أبكي عليك! كما كان يتمنى دومًا، ها هي الدفة قد انتقلت إلى يديه، وأصبح هو الكبير، ولو بصورة مؤقتة! لكن هل هو سعيد؟ هل هو مرتاح؟ لقد خسر الكثير، لحقت به خسارة أكبر من أن يستطيع تداركها في بضعة سنوات أو حتى عمره بأكمله، وفوق كل الخسائر، كان أبيه. الاكتشاف الأكثر أهمية الآن، أنه عرف بأنه أبدًا لم يكن يكره أخيه الأكبر، بل كان يكره حب أبيه له، وأبيه لم يعد هنا. كل مشاعر الحقد والكراهية تبخرت. أجل إنها الحقيقة.
"مصطفى" لا يكره "رزق"، حتى أنه قلق عليه!!! في هذه اللحظة تمامًا، غمره الخوف أن يخسره، أن يخسر الأخ الذي لم يسيء إليه في يوم، ولم يخطئ في تقديره أو معاملته، هو الوحيد الذي مجده وحاول مرارًا أن يبث فيه ثقة بنفسه، وهو أيضًا من كان يسعى طوال الوقت لصداقته، لكن حماقة الأخير وغيرته المستعرة أعمته عن كل ذلك. لكن ليس بعد الآن...
اقتحم سرب من الرجال العمالقة والمدججين بالأسلحة المشفى الخصوصية الواقعة على الخط المؤدي إلى "حي الجزارين"، كان العاملون عليها على درجة من التفهم والتعاون أذهلت الزائرين والمرضى. لكنهم الآن صدقوا ما يُقال، تلك العائلة الإجرامية المشهورة، لا تُمس أبدًا، إنهم ملوك حرفيًا فوق أراضيهم، ويبدو أن المشفى بمن فيها تابعة لهم أيضًا.
تصدر "مصطفى" رجاله وصولًا إلى طابق العمليات، كان "علي" هناك، بيد أن القلق ينال منه شر منال هو الآخر. أقبل "مصطفى" صوبه صائحًا: -إيه الأخبار يا علي؟ رد "علي" دون أن يغير في وضعيته شيء: -طلبوا نقل دم كتير.. خلصوا عليه الكمية اللي هنا. بس أنا قبلها بعت أجيب له.. لسا مافيش أخبار تاني!! رفرفت جفون "مصطفى" مرارًا وهو يصطف بجواره متطلعًا عبر الواجهة الزجاجية المغطاة الآن بستار شفاف إلى حد ما، قال واثقًا:
-هايبقى كويس.. أنا عارف... -يا رب! ثم أدار رأسه نحو متسائلًا: -انتوا عملتوا إيه طمني؟ -كله تمام.. إحنا دلوقت زي التنين اللي صحا. كلهم استخبوا وعارفين لو طلعوا هايتحرقوا من أصغرهم لأكبرهم.. بس يقوم رزق. هانولع فيهم واحد واحد!!! -أنا خايف عليه. الأخبار اللي هايسمعها لما يفوق مش قادر أو ماعنديش الجرأة أتخيل حالته بما يعرفها. شدد "مصطفى" بحزم:
-لازم يعرف أول ما يفوق. إحنا ماعندناش وقت. لازم ياخد الصدمة مرة واحدة أحسن ما ياخدها على مراحل ومش هانخلص. انفعل "علي" بغتة: -انت اتهفيت في دماغك.. عايزه يعرف أول ما يفوق إزاي. إزاي ياخد في وشه ٣ مصايب ورا بعض إزاااااااااي؟؟؟؟؟؟؟ نظر له "مصطفى" باهتمام وعلق مستنكرًا: -٣ مصايب؟! عددهم أمامه "علي" بتكشيرة مريرة: -موت نسمة.. اختفاء كاميليا.. وليلة! -ليلة مالها؟!!
-مالهاش أثر. دورت عليها في المستشفى كلها.. فص ملح وداب!!!! تصاعدت الدماء من جديد إلى وجه "مصطفى" وهو يغمغم بغيظ محتدم: -رضوان.. رضوان السويفي. أكيد خادهم الاتنين.. مافيش غيره. ورب الخلق نهايته على إيدي أنا المرة دي. وويله لو مس شعرة منهم. ينفتح باب غرفة العمليات في هذه اللحظة. فينقطع حديثهما ويتجها حتى قبل أن يخرج كبير الأطباء كليًا إليهما. -رزق عامل إيه يا دكتور؟؟!! قالا معًا في صوت واحد.
أزال الطبيب القناع عن أنفه وفمه وقال بإرهاق واضح بعد قضاء أربعة ساعات متواصلة داخل الغرفة: -هدوء بس شوية يا حضرات.. هدوء. ألح "علي" بعصبية مكبوتة: -بقولك رزق عامل إيه دكتور انطق أرجوك أعصابنا مش متحملة!!! تنهد الطبيب وقال بترو:
-مافيش داعي للقلق ده كله. صحيح الإصابات كانت كتير. لكن كلها في مناطق أقل خطورة. النزيف بس اللي يقلق وطول مدة العملية كان محتاج دم. هو دلوقتي تمام. بس حاطينه تحت الملاحظة وهايفضل في العناية يومين على الأقل. سأله "مصطفى" مباشرة: -ينفع أدخل أشوفه؟ نظر له الطبيب وأبدى موافقة: -ينفع بس مش قبل خمس ساعات. وواحد بس مسموح له يدخل ويا ريت مش لوقت طويل. أومأ "مصطفى" موافقًا وهو يقول مصممًا على ما بعقله:
-اطمن يا دكتور.. دقيقتين هاتوفي بالغرض! _كان وجود الجليسة بصحبتهم مثل عدمه، إذ لم تسمح لها "ليلة" بأن تلمس الصغيرة ولو عرضيًا منذ غادروا شقة "حسن" حتى وصلوا إلى المطار. تبقى على موعد إقلاع الرحلة ساعة تقريبًا، وهم ينتظرون هنا بمقهى "ستاربكس" في صالة الاستراحة، وقد طلب "حسن" القهوة الاسبريسو المفضلة لدى "ليلة" وله هو قهوة داكنة، والصغيرة "كاميليا" أتى لها بكأس ورقي من الشوكولاتة المخفوقة مضاف لها الكريم شانتيه اللذيذ.
أما الجليسة فقد طلب لها وجبة على طاولة محاذية بمفردها. كانت "ليلة" بالفعل بحاجة إلى القليل من القهوة وقطعة خبز كي ما تتمكن من استرداد قواها بعد قضاء ذلك اليوم العسر.
لذا قبلت ما قدمه لها "حسن" وجلست تأكل وتشرب أمام عينيه الجذلتين، خاصة وهو يراقب التفاصيل المحببة التي حرم منها طويلًا، فها هي تُطعم الصغيرة وهي تضعها في حضنها كأنما هي طفلتها الفعلية، بينهما انسجام تام وواضح لدرجة أن لا أحد بإمكانه أن يشك بأنها ليست أمها. حتى التشابه، إلى حد تحمل الصغيرة دماءها، ولهما نفس النظرة الحادة والشراسة.
لم يتمالك "حسن" نفسه من الضحك، فاندلق القليل من فنجان القهوة وهو يقهقه فجأة كاسرًا الحوار الصامت. انتبهت "ليلة" إليه وتساءلت رافعة حاجبها: -وده إيه ده؟ في إيه؟! أخذ "حسن" ينفض عن سرواله قطرات القهوة وينظفها بمحرمة قطنية كان أمامه، لازال يضحك وهو يرد عليها بمرح: -مافيش.. بس افتكرت حاجة. ليلة بارتياب: -خير! رفع "حسن" كفه وأشار لها موضع أسنان الصغيرة الأربعة، تلك العضة التي لم تختفِ بعد.
-أصلي مش قادر أنسى. البنت دي فيها شراسة مش طبيعية. عارفة؟ بتمشي للواحد وهي عاملة كده كأنها بتسن سنانها... وقلد الصغيرة وطفق يضحك ثانية وهو يكمل: -مع إني ماعملتش حاجة. كنت بطبطب عليها تقوم قرماني المتوحشة. على فكرة بتفكرني بيكي.. فاكرة واحنا صغيرين؟ كنت أكبر منك بس كنت باخد منك ضرب وقرص وعض.
لم تستطع "ليلة" إلا أن تتبسم ما أن بدأ يذكرها بطفولتهما، الحقبة المزدهرة بحياتها قبل أن تلج بالكابوس الذي لن تفيق منه طيلة حياتها. دمعت عيناها حنينًا وهي تقول بتسامح الآن: -بس كنت بصالحك دايمًا. وانت كنت حافظ هزاري ومش بتزعل. أومأ موافقًا وسعيدًا بمآل الحوار:
-أيوه صحيح.. ومش بس هزارك اللي كنت حافظه. كل تفصيلة تخصك لسا فاكرها.. انتي جيتي وكنتي صغيرة أوي. أنا اللي ربيتك يعتبر. لما كبرت وأمي ماتت وسافرت. كان همي الوحيد إني هابعد عنك. ردت بنظرة أليمة ولهجة مريرة: -يا ريتك ما سافرت.. يا ريتك ما بعدت يا حسن. ماكانش كل ده حصل لي! تلاشت ابتسامته هنا وسألها بجدية: -إيه اللي حصل لك يا ليلة؟ ما تقوليش إن الحيوان ده كان بيأذيكي!!!! كانت إشارة صريحة لزوجها، فسارعت للنفي بصرامة:
-لأ طبعًا. رزق عمره ما أذاني.. مش هو. عبس: -أومال مين؟! صمتت محدقة بعينيه ولم ترد. هدر نداء الرحلة في هذه اللحظة، فتشتت تركيزه وقام واقفًا وهو يسحب من جزدانه ورقتين نقديتين من فئة المئتين، ألقى بهما فوق الطاولة وقال آمرًا بلطف: -يلا قومي. لسا هانقابل صاحبي اللي هايسلمنا ورق البنت ويعدينا لبوابة الطيارة. طالعته بعدم تصديق وقالت وهي تقوم حاملة الصغيرة على ذراعها: -أنا مبهورة بيك بجد.. مرتب لكل حاجة. كأنك بتخطط من بدري!
تجاهل ملاحظتها وقال بعجالة: -يلا بينا. وهتف مناديًا على الجليسة، دقائق وكانت أوراق "كاميليا" في يده، وذلك الضابط الذي سيمررهم دون عوائق حاضرًا، لكن توجب عليهم أن ينتظروا قليلًا. فقررت "ليلة" تجربة آخر محاولة معه. -حسن! التفت إلى ندائها. -في حاجة؟ رمقته باستعطاف قائلة: -مالوش لازمة اللي بتعمله ده. صدقني.. مش هاتستفيد أي حاجة. سافر انت وسيبني أمشي...
لمست الغضب فيه خلف هدوئه الظاهري، لكنها تابعت مُكرهة وهي تضع يدها التي رصدها بعينيه الآن فوق بطنها: -أنا حامل يا حسن.. أنا شايلة ابن أو بنت رزق! اعترفت له وكانت تظن أنها تسعى في خطة خلاصها، لكن ما حدث هو أنها لاحظت احمرار بشرته واحتقان وجهه ما يدل على سوء ما فعلت. رغم أنها لا تعرف بالضبط ما مشكلته!
لحظات مطولة مرت على هذا الوضع، ثم لمحت ألقًا شيطانيًا يلتمع بعينيه، وخُيل إليها أنها ترى شبحًا لأخيها ورفيق طفولتها، لم يكن هو الذي اقترب منها خطوة الآن فابتعدت هي مثلها حذرًا وليس خوفًا. نظرت له بتركيز، بينما يسلط عليها نظراته الثاقبة المبهمة وهو يفتح فمه ليقول بصوت جامد كالصقيع: -مفاجأة.. عارفة يا ليلة. أنا كنت مخطط إننا هانربي كاميليا زي بنتنا.. بس بعد الخبر ده. أنا مافيش في الدنيا حد أسعد مني.
لقد أدركت مقصده فعلًا، لكنها استوضحت بحدة تحذيرية: -انت تقصد إيه؟! ابتسم بخبث وجاوبها: -قصدي واضح.. كل حاجة كانت في إيد رزق من النهارده بقت في إيدي. بنته هاتكبر وهي بتقولي أنا يا بابي. وابنه هايتولد شايل اسمي أنا! كادت تفقد عقلها من شدة الغضب وهي تقول بحنق كبير: -الكلام ده مش هايحصل. سامع؟
لو على جثتي.. ولاد رزق مالهمش غير أب واحد. رزق. رزق وبس يا حسن. وأنا بسهولة ممكن آخد البنت وأمشي دلوقتي حالًا. أو أعملك فضيحة هنا. رد عليها بمنتهى البرود: -جربي تعملي كده.. مش هاتلحقي. حتى لو خرجتي بيها من هنا. معايا برا اللي هايطلعني منها. وبردو هاخدها منك يا ليلة.. لو عايزة تمشي امشي. مش هامسكك. لكن البنت دي. مش هاسيبها. مش هاسيبها ترجع لأبوها طول ما أنا عايش!
للمرة الثانية تشعر "ليلة" بالخوف منه، تضم الصغيرة في أحضانها وهي ترشقه بنظرات البغض الآن، وقبل أي شيء تبغض نفسها. لسانها مثقل، لا تستطيع إخباره بالحقيقة. لماذا؟ لماذا يشق عليها أن تخبره بجريمة أبيه في حقها عله يتركها؟ لماذا؟ مفعول المخدر لا ريب بدأ يتراجع مع مرور الوقت، رغم أن رأسه لا يزال ثقيلًا، وتركيزه خاضع لعجز جسمه.
لكن عقله لم يكف عن التفكير لحظة، حتى وهو بين الحياة والموت، كان يشعر بتلك الغصة في قلبه، إنه يشعر بأن جزءًا منه قد تركه وابتعد عنه بالفعل. يشعر بالخواء. غريب هذا الشعور، جعله يحس باليتم مجددًا، ولكنه يتم من نوع أشد، ذلك النوع الذي يجعله بلا مأوى، بلا جذور، وكأنه قارب تتقاذفه أمواج البحر الهائج في العتمة والعواصف. -رزق.. رزق... رزق! إنه صوت أخيه، صوت "مصطفى".. يعرفه جيدًا... هذا يعني بأنه تجاوز المرحلة الحرجة.
صار بخير. لكنه يشعر بأنه ليس كذلك! -آ. آاا آااااااااه... أخذ يتأوه أسفل قناع الأكسجين، وبصعوبة شاقة باعد بين جفونه، ليرى في البدء تشويشًا، سرعان ما صفا وانبلج وجه أخيه أمامه. كان يرتدي الزي المعقم، رفع "رزق" يده بضعف، محاولًا إزالة قناع الأكسجين، لكن امتد يد "مصطفى" تمنعه وهو يقول: -لأ.. خليك زي ما أنت.. أنا جاي أقولك حاجة مهمة بس. وعايزك تمسك نفسك.
لا يعرف من واتته القوة، دفع يد أخيه بعزم، وأزال قناع الأكسجين أخيرًا، راح يعب الهواء إلى رئتيه بشق الأنفس وهو يردد بصوت أشبه بالهسيس: -كـ. كـ..ـامـ..ـيليـ..ـا.. كـ..ـاميـ..ـليا ونسـ..ـمة! أزال "مصطفى" بدوره القناع عن أنفه وفمه، أغمض عينيه وتنفس بعمق، ثم فتحهما ثانية وبلغه برباطة جأش:
-أمر الله يا رزق. نسمة ماتت في الحادثة.. وبنتك. بنتك مش لاقينها. على الأغلب رضوان السويفي خطفها. لازم تمسك نفسك وترجع تقف على رجلك عشان ترجعها. سامعني يا رزق؟ لا. في الأخير لم يعد يسمعه. دخل في حالة صدمة كبيرة، صدمة جعلته ينتفض في مكانه ويحاول أن يقوم مترنحًا وصارخًا في آن: -لأ.. بنتي... بنتي ما ضاعتش. بنتي ماتت؟ ماتت وإنتوا مخبيين عليا! حاول "مصطفى" تهدئته وجثم عليه بكل قوته ليبقيه مكانه صائحًا:
-إهدأ يا رزق.. إهدأ.. أقسم لك بالله بنتك مش ميتة. لو ميتة ما كنتش هقولك حاجة أصلًا وأنت في الوضع.. أنا صممت إنك تعرف عشان تبقى حافز ليك وتقوم بسرعة.. إهدأ يا رزق.... لكن بلا جدوى. ظل هائجًا تحت يديه، ولولا أنه بالفعل فقد الكثير من قواه، لكان "مصطفى" شعر بأنه لن يقدر عليه لفترة طويلة، فبدأ بالصراخ على ابن عمه. أتى "علي" في لحظات، في إثره الطبيب الذي وبخهم: -إيه التهريج ده؟
اللي بتعملوه في المريض. أنا بحملكم المسؤولية لو حصل له حاجة. صاح "مصطفى" في وجهه بهمجية مخيفة: -طيب ما تعمل حاجة الأول وبعدين تعالى كلمني. شوف شغلك يا دكتور بدل ما أشوف شغلي أنا معاك.. اتحررررررك! أذعن الطبيب مغتاظًا من اضطراره للتعامل مع شاكلة ذاك الهمجي والنزول إلى هذا المستوى الرديء، وبينما كان كلًّا من "مصطفى" و"علي" يمسكان بـ"رزق" حتى يتسنى للطبيب ضخ الإبرة المخدرة بوريده، كان لا يزال يبكي ويصرخ وهو يخاطب "علي"
في هذه اللحظة: -كاميليا.. بنتي. بنتي يا علي.. بـ..ـنتـ..ـي! وبدأ يفقد وعيه مجددًا، ليرى وجهها الضحوك البهي قبل أن يسقط في الظلمة تمامًا!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!