كان المكان هادئ بشكل كبير يتخلله ذلك الصمت صوت مضغ الطعام وتصادم الملاعق. نهضت الأم لتحضر طبقًا ما من المطبخ كانت قد نسبته بالخطأ. ليتحدث الشاب الكبير الذي يترأس طاولة الطعام وهو ينظر لأخيه الأصغر بنظرات تبدو كما لو أنها تخترقه: _مش صاحبك كان منورنا انهاردة؟ انتبه مصطفى من طعامه على حديث أخيه الأكبر ليكرمش ملامحه بتعجب متسائلاً: _صاحبي؟ صاحبي مين؟ ابتسم جمال بسمة باردة وهو يتناول طعامه ببطء مثير
للأعصاب خاصة على مصطفى: _رشدي…. مش هو صاحبك برضو؟ ابتسم مصطفى بسخرية وهو يكمل طعامه: _آه صاحبي فعلاً…. بس كان عندك يعني بيعمل إيه؟ _كان جاي يشوف مراته لأنها كانت مقبوض عليها في خناقة في مؤتمر كده…. _ماسة؟ كانت ردة فعل سريعة من مصطفى على حديث أخيه الأكبر ليندم بعدها على ما نطق وهو يرى نظرات أخيه ترتفع من طبقه ثم توجه إليه وهناك بسمة مخيفة ترتسم على جانب فمه وهو يهتف بنبرة قد تبدو عادية للبعض، لكن بالطبع ليس له هو:
_وانت عرفت اسمها منين؟ ابتلع مصطفى ريقه وهو يحاول أن يدعي انشغاله في الطعام: _ما انت عارف إن رشدي صاحبي واكيد يعني أعرف عيلته و…. _بس مش مراته يا مصطفى. نظر مصطفى لأخيه يحاول ادعاء الثبات: _قصدك إيه يا جمال؟ بتلمح لإيه؟ عاد جمال بظهره للخلف وهو ينظر لأخيه نظرات مرعبة ثم قال بتقرير: _بقالك أسبوعين تقريبًا بتسهر بشكل مريب ومعظم اتصالاتك بيتذكر فيها الاسم ده…. ماسة…. يا ترى دي صدفة ولا….
ترك جمال كلامه معلقًا ليشعر مصطفى بأن الهواء نفذ من حوله، فاخيه ليس سهل البتة وإن اكتشف ما يفعله بقسم أنه سيقتله بأبشع الطرق. _دي دي هي واحدة أعرفها كانت قصداني في خدمة وده تشابه أسماء يعني مش…. صمت مصطفى لا يعلم ما يقول ليبرر موقفه، لكن فجأة اخترق مسامعه صوت أخيه الذي يبدو كما لو أنه فحيح: _أتمنى يكون فعلاً تشابه أسماء، لأن لو طلع شكي صح صدقني مش هيكون عندك حتى فرصة تندم.
أنهى جمال حديثه ليضرب الطاولة بعنف ثم نهض تاركًا خلفه أخيه يكاد قلبه يتوقف من الرعب مفكرًا أن جمال قد يعلم عن أفعاله. انتفض فجأة على صوت رنين هاتفه ليمسكه وهو ما زال يرتجف رعبًا مجيبًا بخفوت: _الو…. _الو يا برنس أخبار الدنيا عندك إيه؟ زفر مصطفى يحاول تهدئة نفسه: _اسكت بالله عليك عشان قلبي كان لسه هيقف من شوية. _إيه ده؟ ليه كده؟ حصل إيه؟ كان الرعب ظاهرًا في صوت رفيقه ليجيبه مصطفى وهو ينظر لغرفة أخيه:
_جمال بقى ينخرب ورايا وشاكك بالموضوع إياه بتاع رشدي. انطلق ضحكة من الجانب الآخر تبعه صوته: _يا أخي أخوك ده كان مشروع جن بس فشل، حقيقي مرعب ده أنا لما بقف قدامه بحس إني عايز أعترف بكل البلاوي بتاعتي من هيبته. ارتسمت بسمة سحرية على جانب فم مصطفى: _شوف يا أخي أنتم الاتنين نفس الاسم بس شتان ما بينك وبينه. ضحك الآخر وهو يجيب: _سيبنا من أخوك وقولي هتيجي إمتى عندي؟ أغمض مصطفى عينه مجيبًا بحيرة:
_كنت الأول مقرر أخلص من حوار ماسة ده وأسافرلك بس شكلي كده هسرع الموضوع، المهم انت ظبطلي الدنيا عندك. علت بسمة خبيثة وجه الآخر وهو يجيب: _عيب عليك يا برنس أنت بتكلم جيمي مش واثق في جيمي ولا إيه؟ ضحك مصطفى وهو يردد بخبث: _لا عيب إزاي وهو أنا ليا غير جيمي؟ ربنا يخليلي جيمي رفيق السوء وكل المصايب. ***
تحركت بخفة في الحارة وهي تحمل بيدها مصحفها الخاص متجهة صوب منزله بسعادة نادراً ما اعتلت ملامحها ونادراً ما زارت قلبها، وكيف لا وقد أصبح هو يسكن جسدها كله. تحركت فاطمة بحركات سريعة وخفة جهة المنزل الخاص بزكريا وهناك بسمة جميلة ترتسم على ملامحها، فاليوم ستعود مجدداً لشيخها، لكن تلك المرة بقلب مطمئن مرتاح وليس قلق مرتاب. دقت فاطمة جرس الباب وانتظرت قليلاً بشوق كبير حتى أطل وجه وداد البشوش وهي ترحب بها مضيفة:
_فاطمة بنت حلال والله لسه عاملة كيكة عسل ادخلي نأكل سوا لغاية ما زكريا يرجع من المدرسة. *** كده كل شيء واضح؟ أنهى زكريا كلامته وهو يضع قلمه في حقيبته بعدما انتهى للتو من حصته منتظراً أي سؤال من أحد. لكن لم يصدر من أي فتاة شيء ليهز رأسه برضا وهو يبتسم لهن بسمة صغيرة: _تمام أشوفكم الأسبوع الجاي وجمعة مباركة مقدماً.
أنهى زكريا حديثه وحمل حقيبته وخرج من الفصل سريعا يعدل في وضع ثيابه ينفض بعض الغبار الذي لا يعلم مصدره عن قميصه، لكن أثناء ذلك اصطدمت به مجموعة فتيات بعنف شديد مما أسقطه أرضًا وفوقه فتاة ما ليصرخ بفزع شديد رافعًا يده للأعلى: _ربـــــــــــاه. نهضت الفتاة سريعًا من فوق زكريا وهي تكاد تبكي خوفًا وحرجًا تعتذر بشدة: _والله آسفة يا مستر آسفة ما أخدتش بالي والله العظيم ما قصدي.
كان زكريا ما يزال ساقطًا أرضًا يغمض عينه بغضب يحاول الهدوء فيبدو من صوت الفتاة أنها لم تقصد فعلاً. استغفر ربه ثم تحدث دون أن يرفع نظره للفتاة: _مفيش مشاكل اتفضلي على فصلك يا آنسة. أنهى حديثه وهو ينهض وينفض ثيابه مستغفرًا ربه ثم انحنى وحمل حقيبة ظهره الشبابية وهو يكاد يرحل ليسمع فجأة همسة مرتجفة: _مستر. توقف زكريا واستدار بتعجب ليجد الفتاة تنظر أرضًا بخجل وخزي متحدثة: _أنا آسفة والله.
حاول زكريا الابتسام فتلك الفتاة هو يعرفها بالفعل ويعلم جيدًا تفوقها وهدوئها وليست من الفتيات المشاغبات اللاتي قد يفعلن شيئًا كهذا عن قصد: _ولا يهمك يا آنسة أميمة اتفضلي على فصلك. أنهى كلمته ثم استدار سريعًا وهو يرحل صوب غرفة المعلمين ينفض ثيابه وهو يشعر بذراعه يؤلمه وقد أدرك أن هناك جرحًا قد حدث به جراء احتكاكه بالأرضية. *** ضحكت وداد بشدة وهي تمد يدها بقطعة كعك أخرى لفاطمة مضيفة:
_كان شيطان وهو صغير والله كنت دايماً أقوله الله يعين أهلك عليك يا ابني. يقولي إيه يا خالتي وداد هو أنا عملت إيه؟ ابتسمت فاطمة باتساع وهي تهز رأسها بيأس فيبدو أن هادي من صغره كان مشاغبًا. سمعت وداد تكمل حديثها: _رشدي بقى كنتِ تحسيه عجوز صغير عيل أروّب كده كان يحشر مناخيره في كل حاجات الكبار ويقول أنا كبير ومش صغير عشان كده عارف كل حاجة وهو يا عين أمه كان أهبل.
ضحكت فاطمة من قلبها تتخيل رشدي الصغير وهو "أهبل" كما تصفه وداد وتقارنه برشدي الحالي ذو الهيبة والحنكة وذو الهالة المخيفة. صمتت تحاول الهدوء بسبب الضحكات: _طب وزكريا؟ خرج اسمه منها بحنين وحب شديد لتبتسم وداد وهي تقص عليها طفولة صغيرها:
_زكريا هو كان فيه زي زكريا يا قلبي، كان عيل مع نفسه وهادي ولا تسمعيله حس. عمره ما غلبني في صغره كنت أحطه في أي مكان وأحط معاه أي لعبة يقوم يسكت ولا يعيط ولا غيره لدرجة إني كشفت عليه قلت الواد لا قدر الله فيه حاجة ولا دماغه فيها حاجة. ابتسمت فاطمة باتساع تتخيل زوجها وهو صغير لتكمل لها وداد:
_كبر ولسه على حاله هادي ومسالم بقيت أوديه لشيوخ يحفظ معاهم وبقى يقرأ كتب كتير أوي من صغره وأي كلمة ميّعرفهاش يجي يسألنا كان شبه مثالي إلا من عناده وعصبيته. رغم هدوئه ده كله إلا أنه كان لما يعاند على حاجة ويتعصب عينك ما تشوف إلا النور. والله لو قطعتيه حتت كده برضه هينفذ اللي في دماغه. صمتت قليلاً لتبتسم بعدها وهي تتذكر إحدى ذكرياتها:
_في مرة لقى قطة في الشارع وكان شكلها كأنها جربانة جبها البيت معاه وكان بيعيط عليها ويقولي القطة تعبانة يا ماما وقتها كان عنده ٦ سنين باين. يومها عملت مشكلة كبيرة عشان يطلع يرميها في الشارع ويجي يغسل إيده بس هو أبداً قعد حاضنها ويعيط ويقولي هتموت لو طلعت خليها معانا. سقطت دمعة من عين وداد وهي تتذكر تلك الأيام:
_وقتها لؤي قالي خليها معاه عشان مش هيسيبها. وهو كأنه ما صدق إننا وافقنا قام دخل جري على التلاجة لم كل الأكل اللي فيها وحطه قدامها وقالها شوفي عايزة تأكلي إيه وكليه. ضحكت وداد وهي تمسح دموعها:
_ساعتها خلى لؤي يوصي نجار يعملها بيت صغير وبقى يجبلها علاج وأكل على طول وياخد باله منها وبقى يحبها أكتر مننا ويلعب معاها هو ورشدي وهادي لحد ما جه في يوم صحي لقاها ميتة بعد ما قعدت معاه شهور اليوم ده قعد يعيط عليها ويقول إنه أهملها وماتت بسببه وهيدخل النار عشان موتها. صمتت وداد وهي تنظر لفاطمة التي كانت تبتسم بحب شديد رغم تلك الدموع الصغيرة التي تتوسط رموشها ثم قالت بحماس شديد: _تحبي تشوفي شكله وهو صغير.
ودون أن تشعر فاطمة كانت تهز رأسها بحماس شديد ترغب في رؤية كتلة اللطافة تلك وهي تحاول تخيله صغيرًا. نهضت وداد سريعًا واتجهت لغرفتها تاركة فاطمة خلفها تتذكر كل تصرفات زكريا لتقول: _هو أنا ممكن يجي يوم ويبقى عندي ابن زيه كده؟ وليه لا لو هو أبوه؟ ابتسمت فاطمة بخجل تتخيل زكريا كـ أب، يا الله سيكون ألطف وأجمل أب في العالم على الأقل من وجهة نظرها هي.
خرجت من شرودها على عودة وداد وهي تحمل ألبوم صور كبير وتجلس جوارها بحماس وهي تفتحه. نظرت فاطمة بلهفة لأول صورة لزكريا وقد كان يبدو بعمر سنتين تقريبًا. يالله كم يبدو صغيرًا وجميلًا. قلبت وداد الصور لتجد فاطمة صورًا له وهو أكبر قليلاً لتبتسم وهي تلاحظ أنه حقًا لم يختلف كثيرًا فها هي بسمته الجميلة تبدو كما هي اليوم ونظرته الحنونة هي نفسها فقط الجسد كبر قليلاً وعدا ذلك هو كما هو.
لكن شعور بداخله أنها تود لو ترى زكريا الطفل أمامها فتقبله من خدوده الشهية الصغيرة تلك. تمنت بداخلها لو تحصل على طفل يشبهه. ابتسمت وهي ترى صورته وهو يحمل القطة الصغيرة وجواره كلا من رشدي وهادي واللذان تعرفت عليهما سريعًا بالطبع، فرشدي هو صاحب العيون الملونة وهذا الطويل هو بالطبع هادي. ابتسمت فاطمة وهي تهمس: _ياربي لو شفته قدامي وهو بالشكل ده هقطعه بوس. ولم تدرك فاطمة أن صوتها كان عاليًا إلا بعدما سمعت صوتًا
خلفها يظهر فيه غضب ووعيد: _هو مين ده اللي هتقطعيه بوس؟ *** والله يعني أنت استأذنت من رشدي؟ نظر هادي ببراءة لشيماء وهو يهز رأسه: _هكدب عليكِ يعني؟ أنا استأذنته طبعًا وهو وافق على طول. أنتِ عارفة رشدي ميرفضليش طلب. بعدين يعني معلش أنا استأذنت من عمي إبراهيم الأول وهو قال ماشي فبطلي رغي كتير ويلا. نظرت شيماء له بتفكير لا تعلم هل تطيعه وتذهب معه فهي حتى الآن تخجل من الذهاب معه في أي مكان وحدهما. ابتلعت شيماء
ريقها وهي تتجه صوب غرفتها: _طيب استناني أغير هدومي وأجيلك. ابتسم هادي لها وهو يراقبها تدخل غرفتها ليتذكر مكالمته مع رشدي. _هخرج مع أختك. _نعم يا خويا تخرج معاها فين إن شاء الله؟ قلب هادي عيونه بملل مجيبًا: _أي حتة يا أخي أنت مالك مراتي وعايز أفسحها شوية. زفر رشدي بضيق شديد: _هادي تعرف إني منمتش طول الليل؟ _ألف لا بأس يا غالي. _تعرف تسيبني في حالي بقى؟ ابتسم هادي: _هاخد أختك أفسحها طيب. _لا. _تسلملي يا أبو النسب.
أغلق هادي المكالمة سريعًا قبل أن يسمع كلمة واحدة من رشدي وهو يبتسم بخبث شديد. خرج هادي من أفكاره على صوت عالٍ بجانبه. _يا أطرش مش بكلمك؟ أغمض هادي عينه بغضب ثم همس بغيظ: _ولما أقوم أديكِ على وشك دلوقتي مين ينجدني من تحت إيد جوزك؟ لوت ماسة شفتيها بحنق ثم تحدثت بحسرة: _وهو فين جوزي ده يا خويا؟ فزع هادي وهو يردد أول ما خطر في رأسه: _طلقك؟ رفعت ماسة يدها وكأنها على وشك ضربه:
_جاك طلقة تدخل من دماغك تطلع من قفاك. هو بس حطني في البلاك ليست عشان كده بقالي ساعة بقولك اديني تليفونك أكلمه منه. ابتسم هادي بشماتة عليها: _آه لما الإنسان يتحوج بيتأدب. _معلش إن كان لك عند الكلب حاجة بقى. رفع هادي حاجبه بحنق ثم قال بغيظ شديد منها وهو يراقب خروج شيماء: _كلب؟ طب ابقى شوفي مين اللي هيعبرك.
أنهى حديثه وهو يتجه لشيماء يسحبها من يدها بغضب ثم خرج تاركًا ماسة خلفه وهي تكاد تحترق مفكرة في طريقة للوصول بها إلى رشدي. تحدثت شيماء بحزن: _كده يا هادي كسرت بخاطر البنت؟ طب كنت ساعدها يا أخي دي هتتجنن من الصبح وهي مش عارفة توصل لرشدي حتى كلمته من عندي ومن كل تليفونات البيت بس مش بيرد عشان عارف إنها هي اللي بتتصل. ابتسم هادي بسخرية وهو يشير لإحدى سيارات الأجرة:
_كان على عيني يا ختي بس أخوكِ حطني أنا كمان في البلاك ليست من الصبح من بعد ما قعدت أزن على دماغه عشان نخرج سوا واخر مرة قفلت في وشه قام حطني فيها. نظرت له شيماء بتفاجئ لتجده يبتسم لها ثم غمز لها: _خلينا نخلص مشاورنا بقى قبل ما أنشغل بليل مع بثينة. سارت شيماء خلفه وهي ترمقه بصدمة لحديثه وبعدها تذكرت أن اليوم عقد قران بثينة وأيضًا سفرها. زفرت وهي تشعر أن الأمور مع بثينة تسير بسرعة البرق وبشكل مثير للشك. ***
يعني إيه يا بنت بطني؟ عايزة تفضحينا مش كفاية عمايلك؟ نظرت بثينة لوالدتها بقهر شديد وهي تشعر ببداية عقابها على كل ما سبق وهي للحق كانت تتوقع هذا العقاب بل أسوأ منه، لكن توقعت أن تعاقب وهي مع هادي، توقعت أن تأتي فترة معاقبتها بعدما تظفر بما حلمت به طويلًا. أثناء شرود بثينة لمحت بعينها من نافذة غرفتها التي تقف أمامها معطية ظهرها لوالدتها.
شيماء تسير رفقة هادي وهو يمسك بيدها وكأنها طفلته الغالية ثم صعدا سويًا لإحدى سيارات الأجرة. _وهو إيه اللي هيفضحك يا أما؟ أني ألبس فستان غير اللي الدكتور جايبه؟ _لا يابثينة مش لأنك هتلبسي فستان غير اللي فرانسو جايبه لكن عشان عايزة تلبسي فستان أسود. فستان أسود يوم كتب كتابك يا بنتي؟ حرام عليكِ هتموتيني من عمايلك دي. أنا تعبت والله. استدارت بثينة لوالدتها بملامح جامدة ثم قالت وهي تكظم غيظها:
_وعلى إيه يا أمي سيبي الفستان وأنا هلبسه خلينا نعدي الليلة على خير. *** لا لقد جهزت للسفر اليوم. ارجوك تدبر أمر جلسة الحكم بأسرع وقت فأنا لا أود أن أرهق زوجتي بتلك الأمور كثيرًا كما أنني أرغب في الحصول على طفلي والعودة سريعًا لمصر. حسنا حسنا لا بأس بأسبوع لكن ليس أكثر من ذلك مستر البيرت. أشكرك جزيلًا واعتذر عن إزعاجك كل دقيقة بأموري. حسنا أراك غدًا سيدي.
أغلق فرانسو المكالمة ثم استند برأسه على المقعد خلفه وهو يتنهد بضيق شديد هامسًا: _وأخيرًا اقترب الوقت وستكونين ملكي بثينة. *** استدارت فاطمة بعنف شديد ورعب لذلك الصوت الذي صدر من الخلف لتجد زكريا يحمل حقيبة شبابية على ظهره مكتفًا يديه عند صدره وهو يرمقها بغيظ يردد سؤاله مجددًا: _عيدي بقى كنتِ بتقولي إيه معلش؟ لاحسن شكله كده يوم مش هيعدي.
ابتلعت فاطمة ريقها بخجل شديد ولم تعرف ماذا تقول لذا نظرت سريعًا لوداد تتوسل مساعدتها في ذلك المأزق. ابتسمت وداد وهي تتحدث لابنها حاملة ألبوم صوره تتجه للداخل مجددًا: _إيه يابني مالك داخل زي القطر كده دي كانت بتتكلم عليك وأنت عيل صغير. نظرت فاطمة بفزع لوداد وهي تغمض عينها بخجل شديد تتمنى بداخلها لو تنشق الأرض وتبتلعها. ابتسم زكريا لرؤيته لها بهذا الشكل وهي تكاد تحترق خجلًا.
اقترب منها وهو يبعد حقيبته عن ظهره مبتسمًا بحنان ثم اتجه للأريكة جوارها وجلس عليها بهدوء وهو يقول بمشاكسة قليلاً: _عايزة تبوسيني وأنا صغير؟ شعرت فاطمة بوجهها يحترق خجلًا وهي تبعد نظرها عن زكريا تكاد تترجاه أن يتوقف لكنه لم يأبه لذلك الصراع الذي تعيشه واقترب منها قليلاً ثم همس لها بحب: _ألاّ تمُني عليّ بقبلة تطفئ لهيب ذلك المسكين الذي يخفق لأجلك؟ ابتلعت فاطمة ريقها وهي تهز رأسها برفض متحدثة بصوت جاهدت لإخراجه طبيعي:
_هو إنت وإنت صغير يعني كنت كيوت وكده عشان كده يعني هو أنا قولت يعني…. كانت تتحدث بتوتر شديد وهي تفرك يدها تحاول تبرير ذلك الحديث الغبي الذي سمعه منها ليبتسم زكريا ويقرر أن يكف عن إزعاجها لذا ابتعد عنها وهو يضحك بخفة: _شوفتيني وأنا صغير؟ هزت فاطمة رأسها لزكريا ليبتسم وهو يميل برأسه لتراه هي من الجانب الآخر حيث كانت تجلس معطية ظهرها له لكنه مال برأسه لتراه ويتحدث بنبرة جعلتها تتخيل زكريا الصغير وكأنه هو من يحدثها:
_وإيه رأيك كنت عسول مش كده؟ ابتسمت فاطمة بسمة واسعة وهي تهز رأسها بنعم ليبتسم هو الآخر لها هامسًا بحب: _إذا هل لي أن أراكِ وأنتِ صغيرة؟ فكرت فاطمة لثوانٍ ثم هزت رأسها بنعم وهي تخبره: _المرة الجاية لما تيجي عندنا فكرني أوريكِ صوري وأنا صغيرة. ابتسم لها زكريا وهو يقول بيقين: _متأكد أنكِ كنتِ نجمة صغيرة لامعة لتضحي في شبابك قمرًا منيرًا تدورين في فلك قلبي. ابتسمت له فاطمة وهي تقول بتفكير: _هو إنت بتكتب شعر؟
لم يفهم زكريا سؤالها ليعتدل في جلسته وهو يقول بتعجب: _لا. لما السؤال؟ _أصل ساعات بحس كأن كلامك شعر يعني لما تقول كلام اللي هو…. صمتت ولم تعلم ماذا تقول ليكمل هو ببسمة: _قصدك الغزل؟ هزت رأسها بإيجاب ليضحك هو بخفة ثم أضاف:
_امممم أصل أنا من صغري وأنا بشوف إن مفيش لغة في العالم ولا لهجة تصلح للتعبير عن المشاعر قد اللغة العربية عامة والفصحى خاصة عشان كده دايماً بغازل بالفصحى لأني بحس إنها بتضيف للغزل طعم غير كده بحس الكلام ملوش طعم. أنتِ مش عاجبك كده؟ أنهى كلماته بتساؤل التسارع هي تنفي برأسها شكه: _لا لا ابداً بالعكس ده جميل أوي وأنا بحبه أوي. ابتسم زكريا بخبث وهو يقترب منها: _هو إيه ده اللي بتحبيه أوي؟ _الغزل بالفصحى. ابتسم زكريا أكثر:
_طب وصاحب الغزل؟ خجلت فاطمة من اقترابه منها لتحاول دفعه وهي تغير الموضوع: _مش هنبدأ ولا إيه عشان متأخرش و…. توقفت فاطمة عن التحدث وهي تنتبه لانكماش ملامح زكريا بألم وهو يبعد يدها برفق عن ذراعه. فزعت بشدة وهي تنظر له بعدم فهم: _مالك أنت متعور؟ هز زكريا رأسه بنفي وهو يحاول إبعاد ذراعه عن يدها: _لا لا أنا بخير هو بس وقعت في المدرسة على دراعي واتعورت.
نهضت فاطمة بفزع وهي تقترب منه تحاول رؤية جرحه لكن لم تستطع، لذا مدت يدها دون وعي تفك أزرار قميصه لينتفض زكريا من المفاجأة مما جعلها تعود للخلف برعب: _إيه فيه إيه؟ _أنتِ اللي فيه إيه؟ نظرت له فاطمة بتعجب لتصرفه: _هشوف الجرح عشان أعقمه. ضيق زكريا عينه بريبة وهو يعود للأريكة مجددًا ليسمح لها بالتقدم منه وهي تسأله بخجل شديد قبل أن تشرع في نزع قميصه: _هو يعني أنت لابس حاجة تحت القميص؟ ابتسم زكريا بخبث ثم غمز لها قائلاً:
_ولا مش لابس ما أنتِ سبق وشوفتي كل حاجة. خجلت فاطمة بشدة وهي تتذكر ذلك اليوم الذي استيقظت به لتراه لا يرتدي سوى ثيابه السفلية لتبدأ في فك الأزرار دون كلمة إضافية وهي تنادي وداد لتحضر علبة الإسعافات لكن أثناء إبعادها للقميص عن زكريا وجدت شيئًا يسقط منه لتنحني قليلاً وهي تحمل الورقة التي سقطت ظنًا أنها تخص زكريا لكن أثناء التقاطها رأت ما جعل عينها تتسع بصدمة وهي تقول: _إيه ده يا زكريا؟ ***
تمام شكراً اتفضل إنت واقفل الباب وراك ومش حابب حد يزعجني. أدى العسكري التحية وهو يستأذن رشدي ويخرج تاركًا إياه يعود بظهره للمقعد مطلقًا زفرة طويلة من صدره تعبر عن مقدار التعب والإرهاق الذي يكمن بداخله. ثم نظر لهاتفه بتعجب فمنذ رفض اتصالات العائلة كلها منذ ساعات لم تحاول ماسة الاتصال به من عند أحد مجددًا هل يأست بهذه السهولة؟ لا يعقل هذا فليست ماسة من تتركه غاضبًا منها طوال هذه الفترة.
في الخارج كانت تتحرك في القسم وهي تنظر حولها ببرود شديد حتى وصلت لأحد المكاتب لتتحدث للعسكري الذي يقف أمامه ببسمة مغفلة قليلاً: _لو سمحت هو الظابط أباظة جوا؟ فتح العسكري عينه بتعجب لذلك الاسم الذي تنادي به رشدي ورغم ذلك هز رأسه لها: _أيوه بس هو مانع أي حد يدخله ولو عندك أي شكوى أو قضية تقدري تروحي لعصمت باشا هو حول كل القضايا عليه. نظرت له ماسة بعدم رضى وهي تضع ما تحمله بيدها أرضًا: _هو متعصب أوي؟ زفر
العسكري بضيق وهو يجيبها: _أوي وياريت تمشي دلوقتي بدل ما يسمع الصوت ويطلع يتعصب أكتر. ابتلعت ماسة ريقها وهي تنظر حولها ثم وفي غفلة عن أنظار العسكري مستغلة عنصر المفاجأة حملت ما وضعته في الأرض واقتحمت مكتب رشدي وهي تصرخ بصوت عالٍ: _ابـــــــاظة. *** إيه ده؟ ابتسم هادي باتساع وهو يشير بيده وكأنه يقوم بخدعة سحرية: _دي الملاهي. نظرت له شيماء بصدمة مصطنعة وكأنها لم تكن تدرك ذلك ثم قالت بنبرة مختنقة قليلاً:
_أنا مش بحب الملاهي ليه جايبني هنا؟ ابتسم هادي يتذكر حديث رشدي القديم عن كره شيماء للملاهي بسبب تعرضها للعديد من المواقف غير المرغوبة بها وهو لم يرغب أن تظل خائفة من مواجهة أحزانها. _أيوه بس أنا بحبها واكيد أنتِ كمان هتحبيها.
كاذب، يعرف فهو لا يكره في حياته قدر تلك الألعاب السخيفة التي تصعد الفتيات لها خصيصًا للصراخ بشكل بشع قد يسبب الصمم له أو بقدر الألعاب التي تسبب شعورًا بالغثيان، لكن لأجل شيماء قد يحبها فقط لأجلها. _تعالي يلا نبدأ باللعبة اللي هناك دي. أنهى حديثه وهو يجذبها خلفه قبل حتى أن يعطيها فرصة للرفض بينما هي تنظر لظهره بتعجب وهي تفكر فيما يفعله هو.
ركض هادي ووقف في طابور شباك التذاكر وقد جعل شيماء تقف بعيدًا قليلاً عن الازدحام حتى يحصل لهما على تذاكر وكل ثانية ينظر لها مانحًا إياها بسمة جميلة منه. وأحيانًا يشير لها بإبهامه أن كل شيء على ما يرام. كانت شيماء تقف أسفل إحدى الأشجار تراقب هادي وما يقوم به لأجلها وهي تفكر إن لم تتزوج بهادي وعاندت وتزوجت بغيره هل كان ليفعل كما يفعل هادي؟ والإجابة كانت واضحة وهي لا. لم يكن أحد ليفعل ما يفعله هادي لأنه ليس هادي ببساطة.
هي لا تملك ثقة بنفسها ولو بمقدار ذرة واحدة، لكن مع هادي تعلمت أن تستمد ثقتها منه هو. من نظراته وبسماته الموجهة لها خصيصًا.
استطاع هادي وأخيرًا الحصول على تذكرة له ولشيماء ليبتسم بفخر وهو يرفع التذكرتين عالياً راكضاً للجهة الأخرى حيث تقبع شيماء في انتظاره بمرح لدرجة لم ينتبه لذلك الطفل الذي كان يحمل مسدسًا ملئًا بالذخيرة التي تتمثل في كرات صغيرة قد تصيبك بالشلل من كثرة الألم الذي تسببه عندما توجه لك. وأثناء ركض هادي لم ينتبه لتلك القذيفة التي تتوجه صوب ذراعه العاري بسبب ارتدائه قميصًا ورفعه للكم الخاص به مظهراً جزءًا من ذراعه وفي ثوانٍ كانت صرخات هادي هي من تصم آذان الجميع.
*** إيه دي؟ لم يفهم زكريا ما تقصد فاطمة حتى رفع نظره عن ذراعه متسائلاً بعدم فهم لسؤالها الذي انطلق للتو: _إيه؟ رفعت فاطمة الورقة في وجه زكريا وهي تلوح بها متحدثة بنبرة حادة قليلاً تحاول أن تتماسك حتى تفهم: _إيه ده يا عزيزي زكريا؟ _عزيزي زكريا؟ ده دلع ولا تهديد؟ ابتسمت فاطمة بسخرية ثم أشهرت الظرف في وجهه وهي تقول مشيرة للاسم المكتوب على ظاهره بسخرية شديدة تحاول منع دموعها من الهبوط: _إلى العزيز زكريا.
انكمشت ملامح زكريا بعدم فهم وهو يدقق النظر في المظروف الوردي الذي يتوسط يد فاطمة يحاول التذكر متى حصل عليه أو من أعطاه له، لكن لا شيء لا يتذكر حتى أنه حصل على هكذا ظرف وردي طوال حياته. _إيه ده؟ _أنت بتسألني أنا؟ انتبه زكريا للنبرة الشرسة التي تتخلل حديث فاطمة ليدرك أنها لا تمزح أبدًا لذا تحدث بجدية كبيرة وهو يشير لها برأسه: _خلاص افتحيه وشوفي إيه ده لأني مش هقدر أفيدك وأقولك هو إيه. ببساطة لأني معرفهوش.
نفخت فاطمة بضيق وغضب شديد وهي تفتح الظرف بغضب شديد حتى كادت تقطع الرسالة معها ثم فردت الورقة وهي تقرأ بحنق وغضب شديد: _إلى العزيز زكريا من حبيبتك المجهولة. فتح زكريا عينه بصدمة شديدة وهو يستمع لتلك الكلمات ونهض سريعًا يقترب من فاطمة ينتظرها أن تكمل قراءة: _أعلم جيدًا أنك تحب الفصحى لذا أحببت أن أكتب لك بها وأعبر لك بها عن مشاعري. ابتلع زكريا ريقه وهو يشعر وكأن المكان أصبح ضيقًا عليه يسمع صوت فاطمة الساخر:
_وكمان عارفة إنك بتحب الفصحى؟ _ياحبيبتي أنا مدرس لغة عربية يعني يوم ما هحب لغة هحب إيه يعني هيروغليفي؟ نظرت له فاطمة بشر: _أنت بتهزر؟ واحدة كاتبة ليك جواب غرامي يا أستاذ وأنت بتهزر؟ أبعدت فاطمة عينها عن زكريا وهي تكمل القراءة وعيونها تمر على الكلمات بشر كبير: _قد تتعجب سبب كتابتي لتلك الكلمات وقد لا تتعرف عليّ لأني لم أكتب اسمًا لكن يمكنك أن تسأل قلبك فسيعرفني أو أن تسأل عينيك التي لا ترى سوايّ طوال الوقت.
أشار زكريا لنفسه بعدم تصديق لتلك الكلمات وهو يفتح فمه بصدمة كبيرة هو يومًا لم يرفع نظره في امرأة أو يفكر بها بشكل كما تصفه تلك الفتاة. عن ذلك الجزء رفعت فاطمة عينها بشر شديد وهي تهمس بنبرة مخيفة: _لا ترى سواها طوال الوقت؟ _أقسم بالله الذي لم أقسم به كذبًا طوال حياتي أني حتى لا أرفع عيني بامرأة قصرًا.
هبطت دموع فاطمة بغيظ وهي تلقي الرسالة أرضًا دون حتى أن تكمل قراءتها تشعر بنار تشتعل بداخلها ودموع لا تعرف مصدرها تخرج بغزارة من عيونها وهي ترفع صوتها تصرخ به دون التحكم في نفسها: _مين دي؟ وازاي تكتب كده ليك؟ هي متعرفش إنك متجوز؟ وهي أساسًا ليه تــــ…. لم تكمل فاطمة حديثها بسبب زكريا الذي جذبها بعنف لاحتضانه وهو يدفن وجهها بصدره يحاول تهدئتها وتهدئة بكائها:
_ولما تبكي أميرتي فإن لم تكن فاطمة هي من كتبت تلك الرسالة فلا حاجة لي بها. بكت فاطمة بشدة وهي تدفن نفسها أكثر بزكريا هامسة: _هي بتكتب ليك ليه أساسًا؟ هي متعرفش إنك جوزي أنا؟ ابتسم زكريا وهو يقبل أعلى رأسها: _أيوه يا قلبي أنا جوزك أنتِ خلاص اهدي بعدين أنتِ غيرانة ولا إيه؟ أنهى زكريا جملته الأخيرة بمزاح شديد لتفاجئه فاطمة وهي تجيبه بجدية: _أيوه بغير. أبعدها زكريا عنه بتعجب وهو ينظر لها بعدم فهم: _بتغيري؟ _بغير.
ابتسم لها زكريا بسمة غير مصدقة وهو يتحدث بأمل شديد وقد بدأ قلبه ينبض بعنف: _معنى كده إنك…. _بحبك؟ يا زكريا أنا مبقتش طالبة إلا وجودك. ضمته فاطمة وهي تستند برأسها على صدره ثم قالت وهي تتذكر حديثه عن حبه للغزل بالفصحى: كنت أتجنب كثافة العالم، لأحظى بإزدحامك. صمتت ثم قالت بعدها وهي تنظر لعينه: _ممكن أقولها بكل لغات العالم عشانك بس خليني أقولها بلغة غزلك انت. اعشقك زكريا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!