الفصل 1 | من 37 فصل

رواية سمرائي انتي حقي الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
47
كلمة
2,752
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

بين المروج تجرى وتمرح، تلعب بين الأرض الخضراء. ببسمة طفلة، بيديها زهور الفل والياسمين. لكن فجأة اختفى كل شيء. تبدلت. المروج الخضراء تحولت إلى أرض صحراء قاحلة، احترقت زهور الفل والياسمين. الطفلة اختفت، ظهرت شابة أصبحت بعمر الخامسة والعشرين. ليس لديها أي هدف، تعيش يوماً بيوم. يوم يأتي سعيد، وآخرون يمرون دون أن تشعر بهم. عندما كانت طفلة، كانت تريد أن تصبح عازفة بيانو. تحلق بين أعذب النغمات.

لكنها كانت كالعصفورة الصغيرة التي وقعت من عش والديها قدراً. تلك هي سمرة. ليلتقطها صقر يربيها حتى تكبر، علها تكون سبباً في بقاء سلطته بين أقرانه. أو تكون عشقه المغصوب. بإحدى قرى محافظة قنا بصعيد مصر. بمنزل فخم على مساحة واسعة. في الصباح الباكر.. فتح الحاج حمدي شاهين هاتفه المحمول ليقوم باتصال. سمع رنين الهاتف أكثر من مرة دون رد عليه. دخلت عليه زوجته وجيدة. تحدثت قائلة: أكيد بتتصل على عاصم ومش بيرد.

الوقت لسه بدري تلاقيه نايم. رد حمدي بضيق: مش عارف ليه نومه تقيل كده. كنت عاوز أطمن عمل إيه في المناقصة اللي كنا داخلينها امبارح. كان فض المظاريف وإعلان اللي كسب المناقصة. بس ولدك كعادته تليفونه مقفول أو خارج الخدمة. بيكون فين بقى؟ تحدثت وجيدة: واه يا حاج حمدي ولدك وأنت عارف تربيته وعارف إن نومه تقيل. شويه وهتلاقيه هو اللي بيتصل عليك ويبشرك بالخير زي كل مرة. تنهد قائلاً:

أما أشوف آخرتها مع ولدك. ما يصدق ينزل مصر ويقفل تليفونه وأرن مهما أرن عليه ما يردش. أنا كمان كنت عاوزاه يبقى هنا على العشا يستقبل معايا عمته. تحدثت وجيدة قائلة: هي عقيلة جاية لعندنا على العشا؟ رد حمدي: أيوه هي اتصلت عليا امبارح ونسيت أقولك. وقالت هتجي تزورنا وعازمة نفسها على العشا. ردت وجيدة:

وطبعاً هتبات. خير عقيلة لازم يكون من ورا زيارتها دي سبب. دي بتيجي ست شهور ما زارتناش. وكم مرة اللي اتكلمتهم في التليفون وقال إيه كبرت ورجليا بتوجعني ومبقتش حمل إني آجي من أسيوط لقنا. وكمان عارف مجيتها وقرها على ولادي. كأن معندهاش عيال. ما عندها ولد وبنت زي القمر. أنما أنا ما خلفتش غير تلات ولاد. والله كان نفسي في بنت. بس إرادة ربنا كده. وكمان ناسيه مشكلة عمران السابقة وربنا نجاه بمعجزة. رد حمدي: وسمرة مش بنتك؟

وأنتي اللي ربيتيها بعد وفاة أخويا ومراته في حريق المصنع. وكمان متحطيش كلامها في دماغك. تحدثت وجيدة: أنا مش حطاها في دماغي. بس بخاف من قرها على ولادي. المثل بيقول السم تحت اللسان. وهي معرفش زي ما يكون أنا وولادي اللي بنرزق نفسنا بإيدينا. كل شيء عند ربنا مكتوب. ووالله في إيدها نعمة جوزها ما هو فاتح. كان سوبر ماركت والحال ماشي معاه. وفتح واحد تاني من مدة قريبة. بس هو الطمع اللي بيسري في دمها وعاوزة تكوش على الدنيا.

يلا ربنا يعدي زيارتها على خير. لو إني مش عارفة ليه مش مطمنة لزيارتها. بالقاهرة. بشقة بحي متوسط. طفلتان تؤام تلعبان يوم العيد بأحد الحدائق العامة. كانتا تلهوان مرحاً، تجريان خلف بعضهن، ويراقبهن والداهن مبتسمان على مرحهن. لكن فجأة تبدل كل شيء. أثناء خروجهما للشارع صدمت إحدى الفتاتين سائق أهوج وهرب. ليسارع والداها بحملها والذهاب بها سريعاً إلى إحدى المشافي الخاصة القريبة.

لكن خرج الطبيب بعد ساعات يخبرهم بوفاتها متأثرة من الحادث. دخل رفعت وأشعل الضوء. رأى دموع تنزل من عين سليمة وهي نائمة. تألم. علم أنها تحلم بتوأمها التي توفت من عدة سنوات. اليوم ذكراها. ما زالت تشعر بنفس الفقد. انحنى يقبل جبينها ويديه تمسح تلك الدموع. وقال بحنو: سليمة.. اصحي يا حبيبتي. فتحت سليمة عينيها. نظرت لرفعت. وتبسمت رغم وجع قبلها قائلة: صباح الخير يا بابا. هي الساعة كام؟ رفعت:

إحنا لسه بدري. بس أنا صحيتك عشان نلحق نروح المقابر زي كل سنة. وبعدها تروحي لشغلك الجديد. ربنا يوفقك. مع إننا والله يا بنتي مش محتاجين لشغلك ده. مستورة والحمد لله. معاشي كبير. أنا كنت بشتغل تبع وزارة الحربية. وما فيش غير أنا وأنتي. تبسمت سليمة قائلة: يدوم الستر يا بابا. أنت عارف إني مش هشتغل عشان المرتب. بس أنا بشتغل من ناحية أشغل وقتي. وكمان أكسب خبرة عشان أما أفتح مكتبي الخاص. رد رفعت قائلاً:

على ذكر مكتبك الخاص. الست فادية جارتنا جاتلك امبارح عشان عاوزة ترفع قضية قائمة منقولات ونفقة على جوز بنتها الواطي. بعد ما استحملت عشرته سنين اللي فاتت. أول ربنا ما فتحها عليه بدل ما يعوض صبرها معاه. راح اتجوز واحدة هشك بشك. ضحكت سليمة قائلة:

ما هو البرجوازي كده. أول ما يعلى ينسى أصله والناس اللي ساعدوه. إن جت تاني وأنا مش هنا. خد منها المعلومات. وقولها تشوف يوم بنتها فاضي. نروح المحكمة تعملي توكيل. وأرفع لها القضايا اللي هي عاوزاها. وأخرب لها بيته. وأخلي الهشك بشك بقى تنفعه. تبسم رفعت قائلاً: ربنا يوفقك وتكوني سبب في رجوع الحق لأصحابه دايماً. كانت سمرة تجري بطريق به إنارة خافتة. يزيد النور كلما جرت للأمام.

شعرت بأنفاسها بدأت تنقطع. لكن ظهر نور ساطع من بعيد قليلاً. تحفزت حين رأته وعادت تجري حتى. اقتربت من النور. وقعت ترتكز على رسغيها. تنظر إلى نهاية الطريق. وجدت النور. لكن هناك ما يمنعها من الخروج من ذاك الطريق. فبنهايته أسياخ حديدية تشبه القضبان مغلقة. وخلفها يقف أحداً. استيقظت. وجهها متعرق. رغم أن الطقس في بداية الربيع. لا حار ولا بارد.

وضعت يدها على جبينها تمسح بعض حبات العرق. شعرت بأسى من ذاك الحلم. سألت نفسها. لما حتى بأحلامها هناك سجان؟ هي تريد الحرية. ألا يكفي سجنها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً هنا. منذ أن توفيا والداها بحريق لمصنعهما بالقاهرة. مما جعلها تترك القاهرة وتأتي لهنا بمنزل عمها. أو بالأصح منزل والداها. فوالدها له نصف هذا المنزل. حقاً تعامل بطيبة واحترام وحب من الجميع. لكن تشعر دائماً أن أسوار هذا البيت العالي كسجن حكم عليها العيش بداخله.

انتبهت على طرق على باب غرفتها. سمحت له بالدخول بعد أن علمت من يطرق على الباب. دخلت سنية مبتسمة تقول: صباح الخير على زينة الصبايا. الحاجة وجيدة قالت لي آجي أشوفك إن كنتي صاحية أقولك الفطور جهز. وهي والحاج حمدي مستنينك. تبسمت سمرة قائلة: هاخد دوش وأفوق وهنزل وراكي. مش هاغيب. تبسمت سنية قائلة: حمام الهنا. عقبال حمام العريس قريب يارب. خجلت سمرة وذهبت إلى الحمام المرفق بغرفتها دون رد.

وقفت خلف باب الحمام تعيد كلمة سنية. العريس. العريس هو طريق خروجها من أسوار هذا المنزل. لكن متى؟ هي بلغت الخامسة والعشرين. لم يتقدم لها أحد. رغم أنها مقبولة الشكل وتكاد تكون جميلة. ومن عائلة ذات صيت واسع بالبلدة. لا بل بمصر كلها. لكن ما السبب في هذا؟ هل السبب هو عدم خروجها الكثير؟

فهي تكاد لا تخرج منذ أن انتهت من الدراسة في أحد المعاهد الفنية التجارية الفوق متوسطة. إلا قليلاً. فقليلاً ما تصطحبها زوجة عمها معها أثناء خروجها. مما جعل معرفة الناس بها قليلاً. من يعرفها. أخبرها عقلها بلحظة يأس قائلاً: أنتي تعيشين على الهامش. لا أحد يعرف بوجودك. بالقاهرة. بفيلا فخمة بكومبوند راقي. بغرفة أصغر الصقور. استيقظ على صوت رنين هاتفه. جلب هاتفه الموضوع على طاولة جوار الفراش. نظر إلى الشاشة ورد على المتصل.

قائلاً: أرغي عالصبح. سمع ما أخبره به الآخر وأنهى الحديث قائلاً: طيب تمام وشكراً. سلام. نهض من على الفراش وذهب إلى الدولاب وأخذ منشفة ونزل إلى الأسفل. واتجه إلى الحديقة يمارس رياضة الجري في سياق محيط الفيلا. بغرفة الصقر الأوسط. كان نائماً. يحلم ذالك الحلم الذي يصاحبه منذ سنوات. ولا يعرف سبب تكراره في نفس اليوم بالذات. كان يحلم.

بفتاة تسير إليه. إلى أن اقتربت منه. كان وجهها تغطيه الدماء. لا يظهر من ملامح وجهها سوى عيناها التي تنزف دماً. اخفض بصره ورأى هنالك دماء تنزف من موضع قلبها أيضاً. وضعت يديها على قلبها ثم مدتها في اتجاهه وضربت على موضع قلبه. استيقظ فزعاً. يشعر بألم ضربة يدها على قلبه. أزفر أنفاسه. يخبر نفسه أنه نفس اليوم. ماذا حدث بهذا اليوم؟ ومن تلك الفتاة؟ لا يتذكر شيئاً يكون سبباً. بغرفة الصقر الأكبر.

تقلب في فراشه. يصحو. مد يده وأتى بالهاتف. فتح شاشته. ونظر إلى صورتها قائلاً: صباح الخير يا عصفورتي. وحشتيني اليومين اللي فاتوا. وجد إشعارات بعدة مكالمات خاصة له. رأى إشعارات من والده. فتجاهلها. هو يعرف لماذا يريده. ولا داعي للاتصال. فهو بعد عدة ساعات سيكون أمامه ويخبره وجهاً لوجه. رأى إشعارات أخرى تذكره بلقائه بمصممة حملة الدعاية الجديدة. بعد قليل بداخل المطبخ.

دخل عمران ورأى عامر يحتسي اللبن وهو يرتدي شورت والمنشفة على كتفه. تحدث له بتريقة: إيه ده؟ أنت لسه بتشرب لبن؟ هو أنت مش اتفطمت ولا إيه؟ وبعدين مش مكسوف من كوثر الشغالة تشوفك بالمنظر ده؟ ضحك عاصم الذي دخل خلفه. رد عامر قائلاً: أنا بقول بلاش تريقة عالصبح ونتعامل كرجالة مع بعض. وبعدين كوثر دي أرجل مننا ومبتنكسفش. ضحك عمران قائلاً: وهو فيه رجالة بتشرب لتر لبن عالريق يا ابني؟ أنا مش عارف سر حبك للبن إيه؟

ولا يمكن عشان ماما فضلت ترضعك أربع سنين؟ أنت الوحيد اللي أمه كانت بتروح له الحضانة كل ساعة ترضعه وترجع؟ كنت مسعور؟ ضحك عاصم. بينما رد عامر قائلاً: كانت بترضعني عشان مكنتش برضى آكل يا ظريف منك له. واصبحوا عالصبح. وبعدين أنت خارج دلوقتي ولا إيه؟ رد عمران: آه خارج. عندي مشوار قبل الشركة هروحه. وبعدها هروح عالشركة. رد عاصم بأستغراب: مشوار إيه بدري كده؟ رد عمران: مشوار خاص. هو لازم أديك خط سيري؟

ما أنت كمان ليك مشاويرك الخاصة. ضحك عامر قائلاً: عارفين. أنا هتصل على بابا أقوله يجوزكم. قبل ما تنحرفوا وتجيبوا العار لصقور شاهين زي ما بابا بيقول علينا. ضحك عاصم قائلاً: ياترى لقيت لينا عرايس ولا لسه؟ رد عامر بخبث قائلاً: أنت بالذات مش هاخد وقت. وعروستك هتكون معاك. وقول كلمة أخويا الصغير قالها. ضحك له عمران متمماً على قول عامر. قائلاً: العروسة المنتظرة. أنا عن نفسي عارفها. ومتوقع ده قريب جداً كمان.

يلا خلونا نفطر عشان متأخرش. جلس الثلاث على مائدة الفطور يتناولون الفطور وسط ود ومزاح. تحدث عاصم قائلاً: أنا مسافر قنا. هركب الطيارة بعد الضهر. تكلم عامر بخبث: بالعجل؟ زهقت من القاهرة؟ مبقالكش غير يومين. تكلم عمران أيضاً بنفس الخبث قائلاً: أكيد ماما وبابا وحشوه. أنا بقول إحنا نجيبهم هما وكل اللي هناك لهنا ونعيش هنا. بدل الشحتطة دي رايح جاي على قنا. صحتك. رد عاصم وهو يشعر بسخريتهم: أنتم مالكم؟ أنا لسه شباب.

نظر عامر وعمران لبعضهما ليضحكا. نظر لهم عاصم وسرعان ما شاركهم الضحك. بالقاهرة بالمقابر.. وقفت سليمة جوار والديها يقرآن الفاتحة وبعض الآيات القرآنية. همست سليمة السارحة قائلة: "سلمى يا نص روحي، فاكرة الكلمة دي لما كنتِ بتقوليها ليا؟ أنا منستكيش أبداً. عايشة جوايا، أنتي نص قلبي. أنا النهارده هبدأ شغل جديد، ادعيلي". "وأنا لسه على وعدي ليكي، لازم العدالة تتحقق والسبب في موتك لازم ياخد جزاؤه".

ربت رفعت على كتف سليمة قائلاً: "يلا يا بنتي خلينا نمشي، إحنا خلاص زورناهم. زورنا سلمى وكمان مامتك، ادعيلهم بالرحمة ويعوضهم ربنا في الجنة". ردت سليمة: "آمين يابابا، يلا بينا". قرآ الفاتحة مرة أخرى وغادرا المقابر. لكن لفت انتباهها شيء بمكان قريب من المقابر. هناك من يعطي للأطفال مالاً وبعض الحلويات. قالت لوالدها: "إيه ده يا بابا؟

رد عليها: "تلاقيه واحد بيوزع صدقة رحمة ونور على حد متوفى ليه. في ناس بتعمل كده كتير، بيقولوا دعوة أربعين مستجابة، ولما يراضوا الأطفال ربنا يرحم المتوفى". بقنا دخلت سمرة إلى غرفة السفرة. قائلة: "صباح الخير". رد حمدي وكذلك وجيدة عليها: "الصباح". تحدثت وجيدة: "بعتلك سنية من زمان". ردت سمرة: "معلش يا مرات عمي، بس كنت بحط للعصافير أكلهم وكمان نضفت لهم القفص".

ضحك حمدي قائلاً: "مش عارف إيه حبك للعصافير بالرغم إنك دايماً بتشحتي أولادهم لأي حد لما يكبروا شوية ومبتحتفطيش غير بعصفورين اتنين بس، وياترى بقى مين صاحب النصيب في العصفورين الصغيرين المرة دي؟ تبسمت سمرة قائلة: "معرفش السبب، بس أنا بحب صوت عصافير الكناريا، وأنا كنت وعدت سولافة بنت خالتي عقيلة بيهم وهما من نصيبها لما تيجي لهنا تاخدهم". تحدثت وجيدة قائلة: "عمتك وجيدة وابنها وكمان جوزها وسولافة هيكونوا هنا على العشا".

أكملت ساخرة: "هما بييجوا على السيرة". تنهدت سمرة تشعر بضيق، ولكن تحدثت قائلة: "وعرفتي منين؟ رد حمدي: "هي اتصلت عليا امبارح بالليل وهتكون هنا على المغربية". ردت سمرة بضيق: "ويوصلوا بالسلامة إن شاء الله". بالقاهرة أمام باب الدخول الخاص بشركة صقر للبويه والدهانات. على باب الدخول. صفر جهاز الإنذار الخاص بباب الدخول. عادت سليمة للخلف. لتتصدم بذلك الأنيق. نظرت له وتحدثت بأسف. رد عليها بهدوء: "مفيش مشكلة". ثم دخل مباشرة.

رغم أن جهاز الإنذار قام بالتصفير، ولكن لم يوقفه أحد من العاملين، مما جعلها تتضايق من الحارس الموجود وكادت أن تسبه لولا أنها ضبطت لسانها السليط. بعد دقيقة. فتحت باب المصعد وجدت ذلك الأنيق يقف به. كادت أن تدخل. ولكن أحد العاملين قال لها: "حضرتك ده أسانسير أعضاء مجلس الإدارة"، وأشار لها على أسانسير آخر قائلاً: "وده خاص بالموظفين". دخلت للأسانسير بالعند وهي تقول له: "وأيه الفرق بين الاتنين؟ ده أبيض وأسود والتاني ألوان؟

طب أيه رأيك بقى مش هطلع غير في الاسانسير ده، ولو ربنا كتبلي نصيب أشتغل هنا مش هطلع غير فيه. وسع كده خليني أقفل الباب". عاد العامل للخلف بنظرة موافقة من الآخر. أغلقت سليمة باب الأسانسير وهي تقول: "عالم برجوازية وتافهة". وقفت لثوانٍ. إلى أن سمعت من خلفها يقول بهدوء: "طالعة الدور الكام؟ نظرت للخلفها بازدراء دون رد وقامت بالضغط على رقم الدور.

تبسم الآخر ينظر لها. وقعت عينه على عينيها. تسمر لا يعرف ما سبب تلك الرجفة التي سارت بقلبه. هو رأى نفس العيون، لكن أين؟ توقف الأسانسير بالدور المطلوب. نزلت سليمة من الأسانسير وتوجهت إلى أحد المكاتب. تسأل عن أحداهن. أجابها أحد الموظفين عن مقصدها وسارت إليه. دخلت بعد أن سمح لها بالدخول. وقفت سليمة تبتسم قائلة: "أظن جايه في ميعادي مظبوط يا أستاذة فاطمة". نهضت فاطمة من

مقعدها بصعوبة وقالت لها: "أستاذ موسى قالي إنك مظبوطة في مواعيدك وأنك كمان مجتهدة. الكلام اللي سمعته عنك هو اللي شجعني أطلب منه يطلب منك تيجي تشتغلي هنا معايا. زي ما أنتِ شايفة أنا خلاص حامل في السابع وحاسة إني ممكن أفرقع في أي وقت". ضحكت سليمة قائلة: "تقومي بالسلامة. الأستاذ موسى أستاذي، غير إنه كمان هو المشرف على رسالة الدراسات العليا بتاعتي وكمان زوج حضرتك. وأتمنى إني أكون عند حسن ظنه بيا".

تبسمت فاطمة قائلة: "واضح إنك شخصية جادة وده المطلوب. وكمان أستاذ عمران مريح وهادي في التعامل معاه". "تعالي معايا أعرفك عليه وكمان علشان تستلمي مهام شغلك هنا". دخلتا الاثنان إلى المكتب. تحدثت فاطمة قائلة: "صباح الخير يا مستر عمران". رد وهو يعطيها ظهره قائلاً: "صباح الخير يا أستاذة فاطمة". أغاظ ذلك سليمة رده وهو يعطيهن ظهره واعتبرتها تكبر منه. أغلق الهاتف الذي كان يتحدث فيه واستدار لهن. يبتسم.

تبسمت فاطمة قائلة: "أعرفك يا مستر عمران، دي الأستاذة سليمة الهادي... وهتكون مكاني الفترة الجاية كمساعدة لحضرتك". مد عمران يده للسلام قائلاً: "أهلاً بيكي معانا". لا تعرف سليمة كيف مدت يدها وسلمت عليه، لكن سرعان ما سحبت يدها من يده قائلة: "متشكرة جدا". تحدث عمران قائلاً: "أستاذة فاطمة هتفهمك على طريقة شغلنا هنا، وأتمنى تكوني قد المهمة اللي هتستلميها من أستاذة فاطمة".

"بصراحة لو مش ظروف الأستاذة فاطمة أنا مكنتش استغنيت عنها، بس ربنا يقومها بالسلامة". ردت سليمة قائلة: "تمام حضرتك". "ولو خلصنا التعارف ممكن أروح مع أستاذة فاطمة تفهمني الشغل هنا داير إزاي؟ تبسم عمران قائلاً: "اتفضلوا، ومرة تانية أتمنالك التوفيق". خرجت سليمة مع فاطمة. لا يعرف ما سبب تلك الرجفة التي يشعر بها حين ينظر لعين سليمة. بينما خرجت سليمة تسير خلف فاطمة، لا تعرف لما لديها نفور من ذلك الشخص. بمكتب آخر بنفس الشركة.

وقف عاصم يرحب بمصممة الدعاية. قائلاً: "أهلاً بحضرتك". ردت عليه قائلة: "أنا زهراء الشريف". تبسم قائلاً: "زهراء بنت الأستاذ وجيه، ميبانش عليه إنه عنده آنسة، شكله صغير". ردت زهراء: "بابا أكيد لو سمع منك المجاملة دي هينبسط جداً. ودلوقتي بعد ما اتعرفنا تقدر تتكلم في رؤية سيادتك للحملة الإعلانية". تبسم عاصم وهو يجلس على مقعده وهي تجلس أمامه.

قائلاً: "تقدري تقولي عاصم أو مستر عاصم، بلاش سيادتك دي، إحنا تقريبا قريبين لبعض في العمر". لا تعرف لما سارت بجسدها قشعريرة، هل هي بسبب هيبته الطاغية أو لأنه متحدث لبق ومجامل. مساءً. بقنا. وقفت سمرة وحدها بالمطبخ تعد بعض الأطعمة للعشاء بتذمر. دون انتباه منها وقع أحد الأكواب الزجاجية وكذلك أحد الأطباق الزجاجية أيضاً. تحدثت بتذمر: "كنت ناقصة كمان إنكم تنكسروا". انحنت لكي تقوم بجمع الزجاج. ولكن قبل أن تصل يدها إليه، كانت

يد أخرى تمسك كفيها وتقول: "قولت لك قبل كده ممنوع إنك تمسكي إزاز مكسور بإيدك، فين سنية أو أي حد من الشغالين هنا ييجي يلم الإزاز؟ رفعت نظرها تلاقت عيناهما. ارتعش جسدها بأكمله وتحدثت بتعلثم: "عاصم". تبسم عاصم ووقف وهو ما زال يمسك كفيها مما جعلها تقف هي الأخرى. نظرت لهيبته قائلة: "حمدلله على السلامة. مكنتش أعرف إنك جاي النهارده". قالت هذا وحاولت سحب يديها من يده، ولكن هو يمسكهما بقوة.

وهو ينظر إليها يحفر معالم وجهها بذاكرته التي يسكن وجهها خياله دائماً. ترك يديها حين دخلت عليهم سنية. وجه عاصم حديثه لسنية قائلاً: "نضفي الإزاز اللي على الأرض". ثم تحدث لسمرة قائلاً: "عاوز قهوة بعد ربع ساعة وأنتي اللي تجيبيها لأوضتي". أومأت له برأسها دون تحدث. خرج عاصم من المطبخ، ولكن ظل جسد سمرة يرتجف لدقائق إلى أن تحدثت. سنية قائلة: "أنتي اللي هتعملي لعاصم بيه القهوة ولا أعملها له أنا وتبقى وتوديها له؟

ردت سمرة: "ماشي، اعمليها أنتي وأنا اللي هوديهاله". بعد ربع ساعة تقريباً. طرقت سمرة باب غرفة عاصم. سمعته يأذن لها بالدخول. دخلت إلى الغرفة ولكن أخفضت وجهها بخجل حين رأته لا يستر جسده سوى منشفة تغطي بالكاد خصره. ارتبكت قائلة: "القهوة أهي". ومدت الصينية له. ابتسم بتسلية قائلاً: "حطي الصينية على الترابيزة اللي هناك دي". ذهبت سمرة ووضعت الصينية مكان ما أشار لها، وكانت ستغادر، إلى أنه قال لها: "استني".

ذهب إلى الطاولة الموضوع عليها صينية القهوة وقام بإمساك فنجان القهوة واحتسى منه بعض الرشفات. ثم نظر لها قائلاً: "القهوة دي مش أنتي اللي عاملاها، بس هشربها لأني محتاج لها عشان أبقى فايق لاستقبال الضيوف". بعد قليل. وقف حمدي وزوجته وجيدة يستقبلان عقيلة وزوجها وابنتها وابنها. استقبلوهم بترحاب. بينما تعاملت معهم عقيلة بفتور كعادتها. ولكن تحدثت قائلة: "أمال فين العزيزة؟ فين سمرة؟

ردت سمرة ببسمة وهي تدخل: "أنا أهو يا عمتي.. نورتي". سرعان ما جذبت عقيلة سمرة وأدخلتها لحضنها تضمها بقوة وتقبل وجنتيها. قائلة: "العزيزة بنت أخويا، والله أنا ما جايه إلا عشانك. أخويا محمود جالي في المنام وقالي بنتي. قولت لازم آجي أطمن عليكي بنفسي. حتى عاطف لما قولت له صمم ييجي معايا. وكمان سولافة". اقتربت سولافة تحتضن سمرة بود. مد عاطف يده للسلام على سمرة. ولكن. تحدثت عقيلة قائلة: "أمال فين ولاد أخويا؟

محدش هنا ولا إيه؟ رد عاصم الذي دخل. وبدل أن يسلم عاطف على سمرة، كانت يده بكف عاصم. الذي ضغط عليها بقوة ونظر إلى وجه عاطف بنفور وكأنه يحذره أن يبتعد عن سمرة. قائلاً: "أنا هنا يا عمتي". جذبته عقيلة سريعاً وضمتة لحضنها تقبل وجنتيه، لكن هو عيناه لم تفارق عاطف، ظل ينظر له. كانت النظرات بين عاطف وعاصم مبشرة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...