الفصل 1 | من 31 فصل

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الأول 1 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر

المشاهدات
40
كلمة
2,500
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

في غرفة مظلمة يحيط بها الظلام الذي يكاد أن يخترقه ضوء الشمس الحار من خلف الستائر البالية التي تدل على قدمها وكثرة استعمالها، تظهر هذه الأشعة التي تكاد تنبعث من النافذة بخجل داخل غرفة صغيرة مكونة من خزانة ملابس صغيرة ومكتب صغير مبعثر عليه بعض الكتب في جهة الباب. أما بجواره نجد سرير صغير يكاد يتحمل شخص واحد تدل معالمه على قدمه وفوقه تنام أنثى صغيرة الحجم نحيلة متوسطة القامة بيضاء البشرة ذات شعر بني طويل.

تململت هذه الفتاة في نومها بسبب شعورها بالانزعاج من اهتزاز عنيف تحت وسادتها فبدأت بفتح عينيها بصعوبة ليظهر من خلف أهدابها البنية عيون رمادية صافية. يقسم من يرى هذه الملامح يقول أن هذه ملامح فتاة أجنبية وليست من أهل البلدة فمن في مكانها يجب أن يكون سعيدًا أنه يملك مثل هذه الملامح الهادئة لكثرة المعجبين بها ولكن للأسف أنها آخر شخص تتمنى أن يعجب بها أحد بسبب ظروفها الخاصة.

قامت غزل من نومها لتمد يدها أسفل وسادتها لتجذب هاتفها المخصص على خاصية الاهتزاز دائمًا لتغلقه. فلولا هذه الخاصية ما استفاقت أبدًا من نومها. استقامت للتوجه إلى النافذة لتفتحها على مصراعيها ليخترق ضوء الشمس الغرفة وتتطاير خصلات شعرها الذي بلون العسل الناعم على وجهها، فتتجه للخروج لدخول دورة المياه وتصلي فرضها.

بعد الانتهاء من فرضها توجهت لغرفة مجاورة لتفتح ضوئها لتوقظ سيدة في أواخر عقدها الرابع ولكن ما يراها يجد امرأة نهشها الزمن وقسى عليها. قامت غزل بوضع يديها اليمنى على كتفها لتوقظها. مع الحركة الثانية، استجابت لتقول بحبور: -صباح النور يا عيوني. قالتها وبعينيها الكثير من الحب. لتبتسم غزل وتقوم بسحبها من يديها لتساعدها على الوقوف والتوجه للاغتسال. -يابنتي أنا هعرف أتحرك لوحدي أنا لسه ما عجِزتش.

قامت غزل بتحريك رأسها ورفع كتفيها برفض أن تتركها. بعد فترة كانت غزل بالمطبخ الصغير تعد الإفطار المكون من فول وطعمية والعيش البلدي والجبن وشرعت في وضع الطعام على المائدة وعندما بدأ الإفطار رأت ضوء أحمر من مصباح مخصص يضيء وينطفئ. فأسرعت إلى باب المنزل لتنظر من عينه وتفتح الباب مسرعة تقفز كالأطفال بسعادة عند رؤية الواقف أمامها. -صباح الخير يا غُزغُز.

عبست غزل وانعقد حاجباها من هذا التدليل السخيف فأشارت بيدها رافضة لهذا التدليل. -خلاص خلاص ماتزعليش يا غُزالي. ابتسمت غزل وحثته على الدخول. فسمع صوت صفا يقول: -تعالي يا محمد حماتك بتحبك زي ما بيقولوا هنا. -تسلمي يا خالتي والله. أنا نزلت من فوق جري عشان ما أتأخر. بس مدام حلفتي أقعد آكل معاكم.

ابتسمت غزل وأسرعت بجلب ما يكفيهم من الخبز واندفعت تجلس بجواره وهي تأكل بسعادة وتشاهد محمد يأكل باستمتاع وينظر إليها بحب فشردت في أول مرة رأت فيها هذا الشاب. إنها لا تتذكر متى تحديدًا. نعم، لأنها نشأت على يديه. كانت صغيرة في سن خمس سنوات عندما أتت بها صفا لهذا الحي الشعبي والسكن بهذه الشقة منخفضة الإيجار. أفاقت من شرودها على صوت محمد وهو يقول:

-الحمد لله. ادعيلي يا خالتي أنا رايح مقابلة شغل دلوقتي في شركة كبيرة. ادعي أن ربنا يوفقني فيها. -ربنا معاك يا ابني ويكتبلك كل خير. قالتها الخالة صفا بحبور فقد كانت تتمنى محمد ابنًا لها أو زوجًا لغزل ولكن لا تأتي الرياح كما تشتهي السفن. استقام محمد وربت على رأس غزل واقترب منها ولثم جبينها بقبلة تحمل فيها كل معاني الأمان والحماية. قال محمد وهو يتجه جهة الباب: -مش محتاجين حاجة وأنا راجع. أجابته الحاجة صفا:

-تسلم يابني ربنا يوفقك. قفزت غزل واتجهت جهة روزنامة ورقية وكتبت بها: -ربنا يوفقك ويكتبلك كل اللي بتتمناه. هفضل أدعيلك. أنا آه مش قادرة أتكلم بس ربنا سامع صوت قلبي. آه متنساش. هستنى منك رسالة تطمني عملت إيه. -حاضر يا أحلى غزل في الدنيا.

في مكان آخر بفيلا صغيرة مكونة من طابقين ولكنها ليست شديدة الاتساع. نجد بالطابق السفلي به واسع يتكون من عدة حجرات. حجرة مكتب يمين المدخل. وبالداخل حجرة الاستقبال يسارًا يليها حجرة الطعام وحجرة الطهي بالقرب من الدرج.

أما بالدور العلوي نجد أربع حجرات. حجرة لفتاة عشرينية تشع حيوية يغلب عليها اللون الوردي. أما الحجرة الثانية لرجل كبير بالسن في العقد الخامس من عمره. والحجرة الثالثة لشاب في أوائل العقد الثالث. والرابعة مغلقة دائمًا لا تفتح إلا لتنظيفها فقط.

يصدح صوت رجولي خشن يزعج من بالبيت. أنه يوسف نجيب الشافعي. عصبي المزاج. كثير الشك في من حوله. غير اجتماعي إلا مع من يعرفهم فقط. حذر جدًا لا يسمح بأن يعبث بأشيائه. شعره أسود ناعم. ذو لحية خفيفة وعيون بنية صقرية يظهر العبث فيهما. -انت يا زفتة. انت يا هانم. قالها يوسف وهو خارج من حجرته مندفعًا. -إيه في إيه على الصبح. قالتها ملك بارتباك من صوته. -أنا قولتلك كام مرة ما تاخديش حاجة من عندي. -حاجة إيه اللي بتتكلم عنها!

-استهبلي بقى. مافيش غيرك دخل وأخد أقلام الفحم بتوعي من جوه. قالها بغيظ شديد. -أنت بتهرج يا يوسف. كل الدوشة دي عشان قلم مش لاقيه. -آه دا على أساس إنك متعرفيش إنهم مجموعة أقلام. اتفضلي هاتيهم بسرعة. -والله يا يو... قبل أن تكمل وجدت الخادمة تقطع حديثهم وتمد يديها له بالأقلام وبعض الأوراق الخاصة. نظر لها يوسف بتعجب كأنه يسألها ما هذا. أجابته هناء مسرعة:

-حضرتك جيت امبارح متأخر وسبتهم في المكتب وأنا بنضف لقيتهم وحضرتك محرج علينا ما ندخلش أوضة حضرتك إلا لما تصحي. ابتلع يوسف ريقه بتوتر من هذا الموقف فهو دائمًا سريع الانفعال والظن بالآخرين. أجلى صوته وقال: -معلش يا ملك جت فيكي المرة دي. -وماله يا جنرال ما أنت أخويا برضه ولازم أستحمل رخامتك. -ملك. قالها بانفعال واضح. -خلاص. خلاص يا جنرال. ضحك الاثنان على هذا اللقب الذي دائمًا ما تطلقه عليه دون ملل.

في الشارع الشعبي الذي تسكن به غزل. يوجد أمام المنزل مقهى حديث فيما يسمى (كافيه)

بعد موت صاحب المقهى المعلم ناصر وتركه لابنه الوحيد عامر خريج كلية الطب. فعامر شاب ثلاثيني يتميز بجسده الرياضي والذي يظهر دائمًا أسفل قمصانه القطنية على سراويل الجينز. فمن يراه ينجذب لملامحه الشرقية. أقام عامر ببعض التعديلات ليكون مكون من طابقين. السفلي يقدم طلبات الزبائن مثلما كان يحدث قديمًا مع الفرق في الديكورات العصرية. والعلوي به شاشة عرض وخاص أكثر للشباب ويحتوي على ألعاب الحديثة مثل البلايستيشن وألعاب الجيم.

فهذا المقهى كل ما يملكه بعد موت المعلم ناصر. وهذا باب رزقه الوحيد بعد أن تخلى عن تخصصه. نجد شاب جالس بداخل هذا المقهى يتابع العمال بعينيه ويراقبهم بعين صقر. ولكن باله ليس معهم. وإنما مع من سلبت عقله وقلبه. منذ نعومة أظافرها وهي تجذبه بطريقة غريبة. حاول كثيرًا إبعادها عن محيط تفكيره ولكنها تقفز له في أحلامه وكوابيسه تستنجد به مما يؤذيها. الغريب أنه يسمع صوتها في الكابوس وصراخها مع أنه لم يستمع لها مرة واحدة في حياته.

يدفع عمره كله ليسمع صوتها. أحيانًا يتخيل إذا كان ناعمًا مثلها أم به بحة. أم غليظ. يكاد أن يجزم أنه ناعم مثلها. أفاق من شروده على صبي صغير يسمي سيد وهو يمد يده بمبلغ تم دفعه لأحد الزبائن بعد أخذ مشروبه. تنهد وقال: -يارب قرب البعيد.

في منزل الخالة صفا انشغلت غزل بإعداد وجبة الغداء وأصرت أن تحضر بعض المخبوزات الساخنة المشهورة بوطنها الأصلي الذي كتب عليها من وهي طفلة ذات الخمس سنوات تركه وترك عائلتها هروبًا من تبعات الحروب والخراب الذي حل ببلدها. فتنهدت بحزن. دائمًا يأتي أمام رؤيتها خيال طفلة أخرى كثيرة الشبه بها تقفز معها وتجري في فناء منزل بسيط لا تتذكر لمن هذا المنزل ولكنها تتذكر وجه جميل كثير الشبه بها. دائمًا تتذكر امرأة تخرج من الباب وتصيح

بهم للدخول لتناول الطعام بلهجتها الخاصة بوطنهم. فاقت من شرودها على إضاءة حمراء تبلغها بأنه يوجد من يريدها. اتجهت إلى حجرة خالتها صفا أمها الثانية. وجدتها نائمة وفي يديها بعض الصور كالعادة تستعيد ذكرياتها. ثم توجهت إلى الباب بعد التأكد من الطارق من العين السحرية ووجدت سيد يبتسم لها ويرفع يده يحييها سلام عسكري. ابتسمت له وكررت ما فعله. فمد يده بكيس صغير. عقدت حاجبها متسائلة عن ما بالكيس فقال لها سيد أنه

(بن) محوج مخصوص من الأستاذ عامر من المقهى كما طلبته من قبل. فتذكرت غزل أنها طلبت من قبل من محمد أن يشتري لها بن مخصوص لها فمن المؤكد أنه من أبلغ عامر.

أخذت من سيد البن وأشارت له بأن ينتظر قليلًا. دخلت مسرعة وعادت بيديها صحنان مليئتان بالمعجنات الساخنة الطيبة التي تذهب العقل كما تعلمتها من أمها صفا. وقدمت صحن لسيد وأشارت له أنه له. أما الصحن الآخر للأستاذ عامر وكتبت ورقة له لكي يفهم. فشكرها وذهب مسرعًا سعيد بهذه الوجبة الساخنة الذي من الصعب أكلها إلا بمحلات خاصة تقدم أكلات شعبية لأهل بلدها.

في المساء ظلت جالسة على سريرها تنظر بهذا الكتاب المكتوب باللغة الفرنسية. نعم فهي رغم ظروفها إلا أنها لم تستسلم لإعاقتها التي لم تولد بها. فهي كانت طفلة مفعمة بالحيوية تسمع وتتكلم مثل باقي الأطفال بسنها وكانت أمها صفا تهتم بتعليمها اللغات الإنجليزية والفرنسية منذ الصغر. رغم عدم التحاقها بالمدرسة في هذا السن بسبب الحروب والمناوشات وخوف أمها الشديد من شيء أصبحت تعلمه الآن. هذه هي وسيلتها الوحيدة لمحاربة مللها اليومي. فمن الصعب أن تبحث عن عمل بإعاقتها. من سيقبل بعمل بكماء يكاد تستطيع السمع. إنها لا تعترض على قدرها وإنما هي سعيدة أنها لا تستمع لصوت المنافقين. بل تستمع لقلوب من حولها.

قلوب طيبة لا تعرف الخبث. أفاقت من شرودها على اهتزاز جوالها لتعرف المتصل قبل أن ترى اسمه. ثم وصلها رسالة: محمد: نمتي؟ غزل: ... محمد: مش بتردي ليه؟ أنا عارف إنك زعلانة بس والله غصب عني مبعتلكيش بعد ما خلصت. غزل: ... محمد: كده يا غزل أهون عليكي أنام زعلان؟ طيب مش هتسألي عملت إيه في الوظيفة. غزل: عملت إيه؟ محمد: ... غزل: محمد؟ بعد لحظات رأت رسالته: محمد: افتحي أنا بره.

قفزت غزل مسرعة بمنامتها الطفولية القصيرة فوق ركبتها لتفتح الباب لمحمد. وعندما رآها بهذا الشكل اندفع داخل الشقة ليغلق الباب بعنف ويصيح بوجهها: "إنت إزاي تفتحي الباب بالشكل ده؟ افرضي حد طالع أو نازل شافك كده." كانت غزل تنظر لشفتاه وهو يتحدث لتفهم ما يقول وتعرف سبب غضبه وثورته. وعندما أحست أنه على وشك ضربها حبست الدموع بعينيها وشعرت بخوف شديد جعل جسدها ينتفض بدون سبب. زفر زفرة ساخنة تنم عن غضبه المشتعل وقال بهدوء مفتعل:

"خلاص يا غزل حقك عليا." شاهدت شفتاه وفهمت ما يقول. هذه هي طريقتها لتعرف ما يقوله من يتحدث معها بعد سماع الأذن التي خربت وتحتاج تصليح ولكن لا يوجد مال لإصلاحها حاليًا. جذبها من يديها وجلس على أقرب أريكة بصالونهم القديم. وجلست بالقرب منه مطاطة الرأس فرفع وجهها بيديه وقال لها: "مش هتسأليني عملت إيه؟ طيب ياستي أحب أبشرك إنهم وافقوا عليا واتقبلت في الوظيفة وعلى وعدي أول فلوس تجيلي أجيب لك اللي تطلبيه."

هزت رأسها بالرفض وكتبت له أنها لا تريد إلا سعادته وتوفيقه. ثم هبت واقفة تصفق بيديها وتجري إلى المطبخ. ثم عادت وبيدها صحن مملوء بالمعجنات المشهورة بوطنها وعصير لتحتفل معه بطريقتها البسيطة لحصوله على الوظيفة. فمد يده التقط قطعة وهو يبتسم لها ابتسامة مهزوزة متحسرًا على حالها. كيف لهذا الجمال وهذه البراءة تفني بسبب إعاقة. ***

في قصر الشافعي وبالأخص بحجرة يوسف الشافعي، يستيقظ على رنين هاتفه فيلقي بوسادته أرضًا ويستقيم بجزعه ليلتقط الهاتف ويجيب بصوت ناعس. ليقفز من فوق السرير عندما يأتيه صوت غليظ من الجهة الأخرى: "إنت لسه نايم لحد دلوقتي؟ طبعًا ماهي طابونة.. وأنا ماسك الشركة لشوية عيال." "يا عمي والله أنا نايم متأخر عش... قاطعه قائلًا: "عشان إيه يا محترم؟

إنت مش هتبطل هلس بقى.. على العموم بسرعة تلبس وتكون في الشركة أنا في الطريق. لو وصلت قبلك إنت عارف هيجرالك إيه. ومش هتقدر تضحك عليا زي كل مرة يا بشمهندس يوسف." "حاضر يا عمي حاضر." أغلق الخط ومسك شعر رأسه. فهو يريد ضرب أحدهم اليوم. "ماشي يا عمي منا مقدرش أقول غير كده أما أشوف يا نج نج." وابتسم وتحرك لدورة المياه الملحقة بالغرفة. *** في منزل الريس صابر.

تجلس امرأة في العقد الخمسين ويديها يملأها الذهب الذي يرن كلما حركت يديها عند حديثها. ولكن هذه المرأة ذات ملامح طيبة تنم عن نشأتها البسيطة. كل حياتها زوجها رحمة الله عليه وابنها عامر الذي يبلغ 32 عامًا. أملها في الدنيا أن تزوجه فتاة مناسبة له لتصونه وترعاه. ولكنها تتعجب منه كلما ذكرت له أمر الزواج يراوغ من الحديث ويقول عبارته الشهيرة "إن الله لم يأذن بعد". ولكنها تشعر بميله اتجاه فتاة بعينيها.

ورغم أنها تحب هذه الفتاة إلا أنها كانت تتمنى لابنها أفضل فتاة. ولا يكون بها عيب. ولكنها لن تفاتحه وتواجهه بشكوكها حتى لا تفتح أبوابًا لا تريد فتحها مطلقًا. وبالنسبة لغزل فتتمنى لها الخير كله وأن يأتي لها نصيبها ولكن ليس ابنها. في حجرة عامر يجلس أمام مكتبه شارد في هذا الصحن المملوء بالمعجنات صنع يديها وبيده اليمنى ورقة كتب عليها اسمه بخط يديها لتعلم سيد أن هذا الصحن خاصته.

ما هذا الجمال والروعة هل اسمه بهذه الروعة والإبداع؟ كان أول مرة يشعر أن لأسمه رونق خاص. أول مرة يشعر بجمال حروف اسمه. "آه" صدرت منه هذه الكلمة من صدره تنم على مدى الألم الذي يشعر به. يعلم أنه صعب الوصول لها بسبب ظروفها. لما لا يحاول مجرد محاولة؟ لعلها تستجيب وتريحه من عذابه. ولكن إذا حاول ووافق هل أمه ستوافق؟ يعلم أن غزل لا يعيبها شيء وأن إعاقتها ليست بيدها. إنه قدرها. ولكن أمه هل تتقبلها زوجة لابنها ليريح قلبه؟ ***

في الصباح لاحظت غزل المصباح يضيء فأسرعت لتفتح الباب لتستقبل محمد بابتسامة هادئة. فقال لها: "أنا مش لوحدي أنا معايا ضيف تقيل شوية." رفعت حاجبها باندهاش لتجده يجذب من وراء ظهره فتاة عابسة تفرك بيدها وملامحها غاضبة في نفس عمرها. قال: "إنتوا هتفضلوا زي العيال لحد إمتى؟ مش هتكبروا بقى؟ "أنا كبيرة على فكرة، أنا عندي عشرين سنة" قالتها تقى بكبرياء.

فهزت غزل رأسها بيأس ورفعت عينيها لأعلى وجذبتها لأحضانها وهي تلاعب وجنتيها التي تشتهر بها تقى وتميزها. مدت غزل يدها لتصافح تقى لتزيل الخلاف. فتقى من صفاتها غيورة جدًا على أخيها محمد. وتغير أكثر عندما تراه يهتم بغزل أكثر منها. ويرعاها أكثر منها. فقال ليقطع مزاحهم: "بقول إيه رأيكم ننزل ناكل آيس كريم؟ انتبهت غزل لكلمة آيس كريم على شفتاه فقفزت بسعادة. إنها تعشق الحلوى والآيس كريم ككل الأطفال، لا.. لا ككل الفتيات.

بعد ساعة كان الثلاثة ينظرون إلى البحر أمامهم ويأكلون بمتعة كبيرة. قاطع استمتاعها يد على كتفها لتنتبه لما يقول. قال محمد: "ابقي أديني سماعة الأذن يا غزل ما تنسيش. أنا عرفت مكان ممكن يصلحها هي تقريبًا ممكن تحتاج بطارية بس." هزت رأسها بالموافقة. مر الوقت بينهم وهي تضحك على مزاح محمد وتقى. كانت تتمنى أن تنطق وتمازحهم. وأن تستمع لصوتها. إنها تتذكر أن كان لها ضحكة رنانة تتميز بها كأنغام الموسيقى.

قطع تأملها بائع الفريسكا يسير على الجهة الأخرى من الطريق. فهي منذ فترة تشتهيها. قفزت من مكانها لتعبر الطريق وقامت بمراقبة الطريق. وأثناء مرورها شعرت بسقوط سلسال رقبتها. الذي لم يفارقها منذ الصغر. فانحنت لتأخذه ولم تستمع إلى أبواق السيارة ولا صوت فراملها الذي أصدر صريرًا جعل كل من بالمكان ينتبه حتى محمد وتقى. نزل سائق السيارة بغضب ليقول: "إنت مجنونة؟ إزاي تقفي في نص الشارع كده! إيه البلاوي دي."

لم تلتفت إليه فظن أنها تعانده. فاتجه إليها بغضب وجدها تنظر أسفل قدمها تبحث عن شيء ولا تجيبه. فأمسكها من ذراعها ليجبرها للانتباه وهو يصرخ بوجهها. فانتفضت مذعورة وبدأ جسدها في الارتعاش وعينها تهتزان من الرعب. لا تعلم ماذا فعلت حتى يمسكها هذا الرجل! قطع تفكيرها يد امتدت لجذبها بقوة تنم عن غضب كامن لتجد محمد يقربها له ويعنف سائق السيارة. وللحظة فهمت أنها تسببت في مشكلة بسبب تسرعها.

فنظرت لهم ووجدت محمد يصيح بوجه السائق وأمسكه من مقدمة قميصه دفاعًا عنها. ولكن ملامح هذا السائق الشاب ونظراته إليها لم تريحها. فابتلعت ريقها بصعوبة بسبب التوتر. فكان يسلط نظره عليها من رأسها لقدميها كأنه يقيمها. وعلى وجهه ابتسامة ساخرة. حاول الناس الفك بينهم وأنتهى الأمر أن السائق ذهب لوجهته بعد أن ألقى نظرة أخيرة عليها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...