أفاقت من شرودها على صوت محمد: -يلا هي خروجه باينه من أولها. أحست غزل بغضب محمد منها لأنها تسرعت وتحركت دون تنتبه للسيارات فأرادت أن تخفف عنه واقتربت منه ورفعت يديها اليمنى أمام عينيه ليتدلى سلسالها أمامه. عقد حاجبيه يسألها ماذا تقصد فسريعًا فهم أن سلسالها لا يوجد به دلايته فسألها: -الدلاية فين؟
رفعت كتفيها بأنها لا تعرف وظهر الحزن على وجهها. في هذا الوقت كانت تقى تقف بعيدًا تشاهد ما حدث وهي تغلي من الغضب لاهتمام محمد أخيها بغزل أكثر منها كالمعتاد. بعد بحث وجد محمد دلايتها بمكان ما، وأعطاها لها لترتديها ويتألق على صدرها سلسال متوسط باسم (غزل)
تجد نفسها بفستان أبيض مملوء بزهور وردية وشريط ستان حول خصرها لينزل باتساع فوق ركبتها وفوق رأسها شريط مماثل ليتدلى شعرها الطويل البني العسلي على كتفيها الذي يصل لبعد منتصف ظهرها.
تقوم بالالتفاف حول نفسها بسعادة في وسط حديقة صغيرة لمنزل بسيط من طابقين وفجأة تجد فتاة أخرى بنفس ملامحها ونفس الفستان، تقف أمام المنزل وتشير إليها وتبتسم وتدور مثلها حول نفسها، فتعلو ضحكاتهما معًا. تنتهي هذه الضحكات بصوت انفجار عالي، لتجد المنزل أصبح كتلة من اللهب فتصرخ وتصرخ ولكن فجأة اكتشف أن صوتها لا يخرج من حنجرتها فتنتفض من نومها لتجد نفسها بسريرها المتهالك تتصبب عرقًا من هذا الكابوس الذي يلازمها دائمًا، فتعود بظهرها مرة أخرى وتشرد في ما قالته لها الخالة صفا من قبل.
-إيه يا هندسه مالك مش مظبوط النهاردة. قالها شادي وهو يمد يده بسيجارة فشادي صديق يوسف المقرب ومساعده بالعمل وكاتم أسراره. يوسف: -ولا حاجة هو اليوم لما يقفل من أوله بيفضل قافل لآخره. شادي: -خير يابني وهو في حاجة تقدر تقفلك؟ ده حتى السهرة لسه بتقول يا هادي والبت نانسي في الطريق. فاقترب منه وهو يهمس له: -ما تخليك جدع وتقولها تعرفني على حد من أصحابها؟ ضحك يوسف ثم قال: -هو لازم من صحابها، ما انت مش عاتق. شادي:
-يا عم دول حريم نانسي برده، حاجة تانية ومستوى تاني والبت بتموت فيك.. أنا عايز واحدة زيها ..يا أخي كل مرة تتخانقوا والغريب إنها أول ما أقولها يوسف تيجي جري. قهقه يوسف: -يابني إمكانيات لما تكبر ابقي أعلمك. في منزل محمد -عاجبك الكلام اللي بتقوله بنتك ده يا امي؟ راويه: -لا مش عاجبني ولا انت عاجبني. محمد: -ليه يا امي هو أنا عملت حاجة؟ راويه: -حبيبي انت لازم توازن في تعاملك، أنا عارفه انك بتحب أخواتك بس لازم تعدل.
رفع حاجبه وقال: -أعدل هو أنا متجوز اتنين عشان أعدل دول أخواتي. -يابني لازم تتعود على أنك تعدل في كل شيء، مش الجواز بس.. عمومًا أنا عارفه انت بتحب غزل زيادة بسبب ظروفها بس حاول ما تحسسش تقى بكده روح بقى صالحها. -خلاص بعد ما أرجع من الشغل عشان هستلم النهاردة، ادعيلي يا أمي يوفقني.. ابنك نفسه يستقر بقى في شغلانه. راويه: -دعيالك يابني من قلبي، وبدعي لإخواتك.
لثم رأسها وودعها وتركها في ذكرياتها عندما تعرفت على صفا وشقيقتها صفوه من عشرون عامًا. في قصر الشافعي. في حجرة الطعام بالأخص، تحدث ناجي بضيق: -هو لسه البيه ما صحيش؟ -لا لسه شكله رجع متأخر كالعادة. قالتها ملك وفمها مملوء بالطعام. ناجي: -أنا قولت قبل كده ماتتكلميش والأكل في بوقك كده. ملك: -سوري يا عمي مأخدتش بالي. -جايبين في سيرة مين على الصبح؟ قالها يوسف وهو يتجه للجلوس بجوار عمه الذي رباه بعد موت والديه هو وملك. ناجي:
-في سيرة واحد معندوش أدنى مسؤولية، تقدر تقولي ايه اللي آخرك بره امبارح كده؟ يوسف بابتسامة مغتصبة: -كنت سهران مع شادي. زفر ناجي وقال: -عايزك تفوق شوية للشغل الفترة دي، هكون مشغول عندي حاجات هتشغلني شوية. نظر ملك ويوسف لبعضهما نظرة ذات معنى، ثم قال يوسف وهو يبتلع الطعام: -مفهوم، بس ياعمي أنت لسه عندك أمل انك تلاقيهم؟ ناجي: -لحد آخر نفس عندي أمل. يوسف: -بس أنت قولت أن كل الدلائل بتأكد أنهم ماتوا. ناجي بشرود:
-بس قلبي بيأكد أنهم لسه موجودين. يوسف في سره: (هتفضل عايش في الوهم) ناجي: بتقول حاجة؟ يوسف: -لا أبدًا، بقول ربنا يقرب البعيد. ثم هب واقفًا وقال لملك: -تروحي جامعتك بالسواق، وهيستناكي لحد ما تخلصي، ويا ريت بقى نخلص، مش كل سنة تجيبي مواد. ملك بضيق: -خلاص بقى يا يوسف مش كل شوية تفكرني، خلاص فهمت. في نفس الوقت بمنزل الريس صابر.
يخرج عامر من حجرته مرتديًا سرواله الجينز وقميص قطني يظهر من خلفه عضلات صدره فهو ذات جسد رياضي وذو ملامح شرقية تجذب أي فتاة من أول نظرة، فمن يراه لا يصدق أن هذا الشاب المتخرج من كلية الطب صاحب مقهى ورثه من أبيه الريس صابر. لقد اختار ملء إرادته ترك العمل في مجال النسا والتوليد، ليتابع مال أبيه الذي كافح كثيرًا للحصول عليه واكتفى بإدارة هذا المقهى الذي تحول إلى كافيه حديث بعد التعديل. -صباح الخير يا أمي.
قالها عامر وهو يقبل يديها، فربتت على رأسه بيدها الحرة وقالت: -صباح النور عليك ياحبيبي، هتفطر معايا ولا هتفطر في القهوة؟ عامر: -لا هفطر في القهوة، افطري انتِ وما تنسيش الدواء عشان ما تتعبيش. -خايف عليا يا عامر؟ عامر: -أنتِ بتسالي يا أمي؟ أمال أخاف على مين لو مخوفتش عليكي! ام عامر: -لو بتخاف عليا حقيقي كنت ريحت قلبي وطمنتني قبل ما أموت. عامر: -ليه بس السيرة دي؟
ألف بعيد الشر عنك وكمان إحنا مش قولنا كل شيء بأوانه مستعجله ليه؟ عليا ياستي اتجوز وأخليكي تصدعي من كتر العيال. قالها وهو يداعب وجنتيها فقالت: -أيوه كلني زي كل مرة، أديني مستنية أما أشوف امتى هيجي اليوم ده. عامر: -إن شاء الله قريب، بس ادعيلي أنتِ، يلا سلام أنا عشان اتأخرت. ام عامر بتنهيدة ونظرها معلق مع ابنها الذي تركها وتوجه للباب: -دعيالك يابني يجعلك في كل خطوة سلامة.
أمام المقهى كان يقف عامر وواضع يده اليمنى بجيبه وكل ثانية ينظر إلى ساعته، فقطع تفكيره سيد وهو يقول: -دكتور عامر أنت مستني حد؟ رفع عامر نظره للسماء بقله صبر وزفر: "كام مرة أقولك ما تقوليش دكتور، أنت مابتفهمش ولا عايزني أعلقك جوه؟ أنا هنا تقولي ريس عامر أو أستاذ عامر بلاش دكتور دي الله يسترك." سيد: -خلاص مش هقول تاني بس أنت مستني حد؟ -يا الله، يعني مش بتفهم وحشري؟ اجري شوف الزباين.
تلفت سيد يمينًا ويسارًا وهو يرفع حاجبيه متعجبًا، فحتى الآن المقهى خالي من الزبائن. فهم عامر ما يدور بعقله، فقال بغضب: -روح امسح الأرض. فهز سيد رأسه سريعًا وانصرف حتى لا يتعرض لصراخ عامر. بعد لحظات وقف عامر منتبهًا لمرور محمد وهو يلقي عليه السلام فجري اتجاهه يرد التحية: -وعليكم السلام يامحمد. قالها عامر بتوتر يحاول إخفاءه. محمد: -أخبارك إيه والحاجة ام عامر صحتها عاملة إيه؟ هز رأسه وهو يقول: -الحمد لله بخير. محمد:
-يارب دايمًا، طيب بلغها سلامي.. عن إذنك. "وهم بالانصراف، إلا أن يد عامر منعته ليقول عامر: -محمد كنت عايزك في موضوع. ضيق محمد عينه قال له: -دلوقت؟ خير يارب. -معلش مش هعطلك. قالها عامر بتوتر فأجابه محمد: -طيب قول بسرعة على السريع أصل متأخر. عامر وهو يبتلع ريقه بصعوبة: -احم، اممم اه كنت عايز أخد رأيك في… -إيه يا عامر مالك متوتر ليه؟ قالها محمد فمسح عامر بأصابع يديه المرتعشة عرق جبينه وقال:
-لا مافيش توتر، أنا كنت عايز أقولك لو ينفع الآنسة غزل تعملنا للقهوة المعجنات والأكلات بتاعتهم دي، أصل بصراحة كانت بعتت لي طبق منهم وكان حلو أوي، فبقول لو ينفع تعمل وننزلها بالقهوة و أهي مساعدة برضوا. تحول وجه محمد إلى اللون الأحمر من شدة الغيظ وقال: -أنا مش مخليها محتاجة حاجة، ولا أنت شايف أنها محتاجة عشان كده عرضت عرضك؟ رد عامر سريعًا وهو يبرر طلبه: -لا أبدًا والله، أنا قولت تشغل وقتها…
أنا عارف أن وقت فراغها كبير ومأقصدش اللي انت فهمته. أشار له محمد بيده ليتوقف وقال: –خلاص ياعامر حصل خير. على العموم انت وصلك ردي في الموضوع ده. طأطأ عامر رأسه بسبب فشل الخطوة التي كان يظن انها ستقربه منها، فودع محمد وتوجه إلى المقهى ليكمل عمله. *** في شركة الشافعي كان يوسف منهمك في عمله في قراءة العقود التي تحتاج مراجعة قبل الالتقاء بالوفد الفرنسي للتعاقد معهم، دخل عليه شادي وقال: –إيه ياعم المدخنة اللي قاعد فيها دي؟
ارحم نفسك شويه أنا لو مكان سوزان السكرتيرة كنت قدمت استقالتي بسبب ريحة السجاير. رفع يوسف نظره عن الأوراق وقال: –أتلهي واكتم أنا مش ناقصك. شادي: –ليه كده يا بوص دا أنا حبيبك. فجلس أمام مكتب يوسف ينتظر أوامره فزفر يوسف باختناق: –دلوقتي قدامنا مشكلة المفروض الأستاذ إسماعيل في قسم الترجمة واخد إجازة لمدة شهر والعقود المفروض حد يترجمها قبل ما نمضيها عشان تتراجع قبل التعاقد. شادي: –طيب الحل؟
إحنا لو عملنا إعلان إننا محتاجين مترجمين مش هنلحق، الوفد جاي الأسبوع ده.. هو كده مفيش حل غير إننا نعمل إعلان على وجه السرعة، أو نأجل التعاقد. يوسف: –مش هينفع نأجل كده هنخسر كتير. شادي: –ما تشيلش هم، هحلها إن شاء الله. في نفس الوقت كان محمد أمام مكتب سوزان. محمد: –من فضلك، حضرتك متعرفيش الأستاذ شادي فين؟ أجابته دون أن ترفع نظرها عن شاشة الحاسوب: –مين حضرتك؟ محمد بحرج:
–أنا المحاسب الجديد، والمفروض أقابل أستاذ شادي وأدخل للبشمهندس يوسف. رفعت نظرها من على شاشة الحاسوب وظلت تنظر إليه بهيام ثم تداركت نفسها وقالت: –احم آه .. حضرتك.. احم آه.. حضرتك اتفضل ثواني، أستاذ شادي عند البشمهندس، ثواني أديه خبر. وأشارت له للجلوس. داخل الحجرة طرقت سوزان الباب، فأعطاها يوسف الإذن بالدخول. سوزان: –آسفة يا فندم بس في واحد بره اسمه أستاذ محمد، بيقول إنه المحاسب الجديد وطالب يشوف أستاذ شادي.
شادي: "آه ده أنا نسيت خالص كنت المفروض استناه في مكتبي كويس إنه جه، معلش دخليه بسرعة يا سوزان." ثم وجه حديثه ليوسف: –ده المحاسب الجديد، بس إيه شكله ملتزم جدًا؟ يارب يعجبك شغله وماتطردهوش زي اللي قبله. –أما نشوف. محمد: –السلام عليكم. شادي: –وعليكم السلام، تعالى أعرفك على البشمهندس يوسف رئيس مجلس إدارة الشركة ونائب عن الأستاذ ناجي الشافعي صاحب الشركة. نظر كل من يوسف ومحمد لبعضهما بغضب وفي نفس اللحظة قالوا: –أنت؟
نظر لهما شادي وقال: –انتوا تعرفوا بعض؟ ألقى يوسف نظرة ساخرة على محمد وقال: –معرفة مهببة على دماغك، ملاقتش غير ده؟ انفعل محمد: –احترم نفسك يابني آدم انت. قال شادي بتعجب: –لا لا لا استهدوا بالله فهموني في إيه الأول؟ يوسف: –ولا أفهمك ولا أنيل، الزفت ده يطلع بره معندناش شغل ليه. تحرك محمد جهة الباب وتلفت له وقال: –أنا اللي ما أقبلش اشتغل مع واحد همجي زيك. –عندك مش معاك اسمها عندك. قالها يوسف بثقة وهو يضع يديه بجيوبه.
شادي: –استنى بس يا محمد، لو سمحت انتظرني بس شوية عند سوزان وأنا جايلك. بعد خروج محمد قال شادي: –ممكن أفهم في إيه؟ ده رابع محاسب تمشيه أبوس إيدك ارحم أمي العيانة وفهمني إيه الحكاية ورافضة ليه؟ يوسف: –الزفت ده اتخانقت معاه في الشارع، ومسك فيا كل ده عشان واحدة ملهاش لازمة كنت هدوسها بسبب غبائها، وأكلمها تتجاهلني كأنها مش شايفة، فجأة ألاقي البيه عايز يعمل قدامها راجل وبيتخانق عشانها. –حلوة؟
قالها شادي بخبث وغمز بعينه ليوسف. يوسف: –ما أخدتش بالي أوي، هي بيضا وشعرها بني زي العسل كده وعيونها رمادي أوف صاروخ بنت الإيه. همس بها يوسف دون أن يدرك أن شادي يسمعه فضحك شادي قائلاً: –كل ده وما أخدتش بالك؟ أومال لو أخدت كنت عملت إيه؟ يوسف: –يوه بقي ياشادي، ما أنت عارفني مغناطيس جنس ناعم وما بحبش أعدي حاجة جميلة من تحت إيدي. شادي: –خلينا في المهم أمشي محمد ولا إيه دلوقتي؟ يوسف وهو شارد أمامه وبمغزي لا يفهمه إلا هو:
–لا خليه يمكن يجي من وراه مصلحة. *** في منزل الخالة صفا، بحجرتها كانت تجلس غزل فوق سرير الخالة صفا تقوم بتدليك قدم خالتها لتزيل عنها آلامها، أما الخالة فتستند بظهرها على السرير وبيديها صورة قديمة تتأملها. أشارت لها غزل بيديها لتنتبه لها الخالة. فكتبت بريشتها الورقية: –احكي لي مرة ثانية عنهم. قالت الخالة: –ألم تملي من تكرار القصة؟ فهمتها غزل من شفتيها فهزت رأسها بطريقة طفولية بلا، فنظرت صفا في الصورة القديمة وقالت:
–كنا فتاتين صفا وصفوة، كنت أكبر من صفوة بخمس سنين وكتب لي الله أني أتزوج من عبدالله الزايد. أما صفوة فكانت تشبهك كثير في جمالها وبياض بشرتها وعيونها وشعرها البني، كانت جميلة تجذب كل اللي يبصلها.
وفي يوم شافها شاب أعجب بها جدًا، كان الشاب ده مهندس ابن صاحب الشركة الذي يعمل بها والدنا ساعي رحمة الله عليه، وحاول يقرب لها وحبته وأقنعها بالزواج رغم اختلاف الجنسية، وأقنع والدي بالزواج وإنه هياخدها معاه لما يبلغ أهله بالزواج. مع ضغط صفوة على والدي وافق على الجواز، ولكن إحنا ما توقعناش إنه يرسل لها يبلغها بزواجه مكرهًا من بنت خالته، بعد ما عرفوا بجوازه بأختي ببلد أخرى، وإنه يعتذر لها بكل بساطة وطلقها.
طلقها وما كانش يعرف إنها حامل، كانت مستنية لتفاجئه.. ولكن هو أسقط هذه الورقة من حساباته كأنها لم تكن. حاولت صفوة التواصل معه أكثر من مرة ولكن رفض أن يسمعها حتى، وطلب منها إنها ما تتصلش بيه مرة ثانية، كان خايف من أهله يحرموه من الميراث. فقررت صفوة إنها تسافر له لتبلغه بحملها، بس مقدرتش. كتبت غزل: –لماذا لم تسافري له؟ الخالة صفوه:
–حصل عندنا حروب أهلية وحظر تجول وكانت البلدة بعيدة كل البعد عن الطرق البرية أو الطرق التي توصلنا للمطار، فكنا مهددين فترة كبيرة بالخطر، وصبرنا لحد ما عرفنا إن صفوة حامل بتوأم بنتين، ورزقنا ببنتين غاية بالجمال وسميناهم (بيسان وغزل) كتبت غزل: أنتِ لم تخبريني كيف اختفت بيسان؟ تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، بعد الولادة عانت صفوة بسبب الحالة النفسية السيئة، الوردة الجميلة انطفأت بسبب أنانية شخص.
ومرت الأيام وكان صعب على صفوة إنها ترضعكم، كان لينا جيران بالحي مغتربين، كانت خالتك راوية وزوجها ومعهم محمد تقريبًا العشر سنوات، كانت تقى مولودة بنفس توقيت ولادتك أنتِ وبيسان فتطوعت بإرضاعك وتركت بيسان لصفوة فأصبحت أختًا لتقى ومحمد، ابتسمت غزل وأشارت لها لتكمل، فتنهدت صفا وأكملت اكتشفت بعد جوازي إني مش هخلف بسبب مشاكل بالرحم، فحمدت الله واعتبرتكم بناتي، وكنا نعيش بسعادة وكبرتم أمامنا حتى صار عمركما أربع سنوات، وحصل ما لم نتوقعه.
فجأة لقينا طليق صفا يطلب منها الرجوع وأن يأخذها هي وبناته لبلده بعد علمه بأنها أنجبت منه بنتين، فرفضت صفوه الرجوع لأن كرامتها مجروحة منه، وسكت الموضوع واختفى مرة ثانية، وبس ما كناش نعرف باللي يدبره ليكم، ولكن في ليلة كانت أختك بيسان تعبانة ودرجة حرارتها مرتفعة، فطلبت صفوة مني أن آخذك معي عشان ما تمرضيش، وبليل لقيتها بتتصل تبكي بانهيار لأن طليقها اتهجم عليها وخطف منها بيسان، وهي خايفة عليكِ، ليعرف مكانك أنتِ كمان، تنهدت صفا والدموع
محبوسة ترفض الخروج: –قلت لها إنه ما يعرفش مكاني، وفجأة سمعت صوت انفجار شديد جريت أنا وعبد الله في الشارع. وجرينا بالشوارع بليل بس انصدمنا.. حصل قذف على منزل والدي وكانت صفوة جواه. بكت صفا بحرقة على هذه الذكريات الأليمة فربتت غزل على يديها وهي بعينيها الدموع، فكتبت غزل: –كيف جئنا إلى هنا؟ ولماذا لا أتذكر شيئًا؟ كثيرًا أحلم أنني أتكلم وأصرخ. ردت صفا:
–لا أنتِ كنت كويسة، بس بسبب القذف والقنابل أثرت على سمعك، فهذه الحروب تخلف أجيال مريضة ومصابة بإصابات نفسية وجسدية. –كيف أتينا إلى هنا؟ وكيف وصلتي لخالتي راوية أم محمد؟
كتبت جملتها بريشتها، أكملت صفوة بعد هدوء الخطر، كان يوجد شبه استقرار، فقررت أن أغير شهادة ميلادك باسم غزل عبدالله الزايد بدل اسمك الحقيقي عشان أقدر أخرج بيكي من البلد مع عبدالله رحمه الله، وعشان ما يوصلش ليكي ويأخذك أنتِ كمان مني، وبعد رجوع راوية هي وجوزها لبلدهم كانت سايبة لي عنوانها من قبل، وقدرت أوصل لها بعد ما سبنا وطننا. وإدينا زي ما إحنا من أكتر من خمسة عشر سنة نسكن معهم ببيتهم وساعدوني نأجر منهم الشقة دي، وأنتِ عارفة كنت بدرس فرنسي وإنجليزي في البيت والأكلات بتاعتنا كنت ببيعها كان الله ييسرها معانا، عارفة إيه اللي قلقني يا غزل؟
إن يوصلك والدك وياخدك مني. هزت غزل رأسها بالرفض وكتبت: –لن أعود معه أبدًا وأتركك أنتِ أمي. بكافتيريا الجامعة، تجلس تقى تشرب كوبًا من الشاي وتسجل بعض الملاحظات بدفترها، وانتفضت فجأة على صوت تعرفه جيدًا ثم قالت: –حرام عليكِ يا بنتي، أنا عايزة أتزوج وأخلف، كده مش نافعة في حاجة. ردت ملك وهي تقهقه: –أعملك إيه؟ ما أنتِ بتركبي الهوا على طول، يابنتي فكك شوية بلاش تكشيرة العسكري دي، هو بغبائه. تسألت تقى وهي تشرب الشاي:
–هو مين؟ ملك: –جنرال يوسف، هيكون مين، نسخة ياربي في التكشيرة ولا حب الامتلاك لما يمتلك حاجة محدش يقدر يلمسها. –هو صحيح يوسف عامل إيه؟ بقالي كتير ما شفتهوش ييجي ياخدك زي الأول! ملك وهي تنظم كتبها أمامها: –لا أبدًا، أصل ياستي عمي سايب كل الشغل على يوسف وبيسافر كتير فتلاقي يوسف في الشركة الصبح ومع أصحابه بليل، ومش بيرجع إلا متأخر، ربنا يتوب عليه بقى بيبقى راجع مش شايف قدامه. –تساءلت تقى: –ليه للدرجة دي بيتعب في الشغل؟
ضحكت ملك وقالت: –شغل إيه انتِ طيبة أوي، قولي بيتعب من السهر والشرب، هيييح ربنا يهديك يا يوسف وتيجي اللي تهديك بقى يارب. –أمين يارب. قالتها تقى وكأنها كانت تنتظر هذه الدعوة التي داعبت قلبها بأمل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!