بعد سماع علي حكاية الشيخ محيي الدين وحكاية البستان قال: حسناً، لقد سمعت حكايتك وهي مدهشة جداً، وحكايتي لن تقل عنها دهشة. قال الشيخ: أثرت والله فضولي، هيا أخبرني. أجاب علي: لن أطيل عليك كثيراً، لقد ذهبت إلى البستان واسترجعته من الجن. اتسعت عينا الشيخ وقال: هذا شيء لا يصدق، لا أحد بإمكانه القيام بذلك. أجاب كروان: هذا صحيح يا سيدي، لقد كنت هناك ورأيت ذلك بنفسي. مد له جراباً من التمر وسأله: لا شك أنك تعرف تمر بستانك.
تناول الشيخ محي الدين الجراب بيد مرتعشة وفتحه، أخذ حفنة من التمر ونظر إليها ثم تذوق أحدها وقال: هذا طعم تمرنا، أعرفه من حلاوته وجمال لونه، لكن كيف فعلتم ذلك؟ قال علي: لقد حاربتهم بسلاحهم: السحر. تساءل الشيخ: هل عندك علم بالسحر؟ أجاب علي: لا يزال هناك الكثير لأتعلمه، سيكون البستان ملكي على أن أدفع لكم كل سنة نصف غلته تصلحون به أمركم وتسترجعون تجارتكم. قال الشيخ: ألا تخشى الجن؟ أجاب علي:
لقد انتصرت عليهم مرتين وأنا لا أخشاهم بإذن الله، وسأعطي نصيباً لكل القبائل في هذه البرية، يجب أن نسترد قوانا للمعركة القادمة، سنطرد هؤلاء الكفرة ونسترجع حريتنا. وقف الشيخ وقال: أنا معك وسأراسل حلفاءنا وكافة عشائرنا. لكن قبل ذلك، سأستدعي وجهاء القبيلة لتنفيذ اتفاقنا حول البستان. أرسل الشيخ في طلب القوم ولما حضروا قص عليهم ما حدث وهم يهزون رؤوسهم ويتعجبون. ثم قالوا:
الرأي عندنا هو ما اتفقت عليه مع الغريب، ونحن نشهد أن البستان لك ولأولادك من بعدك. وكتبوا له كتاباً بذلك وستكون أسواق البلاد الغربية لتجارتك وتكون البلاد الشرقية لتجارتنا. شكر علي الشيخ وأوصاه بأن لا تكون القوافل كبيرة بحيث تجلب الانتباه وتنطلق من عدة اتجاهات لكي يعتقد الجن أنها تعود لقبائل مختلفة.
ما إن أتم علي مهمته حتى رجع إلى ديار قبيلة الشيخ حرب، عندما وصل اغتسل وتعطر ثم ذهب إلى خيمة الشيخ، وعندما رآه فرح فرحاً شديداً وهنأه على سلامته. مد علي كتاب ملكيته للبستان وقال: هذا مهر نائلة كما وعدتك، ولقد أصبح بنو عامر من حلفائنا. بعد أيام سأذهب مع قافلتي للتجارة، سأشتري لنائلة ما أجهزه بها لعرسها من حرير الصين وطرائف الهند وزجاج بخارى وسمرقند.
حمل علي الجمال بالتمر وصنوف الفواكه وسارت القافلة في طريق متعرج ليس فيه ماء لكنه يختصر ربع المسافة، فالفتى قتله العشق ولا يريد أن تطول الرحلة. وعندما توغلوا في تلك المفازة شاهد علي من بعيد شيئاً يلمع في الأفق، ولما اقترب منه وجد خرائب مدينة عظيمة عليها قباب ذهبية فتعجب. وقال في نفسه: قضيت عمري في الصحاري ولم أكن أعلم بوجود أحد هنا. وفجأة خرج له مجموعة من الرجال العمالقة فخاف وحاول الهرب لكنهم قالوا له:
لا تخف، فلا يغرنك ما ترى من حجمنا، فنحن قلما نصادف أناساً يمرون بنا. احتار علي وقال: أسرار هذه الصحراء أكبر مما توقعت، فالمظاهر قد تخدعنا أحياناً. أجاب أحد العمالقة: سنحملك إلى شيخنا وسيحكي لك قصتنا. أخذ الفتى معه أربعة أكياس من التمر والرمان والبرتقال، ولما دخل على الشيخ سلم عليه وقال له: هذه هدية لك. نظر الشيخ داخل الأكياس وأجاب: منذ دهر لم نذق هذا وكل معيشتنا الإبل. سأله علي: أليس لكم واحات ونخيل؟ تنهد الشيخ وقال:
اعلم أننا من بقية قوم وهذه المدينة، وكانت فيما مضى من أجمل مدن الأرض، لكن الله عاقب أهلها على عصيانهم، فهبت ريح اقتلعت أشجارهم ونخيلهم ولم تعد الأرض تنبت شيئاً ما عدا الأشواك. ونحن نجونا لأننا كنا من المؤمنين، ولقد تناقصت أعدادنا إلى أن أصبحنا نعد على أصابع اليد، وقدرنا أن نبقى على أرضنا حتى نفنى. أحس علي بالحزن وقال للشيخ: سأهدي لك كل ما تحمل القافلة من تمر ودقيق وزيت، وسأهبكم عدداً من الجواري ليكون لكم نسل.
بكى الشيخ وقال: الله لا يضيع عباده المؤمنين. ثم قام وأخرج كتاباً من صندوقه وقال له: هذا الكتاب فيه علم حجر الإكسير الذي يحول النحاس إلى ذهب، وهو لك وستصبح من أكثر الناس مالاً. قال علي: لكني أراكم فقراء لا تملكون شيئاً. أجاب الشيخ: كثرة الذهب أفقدت قومنا بصيرتهم، فصنعوا منه آلهة وعبدوها، وجعلوا منه أعمدة المدينة وقبابها، وبسببه كان هلاكهم، ومن اقترب من ذلك الذهب أصابته اللعنة في الدنيا والآخرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!