_في القلب حسرات! _ذات ليلة عشق جنونية، بلغ التهور بهما مبلغه، هربا معًا خلسة، قد شارفت الساعة على الثانية بعد منتصف الليل، وهما إذ وصلا للتو إلى الساحل، في منطقة سرية لا يعرفها سواه، حيث السماء الصافية المرصعة بالنجوم المتلألئة، والبحر الذي يهب صوبهما نسيمه المسكر.
كانت مغامرة مليئة بالغرام والهيام، ولحظات لا تنسى قضياها في تبادل الحب بين الصخور الكلسية اللامعة التي يضربها موج البحر بقسوة، وفي الخلجان الصغيرة التي تمر عبرها مويجات البحر الأكثر رقة. الوله، اللذة، جنون العشق على أشده، صيحات الحب تجرفها الرياح في الليل البعيد تاركة صدى لطيف يتردد حولهما.
الآن، فوق الرمال البيضاء الرطبة، تمددا جنبًا إلى جنب كلاهما متكئًا على شقه، ينظران لبعضهما فقط بينما تلامسهما بين الحين والآخر أمواج البحر. -بحبك! همست بثمالة، وقد كانت تعنيها كما تقر بوجودها. لقد أحبته وأحبت جنونه، أحبته بكل ما فيه من مميزات وعيوب، أحبته ولا تبدله بكنوز العالم مهما حدث. يلف ذراعه الآن حول خصرها ويشدها بسهولة إلى صدره، تشعر بشفاهه الدافئة تضغط فوق عنقها وهو يغمغم لها برومانسية:
-روحي.. فرحتي.. من غيرك حياتي ولا ليها أي لازمة.. يا ريتك ما بعدتي عني لحظة يا ليلة. يا ريتك فضلتي جمبي من يوم ما اتولدتي لحد إنهاردة. كل حاجة كانت هاتتغير. دمعت عيناها قليلًا ورفعت يديها لتمسك بوجهه وتجعله ينظر لها ثانية، ابتسمت بمسحة حزن قائلة: -يا ريت.. بس سواء حصل اللي بنتمناه أو ما حصلش. ما فيش حاجة هاتغير إني وقعت في حبك من أول نظرة. وإن عمري ما هاتخلى عن الحب ده لآخر نفس.
ابتسم لها بدوره وخطف قبلة صغيرة من فمها متمتمًا: -أطلبي مني اللي انتي عايزاه.. قوليلي نفسك في إيه ليلة؟ جاوبته ببساطة: -حبني.. نفسي تحبني أوي زي ما بحبك! رد بثقة مطلقة: -أنا بحبك يا ليلة.. إنتي الوحيدة اللي بتملكي قلبي. وصمت قليلًا، ثم قال: -إنتي الوحيدة بعد كوكي! ضحكا معًا بانطلاق، وبعدها قال بجدية: -زعلتي؟ أنا صريح معاكي. هزت رأسها ولا زالت تبتسم:
-أبدًا.. لو كنت قلت غير كده ما كنتش هاصدقك. أنا بقدر حبك ليها قبل أي شيء. مسد وجنتها بأنامله وهو يقول بتأثر غريب: -طيب أنا بقى اللي عاوز أطلب منك حاجة! قالت بلا تفكير: -روحي ملكك يا حبيبي.. إنت عملت عشاني اللي استحالة كان حد يعمله. ولا حتى أنا.. أرجوك قول! أخذها بين أحضانه ليتمكن من قول هذا: -لو جرالي أي حاجة في المستقبل. لو مت يا ليلة...
شعر بانقباضتها ومحاولاتها للفكاك من حصار ذراعيه، لكن ظل مبقيًا عليها وهو يكمل وتلك المشاعر تخالجه بإلحاح عجيب: -إسمعيني من فضلك.. لو حصلي أي حاجة. عاوزك تاخدي بالك من كاميليا. نسمة مش هاتعرف تربيها لوحدها ولا تحميها. ما تخليهاش تعيش زينا.. أنا عندي أعداء كتير واللي بيكرهوني أكتر. خدي بالك منها. تحت إصرارها وصمتها، أفلتها، لترفع جذعها وتجلس مائلة صوبه الآن، ترشق نظراتها الحادة بعينيه المنفعلتين، نطقت من بين أسنانها:
-إياك أسمعك تقول كده تاني.. إوعك يا رزق. إوعك حتى تفكر مجرد تفكير إنك تسيبني.. إنت فاهم؟ وأمسكت بياقة قميصه المفتوح، ثم ارتمت على صدره محتضنة إياه بقوة وكأنها تتحدى القدر والموت معًا. -مستحيل تسيبني.. سامع؟ مستحيل! * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * مثل أفلام قصيرة طفق عقلها يعيد عليها ذكرياتهما، فكانت تبكي بلا حسيب ولا رقيب، بالإضافة أنها رفضت رفضًا قاطعًا أن تترك المشفى قبل أن ترى زوجها.
أو على الأقل تودعه بنظرة. لم يجد "حسن" بدًا من الإذعان لها، فقام بخدعة ليبعد المرافق الوحيد حتى الآن عن غرفة العمليات، وقد كان "علي الجزار" الذي عاد أدراجه في منتصف الطريق عندما جاءه الخبر عبر هاتف ابن عمه. دفع "حسن" لإحدى الممرضات رشوة لتذهب وتبلغ "علي" بضرورة المرور على قسم الحسابات من أجل متابعة العمليات.
وها قد خلت لها الساحة، سمح لها "حسن" بالاقتراب أكثر من الواجهة الزجاجية الصغيرة، فألقت نظرة على زوجها المسجى هناك فوق سرير العمليات. نزفت عيناها دمعًا غزيرًا وهي تضع كفيها على الزجاج نائحة بصوت مكتوم: -لأ يا رزق.. عشان خاطري. قاوم.. عشان خاطر بنتك... عشان خاطرنا يا حبيبي.. رزق!!! كانت على يقين بأن رسائلها تصله، بكل تأكيد تصله، وكانت على ثقة أيضًا بأنه سيتجاوز تلك المحنة وسيعودا معًا من جديد.. أجل...
سيعود "رزق" إليها من جديد! -يلا مافيش وقت!! أفاقت على تنبيه "حسن" المتعجل، كفكفت دموعها بظاهر يدها وألقت عليه النظرة الأخيرة، ثم استدارت وذهبت مع الأخير. * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * عاد "علي الجزار" مهرولًا ليتابع مجريات الجراحة التي يخضع لها ابن عمه، كان مصفر الوجه، لاهث الصدر، لأول مرة في حياته يشعر بمثل هذا التهديد والقلق.
ليس له على وجه التحديد، إن كل أفراد عائلته في خطر حقيقي الآن، وخاصة بعد سقوط "رزق". -آلو! رد "علي" باقتضاب اتصال "مصطفى". -إنت فين؟ -أنا خليت البيت كله من الستات. وحمزة معايا ما رضيش يروح معاهم.. إنت إيه الأخبار عندك؟ -لسا مافيش جديد.. أنا محتاج رجالة معايا. -دلوقتي أبعت لك. النشار بعت جاب قرايبنا واللي يعرفونا من كل حتة. ما تقلقش محدش يقدر يدخل الحي واللي يفكر يبقى ميت. باغته "علي" بحدة مستوحشة:
-المهم دلوقتي رزق. رزق يا مصطفى!!!!! _هذا هو إذن... ذلك البيت السري الذي اكتشفته في إحدى المرات، والذي اتخذه ابن خالها خصيصًا في مطلع شبابه لقضاء أوقات ممتعة مع عشيقاته وحبيباته السابقات. إنها هي شقة العزوبية السرية نفسها، هنا أودعت الطفلة "كاميليا" لدى امرأة أربعينية أتت من دول شرق آسيا.
ما إن دخلت "ليلة" إلى الشقة وسمعت بكاء الصغيرة، ركضت مسرعة حتى وصلت إلى الصالون الجانبي المفتوح، توقفت عند العتبة لوهلة تنظر إلى الطفلة التي بادلتها النظرات بدموعها التي لا تنقطع. وفور أن رأتها "ليلة" تمد صوبها ذراعيها الصغيرين، انطلقت إليها وخطفتها من أيدي السيدة البشوشة. -كوكي! حبيبتي.. بس يا روحي بس. ما تخافيش. أنا معاكي يا قلبي. ما تخافيش.
وأخذت تهدئ من روعها وتهدهد لها حتى كفت تمامًا عن البكاء، في الحقيقة أن الصغيرة قد غفت في أحضانها، ما يبين ما تعرضت له من ضغط وخوف، نامت "كاميليا" حين شعرت بالأمان. الصغيرة المسكينة. -الطيارة هاتطلع الفجر! ارتعدت "ليلة" بخفة عندما أتاها صوته من خلفها بغتة. التفتت إليه، فأردف منشغلًا بالمسح على رأس الصغيرة:
-قوليلي لو محتاجة حاجة قبل ما نسافر. ولو إن كل حاجة موجودة هناك. أعتقد مش هاينقصك حاجة. Specially في أرقى وأحسن منطقة في مانهاتن. كل اللي ممكن تحتاجيه هاتلاقيه هناك. رمقته "ليلة" بعداء سافر وهي تقبض على يده بعنف، أبعدته تمامًا عن الصغيرة وقالت: -أولًا.. إياك تلمس البنت مرة تانية. ثانيًا.. أنا الباسبور بتاعي مش معايا. هاسافر معاك إزاي؟ ابتسم بفتور وقال وهو يدس يده بجيب سترته ويسحب جواز سفرها أمام عينيها: -تقصدي ده صح؟
نظرت له مشدوهة للحظات، قبل أن يعاودها الغضب مرة أخرى، بينما يواصل: -أنا كنت عارف إن أبويا سحبه منك من زمان لما حاولتي تسافري من وراه.. إنتي نسيتي؟ ده إنتي اللي قولتيلي بنفسك ساعتها واشتكيتي لي! عبست والغيظ يغير بصدرها، لم ترد عليه بعد ذلك، فوزع ناظريه بينها وبين الصغيرة النائمة وقال بهدوء: -بكرة شمس أميركا هاتطلع علينا. وهانكون Very Happy Family.. أنا. وإنتي.. وكوكي!!
احمر وجهها من شدة الغضب، فضحك متسليًا وذهب من أمامها الآن مصطحبًا الخادمة... لتبقى بمفردها مع الصغيرة. تنهدت "ليلة" بثقل وهي تجلس فوق الأريكة ضامة "كاميليا" إلى صدرها، راحت تربت عليها بحنو هامسة: -ما تخافيش يا كوكي.. هانرجع. باباكي هايبقى كويس.. وهانرجع له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!