أجفلت فرقعات أصوات الأسلحة فريق المعتدين بينما تأهبوا الجزارين لعراك دموي، لولا صوت "رزق" الذي جمد كل شيء بلحظة: -ورزق الجزار جالك أهه يا حسين.. بشحمه ولحمه! ينقسم صف الجزارين الآن ليظهر "رزق" من خلفهم بقامته العملاقة وهامته المتزنة. أقبل بثبات واثق وهو يستطرد بتجهم: -دلوقتي عايز تشوف مين فينا مرى صح؟ ارتعش المدعو "حسين" من شدة الغضب، وما لبث أن أشهر فرده الخاص بوجه "رزق".. إلا أنه شعر فوراً بقبضة تعترض مسار يده.
نظر فوجده "مصطفى" الذي أخذ يعتصر المعصم المحبوس بقبضته، بينما تعتلي عينيه نظرات فتّاكة وهو يتمتم بنعومة خطرة: -تؤتؤتؤ.. كده تتعور يا شبح! *** في هذه الأجواء المضطربة، لم يثني مطلق شيء "ليلة" عن خطتها الوقائية لحماية نساء عائلتها، حيث أنها تجاهلت تعليمات زوجها واصطحبت ضرتها وطفلتها مع بقيّة النساء إلى ذاك القبو.
القبو الذي سجنت فيه والدة زوجها من قبل أشهر حتى مماتها. قابلتها مشكلة واحدة فقط، وهي كيف عساها أن تنقل جدتها القعيدة إلى الأسفل؟ لكنها كالعادة امرأة المستحيل، المرأة التي يعجزها ولا يقهرها شيء. حملتها بعزم قواها ووضعتها بالمقعد المتحرك خاصتها، ثم أنزلتها إلى القبو وسلمتها لكلٍّ من "هانم" و "عبير" ثم خرجت وأقفلت عليهن جيداً متجاهلة نداءاتهم، مركزة فقط على أصوات العراك بالخارج وتمييز اسم زوجها يتردد كثيراً.
تحسست خصرها وتأكدت من وجود سلاحها... *** واجه "رزق" وإخوته ورجاله أبناء "السويفي" ورجالهم. لم يشهر أحدٌ منهم أي أسلحة بوجوه الآخرين بعد، في انتظار الإشارة فقط من أسيادهم. -إللي عملته في عاصم قليل على إللي هاعمله فيك إنهاردة يابن الجزار! .. قالها "حسين السويفي" محدقاً بعيني "رزق" بثقة من شأنها أن تزعزعه. لكنه تفاجأ به يضحك ويصفّق لافتاً جميع الأنظار المدهشة صوبه، ثم رد عليه باريحية وبشاشة عجيبة:
-برافو. برافو.. اسمعوا يا جزارين. اسمعوا كلكوا يا رجالة. حسين السويفي أدى كلمة دلوقتي ووعدني ان هايتعلم عليا إنهاردة. لأ بجد برافو. محدش عملها قبلك. محدش اتجرأ وهددني قبل كده. والكبيرة كمان هنا. على أرضي. وسط أهلي ورجالتي. اشهدوا كلكوا. رزق الجزار هايقع إنهاردة... ثم هدأ تدريجياً وتحدث إليه بجدية: -بس بجد يا حسين. لو يعني عملنا قاعدة كده. أو أنا مثلاً اترجيتك تسامحني... -إيـــــــــــــه إللي بتقــولـه ده يـا رزق؟
.. تدخل "علي الجزار" مقاطعاً بحمية عنيفة. أمره "رزق" بهدوء دون أن يرف له جفن: -اكتم يا علي! ولم يكن بحاجة لتكرارها أو الحديث بعدها، فقد بدا التفكير على خصمه، وإلتمعت عيناه بالشر والإغراء. رغم أنه علم بأن صدى طلبه لم يُسمع لديهم وأنهم سيغدرون لا محالة، لكنه انتظر رده... لتكون كلمات "حسين" باللحظة التالية خاملة تضمر الخباثة لا غيرها: -تركع قدامي وتبوس جزمتي! جايز. وممكن بعدها يبقى لينا كلام..
أومأ له "رزق" وتظاهر بجدية تامة أذهلت الرجال والأهالي، ثم قال: -يعني أنا لو ركعت قدامك وبوست جزمتك. على الأقل مش هاتموتني ولا هاتئذي نفر من عيلتي ورجالتي صح؟ جاوبه "حسين" كاذباً: -اعتبره وعد! أومأ له "رزق" ثانية، موحياً له بالموافقة وقال: -تمام. لو نفذت كلامك دلوقتي كل الحي يروحوا يـ... على قبر أبويا!!
مع تتمة عبارته تماماً، بدأ الأهالي في الضحك الشديد والتصفيق لرد زعيمهم المفحم. بينما يحمر وجه "حسين" غضباً مستطيراً وهو يستمع لتهديد "رزق" الأخير القاطع: -قدامك دقيقة واحدة تجمع شوية العيال بتوعك دول وتغور من هنا. دقيقة وثانية لاقيتك قصادي. وعزة الله. تحصـ... ـل أخوك!
أخذ "حسين" يهتز من الغضب، وفتح فاهه متنوياً الانفجار بالشتائم والسباب، لكنه لم يلحق. لم يُقدر له استنشاق نفساً آخر، إذ حدث بلمح البصر إشهار سلاح "رزق" بوجهه وإطلاق رصاصة واحدة بين عينيه أخرسته إلى الأبد. بمجرد أن سقط ابن "السويفي" الثاني على يد "رزق" إنتاب ذويه ورجاله حالة من الجنون. استلوا أسلحتهم بوجه "رزق" ورجاله، الذين فعلوا نفس الشيء بدورهم وبدأت المعركة الوحشية. *** لولاها هي.
ولأكثر من مرة، كان ليسقط "رزق" قتيلاً، وكان هو نفسه مشدوهاً، كيف نجا؟ لم يكن يعرف بالجندي المجهول الذي يقف في ظهره، يدرأ عنه رصاصات الأعداء، ويردي كل من يحاول أن يمسه. من مكانها في نقطة ما بجوار البيت، بيدها قتلت "ليلة" وحدها أكثر من خمسة أشخاص دفاعاً عن زوجها. وفي الأخير ظهرت له، بعد أن اكتظت الساحة بالقتلى والدماء المنداحة قد شكلت بركة وفاحت رائحتها بكثافة.
أدرك على الفور وهو يراها أمامه والسلاح بيدها بأنها كانت هي، البطلة، بطلته. كان كالمعتاد غارقاً بالدماء، دماء اعدائه، لكن هذا لم يبعث فيها أي مخافة أيضاً. مشى صوبها عابس الوجه. ظنت بأنه سيوبخها، لكنه في الحقيقة شدها إلى صدره وقبض على جانبي رأسها بكلتا يداه مقرباً وجهها لوجهه ليقبلها على فمها مطولاً وبقوة.
فعلته هذه ربما سببت بعض الحرج للرجال من حولهم، لكن بقية الأهالي وإخوته سعدوا كثيراً لمرور لحظة ناعمة كتلك بعد كل ما جرى هنا من عنف وقتل. بادلته "ليلة" القبلات على مرأى من الجميع مطوقة عنقه وقد تركت سلاحها يسقط من يدها، ولولا مجيء "علي" لما انقطعت القبلة أبداً. -رزق! انتزع نفسه بصعوبة منها، ليلتفت نحو "علي" ولكن دون أن يفلت يدها. نظر إليه قائلاً باقتضاب: -كام واحد من رجالتنا؟
طمأنه "علي": اطمن كلهم بخير. مافيش غير اصابات بس.. ومصطفى خد طلقة دراعه. -حمزة كويس؟ -حمزة بخير. انا كنت مغطيه طول الوقت مافيش فيه خدش ماتقلقش. هانبعت للدكاترة بتوعنا يجوا. كله هايبقى تمام. هز "رزق" رأسه دلالة على موافقته، فربت "علي" على ذراعه وعاد أدراجه ليرى الرجال، بينما يعاود "رزق" النظر إلى زوجته.. حبيبته. وهنا تجاوز العتاب شفتيه أخيراً: -أنا مش قولتلك ماتتحركيش من مكانك؟ خاطرتي بنفسك وكان ممكن تموتي!
ابتسمت بشجن وهي تمد يدها رافعة خصيلات شعره الدبقة عن جبهته وقالت بلوعة: -لو كنت مت انت. تفتكر إني كنت هاعيش من بعدك؟ انت قلبي إللي بينبض ومنغيرك يقف واموت يا رزق. اموت!! ضمها إليه قبل أن تنهي الجملة وهمغم في لفائف شعرها المموّج: -بحبك.. بحبك يا ليلة! تنعّمت بأحضانه للحظات، ثم همست في أذنه: -لازم تروح تفتح للستات! عقد حاجبيه وابتعد عنها ليستفهم أكثر، فوجدها تلوّح له بمفتاح القبو الذي يعرفه جيداً.
-أنا نزلت الستات كلهم في البدروم. خوفت أسيبهم لوحدهم. وفي نفس الوقت لاقيت إن المكان ده صعب الوصول ليه.. لازم تروح تطلعهم دلوقتي. وأنا كمان لازم أروح المستشفى عشان أطمن على فاطمة وابنها. وابعت لك عمامي كمان يقفوا معاكوا. طبعت قبلة أخيرة على خده وهي تضع المفتاح براحته. -خلي بالك من نفسك وانا مش هنا. وماتقلقش عليا. هاخلي رأفت يوصلني! ولم تمهله حتى الإشارة لها بالرفض أو القبول وانطلقت في طريقها.
أما هو، فوقف في حيرة من أمره، لا يود أن يذهب إلى ذلك القبو، لا يود أن يطئه. إذن فشخص غيره الذي سيفعل بالتأكيد. *** بعد أن قطع "النشار" نصف الطريق تقريباً سفراً إلى بلدته، عاد بمكالمة هاتف من "رزق" وتولى عنه قليلاً رئاسة الحي. هكذا ارتأى أن يعاونا بعضهما ريثما يستعيد نفسه من جديد. فهو إن كان واقفاً على قدميه بعد رحيل أبيه فبمعجزة، لأنه يعلم إن هو سقط، فالحميع سيسقط معه، وسيفقد عائلته صغيرها قبل كبيرها.
كم هو خائف وضائع. كم يتمنى لو ينهار!!! *** اغتسل وقد أزال آثار الدماء بالكامل من عليه. ارتدى ملابس نظيفة وخرج ليلتقي بابنته حيث كانت تنتظره بالصالة مع أمها. انفرجت أساريره لحظة رؤيتها. حضنها. هو من كان بحاجة له. احتضنها بلطف واحكام وهو يهدهدها بين ذراعيه متمتماً لها بحب: -كوكي! قلب بابا. إيه رأيك لو تروحي تزوري عمتو نور؟
هاتروحي مع ماما وانا هابقى أحصلكوا ان شاء الله. أيوة هاتوحشيني. بس مش هاحون مطمن عليكي غير هناك يا روحي.. كان يتكلم معها بصوت واضح لتسمعه "نسمة". لكنه لاحظ بطرف عينه بأن الأخيرة لم تنتبه لحديثه أساساً. فاستدار بالكامل ناحيتها وهتف قائلاً: -نسمة! انتي سمعتيني؟ أفاقت متطلعة إليه. -قلت إيه؟ معلش سرحت! -سرحتي في إيه؟ مالك يا نسمة. مخضوضة من إالي حصل؟ هزت رأسها سلباً، وقامت واقفة. تقدمت صوبه قائلة بتردد:
-أنا.. أنا كنت عايزة أقولك حاجة. مش هاينفع تتأجل أكتر من كده! حثها بهدوء: قولي! ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تفرك كفيها ببعض بتوتر، وقالت بدموع: -هي حاجة ليها علاقة بأبوك.. ليها علاقة.... بموته!!!! استغرق دقيقة تقريباً ليفيق من أثر المباغتة، وأدرك بأن طفلته ليست في مأمن الآن بين ذراعيه. لذا تركها بعيداً، تلهو ببعض الألعاب وعاد ليقف قبالة أمها متسائلاً بملامح ولهجة أكثر حدة وشراسة: -قولـي!!!!!
نظرت نحو الطاولة المجاورة لها حيث تصطف مجموعة علاج وأدوية "سالم الجزار". ثم نظرت لزوجها قائلة بصوت باكي: -أنا شوفتها. بس مافهمتش. مافهمتش ألا متأخر يا رزق... جنّ جنونه في هذه اللحظة وصرخ بهيجانٍ مُميت: -إنطقي يا نسمة شوفتي إيـــــــه؟؟؟ انسكبت دموع جديدة على خديها، بينما استلت قنينة الدواء الصغيرة، وأفرغت جميع الكبسولات بها فوق الطاولة وأمام عينيه. ثم ناولته واحدة وقالت ويدها ترتعش كصوتها تماماً:
-أنا شوفتها.. شوفتها وهي بتفك الحبوب كلها وبتزود عليها الكمية... انا شوفتها بعنيا.. ومافهمتش ألا متأخر. هي إللي قتلته!!! لآخر لحظة رفض عقله أن يصدق، فسألها بعنف: -ميــــــــن؟؟؟؟؟ أجابت بمرارة لإدراكها بأنه أغلب الظن لن يصدقها: -ليلة! .............................
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!