بشقة عقيله دخلت عقيله إلى غرفة سولافه دون أن تطرق الباب. وجدت سولافه تجلس منكبه على أحد الكتب. تحدثت بسخريه قائله: غريبه، أيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ الساعة قربت على اتناشر، واللي أعرفه إنك زي الفراخ بتنامي بعد العشاء! رفعت سولافه رأسها من على الكتب ونظرت لها قائله: لازم أخلص البحث ده، المواعيد طلبت فجأة وقالت إنه هيستلم منا الأبحاث بكرة، وده اللي مسهرني. نظرت
لها عقيله بسخريه قائله: محسساني إنه هتاخدي دكتوراه، عالعموم براحتك، ربنا ينجحك. بقولك أيه، متعرفيش ولاد خالك عرفوا طريق السنيوره سمره ولا لسه؟ ردت سولافه بألم من سخريه والداتها قائله: كنت اتصلت على عاصم مردش عليا، ولما اتصلت على عمران، قالي ميعرفش، برضو. تبسمت عقيله ساخره: ها وعامر متصلتيش عليه؟ مش عارفه أيه سبب إنك مش عاوزة تكلميه، أيه اللي حصل خلاكي كده معاه؟ ليكون لاف على واحدة مصراويه زي عمران كده. شعرت سولافه
بغصة من حديث عقيله قائله: هو حر براحته وأنا مالي. هزت عقيله رأسها بسخريه قائله: هروح أشوف عاطف جه ولا لسه، غريبه كان بقاله كام يوم بيجي من بدري، ميكونش حن تاني لطبعه القديم، يلا تصبحى على خير، ولو عرفتي حاجة عن سمرة أبقي قوليلى، مهما كان بنت أخويا ويتيمة وعاوزة أطمن عليها. خرجت عقيله من الغرفة تاركه سولافه
تهز رأسها بأسف قائله: مش عارفه القسوة اللي قلبك دي سببها أيه، كل ما أدي بخاف منك وبحس إنك بتشمتي في ألم غيرك، بتمنى في يوم ما تدوقيش نفس الشماته. بمشفى بأسيوط بداخل أحد غرف العناية المركزه أثناء دخول سمرة كان عاصم يسير إلى جوار فراش سمرة المتنقل، لا يريد تركها. ذهب عقله حين سمع صوت تصفير جهاز التنفس الموضوع على أنفها، وذلك حين نقلها من فراش إلى آخر بسبب تحرك جهاز التنفس الموضوع على أنفها. تحدث أحد
الأطباء الذي دخل سريعا: لو سمحت يا سيد اتفضل اطلع لبره العناية، خلينا نتعامل مع المريضة. عدل الطبيب جهاز التنفس ليقف التصفير. تحدث عاصم قبل أن يخرج: هي حامل، بس ميهمنيش الجنين، كل اللي يهمني هي تعيش. أماء له أحد الأطباء قائلا: تمام هناخد الحمل في الاعتبار، اتفضل لو سمحت عشان الوقت مش في صالح المريضة.
كان عاصم يعود للخلف باتجاه باب الغرفة بظهره، عيناه لا تفارق سمرة، إلى أن خرج من الباب الزجاجي ليغلق خلفه الباب أوتوماتيكيا، لكن ما زال يرى سمرة من خلف الزجاج، تجمع حولها أكثر من طبيب، بدأوا بوضع مجموعة أجهزة على يدها، وأخرى على أنفها، وأخرى من فمها، كأنهم يجربون عليها ما تعلموه. تنهد عاصم بضياع قائلا باستجداء إلى الله: يارب عهد عليا، تعيش وأنا هبعد عنها نهائي، هفكها. طنت كلمة سمرة أنك سجاني، ظلت تطن هذه الكلمة فقط.
أكمل عاصم عهده: هحررك من سجني يا سمرة. بعد دقائق خرجت إحدى الممرضات وقالت له: وقفتك هنا مش صح، لو سمحت اتفضل اطلع لخارج الغرفة واستنى في الممر بره، واتفضل دي متعلقات المريضة بدل ما أسلمها للأمانات، اتفضل حضرتك، ويا ريت تنفذ اللي طلبته منك، وأدعي ليها ربنا يلطف بيها وينجيها، وقفتك هنا مش هتكسب منها حاجة، وكمان واضح إنك مصاب وبتنزف، هدومك كلها بقت دم، ياريت تتفضل حضرتك علشان يداووا جرحك.
كررت الممرضة الطلب منه أن يغادر الغرفة نهائيا أكثر من مرة، استمثل عاصم لها بغصبانية وخرج من الغرفة إلى الممر الذي أمام الغرفة. نظر لتلك المتعلقات التي أعطتها له الممرضة. رأى ذلك السلسال الذي أعطاه لها ثاني يوم لزواجهم، سلسال العصفورة، هي كانت ترتديه دائما. هو رآه أكثر من مرة بعينيها أثناء مقابلتهم القليلة في الأيام السابقة، تخفيه أسفل ملابسها، حتى أنه رآها تمسك به بين يديها وهي نائمة أثناء مكوثها معه بالمشفى.
وأيضا تلك الدبلة الخاصة بزواجهم، الذي ألبسها لها مرتان، الأولى في يوم الخطوبة، والثانية يوم زفافهم حين نقلها من يدها اليمنى إلى اليسرى، ومعهما خاتم ماسي خاص بزواجهم. أغمض عينه متنهدا بألم وندم: سمرة تمناها دائما، ولكن حين حصل عليها ضاعت من بين يديه، كأنها إشارة من القدر، لابد من الفراق. ستبقى دائما تحتل كل قلبه ليس به مكان لأخرى، لكن الأهم الآن أن تنجو وتعود للحياة، ويحدث ما يحدث بعدها.
لم تستطع فاتن رؤية سمرة بهذا المنظر بين يدي عاصم، وقعت فاقدة للوعي. لم تفق إلا الآن. نظرت حولها، ووجدت نفسها بمشفى وحولها طبيب ومعه ممرضة. تحدثت بخفوت قائله: أنا فين؟ سمرة جرالها أيه؟ رد مجدي عليها: إحنا في نفس المستشفى اللي فيها سمرة، إنتي فقدتي وعيك وكان لازم تيجي لهنا، ياريت ترتاحي، أكيد سمرة هتبقى كويسة. حاولت فاتن النهوض من على الفراش قائله: لازم أروح أطمن عليها بنفسي.
تحدث الطبيب: حضرتك لازم ترتاحي شوية على الأقل على ما تخلصي المحلول ده وبعدها أبقى روحي اطمني على سمرة دي. قالت فاتن: أنا صحتي مش مهمة، أنا عاوزة أطمن على سمرة، أرجوك يا دكتور. رد الطبيب: حضرتك لازمك راحة، لأن لو وقفتي على رجلك هتقعي تاني، أنا بقول تقدري تبعتي الأستاذ اللي معاكي يطمنلك على سمرة ويرجع يقولك أخبارها، منصحكيش تقومي من عالسرير قبل المحلول المتعلق لك ده يخلص. نظرت فاتن لمجدي بتوسل.
فهم نظرتها قائلا: هروح أشوف أخبار سمرة وأرجعلك، بس ياريت تهدي أعصابك، وربنا أكيد هيلطف بيها، طالما طلعت من النار أكيد كويسة، ممكن حبة حروق بسيطة. قالت فاتن بتمني: يارب تكون كده، أنا شوفتها وعاصم خارج بها قبل ما يدخل بها الإسعاف. كانت ملفوفة كلها ببطانية، قلبي بيقولي إنها لسه في خطر. تنهد مجدي يقول: تمام هروح أشوف إيه اللي حصلها وهرجعلك تاني، ياريت تسمعي كلام الدكتور. بالقاهرة. بڤيلا الصقور
كانت نادية تحاول التماسك وهي تجلس مع وجيدة، تنتظر أي خبر من ناحية سمرة، ومعهن كل من سليمة وأفنان وأيضا حمدي وعمران الذي عيناه لا تفارق الهاتف، ينتظر أي اتصال من أحد أخويه. كان الصمت والترقب هو ما يسود المكان. إلى أن سمعوا رنين هاتف عمران. انتفض الجميع. رد عمران سريعا: أيوا يا عامر، وصلتوا لمكان سمرة؟ رد عامر: أيوا لقينا سمرة، هي فعلا زي ما توقعنا كان عاطف خاطفها، ووصلنا لمكانها. تنهد عمران يقول: طب كويس، وهي كويسة؟
رد عامر: بصراحة معرفش، عاصم دخل بها لعربية الإسعاف، وأنا مشيت بالعربية وراه أنا وطارق لحد المستشفى، بس كان فيه كمين عالطريق وقفنا، والإسعاف سبقنا، وأنا دلوقتي لسه داخل للمستشفى هشوف فين عاصم، أنا كنت عاوز أقولك حاجة تانية. عاطف ولع. رد عمران بتلقائية: في داهية. ثم عاد قائلا: قصدك أيه بعاطف ولع؟
رد عامر: لما وصلنا للمكان اللي عرفنا إن ممكن تكون سمرة فيه، لقينا ڤيلا متوسطة كانت تقريبا ولعت كلها، واللي يشوف منظر النار والدخان يقول مستحيل يطلع من الڤيلا دي حد عايش وسليم، بس عاصم مستناش ودخل بين النيران، وبعد شوية طلع بسمرة ملفوفة ببطانية وتقريبا مش محروقة. أنا صحيح شوفته من بعيد شوية، بس لما سألت واحد من رجال الإطفاء
قال لي إنهم عثروا على جثتين شبه متفحمين، وإنهم ماتوا، وواضح إنهم ست ورجل، والحرس اللي على بوابة الڤيلا أكد إنه في الفيلا تلاتة عاطف والخدامة والتالتة مرات عاطف، أكيد دي سمرة، يلا ربنا يغفر له، خد أيه من طمعه وغله معاه، اللهم لا شماتة. الخوف دلوقتي عمتك عقيلة لما تعرف، أنا قولت لواحد من الشرطة ينتظر شوية تبليغ أهل المتوفين، مش عارف رد فعلها هيكون أيه، وقولت أشاورك الأول، وكمان سولافة، حتى لو مش أخوات شققة، فالآخر هو أخوه.
زفر عمران نفسه بسأم يقول: فعلا الوضع صعب جدا. طب خليك معايا على تواصل بكل اللي بيحصل، وطمني على سمرة، سلام. أغلق عمران الهاتف ونظر لوالده الذي قال بترقب: قولي حصل أيه، لقوا سمرة؟ رد عمران: أيوا لقوا سمرة بس. تحدثت نادية قائله: بس أيه؟ سمرة جرالها حاجة؟ رد عمران: لأ سمرة في المستشفى مع عاصم، عامر ميعرفش لسه جرالها أيه، هو شاف عاصم من بعيد شايل سمرة ودخل بها لعربية إسعاف، ويادوب لسه واصل هو للمستشفى، بس عاطف هو اللي...
تحدث حمدي قائلا: ماله عاطف هو اللي كان خاطف سمرة زي ما توقعتم. رد عمران: فعلا صحيح، وللأسف عاطف مات محروق. انصعق حمدي قائلا بخفوت: أيه بتقول أيه! سرد عمران لهم ما قاله له عامر على الهاتف.
تحدثت وجيدة: الصبر يارب، والله زعلت على عاطف، عاطف دفع تمن غل عقلية، زرعت في قلبه الطمع والغل، مكنش كده قبل ما تتحوز من رضا، بس لما سبته وراحت اتجوزت، اِتبدل وبقى عدواني، وكان بيزيد مع الوقت، وبالذات لما سمرة جت وعاشت معانا في قنا، كنت بخاف عليها من نظراته ليها، بس مكنتش أتوقع يوصل بيه الهوس إنه يخطفها ويحاول يقتل عاصم لنفس السبب.
تحدثت نادية: ربنا يسامحه، بقى، الأهم دلوقتي سمرة نطمن عليها، أنا مش هقدر أتحمل، أنا هسافر لها أسيوط أطمن عليها، لازم أكون جنبها. رد حمدي الذي يشعر بتوهان ووجع قائلا: عمران شوف لينا طيارة خاصة، لازم أكون في أسيوط قبل ما الشرطة تبلغ عقيلة عن عاطف، وكمان أطمن على سمرة. تحدث عمران: حاضر يا بابا هتصل عالطار عشان أشوف طيارة خاصة. اقتربت وجيدة وربتت على كتف حمدي تنظر له. نظر حمدي
لها وبعينيه دموع قائلا: مش عارف رد عقيلة هيكون إزاي، والله برغم المصايب اللي عرفتها عنه، بس عمري ما كنت أتمنى له الموت بالطريقة البشعة دي، عاطف أنا كنت بعتبره واحد من ولادي، فاكر لما طلبت من عقيلة تسيبه يتربى مع ولادي بعد ما اتجوزت، يا ريتها كانت سابته، يمكن مكنش وصل الحقد لقلبه ودمر حياته، والله أعلم كمان سمرة فيها أيه، أول مرة في حياتي أبقى خايف التليفون يرن يوصلني خبر. أن سمر كمان. وضعت وجيده
يدها على فم حمدي قائله: أتفائل خير يا سمر، أنا عندي إحساس كبير إن ربنا هينجيها، وعاطف هو اللي اختار طريقه بنفسه، وسلم نفسه لغل وحقد عقيله يتغلغل في قلبه وعقله، وده قدر ربنا قبل كل شيء. في نفس الوقت، اتصلت أفنان على طارق، الذي رد عليها في الرنين الثاني. بعد السلام. تحدثت أفنان: عامر اتصل على عمران وقال له إنكم لقيتوا سمر، وصلتوا لمكانها بالمستشفى ولا لسه؟
رد طارق قائلاً: أيوه، إحنا واقفين مع عاصم قدام العناية، مفيش حد طلع لسه من جوه، وقالنا على حالتها، ادعي لها. ردت أفنان: ربنا يلطف بها يا رب، ماما ناديه ووالد عاصم ووالدته، طلبوا من عمران يشوف لهم طيارة خاصة، ربنا يسهل، بس ابقى اتصل عليا، أو أما اتصل عليك ابقى رد عليا. رد طارق: طيب، أكيد أول ما أعرف حالة سمر هبلغك. أغلقت أفنان الهاتف،
ونظرت لنادية قائلة: طارق بيقول إنهم قدام العناية، وسمر لسه مفيش دكتور خرج من الأوضة، أكيد خير، ربنا يلطف. آمنت نادية ووجيده على دعاء أفنان. بينما في حديقة الفيلا، وقف عمران يتنفس ويزفر أنفاسه، وحين أدار وجهه للدخول. وجد أمامه سليمة، نظرت له برأفة قائلة: المطار وافق على طلوع طيران خاص في الجو ده.
رد عمران: وافق بعد محايلة، قالي صحيح الطقس بدأ يتعدل، بس لسه فيه غيوم بسيطة متأثرش عالطيران، بس لازم توخي الحذر، ده برضه خطر عالطيران، بس قولت له إني متحمل كل شيء. ردت سليمة: طب كويس، بس ليه شكلك مضايق كده، يعني يعتبر خلاص سمر عرفتوا، على الأقل إن سمر بعدت عن الخطر. رد عمران قائلاً:
سمر لسه في خطر أكبر، أنا اتصلت على عامر، وكلمت عاصم، قالي إن مفيش في جسمها حروق غير كف إيدها، بس المشكلة عندها في التنفس، واضح إنها فضلت في الدخان كتير، وإن اللي رابط سمر بالحياة، هو الأوكسجين الصناعي، والدكاترة خرجوه من أوضة العناية. ازدرت سليمة ريقها، تشعر بغصة في قلبها، للحظات جاء إلى خاطرها، صورة أختها التوأم، بمنظرها الأخير، وهي تصارع الموت. أغمضت عيناها، لثواني، ثم فتحتها قائلة: ربنا ينجيها، أتفائل بالخير.
رد عمران: سليمة، أنا معرفش عملت إيه طيب في حياتي، خلاني القدر أقابلك، في الوقت المناسب، مش هنسى، وقوفك جنبي الفترة دي، طول الوقت بتسانديني، ومعايا، وبتعطيني تفاؤل، وأمل.
ابتسمت سليمة بحياء من نظرات عين عمران العاشقة، رفعت وجهها له تريد البوح له أنها لا تعرف كيف اخترق مشاعرها، بهذه الطريقة، وبتلك السرعة، ولو كان قبل أشهر أحد أخبرها أنها ستقع في عشق سيغير كل طريقة حياتها، لم تكن لتصدقه، لو قال لها أحد، أنك ستقعين بعشق هذا المنمق الذي ينظر للناس من خلف نظارته الباهظة، ووقوف الحرس له على باب الشركة صدفه غيرت طريق حياتها، بعد أن كانت تسير نحو هدف واحد، وهو العمل، فقط، تدخل القلب، يعلن تمرده، واحتياجه، للعشق، لحظة مسكه ليدها بالمطعم أطاحت، بكل الرفض، هو كان قدراً، غير حياتها، استسلمت، وأعلنت راية العشق.
.................. ساعات مرت. خرج الأطباء من غرفة سمر. بلهفة، اقترب كل من طارق وعامر من الطبيب، بينما عاصم الجالس على أحد المقاعد، خارت قواه، بسبب نزيف جرحه الذي رفض تضميده قبل أن يخرج أحد الأطباء، يبشره بنجاة سمر. حين حاول النهوض، شعر بدوخة قوية، ظل جالساً لثواني، ثم نهض واقترب أيضاً قائلاً بلهفة: سمر.
تحدث الطبيب بهدوء: المدام هتفضل في العناية تحت أجهزة التنفس، لسه التنفس بتاعها مش مظبوط، إحنا اتعاملنا معاها، وسحبنا جزء كبير من الدخان كان متجمع في الرئة، بس لسه زي ما قولت التنفس مش طبيعي، والجنين لسه موجود، كان معانا طبيبة نسا، وهي أطمنت عالجنين، وعندي شك كبير، إن السبب في نجاة المدام هو الجنين ده، أخدنا عينة دم وراحت للمختبر، وهي اللي هتأكد لنا الشك ده، بس أقدر أقولكم إن الخطر زال عن المدام بنسبة خمسين في الميه، والخمسين التانية، معتمدين على مقاومة المريضة نفسها.
تحدث عاصم بترقب: لو سمحت يا دكتور، هو حصل تعدى عالمريضة. رد الطبيب: قصدك تعدى جسدي؟ لأ، بس واضح إن كان فيه عنف، ومقاومة، أنا دلوقتي هبلغ تقريري للشرطة كامل. تنهد كل من عامر وطارق، براحة قليلاً، بينما. شعر عاصم براحة قليلاً هو الآخر، لكن مازال لديه خوف، كان يتمنى أن يقول له الطبيب إنه زال عنها الخطر نهائياً، ولكن. ربما عليه الصبر. قال الطبيب هذا وغادر.
نظر عامر لعاصم قائلاً: أظن الدكتور طمنا على حالة سمر، أنا متأكد سمر هتقاوم وترجع أحسن، تعالي معايا، نشوف دكتور يشوف جرحك ده، ماما، بابا، طنط نادية زمانهم ركبوا الطيارة، ولو ماما جت وشافتك بالمنظر ده، ممكن يغمى عليها. أماء عاصم رأسه بموافقة، قائلاً: تمام، هروح لوحدي وخليك أنت وطارق هنا قدام أوضة سمر. فهم عامر عاصم، هو ما زال يخاف على سمر أن يضرها أحد،
لكن قال: لأ، أنا هاجي معاك، أنت شكلك دايخ، بلاش مناهدة، طارق هيفضل هنا قدام العناية، متخافش. من شدة ألم عاصم، استمثل لعامر، وسار معه، لكن تحدث لطارق محذراً: متتحركش من هنا قبل ما نرجع تاني. نظر له طارق يقول بسخرية: حاضر، متنساش إنها أختي، وأخاف عليها، زيك بالظبط، ويمكن أكتر، على الأقل أنا واضح معاها في مشاعري، بص لنفسك، هتموت عليها، ولسه شايف عندك نفس نظرة الغرور. نظر له عاصم، بشر، وكان سيتحدث، لكن سبقه.
عامر، قائلاً: يلا يا عاصم، تعالى معايا، وانت خليك هنا يا طارق. سار عاصم مع عامر الذي حاول سند عاصم، لكنه رفض، وسار لجواره. بينما بقي طارق جوار الغرفة لدقائق، قبل أن يأتيه اتصال هاتفي، فأبتعد عن الغرفة للرد على الهاتف. ... في ذلك الأثناء. انتهزت تلك الوافدة تستند على مجدي، الفرصة قائلة له: محدش قدام أوضة سمر، أنا هدخلها.
رد مجدي قائلاً: هتدخلي فين، دي أوضة العناية، مش صالون جيم، أكيد لازم اللي يدخل يكون متعقم، وله زي مخصوص، وو... ردت فاتن: هدخلها يا مجدي، لو سمحت بلاش تمنعني، أكيد في جهاز تعقيم قدام الباب الداخلي للعناية. استسلم مجدي لها قائلاً: مقدرش أمنعك، بس بلاش تغيبي جوه الأوضة، لأن ممكن أي حد منهم يرجع بسرعة تاني، وممكن بسهولة يتعرف على شخصيتك، ويسألك انتي هنا بأي صفة. ردت فاتن: ميهمنيش، اللي يهمني أطمن على سمر بنفسي وبس.
بعد لحظات، دخلت خلسة فاتن إلى الغرفة، وارتدت زي معقم موجود بمكان مخصص له أمام الباب الداخلي للعناية، وتعقمت من جهاز التعقيم. وارتدت على فمها كمامة طبية، وغطت شعرها بغطاء بلاستيكي.
دخلت فاتن، واقتربت من سمر النائمة على الفراش، جسدها موصول بمجموعة أنابيب طبية رفيعة. كم تألمت بقلبها، هذا الشعور مميت بالنسبة لها. ربما لو كان بالماضي، لما اهتزت له. قد تكون بين أيدينا نعمة ولا نشعر بها إلا بعد فوات الأوان. هي تخلت عن أمومتها، سابقاً، فلماذا تشعر بهذا الآن؟ أهذا عقاب؟ نعم هو كذلك، لكن قاسي، ومرير. سمر طفلتها التي أنجبتها للحياة يوماً، كل ما كانت تعنيه لها، هي فرصة للسيطرة على محمود والضغط عليه بها.
تمزق قلبها حين. اقتربت أكثر، من وجه سمر، ورأت تورم وجهها، لعنت ذلك عاطف آلاف اللعنات، ستلحقه إلى قبره. انحنت تقبل، رأس سمر، قائلة:
سمر، بنتي الوحيدة، أنا عشانك رجعت، من تاني لهنا، صدقيني، انتي السبب في رجوعي، كان ممكن أستسلم للموت بعيد عن هنا، بس أنا حبيت أشوفك، يوم ما ناديتي عليا في الأوتيل، ماما، من غير قصد، كنت هعترفلك إني فعلاً ماما، خوفت عليكي، انتي أكتر حد ظلمته في حياتي، حتى أكتر من طارق، كنت بستخسر فيكي الحنان، طارق لقى نادية عوضته عني، بس انتي اتشتتي من إيدي لإيد وجيدة، ونادية، صحيح الاثنين كانوا أحن عليكي مني، بس أنا السبب في ضعف
شخصيتك، حاربي، وارجعي تاني للحياة، لسه قدامك فرص كتير، كل اللي حواليكي بيحبوكي، ومستنين، تزهرى تاني، بينهم، طارق، محتاج لأخت تشاغبه، وتلعب معاه، فاكرة لما كان ييجي عندنا الفيلا، مكانتوش بتفارقوا بعض، ووقت ما يمشي طارق، كنتي بتحسي بالوحدة.
كمان عاصم، فاكرة نظرة عيونك له، من أول مرة اتقابلتوا، حسيت بالكره له، لو كنت زمان مستحيل كنت أصدق في يوم إني أخلي بس يحلم بقربه لحظة منك، ادعيت بالكذب عليه، وحاولت أبعده عنك، لكن هو كان قدرك الحامي، من شر ابن عقيلة، اللي في يوم شرها غلبها، وولعت مخزن المصنع وأنا فيه أنا ومحمود، لما غيرت صوتها اتصلت عليا بالكذب، وقالت إن محمود على علاقة، ببنت من بنات المصنع وإنه بيقابلها في مخزن بالمصنع، وكان ده فخ منها، دفعت أنا تمنه، ضاع محمود من إيدي، وأنا عشت بهوية تانية. سمر جواكي حياة تستحق تعيش، قاومي عشانها.
كانت فاتن ستكمل حديث لسمر، لكن دخول عاصم المفاجئ جعلها تمحي تلك الدموع سريعاً. تحدث عاصم بحده: انتي مين، وإيه اللي دخلك لهنا. ردت فاتن: أنا ممرضة هنا بالمستشفى، وكنت جاية أطمن عالمدام، لو تحب أسأل عني الدكتور اللي مباشر حالة المريضة هو قالي. قاطعها عاصم قائلاً: تمام، متشكر ليكي، أنا آسف. ردت: فاتن، لا مفيش مشكلة، ربنا يكمل شفا المدام، أنا هخرج عن إذنك.
أماء لها عاصم، شعر بأن هذا الصوت ليس غريباً عليه، هو سمعه سابقاً، لكن أين، لا يهمه التفكير في تلك المرأة التي تخفي وجهها خلف الكمامة، وغطاء الرأس. ..... لكن حين دخل على سمر غرفة العناية ووجد تلك المرأة أمامه شعر بخوف على سمر، بعد أن خرجت من الغرفة. أقترب من سمر. ونظر إلى وجهها المتورم. أثار صفعات يد عاطف على وجهها، كور يديه، حتى كادت عروق يده أن تفر منها الدماء، غضباً.
كم نهر نفسه، لو تأخر دقيقة واحدة، لأصبحت سمر بعالم آخر. نظر إلى عنق سمر الذي عليه بعض آثار ذلك الحقير، يزداد الغضب بقلبه. أقترب منها، وقبل منبت شعرها، قائلاً: سامحيني، يا سمر، على الوعد اللي أخدته على نفسي. قبل عيناه واحدة خلف أخرى هامساً بحب: بحبك، بس يمكن القدر بينا بيختار الفراق. .......... انتهت تلك الليلة، بدأ. بزوغ نهار جديد.
استيقظ عاصم من غفوته، على صوت همس سمر. نهض من على ذلك المقعد لا يعرف كيف سحبه النوم وهو جالس عليه. ربما بسبب ذلك المسكن الذي أعطاه له الطبيب أثناء تضميد جرحه. أقترب من سمر، وجدها مازالت في غيبوبتها، لكن كيف هو سمع همسها. هي قالت.. مامى! ربما تهيأ له. لكن وجد الطبيب يدخل إلى الغرفة قائلاً: صباح الخير.
أظن كده كفاية، لازم تسيب المريضة ترتاح، وأنت كمان ترتاح. أنا سمحت لك تفضل معاها، بعد ما اتحايلت عليا، امبارح، وكمان لأني عارف إن النوع ده من الغيبوبة، بيبقى عايز اللي يحكي مع المريض، بس كده كفاية. أنا معايا تقرير، بنتيجة تحليل عينة الدم اللي أخدناها من المدام امبارح.
نتيجة التحليل زي ما توقعت، المدام كانت أخدت مادة سامة، لها نسبة تفاعل ضئيلة في الدم، بس من رحمة ربنا عالمدام إنها حامل، والجنين ده هو اللي أنقذ حياتها من السم ده، لأن ربنا، خالق غشاء بلازمي حوالين المشيمة، بيفرز كل المواد الغذائية، اللي داخله له، زي الكبد عند الإنسان الكامل كده، وواضح إنها ممكن تكون تقيأت السم ده، فقلل من نسبة خطورته عليها. تعجب عاصم، أيعقل عاطف حاول قتل سمر بالسم. هو وجدها بغرفة بابها حديدي.
كم ود أن يعود عاطف للحياة لحظات فقط، يقتص منه ما حاول فعله مع سمر، بدايةً من محاولة تسميمها، وانتهاءً بتلك الصفعات التي أثارها، على وجه سمر. ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بشقة عقيلة. استيقظ الجميع على صوت رنين جرس الباب. من فتحت الباب؟ هي كانت سولافة. فوجئت بحمدي أمامها، وخلفه كل من وجيدة وعامر. تحدثت قائلة: خالو أهلاً وسهلاً. إزي حضرتك؟ قالت هذا ثم اتجهت
إلى وجيدة وحضنتها قائلة: إزيك يا طنط وجيدة، من زمان مزوتناش هنا، خير، يارب تكونوا لقيتوا سمر. على ذكر اسم سمر، كانت قد أتت عقيلة لمكان وقوفهم. تحدثت بسخرية قائلة: خير يا حمدي، أنت بقيت زي عيالك، وجاي أنت كمان تتهجم علينا وتتهم ابنك إنه هو اللي خطف السنيورة بنت أخوك. نظر حمدي لها، يكبت حزنه، واقترب منها وضمها بحنو. تعجبت عقيلة قائلة: لازمته إيه دور الحنية ده؟
قولت أتأسف على تهجم ولادك علينا واتهام عاصم لابني بخطف سمر وتهديده لابني قدام عيني. رد حمدي قائلاً: فعلاً، اللي خطف سمر هو كان عاطف، يا عقيلة. أزاحت عقيلة حمدي عنها قائلة: حتى انت كمان جاي تتهم ابني، بالكذب، بتساعد ابنك، عاصم طول عمره بيكره عاطف، وهو اللي خطف منه سمر، لما طلبها للجواز، وهو اللي جبرها ما توافقش على عاطف عشان كان طمعان في ميراثها، وأهو هي لما عرفت طفشت من وشه بدل المرة اتنين.
رد عامر: سمر مطفشتش يا عمتي، سمر، فعلاً، عاطف خطفها، وعرفنا مكانها من كم ساعة بس. ردت عقيلة: كذب يا ابن وجيدة، بس كويس إن لقيتوها، حافظوا عليها، بقى، وأنا هبعد ابني عنها خالص. دمعة فرت من عين حمدي، وتحدث متألماً يقول: فعلاً، عاطف هيبعد عنها نهائي، لأنه مبقاش موجود بينا. تحدثت سولافة قائلة: قصدك إيه بأن عاطف مبقاش موجود بينا، يا خالو؟ نظر حمدي لعقيلة قائلاً: عاطف في ذمة الله. صاعقة.
نظرت عقيلة له قائلة: مين اللي في ذمة الله؟ ده كدب، عاطف، نايم جوه في أوضته، حتى تعالي شوفه. قالت عقيلة هذا وذهبت إلى غرفة عاطف وفتحتها، وجدتها خالية، وسريره مهندم كما هندمته الخادمة في الصباح. كان خلفها حمدي. دخلت إلى الغرفة، واقتربت من باب الحمام المصاحب للغرفة، تنادي على عاطف، لم يأتيها صوته، ففتحت الباب، لم تجده. نظرت عقيلة لحمدي قائلة: أكيد بايت بره، زي عادته، وهيرجع.
رد حمدي قائلاً: مش هيرجع يا عقيلة، ربنا يصبرك. نظرت له عقيلة قائلة: ربنا يصبرني على إيه؟ أنت جاي لبيتي تتمنى لابني الموت؟ دي الأخوة، أطلع من بيتي، ومتجيش لهنا تاني، تعالي. قالت هذا وسحبت يد حمدي، ولكن توقفت حين رأت سولافة تبكي بهستيريا، بحضن وجيدة التي تبكي هي الأخرى. تركت يد حمدي، وذهبت وانتزعت سولافة. من حضن وجيدة قائلة: سيبى بنتي، أبعدي عنها. تحدث حمدي يقول: عقيلة، ربنا يبرد قلبك.
عارف إنه صعب تصدقي، بس عاطف، في ذمة الله. هنا استوعبت عقيلة قول حمدي. صرخت بـ لا. بدأت تصرخ، وتنتحب، تبكي وتنوح، وفي نفس الوقت تهذي باسم عاطف. حضنها حمدي يربت على ظهرها. أبعدته بقوة، واتجهت مرة أخرى لوجيدة، وانتزعت منها ثانياً سولافة قائلة: كدب، عاطف مماتش. أشمعنى أنا ابني الوحيد يموت، وانتِ عندك تلاتة محدش منهم مات، ليه أبني أنا اللي يموت، ليه مش ولادك. تعجب عامر من قول عمته، كم هي سوداوية لهذا الحد، شفق على سولافة.
كيف لها أن تعيش مع تلك المرأة وتظل محتفظة ببرائتها. هي تبكي بشدة. اقتربت سولافة مرة أخرى وارتمت بين يدي وجيدة، تبكي. بينما وجيدة ظلت صامتة، تعطي عذر لـ عقيلة. هي جربت شعور ألم الفقد، ولكن الله كان بها رحيم، وأعادهما لها مرة أخرى. تحدثت عقيلة بهزيان قائلة: عاطف مات إزاي؟ رد حمدي قائلاً: المكان اللي كان فيه ولع، ومقدرش ينقذوه. عقل عقيلة يذهب: لكن قالت. والسنيورة سمر لقيتوها عايشة ولا ماتت هي كمان.
رد حمدي: سمر بين الحيا والموت. ردت عقيلة: يارب تموت هي كمان، أشمعنى أنا قلبي يتلدع لوحدي. ...... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور يومان. أمام تلك الغرفة. خرج الطبيب مبشراً يقول: مدام سمر فاقت، بس هتفضل تحت جهاز التنفس الصناعي، تقدروا تدخلوا تطمنوا عليها، بس بلاش الإجهاد في الحديث معاها. دخلت. نادية أولاً. تبسمت حين رأت سمر تفتح عيناها. اقتربت منها، وقبلت وجنتها.
دخل من خلف نادية. وجيدة، وطارق، وعامر، حمدي، الذي اقترب هو الآخر من سمر، وقبل. وجنتها قائلاً: حمدلله على سلامتك يا بنتي، فرحت قوي لما الدكتور قال إنك فوقتي. وضعت سمر يدها على بطنها. تبسمت نادية قائلة: لسه الجنين اللي في بطنك متمسك بالحياة، بس مش بنت طلع ولد. ردت سمر بوهن: قائلة، أكيد كذب، أنا إحساسي بيقولي إنها بنت، بس المهم إنه بخير. دارت سمر بعيناها في الغرفة، تبحث عن عاصم. لم يدخل. قالت: أمال فين عاصم؟
نظر الجميع لبعضهم دون رد. ...... يتبع عرض أقل
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!