الفصل 3 | من 26 فصل

رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الثالث 3 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
53
كلمة
1,862
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 12%
حجم الخط: 18

_مِقيدان بي! _كل هذا الاهتمام بأختها المزعومة، كان يشدد عليها الخناق إلى حدٍ مميت، لم تتحمل المكوث معها بمكانٍ واحد، تركتها مع بقية العائلة وانسلت مسرعة إلى شقة أمها والتي أمست تسكنها برفقة شقيقها "حمزة" بعد أن انتقلت أمها إلى شقة أبيها بالأعلى. توجهت "سلمى" رأسًا إلى غرفتها، جلست فوق مكتبها الصغير وفتحت حاسوبها المحمول الذي حصلت عليه كهدية عيد ميلاد من أخيها "رزق".

شغلت النظام على عجالة وفورًا ذهبت للاتصال بحبيبها، ففتحت الكاميرا وبقيت في الانتظار، لحظات.. وقفزت صورته أمام عينيها... -عاصم! نادته عبر الميكروفون المعلق عند فمها موصولًا بسماعتي رأس. قابلت نظرتها الواهنة اللامعة نظرتَه الحادة، وسمعت صوته تاليًا يخاطبها بخشونة: -لا يا شيخة! عاصم.. بجد؟ إنتي عارفة أنا كلمتك كام مرة من الصبح؟!! بررت له في الحال: -معلش حقك عليا. ماكنش بخاطري أصلك ماتعرفش إللي حصل...

وحكت له ما حدث، عودة "رزق" بعد غيابٍ طويل، وظهور أخت جديدة لها. لم يهمه في كل ذلك سوى أمرٍ واحدٍ أخذ يستوضحها فيه بانفعالٍ بَيِّن: -كل ده مايهمنيش.. أنا دلوقتي عايز أعرف حاجة واحدة بس. أبوكي موافق على جوازنا ولا لأ؟؟؟؟ ردت "سلمى" بتوتر: -أكيد يا عاصم. هو لو ماكانش موافق كان قال لأبوك.. بس هو كان مستني رزق لما يرجع زي ما قالكم... عاصم بعصبية:

-أنا ماعرفش الكلام ده. بقالي سنة متكلم عليكي. وكل ما أبويا يروح يكلم أبوكي يرجعوا إيد ورا وإيد قدام.. لحد إمتى يا سلمى؟؟؟؟؟؟ ضمت حاجبيها مرددة بخشوع: -طيب إنت بتزعق لي ليه دلوقتي.. أنا ذنبي إيه؟ -ذنبك إنك بنت سالم الجزار. الراجل إللي شايف نفسه السيد والناس كلها عبيده. إنتي عارفة إن أبويا حالف ما يفاتحه تاني في موضوعنا بسبب العجرفة إللي سايقها علينا؟ وأنا مش لايمه. فعلًا خلاص الكلام بينا انتهى. -يعني إيه انتهى؟

.. سألته وهي تحدق فيه بصدمة. عاصم بصرامة تامة: -يعني أنا خلاص زهقت. مابقتش قادر أجي على كرامتي أكتر من كده.. من الساعة دي إنتي من طريق وأنا من طريق يا بنت الناس. إلا لو! كانت دموعها قد هطلت بالفعل وأغرقت خديها مع تعاقب كلماته، حتى تفوّه بذلك الاستثناء، استنطقته من فورها: -إلا لو إيه يا عاصم؟؟!! -إلا لو أثبتيلي إنك عايزاني وبتحبيني بجد! هزت رأسها حائرة: -عايزني أثبتلك إزاي؟! قرب "عاصم" الكاميرا من وجهه وصرّح

دون أن يرف له جفن: -تهربي.. تهربي من بيتكوا وتيجي معايا ونتجوز بعيد!!! *** بعد أن أبدى "رزق" رفضه القاطع للصعود إلى شقة أبيه، التي تحمل ذكريات تضرب بالعمق فؤاده وصدره، اصطحبه "سالم" إلى أرضٍ محايدة. مقهى الحي، إذ أخلاها بكلمة منه لتصير حلبة مصارحة بينه وبين ابنه فقط، وحيث كان يجلس خلف مكتب الإيرادات الصقيل، دعى "رزق" بينما يحرك حبّات مسبحته بين أنامله:

-اقعد يا رزق. اقعد هنا قصادي يا حبيبي.. ماتتصوّرش انت واحشني قد إيه. ونفسي أخدك في حضني أوي! -هاتفضل تتمناها طول عمرك!! .. نطق "رزق" بقساوة نزِقة وقد كان يشيح بوجهه بعيدًا، ثم تساءل بإسراع: -أنا ماعنديش وقت. تقدر تقول إللي عندك مرة واحدة.. ياريت نخلص بقى. أجابه "سالم" بهدوء: -عمرك ما هاتخلص مني يا رزق. دمي بيجري في عروقك. لو بصيت في المرايا هاتشوفني فيك.. هي دي حقيقتك مش هاتقدر تهرب منها. إنت ابني.. ابني أنا...

أطبق "رزق" جفونه بشدة وهو يصر على أسنانه لمدة، ثم قال ولا يزال مغمضًا عينيه: -العواطف والقصايد دي سيبها على جنب.. هات إللي عندك قبل ما صبري ينفد... عند هذا الحد لم يتحمل "رزق" وأدار رأسه بلحظة ليغرز نظراته بعينَي "سالم" الثاقبتين!!! -أنا مش ابنك! .. غمغم بصوتٍ غريب من أثر الغضب. -أنا ابن كاميليا. كاميليا إللي إنت حبستها وقتلتها ودفنتها في حيطة جوا أوضة نومك.. أنا مش ابنك!!!! علا شق فم "سالم" وهو يقول بسخرية:

-بعقلك مفكر بجد إني قتلتها. لو مصدق ده يبقى عمرك ما حسيت أنا كنت بحبها إزاي.. أنا دوست على حاجات كتير أوي عشان أوصلها وأخلفك وأعيش معاكوا. بس جه الوقت إللي كان لازم أرجع فيه سالم الجزار تاني. هي ماتحملتش كده. ومافهمتش إن ده مكتوب عليا. زي ما هو مكتوب عليك. -أنا مش مكتوب عليا أي حاجة! .. هتف "رزق" فاقدًا صوابه. وأشار نحوه بسبابته مكملًا عبر أسنانه:

-أي حاجة من ناحيتك. حياتك كلها على بعضها خلاص.. أنا خرجت منك. فاهم يعني إيه؟ صمت مطبق... ثم قال "سالم" فجأة: -إيه إللي يريحك يا رزق؟ رزق بحزم: -إنت عارف. أخرج من القذارة دي. أخد أختي وأمشي من هنا. أومأ "سالم" بهدوء، ثم قام على مهلٍ وتوجه صوبه قائلًا: -نور متعلقة بيك وبيا وبأخواتها. متعلقة بينا كلنا من قبل ما تشوفنا.. لو سمحت لك تاخدها وتمشي. يا ترى هاتبرر لها إزاي؟

هاتقولها إيه لما تقولك إنها مش حابة تمشي زي ما قالت لك من شوية؟ قاطعه "سالم" قبل أن يدلي بالجواب المتوقع بصوته الشيطاني وهو يدور حوله في حلقة: -هاتضطر تقول لها الحقيقة عشان تمشي معاك صح؟ الحقيقة من وجهة نظرك. إني قتلت أمها. وسجنتها. ودفنتها في حيطة جوا أوضة نومي.. إنت شوفت نور عاملة إزاي؟ شوفت أختك بريئة إزاي وعلى سجيتها.. تفتكر بنت نقية زيها وفي طيبة قلبها وهشاشتها تقدر تتحمل كلامك؟

إنت عارف أنا ربيتها إزاي.. نور ماتعرفش حد غير أهلها. عمرها ما شافت أغراب ولا خرجت للحياة.. نور فاكرة إن بيت أبوها هو الجنة. وإن إخواتها ملايكة. نور ماتعرفش يعني كره وحقد ولا عمرها اتصدمت ولا حزنت.. إللي إنت بتفكر تقوله ليها تأثيره عليها هايبقى كارثة حقيقية. وممكن أنا وإنت نخسرها. عمرها ما هاتتحمل. مش هاتقدر تستوعبه أصلًا.. ممكن تموت فيها يا رزق!

وقد نجح "سالم" بتصوير الوضع الكارثي أمام عينَي ابنه، أصابه ذعر تجلى على ملامحه ورجفة أطرافه.. بينما كان يراقبه أبيه بدقة، توقف أمامه مباشرة، أمام ناظريه الشاردين. تشجع وحطّ بيده فوق كتفه، انتبه "رزق" له الآن وسكن مجبرًا تحت لمسته، ليسمعه يقول بلطفٍ مدروس: -خليك معايا.. خليك جمبي وجمب وأخواتك. كلنا محتاجينك معانا.. إنت ماتعرفش غيابك كان فارق إزاي...

خليك يا رزق وأنا أوعدك هانفذ لك كل طلباتك.. هاعمل أي حاجة تريحك. أي حاجة! مقطب الجبين، واصل "رزق" النظر بحدقتَي والده اللامعتين بالترقب، في نفس الوقت بدأت الفكرة تلمع برأسه، على الخصوص أن وقتها قد حان تمامًا... *** الكثير من الاضطرابات، منذ أن رآها أمامه، ابنة "النشار".. اليوم يكتشف بأنها ابنة عمه! ابنة "سالم الجزار"!!!!!

غير معقول بالمرة، وكأنها إعجوبة، أن تكون الفتاة الوحيدة التي سرقت قلبه من أول نظرة، تكون في الأساس خطيبته كما ادّعت وهي تصافحه، مؤيدة على اسمه وفقًا لعرف عائلة "الجزار".. بقدر دهشته يشعر بالارتباك الشديد. ماذا بعد؟ ماذا يفترض أن يحدث الآن؟ -أبويا قال هاتقعدي معايا أنا وسلمى في شقتنا! .. هتف "حمزة" قافزًا من فوق الدرج أمام أخته نصف الشقيقة. قابل وجهه محياها المبتسم ببراءة واستطرد:

-لو تحبي تباتي الليلة دي بس مع سلمى في أوضتها على ما أوضة النوم إللي وصالك عليها توصل بكرة وتنقلي في أوضة أمي القديمة... وافقت "نور" بحفاوة كبيرة: -آه طبعًا. أحب ونص.. مع إنها هربت بسرعة على فوق ومالحقتش أسلم عليها كويس. ابتسم "حمزة" وحلّ إلى جوارها مطوّقًا كتفيها بذراعه. -وسّع يا حمزة! كان هذا صوت "علي"...

استدارا الأخوين معًا، ليجداه مقبلًا نحوهما حاملًا حقائب "نور" الضخمة في يديه وكأنها لا تزِن شيئًا، كانت "نور" تشمله بنظراتها الولِهة، كما لو أنها ترى مَلِكًا كريمًا، رجل قلبها، فارس أحلامها، لكن ما أحزنها هو أنه لم يحاول النظر إليها بتاتًا. صعدت خلفه مع أخيها، بينما يرشده "حمزة": -الشنط هاتطلع لشقتنا يا علي. مش عند أبويا.. هات عنك شنطة. أبى "علي" بشدة: -لالا سيب يا حمزة. أنا هاطلعهم عادي. مش مستاهلة يعني!

برزت أمامه هرّة هكذا على حين غرّة، ليركلها "علي" بجماع نفسه صائحًا: -هششششششششششش. غوووووووووري من هنا ينعل أبو شكلك!!! جمدت "نور" كصنمٍ بينما تطير الهرّة أمام عينيها لتسقط بعنفٍ أسفل الدرج، اندهش "حمزة" ونظر إليها قائلًا بغرابة: -مالك يا نور؟ لدى سماع عبارته التفت "علي" نحوهما ولأول مرة الآن تلتقي عيناه بعينيها، مدت ذراعها مشيرة صوب مسقط الهرّة الفارغ، لينظر "علي" حيث أشارت ويعاود النظر إليها. رمقته بصدمة مرددة:

-إيه إللي عملته ده؟ قال بتلقائية عدوانية: -بشوط القطة الرزلة دي.. أنا بكره القطط جدًا. اغرورقت عيناها بالدموع وتشنج فمها الممطوط للأسفل... أجفل "علي" مرتبكًا من فوره وسألها بقلق: -إيه ده في إيه؟ مالك أنا عملت حاجة ضايقتك؟؟!! انكسر صوتها وطرفت عيناها وهي تقول بينما تسيل دمعة غير متوقعة على طول خدها: -أنا بحب القطط وبربيهم! -يبقى أنا كمان بحبهم!! .. قالها "علي" في الحال وبلا تردد.

واضطرب بنفس اللحظة عندما شعر بنظرة "حمزة" المستنكرة، تنحنح وهو يستدير مستأنفًا صعوده ثانية وهو يهتف: -قصدي ماكنتش أعرف إنك بتحبي القطط.. مش هاعمل التصرفات إللي بتضايقك دي تاني! لم تحاول "نور" إخفاء البسمة التي زيّنت ثغرها الجميل وهي تحدق في ظهر حبيبها العريض، وكم بدت كطفلةٍ حقًا ببقايا دموعها والابتسامة اللائحة فوق محياها.

يبدو أن القصة الخيالية التي نصّبت نفسها أميرةً لها تنتظرها هنا بهذا البيت كما حلمت طوال عمرها، وبلا شك، سيكون "علي" بمثابة أمير قصتها وبطلها.... أي جرأة دفعتها للتفكير في هذا الأمر؟ وكيف يطاوعها لسانها الآن وهي تدفع بنفسها متجردة من جبنها، هنا فوق طاولة العشاء، تجلس أمام زوجها، كادت تفتح فمها لتخبره بذلك... لكنه يسبقها قائلًا فجأة بصوته الصلب بينما يمضغ قطعة من اللحم المقدد:

"لحد دلوقتي مانزلتيش ليه تسلمي على نور أختي؟ أنا مش قايلك الصبح إنها جاية؟! أجفلت "فاطمة" مرتين متمتمة وهي تصب في كأسها مزيدًا من العصير الطازج: "أنا قلت أسيبها تستريح النهاردة وتاخد على مطرحها.. بعدين بكرة إن شاء الله أنزل أشوفها." "لأ ماعدتيش هاتنزلي.. أصلها طلعت فوق في شقة أمي. هاتقعد مع حمزة وسلمى.. وكمان نوسا هاتطلع تقعد معاهم. دي أوامر الباشا رزق! لم ترد "فاطمة" بشيء طوال دقيقة تقريبًا، لتطلق

رغبتها بغتة قائلة باندفاع: "مصطفى.. أنا كنت كنت عايزة أطلب منك حاجة لو سمحت! "خير! " استوضحها وهو يهتم بطعامه. تنفست "فاطمة" بعمق، وقالت: "بكرة كنت عايزة أخد سلمى وأنزل أشتري حاجة من وسط البلد... تطلع إليها في هذه اللحظة وقد توقف لحظة عن المضغ، ازدرد اللقيمة ونصب ذراعيه أسفل ذقنه قائلًا: "عايزة تنزلي مع سلمى أختي وسط البلد عشان تشتري حاجة... حاجة إيه دي؟ هزت كتفيها مرددة: "حاجة يا مصطفى.. حاجة تخصني." "سر يعني؟

ماينفعش أعرفها.. قوليلي جايز أجبهالك لحد عندك ولا تتعبي نفسك وتنزلي مخصوص." "لأ ماينفعش أنا لازم أنقيها بنفسي. وبعدين ده مشوار صغير وإحنا مش هانروح لوحدنا.. السواق هايودينا ويرجعنا... هه. قلت إيه؟ صمت "مصطفى" محدقًا فيها طويلًا... وعلى العكس لم تربكها نظراته هذه المرة، ربما لانشغالها بفكرة أكثر أهمية، ربما توقعت إجابة بالرفض. لكنها كانت تشعر بأنه سوف يسمح لها. وهذا ما فعله باللحظة التالية:

"ماشي. موافق.. بكرة الصبح هابعت معاكوا حبشي لوسط البلد. وإبقي قوليلي محتاجة كام عشان أسيبلك فلوس قبل ما أنزل." "لأ أنا مش محتاجة فلوس.. معايا من مصروفي. إنت عارف مش بصرف كتير." "براحتك! وأنكب على طعامه من جديد غير مبالٍ. بينما تهيئ "فاطمة" نفسها منذ الآن، طالما لن تحصل على السعادة، فلتنهيها، يجب أن يحدث شيئًا ما، أي شيء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...