الفصل 3 | من 31 فصل

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثالث 3 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر

المشاهدات
31
كلمة
3,626
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

كان محمد يرتشف كوب الشاي الذي أعدته غزل له ويتذكر كيف اعتذر شادي نيابة عن يوسف وبرر أنه متوتر بسبب تعاقد جديد، لذلك لم يستطع أن يسيطر على أعصابه معه وأرشده إلى مكتبه ليستلم عمله. قاطع شروده شيء بجانب قدمه، فاكتشف أنها غزل التي تجلس على الأرض بجوار رجليه، فهي تعشق هذه الجلسة حتى يمسح على رأسها كالقطط. وانتبه للصحن الذي أتت به من المطبخ، آه إنها المعجنات التي ذكرها عامر. فاقترب يلتهم منها قطعة ووجه نظره لها وقال:

-تخيلي عامر عرض عليّ أنك تعملي أكلات زي دي للقهوة بتاعته. انتبهت لما قاله وانفرجت شفتاها، تعجبت في بداية الأمر وبعدها ظهرت ابتسامة شقت شفتيها كأن طابت لها الفكرة وأسرت لتكتب: -وليه لا؟ أنت عارف أن ماما صفا من ساعة ما جينا هنا وهي كانت بتعمل أكل زي ده وتبيعه والناس كانت بتحب أكلها، بس لولا رجليها وتعبها كانت فضلت للآن بتشتغل. هز محمد رأسه بالرفض:

-لا يا غزل أنت مش هتشتغلي طول ما أنا أقدر أتكفل بيكي، هو أنا اشتكيت ولا أنتِ محتاجة حاجة؟ هزت رأسها سريعًا وأشارت بيدها بلا وكتبت: -بس أنا زهقانة أوي ومش بعمل حاجة غير الغداء وأقرأ كتب.. بالله عليك توافق. محمد: -خلاص موافق بس بشرط ما ترهقيش نفسك ولو حسيتي أنك تعبتي قولي لي، وأنا هتصل بعامر وأقوله أننا موافقين. صفقت غزل بيديها وقفزت تحتضن محمد فربت على ظهرها بحنان يدعو لها في سره بصلاح الحال. ***

-قولت لك ما تتصلش بيا تاني، أنت مب تفهمش ولا إيه؟ الشخص: -اسمعيني بس يا ملك، والله بحبك أديني فرصة واحدة نتقابل فيها ومش هتندمي صدقيني. ملك: -شكلك مش بتفهم، لو اتصلت بيا تاني هقول ليوسف وأنت عارف يوسف ممكن يتصرف إزاي. أغلقت الخط في وجهه. الشخص نظر للهاتف بتعجب وقال: -ماشي يا بنت الشافعي، هتروحي مني فين؟ -عرفت حاجة؟ أو وصلت لأي معلومة جديدة؟ قالها ناجي وهو يضع الهاتف على أذنه، فقال عيسى:

-لا يا ناجي لسه موصلناش لحاجة، كل اللي قدرنا نوصله إن مفيش حد باسم غزل ناجي الشافعي موجود هناك في السجلات، يعني معنى كده يا إما خرجت من البلد أو.. أو ماتت. -لا ممتتش، أنا قلبي حاسس إنها عايشة، بس مع مين مش عارف. عيسى: -طيب ما تحاول تدور على أي حد من عيلة المرحومة صفوة. ناجي: -بحاول يا عيسى زي ما يكون بدور على إبرة في كوم قش. عيسى: -إن شاء الله توصل لهم. ناجي: -يارب آمين.

ارتدت غزل ملابسها المكونة من سروال من جينز يظهر قوامها وقميص نسائي قصير أصفر يظهرها طفلة أكثر من أنثى، وتركت شعرها ليغطي جانبي وجهها كما اعتادت لتخفي أسفله سماعة أذنها اليسرى، ولكنها الآن تحت الصيانة فتستطع استبدال ذلك بقراءة الشفاه مؤقتًا.. فالناس تعتقد صمها التام إلا أنها تستطع السمع بأذنها اليسرى بنسبة بسيطة جدًا. نظرت لنفسها نظرة أخيرة في المرأة ثم ارتدت حذائها الرياضي الأبيض وحقيبتها الصغيرة الجانبية. في المقهى.

يجلس عامر بمكانه المعتاد ليباشر عمله وفجأة دخل عليه سيد يصرخ بطريقة أفزعت عامر وجعلت كوب القهوة الذي كان يرتشف منه يسقط على قميصه القطني. سيد: -الحق يا أستاذ عامر! .. الحق. -في إيه يا لهوي حد يصرخ بالشكل ده، ما تنطق فيه إيه؟ قالها عامر بصراخ بوجهه فقال سيد: -وهو يلهث ويشير للخارج الأنسة غزل ف.. هب عامر من مكانه مفزوعًا وانقبض قلبه وقال: -مالها انطق أنت هتتنقطني؟ سيد وهو يلهث: -الأنسة غزل حد بيتعرض لها بره.

لم يكمل سيد حديثه ولم يشعر إلا بيد عامر تمسكه من خلف قميصه كالمجرمين ويجري به خارج المقهى ليدله على مكان وجودها. في نفس اللحظة كانت تقف غزل مرتعبة وكلما حاولت السير هذا السمج يسد الطريق عليها بجسده حتى لا تمر، في محاولة منه الحديث معها. -طيب ردي عليا، أنت اسمك إيه؟ طيب بلاش اسمك ساكنة فين؟ طيب؟ قالها الشخص بترجي وعيون تملأها إعجاب. -أنا مش أقصد أعاكس أنا عا..

قطع حديثه لكمة قوية بوجهه ويد قوية تسحبها من ذراعها خلفه، لحظة لم تستوعب ما حدث ولكنها اكتشفت أنها خلف عامر يحميها خلف ظهره لم تستفهم ما يقوله لهذا السمج لكن طريقة وقفته وانعقاد حاجبيه وصراخه واستعداده للهجوم مدافعًا عن شيء يخصه أنبأها أنها ستكون سبب لمشكلة قادمة. -ده أنت أمك داعية عليك النهاردة.. عايز منها إيه؟ قالها عامر بشراسة، فقال الشخص وهو يمسح أنفه من الدماء: -أنت مين أنت؟

وإزاي تمد إيدك عليا، أنت متعرفش أنا مين؟ -مين يا حيلتها؟ اللي يتعدى على اللي يخص المنطقة ما يلومش إلا نفسه. وتحرك ليسدد له لكمة أخرى إلا أن يد صغيرة متشبثة بذراعه أوقفته، يد مرتعشة تحاول منعه مما هو مقدم عليه.. التفت عامر وضربات قلبه تقفز من صدره من هذه اللمسة، ليصطدم بعيون رمادية برموشها البنية العائمة في بحر من الدموع تترجاه أن يتوقف. ابتلع عامر ريقه بصعوبة لا يعلم هل يسعد للمستها أم يحزن لحزنها فقال: -عملك حاجة؟

جه جنبك أو حاول يلمسك؟ قالها عامر ببطء لتفهمه، فهزت رأسها بالنفي على أسئلته فزفر بقوة ونظر للشخص ووجده يقترب ويقول: -أحب أعتذر، أنا فعلًا غلطان أن حاولت أوقفها، أنا بس كنت عايز أعرف ساكنة فين وهي مش عايزة ترد عليا يمكن طريقتي غلط فأحب أصلح غلطي. ومد يده يصافح عامر الواقف كالتمثال يقول: -أنا شادي عبد الحميد بشتغل في شركة الشافعي للاستيراد والتصدير. فاعتدل عامر في وقفته ووضع يده في جيبه وهو ينظر من علو

ليد شادي الممدودة بازدراء: -أحم أنا كنت جاي لصديق هنا، هقابله والأنسة أحم أه.. كنت عايز أعرف مكان بيتها. -ليه؟ قالها عامر دون أن يتحرك من وقفته التمثالية فقال شادي: -أنا الحقيقة كنت حابب أتعرف على الأنسة و.. -الأنسة مخطوبة. قالها عامر وهو يقبض على يده بقوة داخل جيبه. شادي بصدمة: -مخطوبة! أنا آسف جدًا على سوء التفاهم ده، بجد أصل ما شفتش دبلة في إيديها أنا بعتذر مرة تانية. وهب لينصرف لكن أوقفه سؤال عامر: -جاي لمين هنا؟

-جاي للأستاذ محمد الشريف وقالي استنّاه في قهوة عامر. ظهرت الصدمة جلية على وجه عامر من هذا المأزق، من المؤكد أنه سيقص على محمد ما حدث. فأراد إثنائه عن ذلك فقال: -الأستاذ محمد يبقى أخو الأنسة وأشار بطرف عينيه لها بمغزى فهمه شادي. قال عامر: -عمومًا حصل خير، ولا كأن حصل حاجة دلوقتي، مالوش لازمة تخسر صاحبك وتاخد ضربة تانية في وشك. فوضع شادي سريعًا يده مكان لكمة عامر وقال بتوتر:

-طبعًا مالوش لازمة نعمل موضوع ده كان سوء تفاهم مش كده؟ هز عامر رأسه بثقة وبقي ثابتًا إلى أن اختفى شادي من أمامه، فالتف ليرى هذه المرتعبة خلفه. وجدها فارغة الفم تنظر له بتعجب مما قاله، لقد فهمت كلام شادي لأنها كانت بوجهته. فأسرعت تخرج دفترها تسأله: -أنت قولتله أني مخطوبة ليه؟ وهو عايز يعرف بيتي ليه؟ رفع عينه للسماء من هذه الغبية ألم تفهم أنه أعجب بها؟ هل هي غبية دائمًا هكذا؟ آفاق على سؤالها: -هو صاحب محمد بجد؟

هز عامر رأسه بنعم وهو يسرح بملامحها التي لن تتوفر له الفرصة مرة ثانية لهذا الاقتراب، ففاق من شروده بها وسألها: -أنتِ كنتِ رايحة فين؟ كتبت: -كنت هشتري طلبات الوجبات اللي أنت حددتها لمحمد عشان أعملها للقهوة.. ابتسم عامر ابتسامة جانبية وتذكر عندما ملأته الفرحة حين أخبره بموافقتها على طلبه. -طيب تعالي هوصلك وأشتري الحاجة معاكي. قالها عامر بسعادة، فهزت رأسها بالرفض فأصر أن يوصلها ويتسوق معها فوافقت بإحراج.

في مطبخ الخالة صفا تقف غزل به تعد ما طلبه منها عامر، فقد طلب منها أربع أصناف وطلب أن يكون كل صنف في صحن منفصل وتغلفه تغليفًا شفافًا وأنه سوف يتعامل مع الطلبات بالمقهى، فتذكرت عندما أصر على دفع ثمن المشتريات وأعطاها مبلغًا مقابل ما ستعده من الأكلات. وبعد إلحاح منه وافقت بإحراج منه. قطع شرودها الإضاءة الحمراء فقد خصص محمد لها إضاءة بكل مكان حتى تنتبه لمن بالباب. توجهت للباب فوجدته محمد. محمد: -السلام عليكم.

أشارت غزل بيدها له ردًا على سلامه. محمد: -اتفضلي ياستي السماعة أهي. قالها وهو يمد يديه إليها بها، فأخذتها منه بسعادة.. أخيرًا ستستمع إلى بعض الأصوات حتى لو كانت ضعيفة. ولكنها تحمد الله أنها تستطع سماع القليل. فأسرعت لتقبل وجنته بخجل لتشكره. فربت على رأسها فهي أخته التي لم تلدها أمه. "هي جميلة الجميلات بتعمل ايه؟ قالها محمد وهو يقرص وجنتيها بيديه.

ضحكت غزل بصوت ضعيف وأشارت إلى المطبخ ففهم أنها تعد الطعام. فأشارت له بالدخول وعرضت عليه شرب كوب من الشاي. محمد: "والله يا غزل لسه شارب عند عامر، بس لو لازم اعمليلي قهوتك الحلوة." فأسرعت لتعدها وبعد دقائق كانت تحملها وتضعها جانبه. ووجدته مشغول بقراءة بعض الأوراق والحسابات وهو عاقد حاجبه ويظهر عليه الإرهاق فكتبت له: "ايه الورق ده؟ هو ده ورق شغل؟ رد محمد بابتسامة يتخللها الإرهاق:

"آه في حاجات عايزة تتراجع ولازم تخلص قبل بكرة." كتبت: "ربنا يوفقك بس اشرب القهوة." محمد: "حاضر هشربها." وشرد عندما اتصل به شادي يطلب منه أن يقابله ليراجع العقود التي سيتم إمضائها غدًا، ولكن حتى الآن تقابلهم مشكلة ترجمة العقد المكتوب بالفرنسية. يستند بجسده العاري على السرير وبيده اليمنى السيجارة يدخنها بشراسة فينظر لنانسي التي تنام عارية بجواره على بطنها وهو يفكر كيف سيحل مشكلة غدًا مع الوفد الفرنسي.

قطع تفكيره نانسي التي تداعب صدره بأصابعها وتقول: "ايه يا روحي سرحان إيه؟ ظل ينظر أمامه وهو يزفر الدخان من فمه ولم يجبها. أصرت أن تلفت انتباهه إليها فاقتربت منه وقبلت صدره وقالت: "هو انت ما اتبسطش النهاردة معايا؟ نظر إليها يوسف نظرة طويلة فامسك شعرها من مؤخرة رأسها وقربها له لتلامس شفتاه خاصتها ويقول: "انتِ الوحيدة اللي تقدري تبسطني." فالتهما شفتاها بقبلة حارقة ليغوص معها في بحرها العميق. في شركة الشافعي.

"اتصرفي يا سوزان، يوسف مش هيسكت.. ابعتي لأي شركة تانية من اللي متعاقدين معاها يبعتوا حد من طرفهم." قالها شادي بتوتر. "يا بشمهندس شركة الراعي اللي داخلة شغل معانا بالفعل اتفقت معاها انها تبعتلنا المترجم اللي عندهم، بس للأسف المترجم في المستشفى رجله اتكسرت النهاردة الصبح." قالتها سوزان بخوف مما سيحدث. فقال شادي: "يادي الليلة اللي مش فايته! قالت سوزان وهي ترفع سماعة التليفون: "والأستاذ محمد فين؟ هو كمان اتأخر ليه؟

ده معاه الورق." "أنا اتصلت بيه أكتر من مرة مش بيرد، هحاول مرة تانية." "حاولي تاني وتالت، احنا هنتفجر النهاردة." قالها شادي وهو يشد خصلات شعره بيده... ولم يكمل إلا ووجد محمد يدخل المكتب: "السلام عليكم." "انت فين من بدري؟ مش بترد علي تليفونك ليه؟! قالها شادي بصوت غاضب. "معلش مش سامعه أنا بعتذر." قالها محمد بتعجب ثم أضاف: "هو فيه حاجة؟

"إحنا معرضين نخسر أكبر صفقة لو ملحقناش نراجع على العقود قبل التوقيع، ولو اتأخرنا هيشوفوا حد غيرنا.. صحيح فين الورق؟ قالها شادي وهو ينظر ليد محمد الفارغة. فنظر له فوجد محمد ينظر له بصدمة ويضرب بيده على جبينه: "اوف نسيت الورق! شادي: "هو يوم باين من اوله.. يوسف والحمد لله هنتنفخ على ايده." بمنزل الخالة صفا.

كانت تقوم بترتيب المنزل كالعادة اليومية لها ولكنها لاحظت بعض الأوراق التي تخص محمد على الطاولة. فمدت يدها لترتبها وتحتفظ بها ولكن ما لفت نظرها في هذه الأوراق جعلها ترفع حاجبها باندهاش. "حاضر يامحمد حاضر بطل صريخ حالاً اهو." قالها عامر وهو يصعد درجات السلم سريعاً حتى وصل لمكان سكن غزل. أخذ نفساً ودق الجرس وانتظر. فجأة فتحت له غزل وهي تنظر له باندهاش تتساءل عن سبب حضور عامر.

"محمد كلمني وقال في ورق مهم نسيه وطلب مني ابعتهوله الشركة لأنه مش هينفع يسيب الشركة دلوقت." انتظر ردها لدرجة أنه هيئ له أنها لم تفهم حركة شفتاه. فكاد أن يعيد مرة أخرى إلا أنها قاطعته عندما تحركت للداخل وأحضرت روزماتها وكتبت له أن ينتظرها بالأسفل وأغلقت الباب دون أن تنتظر رده. انعقد حاجب عامر من تصرفها الغريب ورفع كتفه وقال: "مجنونة! طلعت كمان مجنونه! بس هتجنني معاها."

أسفل البيت كان ينتظر عامر مستنداً على سيارته. هب يقف معتدلاً عندما لمحها تخرج من البيت ترتدي بنطالها الجينز وقميص قطني فوقه وتركت شعرها البني الناعم يخفي جانبي وجهها. قال لها باندهاش: "انتِ رايحه فين؟ كتبت بثقة: "لمحمد طبعاً." أجابها عامر وهو متعجب من قرارها: "مالوش لزوم انا كنت هروح بسرعه وجاي متتعبيش نفسك." هزت رأسها بالرفض. فقال باستسلام: "طيب امري لله اتفضلي."

واسرع يفتح لها باب السيارة المجاور له وانطلقا إلى وجهتهما.

في السيارة كانت غزل شاردة في يديه القابضة فوق طارة القيادة التي تظهر مدى تصلب جسده. احست من هيكله كأنه يحارب شيء يكاد لا يستطع السيطرة عليه. كانت تحاول قراءة أفكاره وتسألت "لماذا دائماً تشعر بشعور خاص اتجاه عامر لا تستطع تفسيره. فعندما تراه تشعر بالأمان والاحتواء رغم قلة كلماته التي يوجهها لها إلا انها ترى بعينيه شيء يصعب تفسيره فهو دائم الارتباك والتوتر عند رؤيتها. كيف لشاب بسنه وحجمه وشخصيته المعروفة الصارمة أن يرتبك هكذا. فهل هذا طبعاً به ام شيء خاص يخصها به؟

أفاقت من شرودها على يد عامر التي امتدت اتجاهها فانتفضت تلتصق ظهرها بالباب إلا أنها وجدته يسحب بيده اليمنى حزام أمانها ليثبته لها. لحظة، اثنان بقت على حالها حتى تستوعب ما فعله. فنظر متعجباً من رد فعلها فهو دائماً حريص على التعامل معها في إطار محدد. ولم يتجاوز معها من قبل في أي فعل أو قول. وقال وهو يوزع نظره بينها وبين الطريق: "انا اسف بس أنا حاولت أنبهك للحزام اكتر من مرة بس كنتِ سرحانه."

ساد الصمت. بينما وقعت عينيه على بنطالها الجينز الذي يظهر ساقيها بدقة مثيرة فأشاح بوجهه عنها ليستغفر ربه. لماذا لا ترتدي شيئا يخفي ساقيها أو... جحظت عيناه وقال في نفسه: "ما هذا يا الله!

هذه الفتاة ستصيبه بسكتة قلبية. كيف لم ينتبه لهذا القميص الذي يظهر بياض ذراعيها كيف تخرج بهذا الشكل. وكيف لم ينتبه من قبل. أ يستطيع توبيخها على ملابسها. هل له الحق في ذلك. كم شخص الآن رآها. وكم سيراها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يضرب طارة القيادة بقبضته بغضب."

في نفس الوقت كانت غزل تراقبه بجانب عينيها تشعر بسخونة في جسدها. راقبت ملامحه التي انعقدت ثم شقت ابتسامة شفتاه. ماذا انها انعقدت ثانية. ثم أشاح وجهه عنها.. هل هو مجنون أم غير طبيعي هل يصاب بما يسمى الانفصام يسير بشخصيتين متناقضتين. انتفضت عندما سمعت ضربة لطارة القيادة. لاحظ انتقاضها وقال معتذراً: "انا اسف سرحت شويه." هزت رأسها بسرعة بالموافقة وظلت تضم يديها في حجرها بتوتر. ثم لاحظت توقفه فجأة وهو يخلع حزام أمانه ثم

التفت لها يمد يده اتجاهها: "وصلنا هاتي الأوراق ابعتها لمحمد." نظرت ليده ثم هزت رأسها بالرفض. عقد حاجبيه وقال: "لا ليه! ما تتعبيش نفسك أنا هروح بسرعه وأرجع." كيف يبلغها أنه يحترق إذا نظر إليها شخص غيره وخصوصاً بهذه الملابس. سيجن بالتأكيد لكن هو ليس له عليها بسلطان. فانتبه لخروجها من السيارة وقت شروده. فخرج واقترب منها يقول: "مصممة؟ ردت غزال بهزة من رأسها بالإيجاب. فقال: "طيب تعالي."

صارت بجواره كالطفلة التائه الغريبة. فانتظرت حتى استفسر من الاستعلامات عن مكان محمد وتوجها للمصعد. أمام المصعد. في انتظار المصعد وضع عامر يده على جيبه ليبحث عن هاتفه فاكتشف تركه بالسيارة. فقال: "غزل معلش أنا هروح بسرعة اجيب التليفون عشان اكلم محمد وأبلغه أن احنا وصلنا وراجع بسرعة." هزت رأسها بالموافقة. وهي تنتظره داهمتها رائحة ازكمتها. أشعرتها بعدم الراحة. يبدو أن هناك من يكثر في استخدام عطره بطريقة تثير الغثيان.

فتح باب المصعد. دخلته وقررت أن تسبق عامر للطابق الذي يعمل به محمد. لم تنتبه للعيون التي تتفحصها من رأسها مروراً بجسدها لأرجلها. فدخل بعدها هذا الشخص. انكمشت بجانب الحائط تحاول عدم النظر إليه. يكفيها رائحة عطره القوي الذي أصاب معدتها بألم. ونظرت لقدمها ليختفي وجهها أكثر بين شعرها فهي حريصة دائماً على إطلاق شعرها هكذا لتخفي سماعة أذنها خلفه.

أما على الجانب الآخر استند بظهره في أخر المصعد وظل يراقبها ويراقب حركاتها وطريقة وقوفها المنكمشة وعلى شفتيه ابتسامة جانبية خبيثة. لحظة، لحظتان، ثلاثة في انتظار الطابق التي طلبته فهو لم يطلب طابقه اكتفى بطلبها هي. فتح المصعد وخرجت مسرعة لا تعرف وجهتها. كان الهواء نفذ من حولها. تحاول التنفس لتهدئ من اختناقها الذي شعرت به. أما هو فتوجه سريعاً إلى مكتبه مروراً دون توقف بسكرتيرته الخاصة يقول بطريقة صارمة دون أن ينظر لها:

"صباح الخير يا سوزان.. في وحدة هتيجي تسأل على الأستاذ محمد بتاع الحسابات دلوقت، تدخليها بس بلغيني قبل ما تدخل ومتبلغيش حد." سوزان: "أمرك يافندم." دخل مكتبه وارتخى على مقعده خلف المكتب وهو يشرد عندما لمحها عند دخوله الشركة يحدثها شخص ما وتبتسم له لينصرف سريعاً. وقال في نفسه "شكلك مش سهل ابداً، وماله أدينا بنتسلى".

"ايوه يامحمد أنا في الشركة وغزل صممت انها تيجي معايا، بس مش عارف راحت فين.. قولتلها استني قدام الاسانسير واختفت." "يعني ايه الكلام ده! اختفت فين! استنى انا جايلك." قالها محمد بتوتر. دخلت غزل غرفة سوزان وظلت لبعض الوقت صامته. فعندما انتبهت لها سوزان قالت: "ايوه يافندم محتاجة حاجة؟ كيف ستجيبها غزل الآن. ظلت تفرك بيدها للحظة ثم فتحت حقيبتها لتخرج روزماتها الورقية لتكتب ما تريد.

تعجبت سوزان من تصرفها ورفعت حاجبها للأعلى. فعندما علمت بطلبها. طلبت منها سوزان الانتظار للحظة. دخلت سوزان وعلى وجهها علامات التعجب وقالت وهي تشير خلفها بتعجب: "اللي حضرتك قولت عليها بره." قال يوسف باستنكار: "مالك بتقوليها كده؟ ردت سوزان وهي تهز رأسها: "مش عارفة.. أقصد لا مافيش." قال يوسف: "طيب دخليها، وما تدخليش حد دلوقت." قال يوسف بصرامة: –أيوه عارف وبرضه ما تدخليش حد. وقف محمد وعامر وعلى وجههما علامات الارتباك:

–طيب وبعدين إحنا دورنا في كل حتة ملهاش أثر؟ قالها محمد وهو يشد خصلات شعره، فقال عامر: –طيب اتصل تاني بيها أو ابعت رسالة. –الشبكة هنا زفت وتليفونها مقفول. قالها محمد بعصبية. عامر: –معلش في السؤال هي هتعرف إزاي إنك بتتصل؟ محمد بعصبية: –عامر! ده وقت سؤالك؟ شعر عامر بالإحراج من رد فعل محمد إلا أنه سمعه بعد وقت من الصمت وهو يقول: –فايبريشن. انتبه عامر له وعقد حاجبيه، فأكمل محمد:

–بتعمل التليفون خاصية اهتزاز عشان مش هتقدر تسمعه. هز عامر رأسه بتفهم، لقد فهم الآن. في نفس الوقت دخلت غزل للمكتب وهي تتلفت يمينًا ويسارًا في منتصف الحجرة معتقدة أنها في مكتب محمد أخيها، فهي تريد إبلاغه بشيء مهم يخص العقود التي تركها على الطاولة. بدأت تداهمها نفس الرائحة التي أزكمتها من قبل، فهزت رأسها بأنها تهذي ورجعت خطوة للخلف لتلتف حول نفسها فتصطدم بصدر بشري، لتبتلع صرختها التي خرجت منها. لقد

شل الموقف حركاتها ليقول: –ما تحاسبي، كنتِ هتقعي. حاولت التحرك إلا أن يديه التي يضعها خلف ظهرها لم تسمح لها بالتحرك والابتعاد، فبدأت بدفعه من صدره لتحاول الفكاك منه. ليصدر منها أصوات غريبة عليه، ليتركها بتسلية ويقول وهو يرفع يده عنها باستسلام: –اهدي، ما حصلش حاجة.

فابتعدت للخلف وهي مرعوبة من نظرته تريد الخروج من هذه الحجرة. فنظرت إلى الباب خلفه ففهم ما تفكر به فباغتته بتحركها بحركة كان يتوقعها فسبقها ليسد عليها الخروج من الباب. بدأت تشعر بألم معدتها من عطره القوي، حتى شعر بتوترها فزاد الأمر تسلية، ليقول وهو يمد كف يده اليمنى: –أنا المهندس يوسف الشافعي. نظرت إلى يديه دون أن تتحرك، فانتظر يوسف أن تبادله السلام إلا أنها تجاهلته. ما هذا؟ تتجاهله للمرة الثانية؟

ألم يرتقِ لمستوى الرجال التي تعرفهم؟ قطع تفكيره رفع يده ومبادلته المصافحة دون النطق بأي كلمة منها ثم سحبت يدها بسرعة. قفال يوسف وهو يضع يده بجيبه يقول: –مش هتعرفيني بنفسك؟ توترت غزل وبدأت تشعر بدوار يداهمها من عطره فأخذت تفتش بحقيبتها على الروزمانة الورقية تحت عينيه المراقبة لها. أعجبه سكونها وشعرها البني العسلي الذي يخفي جوانب وجهها كأنها تريد إخفاء نفسها من خلفه، ووجدها تخرج روزمانة ورقية تكتب بها:

–أنا بدور على الأستاذ محمد بيشتغل في الحسابات. لتقدمها له وانتظرت رده. اشتعل غيظًا من تجاهلها لسؤاله وقال باستنكار: –وإنتِ مين بقى عشان نبلغ البيه بضيوفه؟ –شعرت غزل بدوار يداهمها أكثر والرؤية بدأت تتلاشى فتحاملت لتكتب اسمها بصعوبة: –غزل.

ومدت يدها ليقرأ اسمها، لتنكب على وجهها وتسقط الروزمانة فيلحقها بذراعه قبل أن ترتطم بوجهها على الأرض ليسقط رأسها على صدره وذراعه تحيط بها يحاول إيقافها. حملها ليمددها على أريكة جانبية بالمكتب وهو يحاول أن يستغل هذه الفرصة لمراقبة ملامح وجهها التي يخفيها خلف شعرها فمد يده ليزيح شعرها المبعثر عن وجهها ليرى وجهًا دائريًا وبشرة بيضاء كالحليب وأهداب كثيفة بنية ملامحها قريبة من الأتراك ولكن جسدها ضئيل رغم انحناءاته

الأنثوية، فهو يرى أنثى بجسد طفلة. حاول ضرب وجنتها بأصابعه بقوة ليفيقها من حالة الإغماء التي انتابتها فلم تستجب. استقام ليقترب منها حتى يرفع رأسها لأعلى قليلًا فلفت نظره طرف شيء أحمر أعلى صدرها أسفل عظمة الترقوة فمد أصابعه ليستكشف ما هذا ليتضح له كلما رفع طرف قميصها اشتعل بقعة باللون الأحمر أكثر فأكثر ليجد بما يسمي بوحمة حمراء تشبه الفراولة صغيرة في حجم العنبة فابتسم بخبث وهو يكتشف سرًا من أسرارها.

–بالخارج أمام مكتب سوزان وقف محمد بتوتر هو وعامر يسأل سوزان: –مافيش حد سأل عليا هنا يا سوزان؟ أجابته في أثناء دخول شادي عليهم وتعجب من وضعهما: –آه في بنت من ربع ساعة جت سألت عليك وهي عند البشمهندس يوسف جوه. –رد محمد بعصبية: نـــعم! فندفع الثلاثة للداخل في لحظة واحدة، وعند رؤيتها ممددة وأعلاها يوسف.. صرخوا بصوت واحد: –غــــزل.

رفع يوسف رأسه ليشاهد هجوم الثلاثة عليه ودفعه من جانبها، فهو كان يحاول إفاقتها. وقف ذاهلًا مما يحدث وزاد تعجبه من شادي. أضمت شادي لقائمتها الذكورية؟ كيف تعرف عليها؟ رأي محمد يجلس أرضًا على ركبتيه ويضرب بتوتر على خدها بأصابعه يحاول إفاقتها وينادي عليها بصوت ملتاع متألم: –غزل.. غزل ردي عليا يا حبيبتي.. غزل.. غزل. قاطع كلامه صوت رجل لأول مرة يراه، لا بل رآه معها أمام المصعد يقول بتوتر: –مافيش برفان هنا؟

مش هينفع نستنى كده شيلها يا محمد نوديها للمستشفى. رد شادي: –شيلها يا محمد وأنا عارف مستشفى قريبة هنا. رفع يوسف حاجبه باستنكار وقال في نفسه "حتى أنت يا شادي". –وجه عامر نظره إلى يوسف فامسكه من مقدمة قميصه ليهزه بعنف: –إنت عملت فيها إيه؟ وربي لأقتلك.. انطق عملت إيه؟ يوسف: نزل إيدك يا حيوان أنت.. إنت اتجننت. شادي اقترب ليفك النزاع: –سيبه يا عامر.. خلينا نشوفها الأول مالها، مش وقته اللي بتعمله. –انتبه الأخير وعامر

ويوسف لمحمد وهو يقول: –غزل حبيبتي إنتِ كويسة؟ –حاسة بإيه؟ حد عملك حاجة؟ ووجه نظره ليوسف بتحدي. هزت رأسها بضعف بلا. توجه يوسف ليرفع سماعة الهاتف ويقول: –سوزان كوباية عصير وكوباية مايه بسرعة. كانت تجلس ترتشف العصير بين محمد الذي يحيطها بذراعه وعامر الذي لم يتوقف عن هز ساقه وإلقائه بنظرات حادة فيبادلها يوسف ببرود وشادي الذي ينظر لها بإعجاب مخفي، والكل يحدثها وتنظر لهم عند حديثهم بشدة لشفاههم كعادتها بفم منفرج.

ولكن ما أثار تعجبه أنه لم يستمع إلى ردها على أي واحد منهم، تقوم بتحريك رأسها فقط وهم ليسوا معترضين. وجدها تبحث عن شيء بتوتر ثم أخرجت هاتفها تكتب عليه فيقرأ محمد ويقول: –دفترك ضاع.. مش مهم أجيب لك غيرها. استغرب يوسف من هذا الوضع وتسال في نفسه "ليه ما بتتكلمش؟

ثم بحث بعينه بالغرفة ووجد ضالتها فانحنى والتقتها ثم تصفح بعض أوراقها فعقد حاجبه بتعجب مما رآه، هناك بعض الكلمات والجمل غير المترابطة تملأ هذه الروزنامة فصار يشك في أمر ما، ليمد يده بها إليها وتأخذها مسرعة. وتكتب بها شيء لمحمد، أما يوسف بدأ يتأكد من شكوكه.. إنها بكماء لا تتحدث. نظر لهم ذاهلًا مما اكتشفه ووصل إليه ومسح بيده على شعره بسبب صدمته. إنها لم تتجاهله.. وإنما لم تستطع الرد عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...