الفصل 1 | من 41 فصل

رواية سلانديرا الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
25
كلمة
723
وقت القراءة
4 د
التقدم في الرواية 2%
حجم الخط: 18

فى بيت جده القديم الذى وصله أمس، وقف خاطر أمام المرآة. إنه اليوم الأول له فى العمل بعد أن قضى شهوراً يلف فى الشوارع حتى تورمت قدماه. يحكم رابطة العنق حول رقبته ويربت على بدلته القديمة. لم يعجبه مظهره، لكن ما باليد حيلة. عندما يقبض أول مرتب سيشترى ملابس جديدة. ألقى بجسده داخل الأتوبيس، كان حريصاً أن لا يتأخر عن موعد العمل. حاول أكثر من شخص أن يترك له مقعده، لكن خاطر رفض.

عندما وصل مقر الشركة وقف متردداً على باب الدخول. لاحظ أنه كان يبدو متشردًا فى مظهره. موظفو الشركة الأنيقون يعبرونه والآنسات أيضاً. ظل خاطر متيبساً فى مكانه، متوقعاً بين لحظة وأخرى أن يتلقى نظرة سخرية أو تعليقاً جارحاً. حتى سمع صوت حارس الأمن يقول: "اتفضل يا بيه".

صعد خاطر سلم الشركة. عندما سأل عن موقع مكتبه، قاده إليه أحد الموظفين وعامله بلطف واحترام، مما دفع خاطر أن يغير قناعاته. جلس خاطر خلف مكتبه يرمق الملفات ونظرات زملائه مصوبة نحوه. تلمس خاطر بدلته وكاد يغوص تحت المكتب من الإحراج. كل من فى المكتب متأنقون إلا هو. عندما وصل مدير المكتب، وقف الموظفون ووقف خاطر معهم. مر المدير بين الموظفين ثم توقف أمام خاطر. "انت الموظف الجديد؟ همس خاطر: "أيوه يا فندم".

"ايه يا سيدى الحلاوة دى؟ هما قالولك إنك هتشتغل موديل إعلانات؟ ابتلع خاطر ريقه. لم يتوقع أن تأتى الإهانة من مديره فى أول يوم عمل فى الشركة. لكن مديره عبره وهو يومئ برأسه باستحسان قبل أن يغلق باب مكتبه خلفه. "يا بختك يا عم"، همست موظفة شابة تجلس على المكتب المجاور لخاطر. "المدير نفسه بيمدح شياكتك". أحس خاطر أنه غرق فى المهانه، حتى أنه فى لحظة يأس استسلم للأمر الواقع. لا مكان له فى تلك الشركة ولا بين الموظفين المتأنقين.

نهض خاطر بحزن ومشى فى رواق الشركة يقصد البوفيه. كان عامل البوفيه غير منتبه، غير أنه استدار فجأة. وهمس بابتسامة: "ايه الريحة الحلوة دى؟ وقبل أن ينطق خاطر بأي كلمة، قال عامل البوفيه: "أمرنى يا بيه". وكان فى نبرته امتنان يشعرك أنه قابل شخصاً مهماً، أنيقاً، جنتلمان. طلب خاطر قهوة ومنح العامل بعض النقود. الكل يمدح أناقته. هل معقول أن يرى الناس ما لا يراه فى نفسه؟

احتسى خاطر قهوته. وفى طريق عودته إلى مكتبه، مرت آنسة شابة تتبعها فتاة تحمل دفاتر وملفات. عبرها خاطر بلا اهتمام. لم يبتسم، لم ينحن، فقد مر فى شرود غير مبالٍ بجمالها الأخاذ. "مين ده؟ " سألت المديرة الشابة. "أعتقد موظف جديد يا فندم". ألقت المديرة نظرة أخرى على خاطر قبل أن تقصد مكتبها.

قضى خاطر يومه فى قلق قبل أن يعود إلى بيت جده. أول ما فعله خاطر، وقف أمام المرآة. كان هناك شك داخله، فليس من المعقول أن يكون كل من فى الشركة تعمدوا السخرية منه بتلك الطريقة المبتذلة. تمنى أن يرى شيئاً مما يراه الآخرون فيه، لكنه لم يجد سوى شخص يرتدى هنداماً قديماً عتيقاً عليه الزمن، مما أشعره بالغضب. "كلهم بيسخروا مني؟ ولم يمكنه عقله من تخيل أن شركة بمثل ذلك الحجم والشهره يكون معيار تقييم الموظفين داخلها ملابسه!

نزع ملابسه بغضب وألقاها على الأرض. ثم بعد لحظة واحدة، عاد وجمع ملابسه التى لا يملك غيرها وسندها على الأريكة. إنه لا يرى عيباً فى الفقر وسيجبرهم على احترامه من خلال اجتهاده ومثابرته فى عمله. قضى خاطر ليلته يراجع الملفات على الكمبيوتر حتى تكسرت عيونه، ثم ذهب إلى سريره.

فى صباح اليوم التالى عند وصوله إلى الشركة، لاحظ خاطر مرة أخرى تلك النظرات الموجهة نحوه. لم تكن نظرات سخرية كما توقع، بل نظرات إعجاب صامت. بعض الموظفين تبادلوا الهمسات، بينما لمحت الفتيات بعضهن بابتسامات خفية. لم يلتفت إليهم كثيراً، لكنه لم يستطع تجاهل الهمسات التي التقطتها أذنه وهو يعبر الممرات: "الراجل ده أكيد جايب ستايلست مخصوص، شياكته مش طبيعية! "بص الأحذية بتاعته، دي ماركة عالمية...

"تحس إنه موديل لمجلة أزياء مش موظف عادي! خاطر عبس بضيق. ما هذا الهراء؟ يعرف جيداً أن بدلته قديمة، وأن حذاءه بالكاد يحمي قدميه من الأرض. شعر بدمائه تغلي، ظن أن الجميع يسخر منه بطريقة ملتوية. لكن عندما مر بجوار مكتب المدير، لمح الرجل يرمقه بتمعن قبل أن يبتسم برضا، وكأنه فخور بتوظيفه. في البوفيه، تكرر الأمر. عامل البوفيه انحنى قليلاً وهو يهمس بانبهار: "يا باشا، إيه العطر الفخم ده؟ ده أكيد حاجة غالية أوي!

خاطر كاد ينفجر غيظاً. لم يكن يضع أي عطر! كل هذا عبث... إما أن هناك مؤامرة ضخمة تدور حوله، أو أن هناك سراً مخيفاً لا يفهمه بعد. عندما عاد إلى بيته العتيق في المساء، هرع إلى المرآة. نفس البذلة القديمة، نفس القماش البالي، نفس الأزرار التي فقدت بريقها. لا أثر للأناقة التي يراها الجميع فيه. مرر يده على سترته، ثم همس لنفسه بقلق: "إيه اللي بيحصل معايا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...