ترفع عينيها للمرآة المقابلة لها لتصدم من رؤية ملامحها التي اختفت تحت آثار الكدمات وجرح شفاها. تتساقط دموعها لتختلط بدماء وجهها حسرة على حالها. فتنتفض عند سماع صوت طرقاته القوية يتوعد. عندما أنهى حديثه مع الموظف، التفت يبحث عنها ليتفاجأ بعدم وجودها ويلاحظ إغلاق باب الحمام. يطرق بتوعد عليه يقول بغضب:
–افتحي.. افتحي الباب.. لازم أعرف مين.. عامر.. ولا حد تاني غيره.. افتحي الباب بقولك بدل ما أكسره.. تقى كان عندها حق طلعتي وسـ** وأنا المغفل اللي خدعتيه.. يوسف الشافعي واحد فا** زيك تخدعه.. افتحي. يخرج صوتها بتوسل: –أقسملك ماعملت حاجة.. أنا مش فاهمة حاجة.. أرجوك يا يوسف. –ماتحبيش إسمي على لسانك الو** ده. أنا اسمي ماتشيلوش واحدة زيك.
تشعر بتسارع ضربات قلبها وازدياد الدوار وانعدام الرؤية مع سماعها لسبابه وتوعده المستمر لها بالقتل. تحاول الاستناد بيدها على حوض الوجه فتفلت يدها لتمسك الهواء ويختل توازنها لتصطدم جبهتها بحافته وتسقط أرضا غارقة في دمائها. يسمع صوت ارتطام قوى كالانفجار من الداخل ليقترب مع انقباض قلبه: –افتحي.. غزل.. افتحي بقولك.. افتحي مش هاجي جنبك.. مش هعملك حاجة.. متخلينيش أكسر الباب.
فيزداد انقباض قلبه أن تكون فعلت بنفسها شيء أو أقدمت على الانتحار. وعند هذه النقطة بدأ بضرب الباب بكتفه عدة ضربات لينفتح ليجدها ساقطة أرضا تحت رأسها بركة من الدماء. ليسرع في حملها للخارج بخوف من منظرها ووجهها الذي غطى بالدماء. يحاول إفاقتها بالضرب على وجهها ولكنه لم تأتيه إجابة منها. يجري يبحث عن هاتفه ليتصل بأخيه ويقول برعب: –يامن الحقني بسرعة.. هات عربية اسعاف.. غزل بتموت. يامن بإنتقاضة:
–في ايه.. إيه اللي حصل.. هببت ايه الله يخربيتك. –مش وقته.. غزل هتروح مني. قالها يوسف بصراخ. فيستقيم يامن يحاول ارتداء ملابسه يقول: –يوسف اسمعني كويس.. تروح بيها على (..... دي أقرب مستشفى ليك.. عربية الإسعاف هتتأخر.. وأنا هتصل بالمستشفى أبلغهم بوصولك وأنا جاي حالاً. يدخل بها من باب الطوارئ محمولة بين ذراعيه مغرقة إياه بدمائها ليصرخ بهم: –حد يلحقها.. هتروح مني.
ينتشلها أحد الأطباء من يده ويساعده أحدى الممرضات في وضعها على الفراش المتحرك. ليسمع صوت الطبيب يقول: –جهزوا العمليات.. الحالة نزفت دم كتير. وعند استعداده للانصراف وجد من يتشبث بذراعه يقول: –هتبقى كويسة.. –تقرب إيه للحالة.. يوسف بدموع: –جوزها. يجرى بين أروقة المستشفى يبحث عنه فتقع عينيه عليه يجلس على أحد المقاعد يضع رأسه بين يديه. ليقول لاهثاً: –إيه اللي حصل يايوسف.. غزل مالها. يرفع عينه بإرهاق يقول:
–هي جوه في العمليات.. الدكتور بيقول نزفت دم كتير. ليندهش يامن من حديثه: –نزيف! هو أنا عملت ايه بالضبط فهمني.. اوعى تكون اتغابيت معاها و..و.. لم يستطع يامن توضيح كلامه أكثر من ذلك لقد أخذت أفكاره اتجاها آخر غير الحقيقة. فيتفاجأ ببكاء يوسف وانهياره فيجلس بجواره يربت فوق ظهره ليسمعه يقول: –طلعت خاينة يا يامن.. طلعت خاينة وأنا اللي صدقت براءتها وطلعت مغفل. ليصدم من حديث أخيه الغير مفهوم:
–إيه اللي انت بتقوله ده.. أنت إزاي تتهمها بحاجة زي دي! أنت اتجننت. فيسمعه يقص عليه ما حدث بينهما بعيون جاحظة لينتفض صارخاً بوجهه: –انت اتجننت إزاي واحد متعلم زيك يستعجل في الحكم بالشكل ده.. سيبت ايه للجهلة.. ده الجاهل ما يعملش كدة.. ازاي تشك فيها. ليصرخ يوسف بانفعال: –قولتلك مطلعتش بنت.. عايزني أتأكد ازاي أكتر من كده.. ليقطع حديثهم خروج الطبيب منفعلأ بوجه غاضب فيقترب منه يامن بلهفة: –طمني عليها.. هي كويسة..
–أنت تقرب ايه للحالة اللي جوه.. –انا الدكتور يامن اللي كلمك الدكتور حسام عشان تستقبلوا الحالة وأكون إبن عمها. الطبيب بعملية: –الحالة اللي جوه وصلت مضروبة ضرب مبرح ولازم يتعمل محضر بالكلام ده.. ده أولاً.. ثانياً الحالة لما دخلت اتبلغت ان جوزها اللي جايبها ولما كشفت عليها دكتورة النسا لقيناها عذراء تبقى متجوزة ازاي.. ليصدح صوت يوسف بصدمة لا يعلم سببها هل سعادة لبراءتها أم حزن على ماصدر منه:
–أنت بتقول إيه.. نت متأكد من اللي بتقوله ده. ينظر له الطبيب بارتياب بسبب الدماء التي تلطخ ملابسه: –مين حضرتك.. يامن محاولا تهدئة الوضع: –ده.. يبقى جوزها. فيمرر الطبيب نظره بينهما بضيق حيث فهم الأمر ويقول: –انت اللي عملت فيها كده عمومأ! يادكتور يامن احنا هنكتب تقرير بالحالة عشان حق المريضة ما يروحش. ثم يوجه حديثه ليوسف المصدوم بقرف يقول: –وأنت!
دكتورة النسا اللي كشفت عليها تبقى تروحلها.. أكيد فاهم ليه.. طبعاً ..عن اذنكم. يتركهما وهو يسب ويلعن في أمثاله من الجاهلين. ليلتفت له يامن بغضب: –سمعت يا بيه بودانك.. طبعاً لو أنا اللي كنت قولتلك كنت كدبتني وصدقت نفسك وشكوك بس.. أنت عمرك ماهتتغير هتفضل تأذي اللي حوليلك زي الدبة اللي بتقتل صاحبها.. يوسف! ده اخر كلام عندي انت وغزل ماتنفعوش لبعض سيبها لحالها.. لانك بقربك ليها هتدمرها.
يوسف بشعور مختلط لا يعلم أيسعد لبراءتها ام يحزن لظلمه لها.. لقد كاد أن يقتلها بتهوره. ليقول يوسف: –مش مهم اللي انت قولته ده.. أنا كل اللي يهمني انها طلعت بريئة مش خاينة.. مش خاينة يا يامن. –انت فاكره انك بعد اللي صدر منك هي هتقبل تبص في وشك حتى.. ليمسك يوسف أخيه من مقدمة قميصه يقول بين أسنانه: –يا أخي ارحمني.. هو أنا مش اخوك.. حس بيا والمصيبة اللي أنا فيها.. سبني افكر هحلها ازاي..
فيشعرا بفتح باب العمليات ليشاهدا خروجها على الفراش المتنقل ليجري كلاهما عليها. يقول يوسف بتوسل: –غزل.. غزل.. حبيبتي ردي عليا ياقلب يوسف.. هي مابتردش ليه.. لتقول الممرضة: –هي تحت تأثير المخدر.. شوية وهتفوق احنا هننقلها غرفتها وشوية الدكتور هيجي يطمن عليها. ليتحرك الفراش بها ويختفي تحت أنظاره النادمة خلف غرفتها. يسير بأروقة الشركة بضيق حاملأ بعض الملفات.
لقد أصبح حمل العمل على عاتقه بعد انشغال يوسف مدة طويلة لتجهيز الزفاف ومدة شهر العسل كفيلة أن تفقده أعصابه فيما بعد. ليرفع نظره ليراها من بعيد تودع محمد وتهم بالانصراف فيجد نفسه يهرول للحاق بها قبل دخولها المصعد ولكنه فشل في اللحاق بها. ليقف منفصلا عن العالم للحظات ينظر للفراغ بعيون مفتوحة لإيجاد إجابة للسؤال الذي دار بعقله. لما كان ملهوفا لإيقافها والحديث معها.. ليحك رأسه بغباء ويعود متجهأ لمكتب محمد.
–السلام عليكم.. ممكن ادخل.. قالها شادي بعد ان دخل وجلس أمام المذهول من تصرفه. ليبتسم محمد: –هو أنت بتستأذن بعد مابتقعد.. عموما ياسيدي اتفضل. شادي بحرج: –معلش يامحمد.. مش مركز شوية.. انت اخبارك ايه.. هتجوز انت وسوزان امتى.. محمد بضيق: –والله ياشادي مش عارف في حبة حاجات لسه معطلانا. –ربنا يكملكم على خير.. قولي أنا لمحت حد كان عندك من شوية! محمد وهو مشغول بالحاسوب:
–آه اه دي سمية.. انت شفتها في خطوبة تقى كانت غزل سايبة معايا راتبها وجت تاخذه.. عشان هي اجازة اليومين دول بسبب الاختبارات. –هي شغالة عندكم بقالها كتير.. محمد بتعجب من حديثه: –سمية! مين قال ان سمية شغالة عندنا.. صديقة العيلة.. مش شغالة عندنا. شادي: –مش فاهم.. الحقيقة ترابطكم معاها في شيء غريب أنا مش فاهمه. محمد بانتباه:
–سمية دي واحدة من الأسرة.. والدها الحاج رضا كان صديق والدي الله يرحمه من زمان وسمية كانت بتيجي واحنا صغيرين تلعب معانا. ليلاحظ إهتمام شادي بالحديث وتعجبه من كلامه ليكمل ويقول: –شوف قصة سمية قصة طويلة وقصة مأساوية.. حابب تسمعها. ليهز شادي رأسه باهتمام. فيقول محمد وهو يلاعب قلمه:
–الحاج رضا صديق والدي تاجر مصنع خشب كبير وكان شريكه اخوه.. كان ميسور الحال جدأ.. لحد ما فيوم اكتشف تلاعب من اخوه واتخانق معاه بعدها اخوه زور أوراق بان رضا باع له نصيبه.. سمية ماسكتتش هددت انها تطعن بالتزوير.. جه عمها ساومها وقال تأخذ نصيبها لو اتجوزت ابنه شريف. شادي باهتمام: –ووافقت..
–لا طبعأ.. وده اللي سبب اللي حصل بعد كده.. فيوم عم رضا وسمية ومراته كانوا راجعين من فرح طلع عربية نقل قدامهم خلت العربية اتقلبت اكتر من مرة .. ومفيش حد خرج سليم منها وللأسف توفت الحاجة وسمية هي اكتر حد اتأذى في الحادث.. فضلت تقريبًا مدة بين العمليات وتركيب مسامير وشرائح في إيدها ورجلها والعلاج الطبيعي مدة كبيرة بتعاني. لدرجة إن عم رضا باع كل حاجة عشان علاجها، إلا شقتهم اللي هي باسم سمية، رفض يبيعها.
يظهر التأثر على شادي الآن، وضح الأمر أمامه ليقول: –يعني تقصد تقول إن الحادث مدبر! –طبعًا. ليجلي شادي صوته يقول: –أنا فعلًا استغربت من مستوى عيشتها ومعاملتكم إنها واحدة منكم. –فعلًا واحدة مننا. –شكرًا يا محمد.. أنت كده قطعت عليا نص الطريق. *** أمام العناية المركزة يقف بملابسه الممتلئة بدمائها، مستندًا على زجاج الغرفة برأسه، شارد في ملامحها اللي اختفت تحت أثر الكدمات. بيصل لجسدها كتير من الأسلاك. فيجد
من يربت على كتفه ويقول: –كفاية يا يوسف وقفتك كده ملهاش لازمة.. روح غير هدومك.. وكمان إحنا لازم نبلغ عمي لأن شكل موضوعها هيطول. يوسف باندفاع: –لا.. ماتقولش لعمي! ممكن يجراله حاجة.. أنا هتصل بيه أقوله إننا سافرنا.. آه سافرنا في أي حتة وكده كده هو كان مسافر عشان اللي أنت عارفه.. ماشي يا يامن اتفقنا مش هنقوله لحد ما تقوم غزل بالسلامة. –مش عارف أقولك إيه بس.. هقوله إنك سافرت بس بشرط تروح تغير هدومك دي يلا روح.
–حاضر حاضر هسمع الكلام. فينصرف يوسف بسرعة ويترك يامن خلفه شاردًا. ***
يقف منتظرًا أمام باب الجامعة على رؤيتها. لا يعلم عدد المرات التي وقف فيها منتظرًا ليراها تشرق من باب الجامعة، تسير بخجل بملابسها الفضفاضة وحجابها يزين رأسها. آخر ما كان يتوقع أن يقع في حب فتاة محجبة. يقطع تفكيره اقتراب شاب عشريني منها. في بادئ الأمر اعتقد أنه شخص سمج يعاكسها، إلا أن وقفتها له وتحدثها معه جعلته ييقن أنها تعرفه. ليقبض على مقود السيارة بشده منتظرًا انتهاء هذا المشهد. فيجدها تلوح بيديها أمام وجهه ويظهر على وجهها علامات الغضب. ما الذي أغضبها من هذا السمج؟
ليتحول الأمر فجأة لصدمة. صدمة ما شاهد وصدمتها في آن واحد عندما تطاول هذا السمج عليها ولطمها لطمة قوية، كفيلة أن تشعله. ليمد يده يأخذ شيئًا من سيارته ويتجه مندفعًا بغضبه لهذا الوقح. ليرفع مسدسه أمام هذا السمج ويقول بصوت غاضب: –هي أمك معلمتكش إن الستات ما بتضربش؟ لتقف مذهولة من ظهور شادي المفاجئ مدافعًا عنها، ليحدثها قائلًا: –اركبي العربية. لتهتز حدقتها باضطراب. فيقول شريف: –أنت مين أنت؟ وإيه اللي دخلك هنا؟
–أنت اللي زيك يخرس خالص عشان ما تروحش لامك على حتتين. سمية بخوف: –لو سمحت نزل المسدس ده أنا مش عايزة فضايح. –الحيوان ده عايز منك إيه؟ شريف بشياقة مصطنعة: –أنا ابن عمها وخطيبها، أنت بقى بتدخل بصفتك إيه؟ لتصرخ سمية: –كداب.. آه ابن عمي بس مش خطيبي.. هو الجواز بالعافية يا أخي. شادي ببرود: –امشي يلا من هنا بدل ما أعلمك الأدب. فيفضل شريف الانسحاب مؤقتًا، ليوجه حديثه لها: –أنا ماشي.. بس هتشوفيني كتير يا سمية.. سلام.
ليقود سيارته بسرعة مخلفًا خلفه سحابة من الأتربة. –اركبي. سمية ببعض الشجاعة: –لا شكرًا أنا.. يقطع حديثها بهسيسه الغاضب: –أنا مش هكرر كلامي.. اركبي.. بدل ما والله أشيلك وتبقى فضيحة بجد. لا تعلم لما لبت رغبته، هل ضعف أم خوف أم شيء تجهله. –هو السخيف ده ابن عمك بجد؟ –أيوه طبعًا يعني هكون كدبت. –لا أبدًا بس بيقول إنه خطيبك. وازاي تسمحيله يمد إيده عليكي؟ أنا كنت شوية وهضربه. –لا مش خطيبي.. ممكن توقف العربية لو سمحت هنا.
–ليه رايحة فين؟ –لو سمحت وقف العربية.. وشكرًا لخدمات حضرتك. شادي بتحدي: –لا. سمية بخوف: –يعني إيه لا! لو سمحت أنا عايزة أنزل. ليوقف السيارة، فتحاول فتح الباب لتجده مغلقًا وترتعب. –الباب لو سمحت. ليواجهها بجسده يقول: –ممكن نتكلم شوية؟ انتي قلقانة ليه؟ أنا بقالي مدة بدور عليكي ومش لاقياكي، حتى فرح غزل كنت مستنيكي! سمية بتوتر: –وليه كل ده؟
كان يحاول اختلاق أي شيء لتبقى أكثر وقت معه، لتشرد عينيه على حجاب رأسها وعيونها البنية. فهي جمالها بسيط أو أقل من البسيط، ولكن بها شيء مختلف لا يعلمه. –أستاذ شادي.. أنا بكلم حضرتك. شادي بانتباه: –آه.. كنت بقول إن كنت بدور عليكي عشان في حاجة نسيتيها معايا. ليدخل يده في جيب سترته ويخرج منها هاتفها المتنقل الصغير ذو الأزرار، ويمد يده به لها. سمية باندهاش: –تليفوني! حضرتك لقيته فين؟ شادي بابتسامة:
–شكلك نسيتي إني وصلتك قبل كده، والحقيقة انتِ نسيتيه معايا يوميها. –شكرًا لحضرتك.. عن إذنك. ليتهور ويمسك ذراعها، فتمرر نظرها بين يديه ووجهه بصدمة. –استني أنتِ مستعجلة ليه؟ –شيل إيدك لو سمحت. ليرفع يده بصدمة ويقول: –أنا آسف أنا فعلًا آسف ما أقصدش. قوليلي بس عايزة تروحي فين وأنا أوصلك.. وما تقوليش لا عشان مش هسيبك تنزلي. سمية بغضب: –بالعافية يعني؟ شادي بخبث: –بالرضا.. كله بالرضا. ***
يجلس بجوار سريرها بالمستشفى، يراقب ملامحها التي اختفت خلف كدماتها. أكثر من أربع ساعات وهو على نفس الوضعية، منتظرًا إفاقتها حتى يقدم لها اعتذاراته، لعلها تغفر له خطأه. أثناء انتظاره كانت تهتز حدقتها بشدة كأنها تصارع شيئًا خفي، وتصدر منها أنين منخفض. ليتساءل هل تتألم؟
حاول أخيه كثيرًا أن يثنيه عن قراره بالانتظار جوارها، خوفًا من رد فعلتها عند رؤيته بعد الإفاقة. ليتركه ويعود إلى الفيلا لتبديل ملابسه والاطمئنان على ملك وعمه. أثناء شروده بوجهها لاحظ سقوط خصلات شعرها على عينيها، فتحجب عنه رؤيتها.
ليقترب منها بهدوء ويجلس بحوارها على السرير حتى يزيح الخصلة المتمردة من فوق عينيها. ويمد يده ويقوم بمسك يدها المتصلة بالمحلول، فيشعر بعد لحظات بغلق أصابعها على كفه، كأنها تستمد منه القوة والأمان. ليهمس لها: –غزل! غزل! أنا جنبك ومش هسيبك.. أنتِ سامعاني؟ فوقي وملكيني.. ماتسبينيش أتعذب كده ارجوكِ.. قومي اتخانقي معايا.. اشتميني.. بس سامحيني.
ليقترب إليها ببطء ويطبع قبلة طويلة فوق جبينها ويبتعد عنها. لتلاقي عينيه البنية بعينيها الرمادية، فتهتز حدقتيه بتوتر ويقول بصوت متألم: –أنتِ صحيتي؟ فيُرفع يدها ويقبلها أكثر من قبلة ويكمل: –أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟ فيطول صمتها ليقول: –طمنيني عليكي.. أنتِ مش عايزة تكلميني عليكي؟ ليلاحظ أثناء حديثه صمتها المخيف مع ثبات حدقتها بدون حركة، ووجهها الجليدي الذي يفقد أي انفعال. ليقول بتوتر:
–غزل ردي عليا.. أنا عارف إن اللي عملته فيكي شيء صعب.. بس اعذريني أنا كنت هتجنن ومش مستوعب إزاي تكوني... تكوني... غزل ردي عليا طيب قومي زعقي واشتميني.. بس ما تبصيش كده. ليشاهد تحرك حنجرتها بسبب ابتلاعها لريقه بصعوبة. فيخرج صوتها بصعوبة: –عطشانة.. عايزة ميه. ليقفز يوسف من جوارها ويجلب لها كوب المياه، ويحاول إسنادها بذراعه ويقرب المياه من شفتيها، ويسندها مرة أخرى على السرير بعد الانتهاء. فتغمض عينيها وتقول بصوت يكاد
أن يسمع بصوتها المتألم: –أنا عايزة أنام! ليربت على رأسها ويقول: –نامي يا حبيبتي.. نامي وأنا جنبك. ظل يراقبها وهي على فراشها، يلاحظ أوقات تعبس وتتشنج فيقترب منها مسرعًا ليهدئ ارتعاشها بضمها لصدره، وأوقات يجدها تبتسم كأنها ترى شيئًا يسعدها، فيبتسم بدوره لابتسامتها. ليسأل نفسه هل بالفعل أحبها كل هذا الحب؟ أم أنه موهوم بحبها؟ وهل كانت ثورته عليها بسبب غيرته أم لأنه شعر بجرح رجولته وعلى كل زوج شرقي أن يصدر منه نفس التصرف؟
أم لأنه شعر أنه تعرض للخداع للمرة الثانية، وهو من أقسم ألا يسمح لمن تخدعه مرة أخرى؟ فيقفز أمام عينيه صورة تقى في بداية معرفته بها، وهي تعد له مساوئ غزل التي لا تحصى. يشعر أنه إذا رآها سيقتلها على ما قالته، والذي رسخ لديه فكرة لا يستطيع محوها مهما حدث. يدخل يامن بهدوء، ويقترب منه يقول: –ما صحيتش لسه؟ ليغمض يوسف عينيه بإرهاق ويرجع رأسه للخلف ويقول: –صحيت تلت مرات، كل مرة تطلب ميه وتنام تاني. ليربت يامن على كتفه ويقول:
–معلش يا يوسف، أكيد اللي حصل مش سهل ولازم نتوقع أسوأ فعل منها.. أنا كنت خايف لما تفوق وتشوفك تنهار ومانقدرش عليها. ليوُجه يوسف نظره لأخيه ويجيبه: –أهو أنا دلوقتي قلقان أكتر من الأول.. ثباتها وعدم انفعالها عليا ده مش مطمني.. مش قادر أفكر وأقدر أستنتج هي ناوية على إيه؟ يومئ يامن رأسه بتفهم ويقول: –متقلقش، أنا مش هسيبها بس يا ريت الفترة دي تبعد عنها لحد ما نشوف الأمور هتوصل لإيه.
–لا طبعًا مش هسيبها.. حتى لو هي طلبت ده.. أول ما تفوق أنا هاخدها معايا، أنا عندي شاليه في الساحل هاخدها تقضي يومين هناك. –في الساحل؟ آه يا نمس.. أنت مقضيها بقى. يوسف بحدة: –يامن بالله عليك مش فايقلك، محدش يعرف موضوع الشاليه غيرك، يعني تقفل البلاعة. –وأنت فاكر إنها هترضى تيجي معاك؟ يوسف بخبث: –هتيجي إن شاء الله هتيجي. ***
ينظر إلى الأوراق أمامه لا يفقه منها شيء، كأن الكلمات والسطور مُحيت من الأوراق وتركت الصفحات بيضاء. يجلس على هذا الوضع من أربع ساعات لا يستطيع التركيز. فالمشهد المخجل يتكرر أمام عينيه مرات ومرات. ومع أنه يستحق ما حدث له، إلا أنه سعيد بهذه الصفعة التي هزت كيانه، رغم قوة الصفعة التي صدرت من كيان أنثوي هش، لتجعله يبتسم بشرود كلما تذكر. هل وصل به الحال أن يحب الإهانة؟ أم هذه الصفعة لها رأي آخر، كأنها تداعبه.
لم يدرِ كيف أتته الجرأة على محاولة تقبيلها بسيارته وسط الطريق العام، بعد أن رفض نزولها منه وأصر على توصيلها للخالة صفا. لكنه لم يشعر بنفسه إلا وهو ينظر لعينيها الساحرتين، ليراقب بعدها شفتيها المتفجرتين، ويفقد السيطرة على نفسه ويهجم عليها ليقبلها بدون وعي، كأنه يلبي نداءهما. لم يشعر بمقاومتها العنيفة له، في محاولة منها لإبعاده، لتضربه ضربة قوية بصدره، وتليها صفعة قوية من يدها الصغيرة.
ليثبت بعدها مذهولاً، أحظ العينين من تصرفه المخجل. ليفيق مرة أخرى على صراخها في وجهه بأن ينزلها من سيارته، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يحرر قفل الباب الموصد دون أن ينبس بكلمة. لتفر من جواره هاربة. ليجذب هاتفه المحمول ويقوم بالبحث عن اسمها من القائمة ويضغط على زر الاتصال. لينتظر شادي إجابتها، يريد أن يستمع لصوتها ويطمئن على حالها. سمية: السلام عليكم. شادي: ...... سمية: الو.. مين معايا؟ شادي يبتلع ريقه بصعوبة ويجيب:
سمية.. أنا آسف. لتجحظ عيناها وتتسارع أنفاسها، وتسرع في غلق هاتفها، لترفع عينيها بمرآة بمدخل شقة الحاجة صفا، لتجد احمراراً شديداً بعينيها نتيجة البكاء المستمر بسبب ما حدث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!