بعد مرور شهر. متقوقعة على نفسها.. منعزلة عن الآخرين.. ليس لها رغبة في التواصل مع من حولها رغم أن من يراها يحسدها على وضعها الجديد الذي تغير للنقيض في فترة وجيزة لا تتعدى شهرًا.. ولكن هذا الشهر من أثقل وأبغض الشهور التي مرت عليها منذ استنشقت هواء الحياة.. لقد أصبحت في أحسن حال من وجهة نظر الجميع لا يشعرون بخواء نفسها.. كأنها دمية في أيديهم بدون مراعاة لشعورها ومتطلباتها.. ما يقرر ينفذ.
يقطع حالتها صوت طرق الباب الذي اعتادت عليه كل صباح.. ولكنهم لم يملوا.. لتقول بصوت مبحوح متقطع بسبب انقطاعها عن الكلام سنين: –قوليلهم ياهناء مش هنزل. لتجد الباب يفتح ورائحة نفاذة دائمًا تلاحقها مثل صاحبها.. لتعلم أنها ليست هناء.. بل ما يبغضه قلبها وتكرهه عينيها حتى أنفها تبغض رائحته لما لا يبدلها بعطر أفضل! فتسمعه يقول ببروده المعتاد: –والست هانم مش ناوية تشرفنا بإطلالتها مرة وتنزل تأكل معانا زي البني آدمين؟ سمعها
تقول بدون الالتفات له: –هو أنا أذنت لك تدخل أوضتي؟ ليقول بكبرياء: –أنا أدخل أي مكان يعجبني.. هو أنت فاكرة نفسك بقيتي صاحبة مكان؟ فتتحرك من فوق فراشها وينكشف ساقيها أمامه بسبب منامتها القطنية القصيرة التي انحصرت أثناء جلوسها فيخفض نظره على جسدها متأملًا بياض بشرتها ويبتلع ريقه للحظة فيسمعها تقول: –أنا فايقة كويس.. وحتة إني فاكرة نفسي صحبة بيت.. محدش قالكم تجبروني أجي أعيش معاكم.. أنا مستعدة النهاردة أرجع بيتي بجد.
لتصدح ضحكته ببرود: –أنت بتسمي الجحر ده بيت؟ ترفع أنفها بتحدي: –على الأقل فيه بني آدمين الواحد ياكل معاهم. يمسك ذراعها بقوة مؤلمة ويقول بين أسنانه: شوفي يابت أنت.. ألاعيب من ألاعيبك في البيت ده مش هسمح بيها.. وطول لسان مش عايز.. وكلامنا يتسمع وميتقالش منك غير حاضر.. فاهمة؟ كلمة واحدة تغيري هدومك وثواني الأقيكي قدامي تحت على السفرة بتطفحي معانا. فيدفعها بقوة لتسقط فوق الفراش ويكمل بغضب:
–ثواني لو ملقتكيش قدامي هدخل أغيرلك بنفسي. لينصرف من أمامها فتنكمش خوفًا منه. *** يشرد أثناء السير في حديث أخته الذي ألقى الشك في قلبه من ناحية تلك التي تقبع في حجرتها عندما أرسلت له رسالة على هاتفه بضرورة المرور عليها بحجرتها ليعقد حاجبيه متعجبًا.. لما أخته ترسل له رسالة وهما بنفس المكان؟ ليلبي رغبتها ويتفاجأ من حالتها المريرة المتوترة تقول له: –يوسف إحنا داخلين على مصيبة. يوسف بتوتر: –مصيبة إيه؟ ما تتكلمي!
ملك بغضب: –أنا عرفت من تقى إن ظهور غزل في حياتنا مكنش صدفة زي ما إحنا فاهمين.. دي كانت مخططة لكل ده.. وإن غزل هي اللي جابت الشغل لمحمد وقالتله إنها شافت إعلان الشركة.. وكانت مخططة لكل ده عشان تظهر تاني. يوسف بعدم اقتناع: –أنت متأكدة من اللي بتقوليه ده؟ ولنفترض عملت كده.. تعمل كدة ليه؟ ملك بشبه بكاء: –غزل مخططة تستولى على كل حاجة.. وتطردنا من هنا.. أنا خايفة يا يوسف أوي. يوسف بغضب:
–ده يبقى آخر يوم في عمرها.. الكلام ده كلام فارغ.. عمك ما يقدرش يستغنى عني. ملك بهدوء: –يوسف إحنا فعلاً مانمتلكش حاجة.. كلها فلوس عمك الشركة والفيلا.. أنت ناسي إن أبوك خسر فلوس شركته وعمك اللي ربانا؟ وما أفتكرش إنه هيفضلنا على بنته الوحيدة اللي كان بيدور عليها سنين. يوسف بتفكير عميق: –مش لما تطلع بنته الأول؟ ملك باندهاش: –يعني إيه؟ وهي ممكن تكون.. يوسف بابتسامة خبيثة: –وليه لا؟
إيه اللي يعرفنا إنها بنته مش يمكن نصباية. ملك: –طيب هنعمل إيه؟ يوسف بهدوء: –هقولك نعمل إيه.. ولو طلعت نصابة.. وحياتك عندي مش هعتقها. *** تهبط الدرج بتوتر فهي منذ دخولها هذه الفيلا لم تتشارك معهم في أي نشاطات خاصة بهم.. تجدهم مجتمعين على مائدة الطعام.. فيشعر ناجي بحضورها ليقول بفرحة: –مش معقول أخيرًا حنيتي على أبوكي ونزلتي تاكلي معاه؟
ويقوم باحتضانها بقوة.. تجلس بجواره على يساره ويوسف على يمينه يرمقها بنظرات تحذيرية وتمرر عينيها على التي تقبع بجواره ترمقها بكره ظاهر للعيان. لما كلما صادفت وتقابلا تشعر باستحقار نظراتها وكرهها لها رغم أنها لم يصدر أي فعل سيء اتجاهها. فتسمع ناجي يقول: –كلي يا غزل مش بتكلي ليه؟ فتهز رأسها بنعم وتبدأ بتناول طعامها ليقف الطعام بحنجرتها عند سماع كلمات يوسف يقول: –إيه؟ أنت اخرسيتي تاني ولا إيه؟
لتضحك ملك بسخرية واضحة.. وترفع عينيها تنظر له ولكنها لم تلاحظ نظرته التي تبدلت من السخرية للألم عند سماع ردها تقول ببرود: –ساعات الخرس بيكون أحسن لناس كتير.. بدل ما تحدف كلام يجرح مشاعر الغير.. والحمد لله كنت طول عمري راضية بقضاء ربنا وحمداه. ليقول ناجي: –دي أيام وعدت خلاص.. أيامك اللي جاية أحسن إن شاء الله. تجيبه وهي تنظر ليوسف بتأثر: –تفتكر؟ ***
تجلس بالمقعد الخلفي لسيارته لقد أصرت على عدم الجلوس بجواره خوفًا منه.. وقد اعتبر هذا إهانة لشخصه.. فعندما طلبت من أبيها الذهاب لخالتها لزيارتها بسبب امتناعها عن المجيء معها وغضبها منها بسبب تخليها واختيارها الذهاب مع أبيها بكامل إرادتها.. هذا ما يظنوه.. أنها تخلت عنهم واختارت الثراء.. لكنهم لم يعلموا ما الضغوط التي مورست معها لتقبل هذه الحياة.
فتشرد بذاكرتها عندما وجدت هذا السمج يسد عنها باب البيت ليدفعها بكل برود من كتفها ويدخل دون إذن منها ليقف وسط الصالة ويده بجيوبه وعلى وجهه ابتسامة بغيضة ليقول: –هتفضلي واقفة عندك كتير؟ اقفلي الباب وتعالي.. عايزك. تقف مكانها لا تتحرك فأمها ليست بالبيت.. كأنه استمع لأفكارها فقال: –أنا عارف إنك لوحدك.. ادخلي عشان في كلام لازم تفهميه كويس. تغلق الباب بتردد وتتساءل: –كلام إيه؟ يقترب بخطوات ثابتة كالفهد وعينيه مثبتة عليها:
–هنعقد اتفاق صغير وافقتي عليه كان بها.. ما وفقتيش يبقى هضطر أنفذ اللي هقوله دلوقت. لم تفهم قصده.. فبدأ يوضح: –أحسن لك ما ترفضيش عرض عمي عليكي إنك ترجعي تعيشي معاه.. ده حقه فيكي.. طبعًا لازم حبة إجراءات تتعمل عشان تبقي غزل ناجي الشافعي بدل إبراهيم الزايد. غزل بتحدي: –مستحيل.. مستحيل أوافق أعيش معاه أو أعترف إنه والدي.. أنا ماليش أب غير عبد الله الزايد وبس. يوسف ينحني لينظر في عينيها فتلحفها أنفاسه المقززة لها يقول:
–خلاص يبقى هضطر أنفذ الشيء التاني لو رفضتي للأسف.. هنعرف بسهولة نثبت إنك بنته ونرفع قضية تزوير وطبعًا مش عايز أقولك مين متهم فيها القضية دي وعلي الأقل هتاخد لها خمس سنين سجن. هزت رأسها بصدمة أيعقل أن يسجن خالتها المسنة؟ أوصل بهم الأمر لهذا الجحود؟ تقف منفرجة الفاه.. تتسارع أنفاسها فيرفع إبهامه يمرره فوق شفاها السفلية يقول بصوت هامس: -بعد كده تقفلي بوقك ده ومتبصيش على شفايف حد وهو بيتكلم.. فاهمة ولا لا؟
لم تستطع فهمه أو إبطال عادتها السيئة بالنظر إلى شفاه فيجدها تخفض نظرها مرة أخرى لفمه وهو يحدثها.. هذه الحركة البسيطة منها تثيره وتشعل ناره.. تشعره بأنها دعوة صريحة لتقبيله.. لينقض عليها ممسكًا وجهها بيديه بقوة يلتهم شفاها التي أصابته بالجنون.. كأنه يعاقبها على فعلتها الغير مقصودة أما هي تحاول التخلص منه ودفعه من صدره ووجه ليبتعد عنها.. فتشعر بيده تترك وجهها ويحيط جسدها بذراعه مستمرًا في تقبيلها بقوة.. لم يحررها.. ليفيق هو على ألم شديد بشفته السفلية.. فيطلق تأوه رجولي ويرفع وجهه عنها ويكتشف ما فعلته.. لقد عضته بقوة لتجرح شفته السفلية ويخرج منها الدماء فيهددها قائلًا:
–آه.. يابنت الـ ***. هتندمي على اللي عملتيه ده.. عمومًا أنا هسيبك يومين تفكري في اللي قولته كويس وهستني ردك. *** تعود لواقعها عندما سمعت سبة كريهة خرجت منه اتجاه شخص قام بالمرور أمام السيارة.. لتنظر إلى ظهره بكره وبغض زائد من تصرفاته الكريهة لها. أما عنه لاحظ شرودها وعدم انتباهها لحديثه عندما سألها عن الوقت التي ستمضيه هناك.
شرد عندما خرج من بيتها بعد أن عرض عليها عرضه.. ليقف أمام بوابته يراقب الطريق للحظات وقد عزم على شيء لمعاقبتها. فيقوم بمسك أحد أطفال الحي يقوم بلعب الكرة ليقول: –بقولك إيه يا شاطر .. فين بيت الأستاذ عامر؟ فيجيبه الولد: أنت عايز الريس عامر؟ هو في القهوة هناك. يوسف بمودة مزيفة: –لا أنا عايز بيته.. بيت والدته. ثم يقوم بإخراج ورقة نقدية يعطيها له.. ليتشجع الصبي لإدلائه بالمعلومات. *** –ها يا حاجة اتفقنا؟
قالها يوسف لأم عامر التي ظهر على وجهها السعادة من حديث يوسف لتقول: –أيوه يابني عندك حق.. خلاص اتفقنا. يوسف بوع أنا كنت خايفة عليكي منهم. صفا بتساؤل: –خايفة عليا أنا؟ لتجيبها غزل وتقوم بقص عليها تهديد يوسف لها. *** يوسف يقف أمام البيت وبيده هاتفه يحدث شخصًا ما يقول: –اتصلي بيها خليها تنفذ اللي اتفقنا عليه.. ضروري النهاردة. ***
يجلس وهي بين أحضانه يحاول تهدئة نوبة البكاء التي أصابتها عند رؤيته. وعندما شاهدت نظرة اللوم في عينيه فقدت قناع تماسكها التي كانت ترتديه. ليقول بصوت رجولي يشوبه بعض الغضب: –خلاص إهدي.. أنا مش زعلان منك دلوقت.. أنا كنت فاكر إنك تخليتي عنا وسبتينا عشان الفلوس والحياة الجديدة بس إنتِ غلطانة. إزاي تسمحي للكلب ده يهددك؟ وإزاي متحكيليش؟ غزل بضعف: –خوفت على ماما وخوفت عليك.. مش عايزة أكون السبب في قطع عيشك وأخسرك شغلك.
محمد بهدوء: –خلاص اللي حصل.. كل شيء مكتوب. المهم إنتِ تكوني كويسة وسعيدة. بس بردوا زعلان منك. إزاي تفسخي خطوبتك من عامر من غير ما ترجعيلي؟ في حاجة مش مظبوطة.. فجأة كدة بقيتي مش عايزاه. غزل تعتدل في جلستها وتحاول ترتيب خصلاتها بتوتر: –خلاص يامحمد.. كل شيء نصيب.. وأنا نصيبي مش مع عامر. محمد بتأثر: –الراجل شكله مش طبيعي من ساعتها.. ده أنا سمعت إنه هيقفل القهوة ويسافر. غزل بحزن: –هيسافر!
ربنا يوفقه مع حد أحسن مني.. أنا هطلع أشوف ماما راوية وتقي عشان وحشوني أوي. *** تدخل عليه حجرته يتألم قلبها على ابنها البكري الوحيد التي كانت تسعى بكل الطرق تذلل له العقبات حتى يعيش في سعادة دائمة. فهو سندها بعد وفاة أبيه في هذه الحياة. هل أخطأت عندما أرادت اختيار زوجة مناسبة من وجهة نظرها؟ شردت في يوم حضور ذلك الشخص الثقيل على قلبها. كان يظهر عليه الثراء الشديد ليجلس أمامها رافعًا ساقه فوق الأخرى ليعقد معها اتفاق.
وكان هذا الاتفاق يأتي على هوى نفسها. لقد كانت مكشوفة لذلك الغريب أنها ترفض هذه الزيجة. ونجح في اللعب على هذا الوتر الحساس.
ليتفقا كلاهما أنها تذهب لغزل وتقوم بإثنائها عن هذه الخطبة وهي ما قصرت بهذا. قامت بإلقاء كلماتها السامة على الفتاة بأنها لا يشرفها أن تكون مثلها زوجة لابنها الوحيد بسبب ظروفها الصحية وإعاقتها. واللغط في نسبها وأنها تريد لابنها فتاة كاملة غير مشكوك بنسبها. واتفقت معها أن تقوم هي بفسخ الخطبة حتى لا يحدث صدع بينها وبين ابنها. ولكن ما لم تعلمه أن ابنها سيعزم على ترك مال أبيه والسفر خارج البلاد وتركها هي شخصيًا.. لتحصد ما جنته يدها.
*** –وحشتيني يا تقى.. كده المدة دي ماتسأليش عني.. ده إنتِ أختي الوحيدة. قالتها غزل وهي تجلس أمام تقى بحجرتها على فراشها. تقى بمشاعر مزيفة: –والله ياغزل أنا كنت زعلانة إنك سبتيني ورحتي تعيشي هناك.. قولت الحياة الجديدة حلت في عينها وباعتنا. غزل: –أبداً والله.. أنا اليوم بيعدي عليا هناك كأنه سنة.. متتخيليش مخنوقة قد إيه منهم.. وخصوصًا اللي اسمه يوسف ده. لتتبدل تقى عند سماع اسمه وتشعر بالغيرة عليه من غزل وتقول:
–هو إنتِ وهو بتتكلموا كتير مع بعض؟ غزل باختناق: –قولي بنتخانق كتير.. ده بني آدم بارد ومعندوش إحساس وقليل الأدب.. ووقح.. حتى ريحته مش بطيقها. تقى بتساؤل: –ليه؟ هو صدر منه حاجة؟ فتلاحظ ارتباك غزل وصمتها. فجاءتها الإجابة بدون كلام. لتقول بحقد لم تلحظه غزل: –عمومًا خلي بالك منه.. عشان هو مش سهل خالص.. وخليكِ قوية قدامه ومتسمحيش ليه ياخد حقك.. لإني حاسة إنه مش هيقبل أي حد يشاركه في ماله.. أقصد مال أبوكي. غزل بضيق:
–أنا مش عايزة حاجة منهم.. الفلوس مش مهمة عايز ياخدها. تقى: –إنتِ عبيطة صح؟ عشان هو بيخطط إنه يسرقك وإنتِ تقولي ياخدها؟ غزل: –أنا كل اللي عايزاه إنه يتقهر زي ما قهرني.. وميشوفش يوم عدل.. ولو الفلوس هي اللي هتقهره أوعدك هعمل كل جهدي إني أذله وأخليه شحات.. بس للأسف مش هقدر أعمل كده.. أنا هسيبه للي خلقه. لتبتسم تقى بخبث شديد وتقول: –لا أنا كده مأخافش عليكي.. تعالي في حضن أختك.
لتربت على شعرها وتمرر أصابعها في خصلات شعر غزل أكثر من مرة وعلي وجهها ابتسامة لا يعلم سببها أحد إلا هي. *** تقول بحقد ظاهر وهي ممسكة بهاتفها: –سمعت بودانك الهانم بتخطط لإيه؟ وقف بوجه أسود غير مصدق لما سمعه من هاتف ملك. لقد أرسلت لها تقى تسجيل بصوت غزل وهي تقوم بالسب فيه ونعته بأبشع الصفات وتتوعد له بأن تذله بالمال وحذفت باقي الحديث. لقد صدقت ملك وتقى في حكمهم عليها. ليقول بصوت غامض:
–قولتيها اللي طلبناه منها عملته ولا؟ ملك: –أيوه حصل وعايزة تقابلك بنفسها تسلمك الأمانة في إيدك وبتقول مش عايزة حد يشوفها. يوسف بخبث ظاهر: –تمام.. ابعتيلي رقمها وأنا هتفق معاها على المكان والزمان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!