بمجرد أن هدأ الضجيج بالبيت وخمدت الكارثة العائلية، أطلق "رزق" أوامره بأن تُنقل شقيقته "نور" في الحال إلى شقته بمساعدة زوجته "ليلة"، ثم أصرف أعمامه ودائرتهم، ليبقى الآن هو وأبوه و"هانم" وأخواه "حمزة" و"سلمى" هنا بالصالة.
جلس "سالم" فوق الأريكة الضخمة مسندًا رأسه إلى قبضتيه المكوّرتين، مغمضًا عينيه متشنج العضلات بفعل حالته الذهنية السيئة، ربما يبدو الآن هادئًا، إلا إن براكين وحرائق تندلع بدواخله في هذه اللحظة، ومنذ الساعة التي ألمّ بابنته فيها جرحًا لن تنساه طوال عمرها. ماذا يحدث له؟ أيّ شيطان رجيم دخل إلى حياته وقلب كل شيء رأسًا على عقب؟ حتى أولاده... إنه يكاد يخسر الواحد تلو الآخر... كيف يحدث هذا!!!! -أبويا!
صحا "سالم" من شروده على نداء ولده "حمزة". لم يرفع رأسه إليه، لكنه قال بصوتٍ متحشرج جراء عصبيته المكبوتة: -عايز إيه يا حمزة؟ تلجلج صوت الشاب وهو يعرض عليه: -أنزل أجيب عم سباعي يجي يشوفك؟ المدعو "سباعي" يكون هو الطبيب الصيدلي القاطن لدى تخوم الحي، ولديه أيضًا صيدلية تحمل لقب عائلة "الجزار". أبى "سالم" عرض ابنه بحزمٍ: -لأ، ماتنزلش في حتة. أنا كويس. -أنا خايف أحسن يكون ضغطك عالي ولا يكون فيك أي حا... -قولتلك أنا كويس!
قاطعه "سالم" وهو يرفع وجهه فجأة، فألجم تعبيره الوحشي لسان "حمزة" ولم ينطق. في نقطة أخرى تلاقت عينيّ "سالم" بنظرات "هانم" الجامدة، من حيث كانت تجلس في الجهة المقابلة له، وجّهت إليه نظرة تحتمل أيّ شيء إلا الغضب. لم تكن غاضبة منه، ولم يكن بإمكانه سبر غورها، لم يهمه، ما يهمه يقبع الآن وراء باب هذه الغرفة الموصدة... "سلمى" و"رزق". ***
لقرابة الساعة لم يفعل "رزق" أيّ شيء سوى أنه جلس بجوار أخته الصغيرة فوق سريرها يضمها بين ذراعيه، ويده الحرة تمسك بمنديلٍ ورقي، يكفكف لها دموعها المتساقطة والدماء المنداحة من جروح شفتيها واللثة. كان يغمره الأسى والحزن عليها إلى حد لم يطيق النظر إلى وجهها كي لا يرى فعل أبيه المشين بها، كيف يفعل ذلك؟ كيف طاوعته نفسه؟ إنها مجرد طفلة صغيرة... لا تستحق ما حلّ بها مهما فعلت...
ليته وصل إليها من قبله لكان انفض الخلاف وانتهى إلى خير مآل. ليته... -سلمى! غرّد صوته الحنون في أذنها بلطفٍ حذر، أخذ يداعب فروة رأسها وهو يستطرد: -حبيبتي لازم نتكلم... أنا عارف إنك حزينة ومش قادرة تنطقي... بس ماينفعش أسيبك تنامي وإنتي في الحالة دي. مستحيل... ممكن عشان خاطري تستحمليني شوية وتجاوبي على أسئلتي؟
لما رفعت بصرها، ومن خلال شعرها المتشابك أمام عينيها لاحظ "رزق" أن مُقلتيها بلون العنبر الفاتح قد خيّمَت عليهما سحابة وديعة طردت عواصف الغضب، أجفل مبتسمًا لها بتكلفٍ بسيط وقال: -مش هتقل عليكي... عايز بس أعرف إيه اللي حصل بينك وبين نور؟ ضايقتك في إيه خلاكي تنفعلي بالشكل ده؟ -ماحصلش حاجة! جاوبت بهذه البساطة: -ماضيقتنيش خالص. تمهل "رزق" لهنيهة، ثم سألها مرةً أخرى حائرًا: -طيب... ليه رميتي الهدوم في وشها؟
وليه كنتي عايزة تطرديها من الأوضة؟!! مطت فمها قليلًا وردت بهدوء: -ماعرفش... أنا حسيت إني مخنوقة شوية. اتعصبت وجت فيها هي. -إيه اللي ممكن يعصبك كده يا سلمى؟ بدا أنه لم يصدق ادعاءاتها، فتريثت لبرهةٍ وأخبرته بثباتٍ مقنع: -من ساعة ما جت وبابا مشغول عني بيها. والنهاردة لما كنا فوق كان مقعدها جنبه على السفرة. وبعد العشا قعدها على رجله وبيدلعها كتير قصادي...
شكلي غيرت منها. فجأة كده بقت ليا شريكة في بابا بعد ما كنت الوحيدة اللي بقعد على رجله وكان ليا لوحدي! إدراكًا لهذه الحقيقة التي استشفها سلفًا، صدقها هذه المرة، ورقت نظرته وهو يدنو منها مقبلًا جبهتها وخدها الذي لا يزال ملتهبًا بسبب الصفعات العنيفة التي تلقتها... ثم تمتم مبديًا تفهمه: -يا حبيبتي. أنا فاهمك... مقدر كل اللي بتقوليه. وعارف إن مش قصدك كل اللي عملتيه...
بس برده عايزك إنتي كمان تعرفي إن نور أختك. ورغم دخولها المفاجئ للعيلة إلا إنها من لحمك ودمك... هي بتحبك من قبل ما تشوفك. يا ترى ماتستاهلش منك تبادليها نفس المشاعر؟ لو على الحب والدلع اللي بتتكلمي عنه افتكري يا سلمى إنك عشتي عمرك كله بين أب وأم وأخوات وعيلة كاملة... في حين نور قضت عمرها من غير كل الحاجات دي. كانت مستنية تيجي وتعيش وسطنا... وصمت للحظاتٍ، ثم قال محدقًا بعينيها: -والأهم من كل ده يا سلمى...
نور أختي الشقيقة. مش بقول كده وبقلل من قيمتك عندي. أبدًا... بس بوصلك إنها الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من أمي... لو بتحبيني وبعز عليكي يا سلمى هتحبي نور وتعاملِيها كويس! ابتسمت له واعدة: -حاضر يا رزق... هعمل اللي تقول عليه. بادلها الابتسامة رابتًا على رأسها: -حبيبة قلبي. مش بس اللي أقول عليه... المهم كمان يكون نابع من جواكي... أوعديني تتصالحوا وتبقوا كويسين مع بعض. -أوعدك. تنهد راضيًا وأمسك بيدها متهيئًا للنهوض:
-طيب يلا... تعالي معايا على فوق. أراضيكم على بعض ونقضي الليلة كلنا سوا. أنا وإنتي ونور وليلة... جذبت يدها من يده وأبقته كما هو قائلة بتصميمٍ: -لأ لأ... أنا مش هطلع من أوضتي. -ليه يا سلمى؟ ببعد ترددٍ أفصحت منكسة الرأس بتخاذلٍ: -مش عايزة أشوف بابا. مش عايزة أشوفه أبدًا... عشان خاطري يا رزق ماتغصبش عليا! أمسك بيديها وشد عليهما مهدئًا إياها: -خلاص يا حبيبتي... اهدي... مش لازم الليلة دي. خلاص...
أنا هسيبك تنامي. وإن شاء الله هاكون عندك الصبح... وعانقها للمرة الأخيرة، تمنى لها أحلامًا سعيدة، ثم خرج وأغلق باب الغرفة خلفه.
استغرق لحظة بقي فيها ساكنًا ويده على المقبض، قبل أن يلتفت صوب أبيه الذي انتصب في جلسته حال خروجه صابًا عليه نظراته وجام انتباهه، لم يكن "رزق" من الجنون أن يتطلع في وجهه مطولًا، إذ أيقن بأنه قد يفقد أعصابه بأي لحظة. فسرعان ما أشاح بوجهه عنه وهو يكوّر قبضتيه بشدة حتى نفرت عروق ساعديه، ثم انبلج صوته من بين أسنانه المطبقة يشتعل غضبًا:
-الظاهر ماكفكش ابن واحد هرست قلبه تحت رجليك وموّت جواه أي مشاعر حلوة سواء ليك أو للناس... النهاردة عرّضت بناتك الاتنين لنفس المصير ده... -رزق! هتف "سالم" منفعلًا، ليوقفه "رزق" بإشارة من كفه صائحًا: -ماتنطقش اسمي... أنا مش طايق أبص لك أساسًا. وإنت عارف لولا نور ماكنتش رجعت... أنا هنا واقف قصادك وفي بيتك غصب عني لو بإيدي أمشي حالًا. بس كمان بعد اللي حصل مع سلمى...
مش قادر أتجاهل إنها كمان أختي. ومش هقدر أسيبها لك تدمرها زي ما دمرتني... ولا حتى هسمح بكده. إنت فاهم؟؟؟ وأجبر عنقه المتشنج بالقوة ليلتفت وينظر إلى أبيه، حملق بعينيه نافثًا الهواء من فتحتيّ أنفه كثورٍ هائج وجرت الكلمات الأخيرة على لسانه بخشونةٍ: -اسمع آخر كلامي يا سالم يا جزار... قدام أخويا ومراتك... غلطة كمان في حقي أو في حق أي حد يخصني. وحط تحت يخصني دي مليون خط...
قسمًا بالله يكون آخر الخط بيني وبينك. وماتبقاش أبويا. تبقى عدوي... وإنت عارف عدوي ممكن أعمل فيه إيه. يا هاتموتني يا أموتك... وصلت؟ فهمت كويس؟!!! كسا الوجوم وجه "سالم" من بداية وعيد ابنه لآخره، لم يأتِ بحركة أو كلمة، وكأنه قد حُنّط على هذا الوضع والشكل. بينما ضاق صدر "رزق" سريعًا، فاندفع باللحظة التالية مغادرًا الشقة كلها للأعلى وهو يسب ويلعن حياته كلها، وحقيقة أنه ابنًا لهذا الرجل الفظيع... المجرم...
الجزار ككُنيته الحقيقية. -اتأخرت ليه يا رزق؟ استقبلته "ليلة" بالهتاف الملتهف فور بلوغه عتبة باب الشقة، كانت تنتظره بالقرب، ولا يدري كيف التقيا وقفزت على حضنه، ضمّا بعضهما بقوة وغمغمت "ليلة" لاصقة خدها بعنقه: -قلقتني عليك! -كنت بطمن على سلمى. جاوبها بفتورٍ يناقض مزاجيته السوداء، وما لبث أن استطلع أمر شقيقته: -نور فينها؟ عاملة إيه دلوقتي؟؟ تباعدا قليلًا وطمأنته: -كويسة ماتخافش. -هي فين؟ ابتسمت "ليلة" وهي تتذكر:
-نور دي زي الأطفال. بريئة ورقيقة أوي... في الأول لما طلعنا قعدت تعيط. بس هديت لما حضنتها وفضلت أتكلم معاها شوية لحد ما نامت مني... دخلتها الأوضة التانية. -يعني هي نايمة دلوقتي؟ -أيوة يا حبيبي نايمة وزي الفل... ماسبتهاش تنام زعلانة اطمن. زفر "رزق" بارتياحٍ وقال بامتنانٍ: -شكرًا يا ليلة. -على إيه يا نن عين ليلة؟ سألته وتمرر أصابعها في شعره الأشقر: -إنك اهتميتي بيها. كان لازم الأول أشوف سلمى قبل ما أجي لها.
هزت رأسها مبتسمة: -أنا ماعملتش حاجة يا رزق. نور أختك وتهمك... يبقى طبيعي تهمني أنا كمان. أي حاجة تخصك تخصني. عيب تقول كده. إحنا مش بقينا واحد؟ -طبعًا! وهمس وجذب رأسها ليقبلها على فمها بعمقٍ، وكأنها ترياق أحزانه وشفائه. -ربنا يخليكي ليا... غمغم من بين قبلاته، لتفاجئه بقولها بعد لحظة بصوتها اللاهث: -أنا عايزة أجيب منك ولد يا رزق! جمد لجزء من الثانية، ورفع وجهه المحمّر انفعالًا لينظر لها بذهولٍ: -عايزة ولد. مني؟
إشمعنا ولد يا ليلة؟! رفعت كتفيها قائلة: -أهو كده... نفسي أخلف منك ولد. ساعدني في ده من فضلك! وعضت على شفتها السفلى في بادرة تنم عن شبقٍ مستعر. تكونت ابتسامة تلقائية على شفتيه، وقد نجحت في إلهائه وتحريف مسار أفكاره بثانية، ليقول وهو يضع يدًا خلف ركبتيها وأخرى أسفل خاصرتها: -بس كده؟ أنا تحت أمرك!
ومن ثم مرجحها بحركة قوية صغيرة ليسقطها بين ذراعيه، وفي طرفة عين كان يحملها بخفة، ويمضي بها تجاه غرفتهما وهما يتبادلان القبل برومانسية، كأنهما طيور الحب. على هذا المنوال استأنفا الليلة أحداث شهر العسل!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!