تحميل رواية سلانديرا بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى بيت جده القديم الذى وصله أمس، وقف خاطر أمام المرآة. إنه اليوم الأول له فى العمل بعد أن قضى شهوراً يلف فى الشوارع حتى تورمت قدماه. يحكم رابطة العنق حول رقبته ويربت على بدلته القديمة. لم يعجبه مظهره، لكن ما باليد حيلة. عندما يقبض أول مرتب سيشترى ملابس جديدة. ألقى بجسده داخل الأتوبيس، كان حريصاً أن لا يتأخر عن موعد العمل. حاول أكثر من شخص أن يترك له مقعده، لكن خاطر رفض. عندما وصل مقر الشركة وقف متردداً على باب الدخول. لاحظ أنه كان يبدو متشردًا فى مظهره. موظفو الشركة الأنيقون يعبرونه والآنسات أيض...
رواية سلانديرا الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
فى بيت جده القديم الذى وصله أمس، وقف خاطر أمام المرآة. إنه اليوم الأول له فى العمل بعد أن قضى شهوراً يلف فى الشوارع حتى تورمت قدماه. يحكم رابطة العنق حول رقبته ويربت على بدلته القديمة. لم يعجبه مظهره، لكن ما باليد حيلة. عندما يقبض أول مرتب سيشترى ملابس جديدة.
ألقى بجسده داخل الأتوبيس، كان حريصاً أن لا يتأخر عن موعد العمل. حاول أكثر من شخص أن يترك له مقعده، لكن خاطر رفض.
عندما وصل مقر الشركة وقف متردداً على باب الدخول. لاحظ أنه كان يبدو متشردًا فى مظهره. موظفو الشركة الأنيقون يعبرونه والآنسات أيضاً.
ظل خاطر متيبساً فى مكانه، متوقعاً بين لحظة وأخرى أن يتلقى نظرة سخرية أو تعليقاً جارحاً. حتى سمع صوت حارس الأمن يقول: "اتفضل يا بيه".
صعد خاطر سلم الشركة. عندما سأل عن موقع مكتبه، قاده إليه أحد الموظفين وعامله بلطف واحترام، مما دفع خاطر أن يغير قناعاته. جلس خاطر خلف مكتبه يرمق الملفات ونظرات زملائه مصوبة نحوه. تلمس خاطر بدلته وكاد يغوص تحت المكتب من الإحراج.
كل من فى المكتب متأنقون إلا هو.
عندما وصل مدير المكتب، وقف الموظفون ووقف خاطر معهم. مر المدير بين الموظفين ثم توقف أمام خاطر.
"انت الموظف الجديد؟"
همس خاطر: "أيوه يا فندم".
"ايه يا سيدى الحلاوة دى؟ هما قالولك إنك هتشتغل موديل إعلانات؟"
ابتلع خاطر ريقه. لم يتوقع أن تأتى الإهانة من مديره فى أول يوم عمل فى الشركة. لكن مديره عبره وهو يومئ برأسه باستحسان قبل أن يغلق باب مكتبه خلفه.
"يا بختك يا عم"، همست موظفة شابة تجلس على المكتب المجاور لخاطر. "المدير نفسه بيمدح شياكتك".
أحس خاطر أنه غرق فى المهانه، حتى أنه فى لحظة يأس استسلم للأمر الواقع. لا مكان له فى تلك الشركة ولا بين الموظفين المتأنقين.
نهض خاطر بحزن ومشى فى رواق الشركة يقصد البوفيه. كان عامل البوفيه غير منتبه، غير أنه استدار فجأة.
وهمس بابتسامة: "ايه الريحة الحلوة دى؟"
وقبل أن ينطق خاطر بأي كلمة، قال عامل البوفيه: "أمرنى يا بيه". وكان فى نبرته امتنان يشعرك أنه قابل شخصاً مهماً، أنيقاً، جنتلمان.
طلب خاطر قهوة ومنح العامل بعض النقود. الكل يمدح أناقته. هل معقول أن يرى الناس ما لا يراه فى نفسه؟
احتسى خاطر قهوته. وفى طريق عودته إلى مكتبه، مرت آنسة شابة تتبعها فتاة تحمل دفاتر وملفات. عبرها خاطر بلا اهتمام. لم يبتسم، لم ينحن، فقد مر فى شرود غير مبالٍ بجمالها الأخاذ.
"مين ده؟" سألت المديرة الشابة.
"أعتقد موظف جديد يا فندم".
ألقت المديرة نظرة أخرى على خاطر قبل أن تقصد مكتبها.
قضى خاطر يومه فى قلق قبل أن يعود إلى بيت جده. أول ما فعله خاطر، وقف أمام المرآة. كان هناك شك داخله، فليس من المعقول أن يكون كل من فى الشركة تعمدوا السخرية منه بتلك الطريقة المبتذلة. تمنى أن يرى شيئاً مما يراه الآخرون فيه، لكنه لم يجد سوى شخص يرتدى هنداماً قديماً عتيقاً عليه الزمن، مما أشعره بالغضب.
"كلهم بيسخروا مني؟"
ولم يمكنه عقله من تخيل أن شركة بمثل ذلك الحجم والشهره يكون معيار تقييم الموظفين داخلها ملابسه!
نزع ملابسه بغضب وألقاها على الأرض. ثم بعد لحظة واحدة، عاد وجمع ملابسه التى لا يملك غيرها وسندها على الأريكة. إنه لا يرى عيباً فى الفقر وسيجبرهم على احترامه من خلال اجتهاده ومثابرته فى عمله.
قضى خاطر ليلته يراجع الملفات على الكمبيوتر حتى تكسرت عيونه، ثم ذهب إلى سريره.
فى صباح اليوم التالى عند وصوله إلى الشركة، لاحظ خاطر مرة أخرى تلك النظرات الموجهة نحوه. لم تكن نظرات سخرية كما توقع، بل نظرات إعجاب صامت. بعض الموظفين تبادلوا الهمسات، بينما لمحت الفتيات بعضهن بابتسامات خفية.
لم يلتفت إليهم كثيراً، لكنه لم يستطع تجاهل الهمسات التي التقطتها أذنه وهو يعبر الممرات:
"الراجل ده أكيد جايب ستايلست مخصوص، شياكته مش طبيعية!"
"بص الأحذية بتاعته، دي ماركة عالمية..."
"تحس إنه موديل لمجلة أزياء مش موظف عادي!"
خاطر عبس بضيق. ما هذا الهراء؟ يعرف جيداً أن بدلته قديمة، وأن حذاءه بالكاد يحمي قدميه من الأرض. شعر بدمائه تغلي، ظن أن الجميع يسخر منه بطريقة ملتوية. لكن عندما مر بجوار مكتب المدير، لمح الرجل يرمقه بتمعن قبل أن يبتسم برضا، وكأنه فخور بتوظيفه.
في البوفيه، تكرر الأمر. عامل البوفيه انحنى قليلاً وهو يهمس بانبهار:
"يا باشا، إيه العطر الفخم ده؟ ده أكيد حاجة غالية أوي!"
خاطر كاد ينفجر غيظاً. لم يكن يضع أي عطر! كل هذا عبث... إما أن هناك مؤامرة ضخمة تدور حوله، أو أن هناك سراً مخيفاً لا يفهمه بعد.
عندما عاد إلى بيته العتيق في المساء، هرع إلى المرآة. نفس البذلة القديمة، نفس القماش البالي، نفس الأزرار التي فقدت بريقها. لا أثر للأناقة التي يراها الجميع فيه.
مرر يده على سترته، ثم همس لنفسه بقلق:
"إيه اللي بيحصل معايا؟"
رواية سلانديرا الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
نزل خاطر على ركبتيه منكسرًا مهزومًا عندما لمح زوجته زافيرا وابنته ليليان في يد حراس شيفان.
وكان الحراس، حراس الضباب والأبواب الزمنية، قد أحاطوا به وبدأوا يتلاعبون بعقل خاطر حتى سمع صوتًا واضحًا يأمره أن ينهض ويواصل القتال.
وعندما عاد إلى وعيه، كان جالسًا على الأرض وفتاة تدفع الحراس بعيدًا عنه بكل قوتها ولم تسمح لهم بقتله.
حمل خاطر سيفه واشترك في المعركة، ثم استعان بالتعويذة القديمة، تعويذة مستنقع الحيات، التعويذة التي تحميه من خلال الملوك السبعة.
بعد أن انتصر خاطر على الحرس، كان جسده يتصبب عرقًا.
وكانت الفتاة تمسح الدماء عن نصل سيفها.
ثم فجأة، وضعت السيف على رقبة خاطر.
"أنقذتك لتكون لي وحدي. أنقذتك لأقتلك بسيفي."
تساءل خاطر: "ماذا فعلت لك؟"
"أنا الأميرة سلانديرا. الأطفال الذين أحرقهم شيفان بسببك كانوا جنودي وأصدقائي."
اعتذر خاطر، أقسم أنه لم يرد ذلك وأن حياته أصبحت جحيمًا بسبب شيفان، حتى أنه اختطف زوجته وابنته.
"سأقاتل شيفان وأقتله لا محالة."
قالت الفتاة: "التسرع مشكلة. أنا لدي خطة."
"أي خطة؟" قال خاطر بحزن.
"الثورة. الحل في الثورة أيها البشري. لقد حشدت كل المظلومين ورافضي حكم قدماء الجان خلفي."
"تحركك بمفردك لن يفيدك في شيء."
"سأعيد إليك ابنتك وزوجتك وأنت تساعدني في القتال."
"لكني لا أملك الوقت!" صرخ خاطر بغضب.
"ولا أنا." همست الفتاة بثقة.
وعند وصولهم الأرض، وجد خاطر جيشًا ضخمًا ينتظرهم خارج النفق.
ارتفع صياح الجيش المختلط من البشر والجان.
أناس قدموا من أماكن بعيدة يصرخون ضد الظلم.
"سنهاجم القلعة وقصر شيفان."
قالت الفتاة: "إنها مخاطرة. جيش شيفان قوة وضخم."
"لكنهم لا يتوقعون حضورنا. شيفان يستخف بأعدائه. ستكون تلك فرصتنا."
انطلق الجيش المختلط تجاه القلعة، أناس لا يخشون الموت ويحملون أرواحهم بين أيديهم.
رشقوا حراس السور بالنبال، بينما تولى خاطر أمر فتح البوابة بعد أن عبر السور.
ارتفع الصراخ والضرب ومعه أناشيد تنادي بالحرية والمساواة والعدل.
وراحت شرارة الثورة تطرق أبواب قرى الجان وبحارها وصحاريها، وسرعان ما وصلت الانتفاضة كل مكان.
داخل أسوار القلعة، تجمع جيش شيفان المدجج بالسلاح.
جيش منظم يقتل بلا رحمة.
حاصر جيش شيفان الثوار من كل جهة وانطلق القتل والسحل حتى فقدوا أعدادًا ضخمة.
قبل غروب شمس ذلك اليوم، كانت الساحة مليئة بالجثث ولم يتبق من الثوار سوى بضعة آلاف.
الخلاص منهم كانت مسألة وقت.
وسط تلك الأزمة وعندما حل الليل، برق النجم الغافي.
وسمع صوت ترنيمة حزينة قديمة قادمة من العدم.
ومعها، ارتج القصر والقلعة ثم ساد القتل في جيش شيفان.
كانت أرواح الأطفال الذين قتلوا داخل الأنفاق حضرت للانتقام.
أرواح لا ينفع معها سلاح ولا دروع.
وساد صمت ثقيل.
كأن الزمن توقف. لا صوت سوى أنين الجرحى وصدى الترنيمة العتيقة التي ظلت تتردد فوق رؤوس الجميع.
خاطر، مغطى بالدم والتراب، نهض وهو ينظر حوله إلى رفاقه الذين سقطوا، ثم إلى جيش شيفان المتجمد كتماثيل من رعب لا يحتمل.
كانت الأرواح تطفو في الهواء.
أشباح الأطفال الذين ذبحهم شيفان ذات ليل مظلم داخل الأنفاق، يحيطون بالقلعة كدائرة من نور باهت، أعينهم تتوهج بالألم القديم والغضب.
لم يكونوا يصرخون، فقط ينظرون، في سكون مميت.
اقتربت سلانديرا، وجهها شاحب والنصل في يدها يهتز من وطأة ما تراه، همست:
"إنهم لا يريدون الانتقام فقط... إنهم يريدون العدالة."
صوت الرعد قصف فجأة، وظهر شيفان من أعلى الشرفة، متكبرًا بعباءته السوداء وأجنحته نصف المفتوحة، ينظر بازدراء لما تبقى من الثورة.
"مساكين... هل تظنون الأشباح ستنقذكم؟ هذه الأرض لدم الجان، لا دمكم."
لكن قبل أن يكمل كلماته، اخترقت سهم من ضوء قلبه.
سهم لم يأت من الأرض، بل من السماء.
من حيث لا يعرف زمان ولا مكان.
صرخ شيفان وسقط، تهاوى كأنه مجرد ظل.
وحين سقط، اختفت الأشباح.
اندفع خاطر نحو الشرفة. قلبه ينبض بقوة.
ليليان... وزافيرا!
كانتا هناك، على الأرض، مكبلتين بسحر قديم.
اقترب، ركع، فك القيود، وضمهما إليه كمن يعود للحياة بعد موت طويل.
بكت زافيرا.
ليليان تمسكت بوالدها ولم تنطق.
نظر إلى سلانديرا.
كانت تقف بعيدًا، وحدها، عيناها تمتلئ بالدموع، والسيف في يدها يشع بضوء غريب.
قالت:
"لقد أوفيناه دين الدم... لكن دماء أخرى تنتظرنا. ثورتنا بدأت... ولم تنته."
ثم مشت ببطء، بين الجثث، نحو الجدار المفتوح.
خاطر لم يقل شيئًا.
أمسك يد زوجته وابنته.
ونظر إلى السماء.
حيث ظل السهم الأخير، عالقًا في الهواء، يلمع كنجمة لا تنطفئ.
بعد أن هدأ الغبار وسقطت راية شيفان من فوق القلعة السوداء، بدأت الأرض تتنفس من جديد. لم تكن الحرب مجرد معركة بين جنود، بل كانت ولادة جديدة لعالم اختنق طويلًا تحت حكم الطغيان. ومع نهايتها، بدأت القصص الأخرى، القصص التي لا تروى في أناشيد الثوار، بل تهمس في الليالي الهادئة، حول النار، وفي دفاتر الأمهات.
نزح خاطر مع زوجته زافيرا وابنتهما ليليان بعيدًا عن ساحات الدم، إلى واد مخفي في حضن الجبال، حيث كانت الأشجار تشبه أصابع صلاة، والسماء صافية لا يعرفها سوى من نجا.
بنى بيتًا صغيرًا بيده، لم يكن بيت ملوك، بل بيتًا للسلام.
زافيرا، التي كانت محاربة شرسة في الماضي، عادت إلى الأرض. زرعت حديقة واسعة، كانت تقول إن لكل زهرة اسمًا من الذاكرة: واحدة باسم جندي سقط، وأخرى باسم طفلة لم تعد.
كانت تبتسم أكثر. لكنها أحيانًا، إذا سكن المكان من حولها، كانت تحدق في البعيد وكأنها تسمع من بقي من الأشباح.
أما ليليان، التي نجت من قبضة شيفان، فقد كبرت وفي عينيها نور خاص.
تعلمت لغة الجان من أمها، وفنون السيف من أبيها، لكن قلبها كان يميل إلى الكتب والنجوم.
كانت تقول إن العالم لا يكفيها، وإنها في يوم ما ستسافر إلى "ما بعد الممرات".
خاطر لم يعد يقاتل، لكنه كان يصحو كل فجر ويصلي صامتًا للذين لم يرجعوا.
كتب كثيرًا، دفاتر من الجلد، ملأها بأسماء الذين أحبهم، والذين خانوه، والذين غفر لهم.
كان إذا قرأ على ابنته، يبكي أحيانًا، ويضحك أحيانًا أخرى.
زارته سلانديرا ذات يوم، بعد سنوات من النصر.
كانت ترتدي عباءة سوداء، وسيفها ما زال يلمع، لكنها بدت أكثر تعبًا.
"الثورة لم تنته بعد يا خاطر. هناك ممالك أخرى... وليل أطول."
نظر إليها، وابتسم بمرارة:
"لكني وجدت ضوءي هنا... وأنت يا سلانديرا ستبقين نار الثورة، لكني اخترت أن أكون رمادها."
لم يجبها غير صمت الريح.
ثم غادرت كما جاءت.
ومات خاطر بعد عشرين عامًا.
دفنته زافيرا تحت الشجرة التي زرعها يوم ولدت ليليان.
وعندما حفروا قبره، وجدوا دفترًا إلى جواره، كتب على غلافه:
"إلى الذين اختاروا الحياة رغم أن الموت كان أسهل."
وفي آخر صفحاته، بخط متعب:
"كل ما تمنيت أن أقاتله... انتهى.
لكن كل ما أحببته... بدأ هنا."
بعد وفاة خاطر، تغير كل شيء.
لم تنهدم الجبال، ولم تبك السماء، لكن زافيرا شعرت وكأن الأرض نفسها انكمشت من حولها، وكأن البيت الذي بنوه معًا صار فجأة أكثر صمتًا، وأكثر برودة.
لم تكن زافيرا ممن ينكسرون، لكنها لم تعد كما كانت.
كل صباح، كانت تمرر يدها على شاهد قبر خاطر، تهمس له بأخبار اليوم، وتحدثه عن الأشجار التي نمت، والزهور التي ما زالت تقاوم.
عادت لحراسة القرية الصغيرة التي تجمع فيها بعض من نجا من الحرب.
لكنها لم تعد تحمل سيفًا. كانت حارستهم بالصمت والنظرات. يكفي أن ينظر أحد في عينيها ليعلم أن هذه المرأة خاضت الجحيم وعادت منه، ولن تسمح له بأن يقترب ممن تحب.
أما ليليان، فقد نضجت سريعًا، كما يفعل أبناء الحرب.
كان عمرها سبعة عشر عامًا يوم مات والدها، لكنها شعرت يومها وكأنها ولدت من جديد.
احتفظت بدفتره القديم، وكانت تقرأ فيه كل ليلة، تبحث عن نفسها بين السطور، عن ماضي لم تفهمه تمامًا، وعن مستقبل كانت تخشاه، ثم قررت.
"أمي... سأرحل."
نظرت إليها زافيرا نظرة طويلة.
لا دموع. لا اعتراض. فقط صمت عميق، ثم قالت:
"أعرف."
"أريد أن أعبر الممرات... أرى الأرض التي حارب من أجلها أبي. أكتب عنها. أحرر من بقي أسيرًا هناك. أكمل الحكاية."
ابتسمت زافيرا. لم تكن تلك ابنتها فقط، بل كانت الوعد الذي قطعه خاطر للعالم: أن ما بعد الحرب ليس موتًا، بل ولادة.
وفي أحد فصول الخريف، عبرت ليليان الممر القديم.
كانت وحدها، لا تحمل إلا حقيبة صغيرة، سيفًا صدئًا كان لخاطر، ودفترًا قديمًا كتب على أولى صفحاته:
"إذا عدت يا غريب، فاحمل السلام. وإن لم تعد، فأخبرهم أني حاولت."
لم يكن في عينيها خوف، بل رغبة في الفهم، في إصلاح التشققات التي خلفتها الحرب، وفي كتابة ملحمة جديدة، بطريقتها.
زافيرا - الانتظار
ظلت زافيرا في البيت.
تسقي الأشجار. تكتب لابنتها رسائل لا ترسلها.
وتنتظر.
أحيانًا، كانت تنظر إلى الطريق الجبلي، تلمح فتاة تشبه ليليان، فتبتسم دون أن تقول شيئًا.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت السماء تبرق بصمت، وجدت على عتبة الباب سيفًا مألوفًا، ودفترًا جديدًا.
فتحته.
ووجدت فيه رسالة من ليليان:
"أمي... بدأت حكايتي."
رواية سلانديرا الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
حاول خاطر أن يجد تفسيراً عقلانياً لما يحدث، لكن كل الخيوط كانت تتشابك في ذهنه دون منطق واضح. لماذا يرى الآخرون فيه صورة مختلفة تماماً عما يراه هو؟ ولماذا تصر تلك الفتاة على أنه شخص "أنيق" بينما يعرف جيداً أن مظهره متواضع بالكاد يصلح لوظيفة مكتبية عادية؟
وقف أمامها للحظات، يحاول فك شفرة هذه اللعبة الغامضة. ثم قال بنبرة حادة، غير معتادة منه:
— عايز أفهم حاجة واحدة... إيه اللي انتِ شايفاه ومش شايفاه؟
ضحكت الفتاة بخفة، وكأن سؤاله كان ضرباً من العبث. ثم أمالت رأسها قليلاً وهي تقول:
— انت مش محتاج تفهم... انت محتاج تتقبل.
كانت كلماتها تحمل معنى أعمق مما تبدو عليه. لم تكن مجرد دعوة للخروج، بل كانت إقراراً بواقع مختلف عن ذلك الذي اعتاد خاطر تصديقه عن نفسه. لكنه لم يكن مستعداً بعد للاستسلام لهذه اللعبة، لهذا الوهم الجماعي.
أدار ظهره لها، وسار عائداً إلى مكتبه بخطوات سريعة، كأنه يهرب من شيء لا يستطيع رؤيته. جلس خلف مكتبه، وأغمض عينيه للحظة، محاولاً تهدئة عقله. لكن الأصوات لم تختفِ...
— الراجل ده فخم بطريقة مش طبيعية.
— تحس إنه طالع من مجلة GQ!
— والله العطر اللي بيستخدمه ده يساوي مرتبي كله.
ضغط أصابعه على سطح المكتب، ثم فتح درجاً عشوائياً بحثاً عن شيء يشغله. لكن يده توقفت فجأة عندما لامست شيئاً لم يكن هناك بالأمس.
ساعة.
ليست أي ساعة... بل قطعة فاخرة من Patek Philippe، معدنها الذهبي يلمع برقٍّ خفي، وكأنها خلقت فقط لتُلبس على معصمه.
لكن هذا مستحيل.
خاطر لا يمتلك مثل هذه الساعة. لم يشترها، لم يرها من قبل. ومع ذلك... كانت هناك. أمامه.
أخرجها بحذر، قلبها بين أصابعه، ثم نظر إلى معصمه. كان فارغاً. لم يكن يرتدي أي ساعة هذا الصباح. ولكن إن وضع هذه الساعة الآن... هل سيراه الآخرون بها؟
قلبه كان يخفق بجنون، لكنه لم يتمكن من منع نفسه من المحاولة.
أغلق الحزام حول معصمه، ثم وقف متوجهاً إلى أقرب مرآة في الممر. نظر إلى انعكاسه...
يده كانت فارغة.
لكن عندما مر بجوار أحد الموظفين، نظر إليه الرجل، ثم قال بابتسامة إعجاب:
— Patek Philippe Nautilus؟ اختيار راقٍ جداً.
خاطر تجمد في مكانه، شعر بقشعريرة تزحف على عموده الفقري. لم يكن هناك شك بعد الآن...
ما يراه ليس هو ما يراه الآخرون.
لكن لماذا؟
عاد إلى مكتبه، رأسه يعج بالأسئلة. هذه ليست مصادفة. ليست خدعة بصرية. هناك سر... سر مرتبط بهذا المكان.
سر في تلك الشركة اللعينة.
طرق خاطر باب مكتب مديره وطلب إذنه لمغادرة العمل مبكراً هذا اليوم.
المدير الذي رمقه بإعجاب وهمس: تفضل أستاذ خاطر، تفضل.
مشى خاطر في الرواق وقبل أن يصل السلم، سمع صوتاً ينادي عليه:
— انت رايح فين؟
استدار خاطر، قلبه يدق بقوة داخل صدره.
كانت مديرة الشركة فتاة ثلاثينية قضت دراستها في أوروبا.
ترتدي ملابس أنيقة.
وشعرها قصة بيكسي القصيرة.
عاين خاطر المديرة التي كانت ترمقه بنفس الاهتمام.
— أنا... أنا طلبت إذن المدير لأني تعبان شوية.
— أنا عايزاك في مكتبي لو سمحت.
استدار خاطر وتبع المديرة الأنيقة التي كان يعرف أنها عصبية.
وقاسية.
— اتفضل اقعد.
جلس خاطر متكوم على نفسه، يكاد يختفي داخل مقعده.
لكن المديرة أطلقت ابتسامة.
— انت اسمك إيه؟
— أسمى خاطر يا فندم.
— غريبة!
— ليه يا فندم؟
— اسمك ميديش على خاطر خالص.
تلعثم خاطر، لم يعرف ما عليه قوله.
— المهم، همست المديرة، فيه وفد هيوصل الشركة بعد يومين.
أنا عايزاك في فريق الإعداد للوفد، السكرتيرة هتقلك على كل حاجة.
— أنا عايزاك تبقى واجهة للشركة.
رواية سلانديرا الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
تنهد خاطر أنه في مسرحية يحركه مخرج قذر ولا يعرف دوره فيها.
"هو حضرتك بتسخر مني؟"
"أسخر منك؟" همست المديرة باندهاش، لكنها تمالكت نفسها.
"انت بتقول كده ليه؟"
"تعرفين أنني لست واجهة، وأن مظهري يعني على قد الحال. لقد تحملت الكثير من سخرية زملائي من بدلتي القديمة وحذائي، ولم أكن أتوقع أن أجد السخرية هنا أيضاً في مكتب مديرة الشركة."
تنهدت المديرة الشابة، عاينت خاطر أكثر من مرة وتحلت بالصبر.
"إذا كنت أقول ذلك من أجل أن أمدح أناقتك وذوقك في الملابس، يؤسفني أن أخبرك أن ذلك لن يحدث. واضح أنك إنسان نرجسي مريض. اتفضل ارجع شغلك. اعتبر العرض ملغى."
خرج خاطر من مكتب المديرة وهو يشعر بعدم الاتزان.
إذا كان ما يقولونه حقيقي، فعليه أن يتأكد قبل أن يجن.
مر على مكتب زميلته الشابة ولوح لها.
ابتسمت روزينا وردت التحية. أشار خاطر بخجل إلى ساعته ورسم رقم أربعة بيده ثم غادر الشركة.
وقصد مقهى شعبي.
جلس خاطر على المقعد الخشبي المهترئ، يراقب النادل وهو يمسح الطاولة أمامه بحرص مبالغ فيه، كأنه يمهد لمقدم شخصية مرموقة. صب له القهوة بحذر، ثم تراجع خطوة إلى الوراء، وكأنه يتعامل مع أحد أقطاب المجتمع الراقي.
"تحت أمرك يا باشا، لو محتاج أي حاجة تانية قول لي."
كاد خاطر ينفجر، لكنه تماسك. رفع عينيه إلى المرآة المعلقة على الجدار أمامه. كان يتوقع أن يرى شخصاً أنيقاً، كما يراه الجميع... لكنه لم ير إلا ذاته الحقيقية.
ثيابه البالية، شعره غير المرتب، بدلته التي فقدت رونقها منذ سنوات، حذاؤه المتآكل.
"باشا إيه؟" همس لنفسه، وأخذ رشفة من القهوة، لكن طعمها لم يكن كما توقع.
كانت أفخم قهوة شربها في حياته.
ترك الفنجان بسرعة، وكأنه يحاول الهروب من هذا العبث، ثم وضع يده على معصمه، يلمس الساعة التي لا يراها إلا الآخرون.
"لازم أعرف الحقيقة."
نهض فجأة، ألقى ورقة نقدية على الطاولة، لكن النادل رفض أخذها. ابتسم باحترام وقال:
"حسابك مدفوع، يا بيه."
شعر خاطر أن أنفاسه تضيق، خرج من المقهى وهو يكاد يترنح. الهواء البارد ضرب وجهه، لكنه لم يشعر بأي انتعاش. خطواته كانت تقوده إلى مكان واحد فقط...
منزل جده.
دخل المنزل القديم وهو يلهث، مر بجدرانه المتشققة، رائحة الخشب العتيق والكتب القديمة كانت تحيط به. سار حتى وصل إلى غرفة جده، المكان الذي لم يدخله منذ سنوات.
وقف عند الباب لحظة، ثم دفعه ببطء. الغرفة كانت كما تركها الجد، مرتبة بدقة، وكأن الزمن توقف عندها.
اقترب من الخزانة العتيق التي وجد فيها البدلة القديمة، فتحها بيد مرتجفة، ووجدها فارغة تقريباً... باستثناء صندوق خشبي صغير.
رفعه بحذر، وضعه على الطاولة، ثم فتحه.
في الداخل، كان هناك شيء واحد فقط.
مرآة صغيرة.
لكنها لم تكن مجرد مرآة. كان إطارها فضياً محفوراً بنقوش غريبة، زجاجها لم يكن عادياً، بل بدا وكأنه يعكس شيئاً أكثر من مجرد الوجوه.
رفعها ببطء، نظر إلى انعكاسه... وتوقف قلبه.
ما رآه لم يكن نفسه.
كان رجلاً آخر، بملامح أكثر نضجاً، بملابس فاخرة، بعينين تشعان بالقوة. كان يرتدي ساعة Patek Philippe، وكان يبدو... كما يراه الجميع.
سقطت المرآة من يده، لكنها لم تتحطم. انعكاسه فيها ظل كما هو.
شعر خاطر بقشعريرة تسري في جسده.
"من يكون هذا الشخص؟ ولماذا يراه الجميع إلا هو؟"
رواية سلانديرا الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
لم تتكسر المرآة عندما سقطت على الأرض. ولأن على كل مرآة أن تتحطم عندما ترتطم بالبلاط، فلابد أنها مرآة غير عادية. مرآة سحرية مثلاً، قادرة أن تتحمل السقوط دون أن يخدش لها زجاج. ولأنها كما يدل الكلام مرآة غير عادية، عندما سقطت سقطت على جانبها، لم تنبطح على الأرض بل ظلت واقفة على جانبها بميلان 90 درجة، عاكسة صورة فستان أزرق طويل. وللدقة، كان ذيل فستان أزرق طويل يمتد من منتصف الصالة حتى حمام الرواق. لذلك عندما انحنى خاطر ليلتقط المرآة، لمح طرف الفستان يتحرك. يزحف على الأرض في الرواق القريب. ولأنه يعلم أن ما من فستان يمتلك قدمين يمشي بهما، كان يدرك أن هناك إنسان داخل الحمام يرتدي فستان طويل طرفه داخل الصالة. أنثى تحديداً.
ترك خاطر المرآة ونهض ينظر تجاه طرف الفستان الذي يحاول أن يختفي داخل الحمام. ولما وصل خاطر الرواق، تحطمت المرآة وأطلقت صوت انفجار. لم تكن مرآة سحرية في النهاية.
ارتعش جسد خاطر من الرعب بينما واصل طرف الفستان اختفائه داخل الحمام. تردد خاطر لدقيقة قبل أن يخطو بخوف نحو طرف الفستان الذي كان الآن داخل الحمام، ثم انغلق باب الحمام فجأة.
توقف خاطر في مكانه. استدار ونظر في كل مكان. بيت قديم. جدران مشققة. أثاث قديم. سجاد وسخ لم يغسل منذ سنين. ثم فرك جبهته ورأسه. كان عليه أن يعرف أنه ليس حلماً مثل الحلم الذي يعيشه منذ وصوله إلى الشركة. أشعل شمعة ووضع أصبعه فوقها حتى لسعته النار. صرخ خاطر من الوجع.
ثم مشى ببطء نحو باب الحمام وفتحه بتردد. حمام قذر لا شيء مميز بداخله. حمام شاسع من حمامات زمان بوسع غرفة كاملة. مشى خاطر تجاه حوض التشطيف والمرآة التي تتوسط الحمام، ولمح انعكاس سحنته البغيضة. تحرك باب الحمام وانغلق من تلقاء نفسه. وفي الخارج حيث الرواق، سمع خاطر أصوات كثيرة مختلطة. ركض تجاه الباب ليفتحه.
ارتعش مصباح الحمام وقبل أن يصل الباب، انطفأ المصباح وحل ظلام حالك. دقيقة توقف فيها قلب خاطر، ثم سمع تكة. تك تك إصبعين، الإبهام والسبابة.
ارتعش المصباح مرة أخرى وعاد النور ليضيء كل شيء. الحمام القذر كان يلمع من النظافة. الباب الذي تشقق طلاؤه عاد كأنه تم طلاؤه للتو. وفي الخارج عندما وصل الرواق، كان كل شيء مختلف. السجاد نظيف. الجدران تلمع والأثاث مرتب. اختفت القذارة التي خلفها خاطر منذ وصوله.
دق قلب خاطر بقوة. لم يتحمل عقله تلك الأشياء غير المنطقية التي حدثت فجأة. ركض تجاه باب البيت ليترك كل شيء خلفه، وقبل أن يفتح باب البيت، لفحه ريح بارد واشتم عطر فاخر يفوح خلفه.
رواية سلانديرا الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
تجمد خاطر في مكانه. الريح الباردة لامست عنقه كأنها يد خفية، والعطر الذي تسلل إلى أنفه لم يكن عادياً. كان ثقيلاً، مترفاً، لكنه يحمل شيئاً آخر. شيئاً أبعد من مجرد رائحة.
لم يلتفت. كان يعلم أن الالتفات سيجلب معه ما لا يفهمه، وربما ما لا يريد أن يراه.
مد يده المرتجفة إلى مقبض الباب، ضغط عليه بقوة، لكنه لم يتحرك. وكأن الباب أصبح جزءاً من الجدار، أو كأن يداً غير مرئية تثبته في مكانه.
ثم جاء الصوت.
صوت ناعم، أنثوي، لا هو قريب ولا بعيد، كأن الريح هي التي حملته إليه.
– خاطر…
وقع الاسم في أذنه كما لم يسمعه من قبل، وكأنه ليس اسمه، بل كلمة مسحورة تعني شيئاً آخر، شيئاً أقدم وأعمق.
التفت ببطء، كأنه مسير لا مخير.
الرواق كان كما تركه، نظيفاً، مترفاً، غير منطقي. لكنه كان خالياً.
لا أحد هناك.
– من هناك؟ همس، صوته بالكاد خرج من حنجرته الجافة.
الصمت.
لكن العطر ازداد كثافة، كأنه أصبح جزءاً من الهواء، جزءاً من أنفاسه.
قبض خاطر على مقبض الباب بكل قوته، وجسده يرتجف كأن عظامه تريد الفرار من جلده. حاول أن يفتحه مرة أخرى، وهذه المرة انفتح بسهولة، كأنه لم يكن موصداً منذ لحظة.
لم يفكر، لم يتردد، اندفع إلى الخارج، إلى درج البناية المظلم، متعثراً في خطاه، كأن الهواء نفسه يعيق حركته. صوت أنفاسه كان أعلى من أي شيء آخر، إلا من دقات قلبه التي تصاعدت حتى كادت تصم أذنيه.
"خاطر…"
كاد يسقط من الرعب، جاء الصوت من خلفه، ناعماً، أنثوياً، لكنه حمل شيئاً زاحفاً تحته، شيئاً جعله يكره الطريقة التي نطق بها اسمه.
لم يلتفت، لم يكن بحاجة لذلك، كان يعلم أن الالتفات خطأ، خطأ فادحاً.
واصل الهبوط، درجتين، ثلاث، ثم ألقى نظرة خاطفة إلى الأعلى دون إرادة منه. لم يكن هناك أحد.
لكنه شعر بها.
كأن شيئاً ما، أو شخصاً ما، يقف هناك، في قمة الدرج، يراقبه وهو يفر، مبتسماً ربما، أو ساخراً.
وصل إلى الشارع، الهواء الليلي ضرب وجهه بعنف، لكنه لم يوقفه.
واصل الركض.
ركض كأن العالم كله يطارده.
وحين وجد نفسه أخيراً بعيداً بما يكفي، توقف، يلهث، يتعرق، يحدق أمامه بلا تركيز.
كانت أنفاسه متقطعة، لكنه لم يكن متأكداً إن كان من الركض… أم من الرعب.
ثم بدأ عقله يعمل، متأخراً، لكنه يعمل.
ما هذا؟ ما الذي حدث هناك؟
رفع يده إلى أنفه، لا يزال العطر باقياً، لم يكن يجب أن يكون باقياً.
لقد فر، لم يعد هناك، لكنه لا يزال يشمه.
شعر بوخز بارد يزحف على عموده الفقري.
هل كان يهرب حقاً؟ أم أن ما هرب منه… جاء معه؟
نفس العطر الذي كان معه في الشركة. إنه الشخص ذاته الذي يختار له عطره وملابسه.
أنا مسحور؟
أتُعمل لي عمل؟
إذا ما كان يقوله زملاؤه لم يكن سخرية ولا استهزاء. لقد فكر أكثر من مرة أن يحمل بندقية ويقتل كل موظفي الشركة.
ويقتل كل نساء المدينة في الحال.
ثم رفع رأسه وانتابه حنق ضخم. هل أبدو الآن كمهرج كما اختارت الهانم؟
تمشى إلى أقرب مرآة محل ملابس وعاين مظهره.
الذي كان حقيراً كما يعرفه.
لا فائدة. صرخ ولد. أنت؟ توقف طفل كان على ما يبدو يقصد الدكان ليشترى شيئاً لوالدته.
تعالى هنا.
اقترب الطفل بخوف. تنهد خاطر. كم عمرك؟
١٢ عاماً. جيد. همس خاطر. صف ملابسي من فضلك.
بدلة زرقاء ضيقة. حذاء أزرق. ربطة عنق زرقاء.
كله أزرق يا عم.
أزرق مثل فستانها. شكراً لك. ودع خاطر الطفل المندهش.
ثم جلس على المقهى، وضع ساقاً على ساق وطلب شاياً.
ثم ابتسم فجأة ووضع يده في جيب بنطاله لا إرادياً.
كان هناك منديل ونقود.
كيف لم ألاحظ ذلك من قبل؟
لقد اختارتني هذه الروح لتشكلني وفق إرادتها.
راجع تسلسل المواقف في الأيام الماضية. كل الناس تراه أنيقاً إلا هو!!
متى بدأت اللعنة؟ كان خاطر بدأ يعتقد أنها لعنة فعلية لحقت به.
منذ دخل منزل جده القديم!!
المرآة السحرية؟
لو أمكنه أن يعود إلى المنزل لاكتشف أسراراً أخرى ربما شيء.
شيء بسيط يساعده في هذه المصيبة.
مصيبة؟ لماذا تسميها مصيبة؟ تساءل خاطر في سره.
لقد عشت طوال عمري إنساناً مهمشاً بلا قيمة.
الآن الكل يشير لك بالبنان، سواء كانت روح، عفريتة، جنية مرحب بها على كل حال.
لقد ابتسم لك الحظ يا خاطر. لا ترفص النعمة بقدميك المتعفنتين. عد الآن إلى المنزل قبل أن تغير رأيها.
قبل أن تعتقد أنك شخص جبان.
قطع خاطر الطريق في نصف ساعة. رغم قصره كان جسده يشعر بذبذبات غريبة.
عندما دفع باب البيت انفتح بسهولة. كان هناك حضور خفي داخل المنزل. شيء ثقيل غير مرئي.
اندفع خاطر تجاه الأريكة وألقى بجسده عليها.
أشعل سيجارة. ثم قال بنبرة متعجرفة.
يمكنك أن تظهري. لقد سمحت لك بذلك.
رواية سلانديرا الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
لقد سمحت لكِ أن تخرجي، قالها خاطر وهو يطلق دفقة من الدخان الأزرق. لم يكن طبيعيًا أو بقلب ميت، لكنه أراد أن يبدو غير مرتاعب.
هدأت الشقة للحظة، كأنها تحبس أنفاسها. كانت الجدران نفسها ترتجف في انتظار شيء أعظم من أن يُحكى.
كان حضورًا ملكيًا بمعنى الكلمة.
"لقد سمحت لكِ أن تخرجي..." انعدت كلمات خاطر بلكنة نثرية فاخرة ونبرة استنكارية فائقة العذوبة.
"أتعتقد أنني أنتظر إذنكِ لأظهر؟ بشرى تافه!" انفرشت الأرض بورود الياسمين والورد والدمشقي والغاردينيا، زهرة الأوركيد، التوبيروز، النيرولي والخزامى والفاوانيا والبنفسج والليليوم.
ثم ظهرت. كان شعرها طويلًا يتعدى خصرها، جسدها أبيض كأنه لم يمس من قبل، وعيناها بلون بحيرة فيروزية.
ارتسمت على وجهها ابتسامة شريرة. كان ظهورًا ملائكيًا بنكهة شيطانية. كانت ترتدي بلوزة من شانيل مصنوعة من التويد الفاخر باللون الأبيض العاجي مع أزرار ذهبية وقصة كم قصيرة، وتنورة ميدي من ديور مصنوعة من الشيفون بلون أزرق بحري، وحذاء بكعب متوسط من جيمي تشو بلون نيود، وحقيبة ليدي ديور ميني من جلد العجل المبطن.
أقراط صغيرة من فان كليف بتصميم ألفامبرا.
ساعة من كارتير وسوار ناعم من تيفاني.
عطر برائحة فاخرة من ميزون فرانسيس كوركجيان – باكارات روج 540.
مع مكياج ناعم بلمسة طبيعية تعتمد فيها على كوشن فاونديشن من واي إس إل بيوتي وأحمر شفاه وردي من ديور أدي ليب جلو.
انعدل خاطر في مكانه، نهض ببطء وانشداه. لم يتخيل في حياته أن يرى جنية.
وعندما يراها، يكاد يشعر أنها نجمة هوليوودية حضرت في زيارة للشرق.
"أنتِ جنية، صح؟" هذا ما استطاع خاطر قوله قبل أن يغلق فمه.
"شيطانه!"
"شيطانه علوية يا إنسي. اسمي الأميرة زافيرا. من الآن سأشرفكِ أن أكون أميرتكِ. يمكنك أن تركع أمامي وتطلب حاجاتك بخضوع."
تأمل خاطر الوجه الطفولي الضاحك. ربما كانت في العشرين من عمرها، لكنها تبدو طفلة مدللة.
"أنا... أنا لا أحتاج أميرة،" همس خاطر أخيرًا، "ولن أركع أمام أحد."
"كيف تقول ذلك يا بشرى؟ لابد أن تخضع لي وتركع أمامي."
"تخلي خاطر عن حياديته. وأنا هعمل كده ليه أصلًا؟"
"لأنني الأميرة زافيرا، ولأن كل واحدة من صديقاتي لديها عبد بشري. لقد حضرت لأرض الإنس الحقيرين لأحضر خادمًا لي، ومن حسن حظك وقع اختياري عليك..."
"خادم بشري؟" أطلق خاطر ضحكة من نوعية "نياها.. نياها.. نياها". "ما الذي يجبرني للخضوع لكِ يا شيطانه؟"
"تقول شيطانه مجردة؟ أوه، أنت غريب. لو سمع والدي الملك هشمار كلامك لقطع رقبتك في الحال. أنت بشرى شجاع على عكس المتعارف عليه في أرضنا. لابد أن تحضر معي الآن. سأقيم حفلة في قصري بعد يومين، وسيكون ظهورك بعد التعديلات طبعًا، وأنا أمسك الحبل المتدلي من عنقك. مفاجأة مدهشة لصديقاتي."
"هو أنتِ فاكراني كلب؟" صرخ خاطر بعصبية.
"كلب؟" تساءلت الأميرة الشيطانية زافيرا. "أهو مخلوق شرير؟ نحن لا نملك مخلوقًا اسمه كلب في أرضنا."
"أنتِ باين عليكِ عبيطة فعلًا. يلا اختفي! أنا بصرفك." همس خاطر بلا مبالاة.
"اختفي؟ لابد أن تتأدب عندما تخاطب أميرة من الشيطان العلوي. أنا ممكن أرعبك حالًا."
"بس بس اسكتي، وأنتِ حلوة كده يا شيطانه."
"أتعتقد أنني جميلة فعلًا؟ عندما قررت أن أزور أرض البشر لأول مرة، أمرت وصيفاتي البشريات أن يُعددن لي رداءً بشريًا فاخرًا. في أرضنا نحن لا نرتدي هذه الملابس الحقيرة."
"إذًا هذه مهمتكِ الأولى في أرض البشر أيتها الشيطانة الجميلة؟"
"نعم، أول مهمة على الإطلاق. والدي الملك لا يسمح لي بزيارة الأرض الحقيرة. طول اليوم هناك دروس على يد الحكماء. دروس موسيقى وفلك وعلوم بحار ورياضة وخوارزميات وكتب السحر والأعشاب. آه يا بشرى، حياة مقرفة ومملة لحد بعيد." همست الأميرة زافيرا وهي تجلس على المقعد الذي تحول لكرسي يشبه كرسي العرش.
"يمكنني أن أحقق لكِ أمنية واحدة يا بشرى، على أن تكون روحكِ بعد عشرة أعوام ملكي."
"عشرة أعوام؟" همس خاطر بشرود. "لكن دي مدة طويلة جدًا يا شيطانه."
"طويلة في عالمك يا إنسي. بالنسبة لي ستمر بسرعة خارقة. لا تضيع وقتي." وقعت على العقد بتكة من أصبعها. تلوت ورقة لتصبح عقدًا قانونيًا.
رواية سلانديرا الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
كان هناك شيء في زافيرا يدفع خاطر للإعجاب بها، لا، بل شيء أكبر من الإعجاب، شيء يشبه الانبهار بتكتل حالم.
رغبة مسيطرة غَزَتْه لطاعتها، فضول أن يعرف كيف يكون خادمها ويرى حركاتها ويسمع أوامرها ويرى عالمها.
"تقولين إن لدى كل واحدة من صديقاتك خادمًا بشريًا؟"
أطلقت زافيرا ابتسامة: "نعم، لديهم خدم كثير، إناث وذكور."
"ولكل واحدة منهم عبد بشري باع روحه لها؟"
"تعني أنكم تعملون البشر ككلاب مستأنسة؟"
"كلاب؟ كلاب؟ ما وظيفة الكلاب في عالمكم أيها الإنسي؟"
"الكلاب مخلوقات أليفة تحب صاحبها وتخلص له وتنفذ تعليماته."
"إذاً، قال زافيرا: لدينا كلاب بشرية."
"ألا تشعرين بالحرج وأنت تقولين 'كلاب بشرية'؟"
"هذا لفظ مقزز في عالم البشر يا شيطانة."
"اسمع يا إنسي، لقد منحتك فرصة ورأيت بعينك ما بأمكاني فعله. كان يمكنني أن أسحرك، لكنني شيطانة شريفة، سأبرم معك عقدًا قانونيًا."
"تسحريني؟" همس خاطر بسخرية، "أنت شيطانة مغرورة فعلاً."
"تفضلي، اسحريني."
"تعني سنقوم بتجربة علمية؟"
"اعتبريها تجربة علمية، اسحريني من فضلك!!"
لا يعرف خاطر أن الشياطين العلوية (High Demons) أو "أمراء الجحيم العلويون" هم كائنات شيطانية ذات رتب عالية وسلطة كبيرة. يعتقد أنهم يتمتعون بقوة روحية أو كونية تتجاوز الشياطين الأدنى مرتبة. يقال إنهم ليسوا مجرد أرواح شريرة عادية، بل يتمتعون بذكاء خارق، ومعرفة واسعة، وقدرة على التأثير في عالم البشر بطرق معقدة تتجاوز الإيذاء المباشر أو الوسوسة. يتحكمون في جحافل من الشياطين الأدنى، ولهم نفوذ على الطاقات الروحية والواقع بطرق تفوق الفهم البشري.
ويحملون أسرارًا عن الكون، والطاقة، والزمان، وربما حتى بعض الحقائق التي لا يستطيع البشر فهمها بالكامل.
وعكس التصورات التقليدية عن الشياطين المخيفة ذات الهيئة المرعبة، قد يظهر الشياطين العلويون بهيئات جذابة أو مهيبة، تعكس عظمتهم وقوتهم.
ليسوا مجرد كائنات تعتمد على التخويف، بل يستخدمون الذكاء والتلاعب العقلي لجذب البشر إلى جانبهم.
بعض الأساطير تربطهم بالنجوم، الكواكب، أو الطاقات البدائية، حيث يعتقد أن لهم علاقة وثيقة بالقوى الكونية الكبرى.
نهض خاطر، انتظر، توقع أن تهب ريح، أو يشع لهب، أو يشق السماء. مسبار كل ما فعلته زافيرا أن فتحت عينيها وصفقت بيديها. وجد ناصر نفسه واقعًا تحت السيطرة، بل شيء أكثر من ذلك. لم يكن خاطر خاطر، ولا يعرف من يكون.
أمرته زافيرا أن يرقص، فرقص. أمرته أن يضحك، ضحك. أمرته أن ينحني، انحنى. وبعد ربع ساعة، تكّت زافيرا بأصبعها، فعاد ناصر كما كان.
"ها؟ أين سحرك؟" سأل خاطر بسخرية.
جلست زافيرا على الأريكة وأطلقت مجموعة من الضحكات القصيرة.
"لا تصدقني؟"
"لا أصدقك طبعًا."
"انظر إلى المرآة،" أمرته زافيرا. أمام المرآة وقف خاطر. كان يشبه المهرج، شعره طويل، خدوده وشفاهه ملطخة بالأحمر. حواجبه مرفوعة.
"سامحني،" همست زافيرا، "لم يتح لي الوقت لأفعل أكثر من ذلك."
بينما وقف خاطر مشدوهًا: "أنا لا أتذكر كيف حدث ذلك ولا متى حدث."
"لا تستخف بي يا إنسي، قلت لك إنني أميرة علوية من نسل الشيطان. عندما يتملك شيطان إنسانًا بشريًا، لا يشعر بأي شيء، ينمحي عقله ويصبح مجرد آلة."
"آه، تذكرت، يشبه الروبوت الذي تصنعونه في أرضكم..."
"هل نبرم الاتفاق الآن؟"
لكن فجأة ظهرت فتاة أخرى، كان جلد جسدها أزرق وأذنيها أطول من العادي ومدببة، شعرها طويل جداً وعيونها متشققة. بشرتها مثل اللبن.
"سامحيني يا أميرتي، لقد طلبك الملك هشمار والدك لمجلسه."
همست زافيرا: "يوه، هذا وقته؟ حسناً يا بشري يا تافه، سلام مؤقت."
اختفت زافيرا وخادمتها في لمح البصر، وتركت خاطر بمفرده يعاين الأضرار في عقله.
صنع كوب شاي وشربه في شرود، غير قادر على تمالك نفسه ولا حتى التفكير. قضى معظم الليل يفكر بحماقة كل شيء حدث له. وفي الصباح، عندما استعد للذهاب للعمل، ظهرت زافيرا في الرواق. كانت جالسة تشرب قهوتها مع كيك بالكريمة من صنع الجان.
جلس خاطر بلا كلام وتناول بعض الكيك الجني والقهوة الفاخرة ذات الطعم الغريب.
"أريد وقتًا للتفكير،" همس خاطر ما إن استطاع الكلام.
"سأذهب للشركة الآن، عندما أعود سيكون لنا حديث طويل."
نهضت زافيرا: "أنا أيضًا سأذهب معك للشركة."
"بأي صفة؟" سأل خاطر، "ظهور فتاة بمثل ذلك الجمال الذي تمتلكينه سيحدث ضجة."
"ماذا يفعل الموظفون في الشركة؟" سألت زافيرا.
"يعملون يا زافيرا، كل شخص يتم توظيفه عليه عمل يقوم به."
قالت زافيرا: "أنا أيضًا سأصبح موظفة في الشركة."
"هيا بنا."
"إزاي؟ لازم أوراق وشؤون عاملين ومقابلات والخ."
"دعك من كل ذلك،" قالت زافيرا، "خدمي سيتولون تلك المهمة."
"لكني أريد وظيفة راقية من تلك التي يخدمني فيها بشر كثيرون."
"ماذا تسمين باعتقادك؟"
"مديرة قسم."
"نائب شركة."
"مديرة قسم يناسبني،" همست زافيرا، "أنا رئيسة في الشركة."
أدرك خاطر أن زافيرا يمكنها أن تفعل كل شيء، لذلك لم يجادل.
"انتظر مكانك!" صرخت زافيرا، "ستخرجين معي بتلك الملابس الحقيرة؟"
بتكة من أصبعها تغير مظهر خاطر، وكانت ملابسه متوافقة مع ملابس زافيرا الأنيقة.
من يراهما يكاد يجزم أنهما شخصان خرجا من لوحة رسام إيطالي.
وقف خاطر على باب الشركة إلى جوار زافيرا أمام أعين الحارس التي انفتحت على آخرها.
رواية سلانديرا الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
تقدمت زافيرا عبر مدخل الشركة بخطوات واثقة، بينما مشى خاطر بجانبها بخطوات مرتبكة، يحاول أن يتجاهل نظرات الموظفين المندهشة. كان مدخل الشركة الواسع يعج بالحركة، موظفون يتحدثون بأصوات منخفضة، آخرون يسيرون بسرعة نحو مكاتبهم، لكن لحظة دخول زافيرا، بدا وكأن الهواء نفسه تغير.
الحارس عند البوابة رفع حاجبيه بدهشة، لم يسأل عن هويتها، فقط وقف كأنما نسي دوره اللحظات. أما خاطر، فشعر أن قدميه تسيران من تلقاء نفسيهما، وكأنه تحت تأثير قوة خفية، أو ربما كان مجرد أثر وجودها بجانبه.
عند وصولهما إلى بهو الاستقبال، بدأ الهمس ينتشر بين الموظفين:
"من هذه؟"
"لم أر مثلها من قبل..."
"كيف دخلت هكذا؟"
"وخاطر...؟"
تابعت زافيرا سيرها نحو المصعد وكأنها تعرف طريقها تماماً، وقفت أمام الأبواب تنتظر، بينما كان ناصر، زميل خاطر، يخرج من المصعد نفسه. حدق في الفتاة للحظة، ثم التفت إلى خاطر، عاقداً حاجبيه بدهشة:
"ما... من هذه؟"
لم يجب خاطر. لم يكن يملك إجابة، ولا حتى تفسيراً.
وصلت زافيرا سيرها كأنها تعرف الطريق نحو مكتبها، عندما وصلت إلى قسم العلاقات الدولية، دفعت الباب ودلفت دون أن تنظر إلى أحد. كان مقعد مديرة القسم في انتظارها، عندما جلست تكاد تشعر أنه صُنع من أجلها.
جلست زافيرا وصالبت ساقيها.
"إذاً، ماذا من المفترض أن أعمل هنا؟" قالت، وهي تزحزح الملفات بتكة من أصبعها.
"هتفضحينا؟" صرخ خاطر بصوت محشرج، "إذا رأى أحد الملفات تطير في الهواء، سنكون محل شك."
"تشربين إيه؟"
"قهوة بنكهة النارتينج مع كيك مطعم بالبرقوق والكريمة."
ابتسم خاطر.
"نحن لسنا في قصرك يا أميرة يا شيطانية، نحن لا نصنع تلك القهوة."
"خذني إلى البوفيه، سأصنعها بنفسي."
"أنا معي شغل يا زافيرا، لازم أرجع قسمي قبل ما مديري يزعق لي."
"هو أنت متعرفش؟"
"أعرف إيه؟"
"أنا نقلتك قسمي، أنت سكرتيري الخاص في عالم البشر، زي ما هتكون خادمي المطيع في أرض الجان."
"إزاي ده حصل؟" همس خاطر.
"المديرة وافقت؟"
"أنا مديرتك، واتفضل خدني على البوفيه."
وقف عامل البوفيه مذهولاً يحدق بزافيرا.
"قبل أن يمسك بطرف كم بدلة خاطر: كنت عارف إنك رجل أعمال متخفي زي طلعت مصطفى."
"دي الموز بتاعتك؟"
أطلقت زافيرا ضحكة مجلجلة، عاينت الرجل الخمسيني.
"ثم خاطبت خاطر: هذا الرجل يعجبني، ذكرني أبرم معه اتفاق عندما ننتقل إلى عالمنا."
"أنا معاكي يا برنسيسة من غير عقد أو اتفاق، هو أنا أطول أخدم واحدة زي حضرتك يا أبويا."
"شايف الكلام؟" همست زافيرا بعنجهية، "اعملي قهوة يا آنسة."
أطلق عامل البوفيه نظرة استنجاد تجاه خاطر.
"آنسة؟ حاضر يا هانم، قهوتك إيه؟"
"ضع الإبريق على النار والقهوة ستصنع نفسها."
فتح نادل البوفيه فمه.
"يعني إيه؟"
"بتهزر يا عم حامد، اعمل بس اللي قلت لك عليه الهانم."
تكت زافيرا إصبعها، تيبس حامد زهاء عشرة دقائق حتى جهزت زافيرا قوتها، ثم أعادته إلى وعيه. حملت فنجان قوتها ووضعت قطعة ذهب في يد حامد عامل البوفيه.
"مينفعش كده،" صرخ خاطر في أذن زافيرا.
"إحنا مش بنوزع الدهب كده على الناس،" متقلقش، قالت زافيرا، "لما يروح الدهب هيتبخر."
كان حامد يعاين قطعة الذهب عندما غادر خاطر وزافيرا البوفيه نحو المكتب.
جلس خاطر على المقعد داخل مكتب زافيرا، يحدق بالرواق حيث كان الموظفين يتهامسون بلا توقف.
ثم ظهرت مديرة الشركة، بعد لحظة دخلت المكتب.
لم تنهض زافيرا.
وقفت المديرة على وجهها ابتسامة غاضبة.
"أنتِ مديرة قسم العلاقات الدولية الجديدة؟"
لم ترد زافيرا.
بينما همس خاطر: "أيوة يا فندم."
"هي متعرفش إني مديرة الشركة؟"
"أينعم، إحنا عارفين إنها جاية من إنجلترا، لكن لازم تتعلم تحترم مديرتها."
"آسف يا فندم، معلش، أصل العادات هناك غير هنا."
جلست المديرة أمام زافيرا.
"ممكن تقوليلي خططك لإدارة القسم؟"
"خطط إيه؟" همست زافيرا أخيراً، "في عالمي تتم العلاقات بطريقة أخرى."
فتحت المديرة فمها باستغراب تنتظر توضيح.
"تقصد سيادتك إنها لديها مبادرات وخطط غير مألوفة لإدارة القسم."
"زي إيه؟" سألت المديرة.
بينما كانت زافيرا تحرك خصلة شعر مذهبة شردت من ضفيرتها بلا مبالاة.
قال خاطر: "امنحينا بعض الوقت سيادتك، سنعد ملف كامل لتصور آنسة زافيرا لتطوير القسم."
غير مقتنعة، غادرت المديرة المكتب، بينما نهض خاطر بغضب.
"شوفتي الورطة اللي حطيتينا فيها؟"
"أشعر بالملل،" ردت زافيرا بتناكة، "عمل البشر التافه السخيف يثير حنقي."
صرخ خاطر: "أنتِ كده بتدمريني، وأنا ما صدقت لقيت شغل."
"شاغل بالك ليه؟"
"هي الست دي كانت عايزة إيه؟"
كرر خاطر تشككات مديرة الشركة على سمع زافيرا التي قالت: "خلاص، خلاص."
"أوف." ثم بتكة من إصبعها تمدد ملف جديد مذهب على الطاولة. أمسك خاطر الملف وفتحه.
رأت أن الموظفين يعملون بشكل منفصل دون تنسيق حقيقي، وأن القرارات تتخذ بناءً على الاجتهادات الشخصية لا على استراتيجيات واضحة. لذلك قررت:
تقسيم القسم إلى فرق متخصصة: فريق للمفاوضات، فريق للعلاقات العامة، فريق لتحليل الأسواق، وفريق لحل النزاعات الدولية.
تحديد أهداف أسبوعية واضحة لكل فريق، بحيث يكون هناك قياس حقيقي للأداء.
زافيرا لم تكن تؤمن بالمجاملات أو بإعطاء فرص غير مستحقة، ولذلك طلبت ملفات جميع الموظفين، وألقت نظرة سريعة على أدائهم.
من وجدت أداءه ضعيفاً ولم يظهر أي تطور، قررت الاستغناء عنه دون تردد.
من رأت لديه إمكانيات لكنه محبط أو مقيد، قررت ترقيته أو نقله إلى مكان أنسب.
أما أولئك الذين لديهم مهارات لكنها غير مستغلة، فقد وضعت لهم برامج تدريبية مكثفة.
في نظر زافيرا، كان القسم يعتمد على أساليب تقليدية في التفاوض وإدارة العلاقات، وهو أمر لا يناسب عصرها، أو بالأحرى، لا يناسب مستوى ذكائها. لذلك قررت:
استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الشركاء والعملاء وتقديم استراتيجيات تفاوض أكثر دقة.
إنشاء وحدة سرية داخل القسم تكون مهمتها جمع وتحليل المعلومات عن المنافسين بطرق غير تقليدية.
إتقان فن التأثير النفسي في الاجتماعات والمفاوضات، عبر استخدام نبرات الصوت، لغة الجسد، وحتى التحكم في الأجواء العامة للغرفة.
رأت زافيرا أن العلاقات الدولية ليست مجرد قسم تنفيذي، بل يجب أن يكون هو العقل المدبر الذي يحدد مع من تتعامل الشركة وكيف. ولهذا:
وضعت قانوناً داخلياً يمنع أي إدارة من اتخاذ قرارات تتعلق بالشراكات أو العقود دون موافقتها.
أقنعت الإدارة العليا بأن كل الاتفاقيات المستقبلية يجب أن تمر عبر مكتبها أولاً.
بدأت في تكوين شبكة علاقات شخصية قوية مع كبار رجال الأعمال والمسؤولين، بحيث تصبح صاحبة التأثير الحقيقي، وليس مجرد مديرة قسم.
الدخول إلى الأسواق الصعبة، حيث المنافسة شرسة والشركات الكبرى تسيطر على كل شيء.
استخدام أساليب غير تقليدية مثل إثارة الأزمات بين المنافسين أو كشف نقاط ضعفهم بشكل غير مباشر.
خلق تحالفات ذكية مع الشركات الناشئة، بحيث تتحكم في مستقبل الصناعة بدلاً من مجرد متابعتها.
لم تكن زافيرا مجرد مديرة عادية، بل كانت شيطانة عليا تعرف كيف تحرك الأمور لصالحها. ولذلك:
استخدمت قدراتها في التأثير على عقول بعض الأشخاص الرئيسيين داخل الشركة لجعلهم يساندون خططها دون وعي.
"أنتِ عملتي كل ده إمتى؟" سأل خاطر بوجه مبلّم.
"أنت نسيت إني شيطانة أميرة علوية، لدي جيش من الشياطين يخدمني."
"يعني خدامك عملوا كل ده في دقيقة واحدة؟"
"متصدعنيش يا خاطر، ده وقت البريك بتاعي، أنا دلوقتي لازم أكون في حالة استرخاء داخل حمام من العطور والأزهار البرية."
"خد الملف ده للست اللي كانت هنا وأنا هروح آخد بريك وأرجع."
"تروحي فين؟" صرخ خاطر بكل صوته.
"مش هينفع تسيبِ المكتب دلوقتي، إيه يا ربي الورطة اللي حطيت نفسي فيها دي."
"متخافش، هجيب لك بديلتي تقعد مكاني، بس أوعى عينك تزوغ كده ولا كده، أنا بـراقب كل حاجة."
اختفت زافيرا وحلت بدلها زافيرا أخرى، كانت هي نفسها.
"أهلاً يا خاطر."
"أنتِ مين؟"
"أنا شبيهة الأميرة زافيرا يا خاطر."
"شبهيتها إزاي؟" سأل خاطر.
"لكل أميرة علوية أكثر من شبيه، حتى تكون بعيدة عن الخطر."
"يعني تقدر تقول أنا واحدة من اللي بيضحى بيهم يا خاطر."
سأل خاطر: "وإيه اللي يجبرك على كده؟"
"حاجات كتير، عالم الجن فيه ظلم زي أي عالم تاني، وأنا مجرد جنيه ضعيفة مقدرش أقف قدام السادة."
"وفي نظير خدمتي والدتي وإخواتي بينالوا عناية الملك هشيمير والأميرة زافيرا."
"إنتِ اسمك إيه؟"
"مينفعش أقولك اسمي يا خاطر."
"لو عرفت اسمي تقدر تتحكم فيا، دي تعويذة عشريتنا."
"أي حد يعرف اسمنا الحقيقي يقدر يتحكم فينا، ومنقدرش نعارض أوامره حتى لو أمرنا نقتل نفسنا."
رواية سلانديرا الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
اعجبتك شبيهتى؟ انها النسخة السوقية منى.
كانت زافيرا قد ظهرت بملابس جديدة مختلفة.
اسمع، لابد أن نرحل الآن. هناك احتفال كبير سيتم في قصرنا وأريدك أن تكون خادمي هذه الليلة.
قلت لك، لست خادمك ولن أكون خادمك أبداً. أنت تجبرني على سحرك يا خاطر، كنت أتمنى أن نبرم اتفاق عادل.
لن تتمكنى من سحري. قوانينكم تمنع ذلك. دون موافقتي ستعرضين نفسك للمحاكمة.
كيف عرفت ذلك؟ صرخت زافيرا بغضب. إنها الملعونة باتيكا، أليس كذلك؟
أقسم أن أحرقها عند عودتي لأرض الجان.
لن تتمكنى من حرقها يا شيطانه.
ضحكت زافيرا. من سيمنعني من حرق واحدة من خدمي؟
"أنا"، قال خاطر وهو يمسح سترته بيده. باتيكا أصبحت ملكي.
ملكك؟ رددت زافيرا بشك.
نعم، ملكي. أنا وحدي الذي أسيطر عليها وأستطيع أن أمنحها الأوامر.
كيف فعلت ذلك؟
لا تقل أن باتيكا اعترفت لك باسمها الحقيقي؟
"الملعونة!" صرخت زافيرا، ومع صرختها ارتجت جدران الشركة.
أصيب الموظفون بالهلع، كأن زلزال ضرب الشركة.
لقد عاملتك باحترام وشرف ولم تستخدم سحري، لكن بشرك حقير ولئيم، لا شرف لك.
لدي شرف أكثر منك يا زافيرا، وأنا لم أخل بوعودي. لم أمنحك موافقتي، وأنت تعرفين ذلك، لكننا لم نتوصل إلى اتفاق يلائمني.
أها. قل شروطك يا خاطر، لكنني أريدك بين يدي الليلة.
رفع خاطر يده. شرطي أن تكوني ملكي ليلة، وأكون ملك ليلة، ومن يخل بالاتفاق تحل عليه لعنة بطراس شيطانكم الأكبر.
أنت تملكني يا حقير.
سأجد بشرًا غيرك يقبل قدمي ويدي، أما أنت فأحكم عليك أن تعود حقيرًا كما كنت.
ولأن زافيرا شيطانه علوية، عندما قررت الانسحاب عاد كل شيء لأصله.
خلى مقعد مدير العلاقات الدولية بعد أن تبخرت زافيرا.
وعاد رداء خاطر وهيئته الحقيقة إلى ما كان عليه قبل انتقاله إلى الشركة.
حتى أن عم حامد، عامل البوفيه، لم يصدق عينيه عندما رأى خاطر في بدلته القديمة.
إنها خطة، أليس كذلك؟
لا تتدخل في ما لا يعنيك، همس خاطر بغضب.
تأسف عامل البوفيه. أنا لا أقصد أن أتدخل بينك وبين زافيرا هانم، لكن إذا كنت ترغب، يمكنني أن أتوسط لحل المشكلة.
كيف ستفعل ذلك؟ بنبرة ساخرة تحدث خاطر وهو يرتشف قهوته.
لقد أبرمت عقدًا معها ووقعته بالدم. الهانم تستلطف دمي.
هذا خطر، همس خاطر بجوار أذن حامد. أنت لا تعرف من تكون زافيرا.
أعرف. همس حامد بصوت خافت.
لا تعرف، أكد خاطر بقلق. إنها ليست بشرية. إنها شيطانه.
أعرف. همس حامد بنفس النبرة. لا يعنيني إن كانت شيطانه أو حتى إبليسية. ما الذي نابني من البشر حتى الآن سوى المصائب؟ عندما يتمخطر أحدهم ويتحاطى ويتماطى يمنحني عشرة جنيهات ويريدني بعدها أن أقبل يده.
لكن زافيرا هانم.
انظر يا خاطر، انظر ومليء عينيك هذا ذهب. وستمنحني ذهبًا كثيرًا عندما أذهب عندها.
وعائلتك؟ ألم تفكر في أطفالك يا عم حامد؟ زوجتك؟ أولادك؟
زافيرا هانم ستتولى كل شيء. همس حامد بنبرة سرية.
ستعد لنا بيتًا بجوار قصرها. لقد رأيته. وعندما نشتاق لعالم البشر ستسمح لنا بذلك.
وما المقابل؟ ستبيعها روحك؟ ستلعن نفسك؟
الأميرة زافيرا ليست كذلك، صدقني. إنها نرجسية وعصبية.
لكنها طيبة يا خاطر. أرجوك لا تخبر أي إنسان عن مكاني حتى الشرطة.
أنا لا أريد أن أرى شوارع القاهرة القذرة حتى في الأحلام.
ولن أنساك يا خاطر. سنشكل ثنائيًا رائعًا في أرض المملكة.
ابتعد عني، همس خاطر كأنه يدفع جرثومة، ثم هرول تجاه باب الشركة هاربًا من كل شيء.
الغريب ما من أحد سأل عن المديرة زافيرا، كأن لا أحد رآها أو سمع عنها من قبل.
لكن هيئة خاطر المزرية أثناء خروجه من الشركة لفتت انتباه كل الموظفين.
مما دفعه للمغادرة بسرعة. ثم همس، باتيكا، أين أنت؟
هنا معك.
سمعتِ ما حدث؟
سمعت، وقلقة جدًا. زافيرا لم تترك عائلتي في حالها. لقد ارتكبت خطأ فادحًا عندما منحتك اسمي وأصبحت خادمتك.
باتيكا، أنسي هذا الأمر. أنا أحررك من خدمتي. يمكنك العودة لأرض الجان ومراعاة شؤونك.
أشكرك سيد خاطر. لكن الأمور لا تسير هكذا. عودتي أن تزيد الطين سوءًا.
زافيرا ستشتعل غضبًا وربما تصدر أمرًا ملكيًا لاعتقالي.
سأظل معك حتى تقرر ماذا تفعل.
كان عقل خاطر يضج بالأفكار الغير منطقية والاندفاعية. هل يمكنك نقلي لأرض الجان يا باتيكا؟
الأمر سهل، همست باتيكا. كل ما علينا فعله الحصول على عود من خشب الماريان، لأسحر منه، حصانين يعبران بنا البحر نحو أرض الجان. أين نجد تلك الأعواد يا باتيكا؟ سأبحث خلال الحديقة، أنا لا أعرف اسمها هنا. بعد لحظة عادت باتيكا.
للأسف، لم أجد أعواد الماريان.
إذا، لا فائدة. همس خاطر بغضب.
لا، هناك طريقة أخرى. سنبحث عن مقهى للجان ونستعير أعواد من أحد رواده.
مقهى للجان؟ سيكون في أرض الجان يا باتيكا.
أنت لا تعرف أن هناك مقاهي للجان في أرض البشر؟
همس خاطر. لا، طبعًا.
قالت باتيكا، لقد رأيت واحدًا أثناء عبوري إلى جوار كوبري عين شمس، مقهى في قبو منزل.