتربت ماسة من رشدي تهمس في أذنه بحنق شديد: _رشدي أنا قليلة الأدب آه، بس مش للدرجة دي. ما ينفعش كده قدام الكل. نظر لها رشدي بحنق شديد،

ثم همس لها بنفس النبرة: _فين قلة الأدب دي؟ ما أنا بمشيهم عشان ما يبقاش قدامهم. _لو مش بقاطع حاجة يا أستاذ رشدي ممكن تخليك معايا شوية. ألتفت رشدي لوالده بتعجب ليسمعه يردد بحنق شديد وتهكم: _كنت بقول نعمل فرحكم وكده كده شقتك جاهزة ونلمكم بدل الفضايح دي. وفجأة دوى صوت زغرودة هزت أركان الغرفة كلها، لينظر الجميع جهة ماسة التي انتفضت من الفراش تطلق الزغاريد بفرحة شديدة. تحدث رشدي بحنق شديد:

_الله ما أنتِ زي القرود آه، أمال مين اللي كانت بتطلع في الروح من كام ساعة؟ بعدين يا عديمة الدم أنتِ المفروض تتكسفي على دمك شوية وتتمنعي. رمقته ماسة بحنق شديد، ثم هبطت من الفراش وهي تتجه صوب أمها تمصمص شفتيها بسخرية: _يلا يا أما ننزل نشوف فستان الفرح. قال اتمنع قال. ضحكت سحر بفرحة شديدة لعودة ابنتها مرة أخرى، بينما كان رشدي يرمق ماسة بغيظ شديد لوقاحتها تلك: _ياربي مش معقولة اتجوز واحدة بالشكل ده.

كانت ماسة تتحرك نحو الخارج وهي تتمتم بأغنية تتمايل يمينًا ويسارًا: _طلي بالابيض طلي يا زهرة نيسان. راقب رشدي طريقة تمايل ماسة حتى خرجت من الغرفة ليتشنج وجهه بسخرية لاذعة: _لا زهرة نيسان إيه بقى؟ دي فجلة نيسان… بصلة نيسان… إنما زهرة دي بعيد عن شعرك الأكرت يا نتنة.

كان يقف مع هادي أمام باب منزل فاطمة وبيده كل ما قال عليه هادي، يبتلع ريقه بخجل شديد متردد من طرق الباب أو التقدم إليه، ليشعر بهادي يدفعه للباب لكنه يرفض ذلك وكل ثانية يعود للخلف حتى كاد يركض من هادي في أحد المرات. _يا أخي اخلص بقى هتطلع روحي.

زفر هادي بضيق وهو يترك زكريا يقف أمام الباب، ثم سريعا اتجه صوب جرس باب منزل فاطمة وطرقه، ثم ركض لمنزله سريعا وتبعه زكريا الذي أراد الدخول معه للاختباء، لكن هادي أغلق الباب سريعًا قبل أن يصل له وهو يفتح النافذة الصغيرة في الباب صارخًا في وجهه بحنق شديد: _امشي ياض أقف قدام الباب، امشي يا حيوان. احتدمت نظرات زكريا وما كاد يتحدث صارخًا به حتى سمع صوت خلفه يقول بتعجب: _مستر زكريا؟ بكرة؟

فزعت شيماء من حديث رشدي الذي أتى يخبرها أن غدًا خطبتها على هادي، والذي رفض أن يأتي يومًا للتعرف قائلاً أنهم بالفعل يعرفون بعضهما البعض، لذا لينتقلوا لمرحلة الخطبة مباشرة. _أيوه يا شيماء بكرة. فيه عندك أي اعتراض؟ صدقيني لو مش مستريحة هـ… قاطعت شيماء رشدي سريعًا ودون أن تنتبه للهفتها: _لا يا رشدي مفيش اعتراض بس… هو يعني…

صمتت بخجل بعدما استوعبت ما قالته منذ قليل. ابتسم لها رشدي وهو ينتقل للجلوس جوارها، ثم جذبها لاحتضانه بحنان شديد يربت عليها بحب: _حبيبتي صدقيني أنا لو كنت لفيت الدنيا دي كلها ما كنت هلاقي ليكي واحد زي هادي. سيبك من إن هو صاحبي بس والله الواد راجل يعتمد عليه وطيب واهبل وفيه كل الصفات اللي ممكن ست تتمناها. ابتسمت شيماء بخجل ثم صمتت وهي تنظر لرشدي بريبة: _هي خطوبة بس صح؟ ضحك رشدي بصخب شديد على خجل

أخته ليقول لها بكل صراحة: _بصي يابنتي هو حتى الآن هي مجرد خطوبة، بس أنا عن نفسي ما ضمنش هادي ممكن تلاقيه بكرة جايب زفة وياخدك معاه وهو ماشي. ابتلع زكريا ريقه بصعوبة وهو يستدير واضعًا وجهه أرضًا يتجه للباب بخطوات صغيرة متحدثًا بصوته الهادئ الرخيم: _السلام عليكم. فاطمة موجود؟ نظرت منار له بصدمة مما يحمل، لا تصدق أن هذا الذي يقف أمامها يحدثها واضعًا وجهه أرضًا وحاملًا لكل تلك الأشياء هو نفسه معلمها ذو الهيبة الشديدة.

_أيوه فاطمة جوا في أوضتها اتفضل. تحرك زكريا صوب الباب ليشير لها بالتنحي جانبًا حتى يمر، لتفعل هي ذلك مبتعدة عن الباب. تحرك زكريا للداخل وهو يتنحنح حتى يعلم الجميع بقدومه. قابل في طريقه منيرة التي خرجت من المطبخ تحمل في يدها ملعقة كبيرة ترمقه بعدم فهم، ليتحدث هو بحرج شديد يلعن في سره هادي وما فعله به: _السلام عليكم. بعتذر لو جيت بدون ما أستأذن بس كنت عايز فاطمة و…

قاطعته منيرة بسرعة ولهفة تتخلل صوتها مشيرة لغرفة ابنتها التي تركتها منذ ساعة تقريبًا شاردة بشكل مخيف: _البيت بيتك يا حبيبي تيجي وقت ما تحب. ادخل الأوضة دي فاطمة فيها. نظر زكريا للغرفة بتردد شديد، ثم ابتسم بحرج وهو يتجه صوبها بخطوات بطيئة بعض الشيء، يتمنى لو يطول به الطريق لها. لكن ها هو يقف أمام الباب وهو يطرقه بهدوء شديد ينتظر الإذن بالدخول. ثوانٍ وسمع صوت فاطمة يأذن له بالدخول.

كانت تتسطح على فراشها بتعب شديد، ليس تعبًا جسديًا بل نفسيًا. تخشى أن يتراجع زكريا في حديثه، تخشى أن يتركها بعدما حصلت منه على أمل في أن يقف جوارها. فما مرت به وما رأته من جميع من حولها جعلها تفقد الثقة في العالم كله. خرجت فاطمة من شرودها على صوت طرقات بابها لتتعجب بشدة من ذلك، فمنذ متى كان سكان المنزل يحترمون خصوصياتها. فعمتها ومنار يقتحمون الغرفة كما لو كانوا أحد أفراد فرقة المكافحة.

فُتح الباب ببطء شديد وكأن الطارق يخشى أن يخرج له وحش من خلفه. ثوانٍ قليلة حتى وجدت فاطمة دبدوب كبير زهري اللون مختلط باللون الأبيض يدخل من الباب يتبعه بعض البالونات. فتحت فاطمة فمها ببلاهة شديدة وهي تقف على ركبتيها في فراشها تراقب ما يحدث جيدًا، حتى وأخيرًا أطل ببسمته البشوشة من خلف الباب يحمل كل تلك الأشياء المبهجة.

دخل زكريا للغرفة ثم أغلق الباب بهدوء ووقف خلفه وهو يجلي حلقه محاولًا التفكير في شيء ليقوله، بينما يحمل في يده العديد والعديد من البالونات وهناك دبدوب أسفل ذراعه ويده الأخرى يحمل بها بعض الزهور البيضاء وعلبة حلوى متوسطة الحجم. كانت فاطمة تنظر لزكريا ببلاهة شديدة لا تفهم شيئًا أبدًا مما ترى. تقدم زكريا منها ببسمة خجلة بعض الشيء مما يفعله، فهو لم يسبق أن رفع حتى نظره في فتاة.

وضع زكريا كل ما يحمل على الفراش حول فاطمة وهو يعتدل في وقفته يقول ببسمة: _أخبارك؟ كانت فاطمة لا تستوعب شيئًا أبدًا مما يحدث أمامها، هل… هل فعل كل هذا لها؟ أحضر كل تلك الأشياء لها؟ شعرت بدموعها تهبط دون وعي ليفزع زكريا من الأمر وهو يقترب منها بشدة يمسك وجهها بين كفيه بحنان شديد هامسا: _ماذا؟ ألا تحبين تلك الأشياء؟ ازداد بكاء فاطمة أكثر لتتغضن ملامح زكريا بشدة وهو ينظر لكل شيء بحسرة شديدة: _معجبتكيش الحاجات؟

أنا جبت كل حاجة ممكن تحبيها زي ما هادي قالي. الظاهر إن آخر مرة هادي عمل مفاجأة لبنت كانت في ابتدائي مش فاهم أنا إيه كمية الدباديب والبلالين دي؟ ياريتني كنت سألت رشدي بدل المتخلف ده على الأقل كـ…

توقف زكريا عن التحدث بسبب صدمته من فاطمة التي ارتمت في أحضانه بعنف شديد وهي تبكي أكثر. عاد زكريا للخلف بفزع وهو يرفع يده عاليًا بسبب صدمته لما حدث. ازدادت ضربات قلب زكريا وهو يبتلع ريقه ينظر للأسفل ليجد فاطمة تتعلق به كما لو كانت طفلة تتعلق بوالدتها وهي تضع رأسها على صدره وتدفن نفسها أكثر في صدره، بينما مازالت تجلس على ركبتها على الفراش وهي تهمس ببعض الكلمات الغريبة التي لا يفهمها زكريا، لكنه رغم ذلك مدّ يده يحاوطها بدفء محبب لقلبها وهو يضع ذقنه أعلى

رأسها هامسا بحنان شديد: _أعجبتك تلك الأشياء السخيفة؟ ضحكت فاطمة من بين دموعها وهي تهز رأسها بسرعة ليبتسم زكريا بسمة أظهرت أسنانه البيضاء وهو يهمس لها: _إذا سأخصص جزء من راتبي لتلك الأشياء وكل شهر أحضر لكِ منها، جيد؟ ابتسمت فاطمة أكثر وهي تهمس بصوت مبحوح من البكاء: _هممم حلو أوي عجبوني أوي شكراً. _على الرحب يا جميلة الجميلات، نحن طوع أوامر سموك غاليتي. ضحكت فاطمة وهي تضمه أكثر وقد أضحى حضنه هو مسكنها المفضل.

_إذا جميلتي كنت أفكر في أن ننهي هذا الأمر ونبدأ من جديد وبطريقة صحيحة. لم تفهم فاطمة الأمر لتبتعد عنه قليلاً وهي تنظر له بتعجب تردد بصوت منخفض قليلاً: _مش فاهمة. ابتسم زكريا وهو يمسح وجهها بحنان ماسحًا دموعها برقة شديدة وهو يقترب منها بتردد شديد ليقبل وجنتها سريعًا ثم ابتعد وهو يقف بشكل مستقيم وكأنه لم يفعل شيئًا ثم تحدث ببسمة واسعة:

_أقول بأن تحددي ميعادًا لي مع والدتك لأني سآتي لطلب يدك غدًا. فلنسر الطريق من بدايته بشكل صحيح. ابتسم وهو ينهي حديثه هامسا في نفسه بحقد وغضب: _بعدما انتهى من تنظيف القمامة به. في اليوم التالي: كان رشدي يحاول كتم ضحكاته وهو ينظر لمظهر زكريا الذي صدم من أن اليوم خطبة هادي بعدما خطط هو للذهاب مع والديه لزيارة فاطمة. _خلاص بقى يا زكريا متبقاش قموص زي هادي. يا عيني الواد استحمل كتير أوي خلينا نزوجه ونخلص بعدين نفوق ليك.

لم يجبه زكريا بل لوى فمه بحنق شديد وهو يتابع هادي الذي كاد ينهض من جوار شيماء ويرقص بين الجميع فرحًا وقد وصل أخيرًا لتلك اللحظة. ورغم غياب بثينة الذي تعجبه الجميع وأراح هادي بشدة، إلا أن والدتها كانت أول الحاضرين لهذه الخطبة بطلب من هادي. نظر هادي بجانبه لشيماء التي كادت تختفي من الخجل وبسبب نظرات ذلك الذي يجاورها. _مبارك يا شوشو. نظرت له شيماء بخجل شديد وهي تهمس له:

_مينفعش تقولي شوشو على فكرة. أحنا مخطوبين بس مش متجوزين. ابتسم هادي بحيث وهو يلمح بطرف عينه فرج الذي دخل وتبعه رجل كبير في السن يحمل دفتر ويرتدي عباءة سوداء: _وماله؟ نتجوز وأقولك اللي أنا عايزه. لم تفهم شيماء شيء حتى وقع نظرها على ما يحدق به هادي لتخجل بشدة وتنهض من جواره وتركض للداخل يتبعها ماسة وفاطمة. زفر رشدي بحنق شديد وهو يرى ما يفعل صديقه ليجد والده يتحدث له بضيق: _هو صاحبك ده عبيط؟

بيحطني قدام الأمر الواقع يعني؟ _هو مش أنا قولت منك ليه يا بابا يبقى لو سمحت متدخلنيش في أموركم العائلية. أنا برة الحوار ده كله. اتجه هادي سريعًا صوب فرج الذي كان يسند المأذون والذي يبدو عليه أثر المرض نتيجة لكبر سنه. _إيه ده ماله؟ نظر فرج لهادي وهو يساعد المأذون في الجلوس متحدثًا بصوت منخفض: _أصله نسي دوا الضغط فبعت عيل يجيبه ليه. اصبر ياخد الدوا وتلاقيه قام زي القرد دلوقتي.

نظر هادي لفرج بشر كبير وهو يسحبه بعيدًا عن المأذون الذي كان يسعل بعنف متحدثًا لوالدته: _كوباية ميه لا الراجل يفطس مننا يا ما… سحب فرج جانبا وهو يسبه بخفوت: _ما هو أنا استاهل اللي بيجرالي عشان اعتمدت عليك يا فرج. رايح تخرج الراجل من تربته وجايبه ليا يكتب كتابي؟ _يابني تربة مين ده أشهر مأذون في المنطقة كلها. ده هو اللي كان كاتب كتابي. أخرج هادي صوتًا ساخرًا من حنجرته وهو يتحدث:

_مش فاهم إيه العلامة المميزة في إنه يكتب كتابك يعني؟ يكونش كتب كتاب الأمير تشارلز ولا إيه؟ بعدين يعني تاعب الراجل وشيلته من على جهاز التنفس كده يفطس مننا؟ اعترض فرج على حديث ذلك الهادي المزعج والذي لا يعجبه شيء: _أنا مش فاهم ماله الراجل. عمال تقول تربة وجهاز تنفس. ما هو زي الفل أهو وإن شاء الله يكتب كتابك ونفرح بيك و… _ياللهوي الحقني يا هادي الراجل هيروح مننا. نظر هادي بشر لفرج وهو يهدر في وجهه بغضب:

_نقيت فيها يا بومة. أهو الراجل بيسلم نمر أهو وهيقابل رب كريم. اقتلك أخلص منك ولا أعمل إيه؟ ترك هادي فرج وركض جهة الرجل وهو يحمل الدفتر سريعا يلوح به أمام وجهه وهو يصيح به: _امسك نفسك أبو س إيدك عايز أدخل دنيا. تحدث الرجل العجوز وهو ينظر أمامه: _أنا جايلك يا غالية. وحشتيني أوي. صاح هادي وهو يسرع من حركة يده: _لا استني شوية يا غالية. يعني هي وحشتك لما جيت تكتب كتابي؟ إيه فكرتك بيها ولا إيه؟

أبو س إيدك امسك نفسك لما تكتب الكتاب وابقى روح معاها. كان زكريا يجلس جوار الرجل يربت على صدره في حركات دائرية يحاول مساعدته، بينما هادي يولول كما النساء جواره يندب حظه ويلعن فرج. اقترب فرج منهم وهو ينظر للرجل بحزن يقول: _لا حول ولا قوة إلا بالله. مالك بس يا حاج سعد؟ ما أنت كنت زي الحصان؟ رمقه هادي بشر وهو يصيح في وجهه ومازالت يده تتحرك بعنف: _مالوش يا خويا عنده شوية مغص بس. ضرب فرج كفًا بكف وهو يتحدث بحسرة شديدة:

_لا حول ولا قوة إلا بالله. طب حد يعمله كوباية لمون دافية طيب و… لم يكمل فرج حديثه بسبب هادي الذي ألقى الدفتر أرضًا ثم انقض عليه صارخًا في وجهه: _هقتلك يافرج هقتلك وابعتك معاه تاخد بايده. نظر فرج له برعب شديد يحاول الابتعاد عنه وهو يصرخ: _أعملك إيه؟ ملقتش غيره وانت قلت تقب وتغطس وتطلعلي بواحد وده اللي لقيته. كاد هادي يتحدث صارخًا في وجهه لولا ذلك الصوت الذي صدح في المكان: _أين العريس؟

توقف هادي وتوقف الجميع بتعجب لذلك الصوت ليجدوا أنه لم يكن سوى صوت المأذون الذي اعتدل في جلسته وحمل الدفتر من الأرض وفتحه وهو يتحدث كما لو أنه كان يصارع الموت منذ قليل. نظر له الجميع ببلاهة ليتحدث فرج ببسمة وهو ينسل من بين يدي هادي: _شوفت قولتلك الراجل زي الفل ومش فيه حاجة. هو بس كان بيشحن.

تجاهل هادي فرج وهو يركض جهة المأذون صارخًا به أن ينهي عقد القرآن قبل أن ينفذ شحنه مجددًا. وسريعًا تم الأمر بلمح البصر لينتهي المأذون معلنًا ارتباط قلبين آخرين. علت الزغاريد في المكان وارتفع صوت المهنئين لهادي، لكن كل ذلك توقف بمجرد سماع صرخة ماسة باسم فاطمة. فزع زكريا وشعر كما لو أن قلبه قد توقف عن الخفقان ليركض سريعا جهة المكان الذي به فاطمة ليجدها ساقطة في الممر وجسدها متيبس وقد عادت حالتها مجددًا.

انحنى زكريا سريعًا لفاطمة وحملها من الأرضية وهو يركض بها صوب الغرفة التي فتحتها له ماسة مشيرة له بالدخول. أشار زكريا لماسة أن تغلق الباب خلفها. خرجت ماسة وهي تغلق الباب خلفها تاركة زكريا الذي يضم فاطمة بعنف شديد هامسا في أذنها: _إششش أنا جنبك يا قلبي. أنا هنا يا فاطمة. وكأن صوته قد مثل لها طوق النجاة حيث تمسكت به في عنف وهي ترتجف مرددة بنبرة مرتعبة شديدة وهي تبكي بعنف: _أنا شوفته. أنا شوفته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...