تململت في نومها، شعرت بالبرودة فجأة، حركت كفها تستشعر دفئه لتصطدم ببرودة الفراش. نفضت النوم من عينيها ورفعت رأسها تبحث عنه. وقعت عيناها عليه جالسًا فوق المقعد يراقبها بوجه صعب عليها تفسير ملامحه. أبعدت خصلاتها عن وجهها وابتسمت له بدلال قائلة: –إيه اللي مقومك من السرير. لكنه ظل ينظر إليها بوجه بارد، يقول: –أنا شايف إن ملوش لازوم لوجودك في المستشفى، إنتِ بقيتي كويسة.
عقدت حاجبيها ونظرت إليه تحاول فك طلاسمه. الليلة السابقة كان يهيم بها عشقًا، أما الآن فلا تعرف ما أصابه. وجدت حالها تقول: –أنا مش عايزة أمشي وأسيبك، ولا أنت زهقت مني. أزاح بوجهه عنها قائلًا: –أنا كلمت يامن يجيب لك لبس عشان يرجعك الفيلا، أنا مش محتاج حد معايا. تحركت من الفراش بقدميها العاريتين لتجلس على ركبتيها أمامه وترفع أصابعها لذقنه تدير وجهه إليها: –مالك يا يوسف؟ أنا زعلتك في حاجة؟ إنت كنت امبارح… كنت…
–بتحبيني يا غزل؟ كلمة جعلتها تنظر إليه بذهول من سؤاله المباغت غير المتوقع. لما يسألها هذا السؤال الغبي وهي اعترفت له من قبل بحبها؟ لتقول: –إيه السؤال ده؟ شعر من نبرتها أنها تتهرب من قولها له. أراد أن يتأكد من حقيقة مشاعرها له، أراد أن يتأكد أنها لن تتخلى عنه. –جهزي نفسك، يامن على وصول. حزنت لجفائه. لما هو دائمًا هكذا؟ يغرقها عشقًا ثم يجعلها تموت ظمأً من العطش. لم تلاحظ قبضته التي تضغط على هاتفها القابع بكفه، لتجده
يرفع كفه به أمام أعينها: –تليفونك! فتجحظ عيناها وتتسارع أنفاسها لوجوده معه، ليكمل بثبات: –عامر من امبارح بيبعت لكِ رسايل، ردي عليه طمنيه. –يوسف! يوسف، أنا… –خلاص يا غزل، نتكلم بعدين. أنا تعبان ومحتاج أنام. فتجده يتحرك بصعوبة من فوق المقعد واتجه إلى فراشه. عندما حاولت مساعدته رفض بشدة، لتتوسل له قائلة:
–يوسف اسمعني، عامر اللي بيني وبينه انتهى، دي مجرد رسايل بيطمن عليا بيها مش أكتر. لو قريتهم كلهم مش هتلاقيهم يتعدوا السؤال بس، صدقني. ليقول بألم: –إنتِ لحد دلوقتي ما حبيتينيش! أنا مش هضغط عليكي أكتر من كده. لتسأله بلهفة: –يعني إيه؟ وقبل أن يوضح، ارتمت بين أحضانه باكية تقول: –يوسف أنا بحبك يا يوسف، بحبك، ماتقساش عليا بالشكل ده. فتشعر بتسارع أنفاسه وزيادة ضربات قلبه. فيرفع رأسها ليواجهه يبحث عن صدق كلماتها: –بتحبيني؟
بتحبيني بجد يا غزل؟ بتحبي يوسف؟ يوسف اللي بيعشق كل حاجة فيكي. فتهز رأسها بنعم. ليقول بصوته الأجش: –اثبتيلي إنك بتحبيني. فتفكر بضع لحظات وتبتسم بين دموعها. ليتفاجأ باقترابها لتضع شفاهها الوردية فوق شفاهه. ليمنعها بكفه من الاقتراب قائلًا: –إنتِ بقيتي وقحة، أنا مقصدش كده! أنا أقصد إنك تقطعي علاقتك بعامر، نهائيًا. ***
جلس يراقبها وهي ممسكة هاتفها تضرب عليه بأصابعها بتوتر تكتب رسالة مختصرة. فعندما طلب طلبه، وجدها تسحب هاتفها بدون نقاش ترسل له رسالة تعتذر فيها ما سيحدث. لقد طلبت منه بكل ود قطع علاقتهما ورسائلهما لأن هذا غير مناسب بعد زواجها ومراعاة لشعور زوجها. ترفع عينيها لتواجهه بابتسامة رضا واثقة تقول: –أنا اثبتلك إني بحبك، خليني جنبك بقى.
ظل على جموده. لم يستطع نسيان كلماتها عنه ووصفها له بالشيطان. رغم علمه مسبقًا أن هذا كان رأيها به، ولكن عند قراءة الكلمات التي تصفه به بأبشع الصفات لغريمه، ألمته رجولته وقلبه. هو يعلم أن هذا في وقت فات، ولكنه لم يستطع محاربة ألمه وشعوره بالصدمة. ليقول بثبات: –لازم ترجعي الفيلا، إنتِ بقالك كتير هنا وكمان عمي عرف باللي حصل، فمش حابب إنه يجي يلاقي إنك لسه في المستشفى واحنا طمنا عليه.
لا تجد رغبة في الإلحاح عليه أكثر من ذلك والتوسل إليه. لقد قللت من نفسها أكثر من المحدود، كفاها إذلالًا وتسولًا لصفحه، لتقول بكبرياء: –زي ما تحب. *** يجلس أمامها يراقبها وهي تضغط بيدها على كأس القهوة بتوتر. فعندما لمحها آتية من الممر، تفاجأ ببداية الأمر، ولكن سرعان ما تمالك حاله ليظهر عليه الجدية التي نادرًا ما تظهر عليه أمامها. لتقع عيناها بأعينه فيظهر عليها التوتر فتهتز ابتسامتها. يقطع مراقبته سماعها تقول:
–أنا لازم أمشي. –تمشي! إنتِ لسه مشوفتيش غزل ويوسف؟ مش كنتي جاية تزوريهم؟ تجيبه وهي تضع خصلات شعرها الأسود خلف أذنها وتهرب من عينيه: –أيوه، بس شكلهم تعبانين، هاجلهم وقت تاني يكون حالتهم الصحية اتحسنت. –تقى! فترفع عيناها تسأله عما يريد، ليقول يامن بجدية: –إنتِ لحد دلوقتي ما بلغتيش محمد برأيك في طلبي؟ تقى، أنا إنسان صريح مش بحب اللف والدوران، لو إنتِ رافضاني قوليلي وصدقيني هعفي محمد من الحرج. تقى وهي تفرك أصابعها:
–هو… هو مش رفض بس. –مدام مش رفض يبقى في أمل. شوفي يا تقى، أنا إنسان عملي بحت، فمش هقولك إني وقعت في حبك من أول نظرة والكلام ده، أنا هقولك إني حسيت بحاجة شدتني ليكي من أول ما شوفتك ولقيت فيكي الزوجة اللي ممكن أبدأ معاها حياتي. أكيد إنتِ عارفة إن شغلي بره مش هنا، فلو وافقتي هتسافري معايا لأن ظروف شغلي بتجبرني على التنقل. ها قولتي إيه؟
لا تعرف بماذا تجيبه. فسبب رفضها ليس لشخصه، وإنما بسبب أخيه وما حدث بينهما. أيعقل أن تكون زوجة لمثله بعد ما حدث بينها وبين أخيه؟ لتقول بخجل وبصوت مهزوز: –محمد هيتصل بيك يبلغك ردي. فيبتسم على خجلها ويشعر ببعض الأمل يظهر بعينيها. *** وقفت في شرفتها بفستانها الأسود ذو الأكمام الشفافة ويظهر تفاصيل جسدها بدقة ليطول إلى كاحلها، مع جمع شعرها على جانب واحد. فكانت هذه المرة مختلفة عن ذي قبل، فقد كان بها بعض من النضج.
مر عليهما أسبوعان بعد أن طلب منها ترك المشفى بجفاء. لتتفاجأ بعدها بخروجه بعد يومين من انصرافها عنه. فظنت أنه لم يستطع الابتعاد عنها. لتجري عليه بسعادة بسبب تعافيه. ولكنها عندما حاولت احتضانه بسعادة، شعرت بتصلب جسده ليبادلها إياه ببرود.
ظل على نفس حالته ولم تستطع إزالة الحاجز الجليدي الذي وضع بينهما. لتأخذ قرارها بالانفصال ردًا لكرامتها في يوم كان مستوي تهورها أعلى من ذي قبل. لتضرب الأرض بخطوات غاضبة متجهة إلى غرفة مكتب والدها لتفجر بوجهه قرارها النهائي. ولكن عند فتحها الباب باندفاع، دهشت من وجوده جالسًا أمام المكتب مع أبيها. فتقابلها منه ابتسامة لم تصل إلى عينيه وتسمع من والدها أنه تم تحديد موعد الزفاف. زفاف! أي زفاف؟
لتصرخ بوجههما أنه ترفضه وتطلب الانفصال. ليتبدل حال والدها الذي يصر على إكمال هذه الزيجة حتى لو كانت رافضة لذلك، لسبب لا تفهمه. تسمع صوت فتح الباب بدون طلب للإذن لتزفر بقوة. فهي تعلم أنه هو من عطره وخطواته التي تقترب منها. فتشعر بأنفاسه التي لفحت عنقها ويتبعها قبلة فوقه. فتحاول السيطرة على ضعفها أمامه. لا تعلم لم يتعامل معها هكذا؟ كالقط والفأر. تقترب يبتعد، تبتعد يقترب. ليقول بنعومة وهو يمرر يده فوق كتفيها:
–سرحانة فيا، مش كده؟ اكتفت بالصمت. لا تريد جداله في مثل هذا اليوم المميز. هو يوم خطبة تقى على يامن. فيضمها لصدره بقوة، ليلتصق ظهرها بصدره الصلب، يدفن أنفه بعنقها مشتمًا رائحتها التي تذهب عقله. يقول بألم: –وحشتيني… وحشتيني أوي. فيظهر نبرة سخرية بصوتها: –فعلًا؟ فيديرها ببطء له ينظر لعينيها اللائمة، يهمس أمام شفتيها ببطء: –إنتِ عندك شك أني بموت لو إنتِ مش جنبي؟
أنا بعد الأيام اللي باقية يوم بيوم عشان تنامي في حضني وتبقي ملكي، ملكي أنا وبس. كان هيجرالي حاجة لما قولتي لعمي إنك عايزة تطلقي. كدة يا غزل، عايزة تبعدي عني، إحنا ما صدقنا علاقتنا بقت أحسن. –إنت السبب، إنت اللي… اللي… أنا عملت زي ما إنت عايز ومع ذلك لقيت جفاء منك وبعد. يمسك وجهها بكفيه: –صعب عليا يا غزل. صعب أعرف إنك كنتِ على اتصال بيه طول المدة دي وأنا شوال ذرة مش حاسس، وإنتِ عارفة إنه كان عايزك وغرضه إيه منك.
تتسارع أنفاسه بغضب ويكمل: –أنا شيطان يا غزل؟ أنا؟ عايزاني أعمل إيه بعد ما عرفت إنكم… يبتعد عنها ويدير لها ظهره، يحاول لملمة شتات نفسه إلا يتهور عليها. فيتصلب عندما وجد ذراعيها تلتف حوله تقول بدلع: –هو فاضل قد إيه على زفافنا؟ ***
تعلو الزغاريد وتنتشر أجواء السعادة. فاليوم أتمت ما كانت تحلم به. قد ساعدت في لم شمل أقرب الناس لقلبها وأختها. فتشاهدهما بسعادة يبادلان خواتم الخطبة، وسط المباركات والتهاني من الجميع. لتنتبه لضغط فوق خصرها، ضغطة تملكية نتيجة وضعه لكفه فوق خصرها. لتلتفت إليه بتساؤل. فتلاحظ لين ملامحه واسترخائه مع ازدياد بريق عينيه الصقريتين. ليهمس لها بصوت غير مسموع: –بحبك.
فتجد الابتسامة تشق شفتيها براحة وينخفض نظرها لشفاهه أثناء حديثه. فتزيد اشتعاله بهذه الحركة البسيطة كعادتها. لتجده يضغط على خصرها بقوة أكبر ليلتصق كتفها بصدره يقول بصوته الأجش: –إنتِ عارفة عقاب اللي إنتِ عملتيه دلوقتي إيه؟ فتهز رأسها بدلال بنعم. ليكمل بخشونة: –حظك إني مش عايز فضايح، بس ملحوقة، كلها أسبوع وتبقي في حضني. ابقي شوفي مين هينقذك مني. فتحيبه بثقة يشوبها بعض الخجل: –أما نشوف!
كان يقف خارج الحجرة يراقب الجميع بابتسامة فوق شفتيه يملؤه بعض الحسرة على حاله.. فتقع عينيه علي يامن وتقى الذي يحاول ملامسة كف عروسه وتقبيله. تنتهي كل محاولاته بالفشل مرة بعد مرة لينظر لها بلوم محبب وتشيح وجهها عنه بخجل واضح.
فتنتقل عينه على اثنان لم يتوقفا عن الجدال والشجار من بداية الحفل.. محمد وسوزان.. فبعد نجاحه للتقدم لها وخطبتها اصبح اكثر رجعية من وجهه نظرها .. لم يكف عن نقد فستانها من بداية الحفل .. فهو من وجهة نظرة ضيق وملفت ويظهر انحناءاتها. ليترك مراقبتهم وينقل لنظره لصديق عمره الذي وقع في شباك الحب والعشق.
ليهيم بمن معه كأنه امتلكها وامتلك الدنيا بقربها .. فهو لم يترك فرصة الا ليحتضنها ويداعبها ويسرق بعض القبلات خفية عن الناظرين .. لتخجل من تصرفاته الفاضحة أمام الجميع. وعند تحويل نظره لناجي الذي يظهر عليه التعب والإرهاق والشرود .. وجد من يصدر صوتا من خلفه فيلتفت يبحث عن مصدر الصوت ليجد من تشير له وتصدر له صوت كبسبسة القطط ليعرف حاجبيه متسائلا لتقول له بخجل: –ممكن ثواني.
فيتقدم شادي خلفها مراقبا خطواتها العارجة وهي تدخل المطبخ وتصل للطاولة المستديرة التى يستقر فوقها عددا من أكواب العصائر والمياة الغازية فتشير له بحرج للأكواب قائلة: –ممكن حضرتك تشيل معايا الصنية دي. –أنتي اتجننتي؟ عايزاني اشيلك الصنية! أومال انت بتعملي ايه هنا؟ اتفضلي شوفي شغل. ليلقي عليها نظرة استحقار ويتركها تحاول السيطرة على دموعها من هذا الموقف المخجل.. ناقمة علي ظروفها التي اجبرتها على اللجوء لمثل هذا الشخص.
فتسمح دموعها بكبرياء لتحاول التحامل لبعض الدقائق على نفسها وتقرر الخرج بنفسها بالأكواب للخارج. وقف ينفث دخان سيجارته بغضب من تصرف تلك النكرة التي نست حالها.. فهي هنا متواجدة لخدمة الجميع.. ولكن لما هو غاضب بمثل هذا القدر؟ هل غاضب من طلبها؟ أم هي كانت المنفث الوحيد لضيقه؟ لقد شعر للحظة بوحدته لم يعثر حتى على أنثى البطريق.. تشاركه أحزانه وأفراحه مثل الجميع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!