قال موسى: بقي أمر هذا الكوخ العجيب، ما هو سرها؟ أشار ياسين إلى جدران الكوخ وقال: تأمل الكوخ، فتصميمه يدل على أنه ليس من عمل سكان لارسا ولا سكان الغابة كذلك. الخشب المصنوع منه الكوخ لن تجد مثيلاً له في الأشجار المحيطة به، لابد أنك قد لاحظت ذلك. هذا يعني أن الكوخ قد تم بناؤه في مكان آخر ومن ثم تم إحضاره إلى هنا بطريقة ما. زاد استغراب موسى فقال: بطريقة ما؟ تقول وكيف ذلك؟
أجاب ياسين: أنا عن نفسي لا أعرف كيف. كل ما أعرفه أنني بعد الحادثة التي أدت إلى إصابتي بالعقم، خرجت إلى الغابة هائماً على وجهي وكأنني أبغي الموت بعيداً عن عائلتي وموطني. حتى سرت أياماً وليالي إلى أن سمعت في واحدة من تلك الليالي صرخة عظيمة استوقفتني. فلما تبينت مصدرها، وإذا بي أكتشف هذا الكوخ. التفت موسى إلى كناريا وقال: اعتقدت أنكِ أنتِ مصدر تلك الصرخات.
ردت الأميرة: أبداً، أنا أيضاً كنت أسمعها فيصيبني الذعر، ثم أفتح النافذة وأحاول تبيان مصدرها فلا أوفق. واصل ياسين حديثه فقال: أنا أيضاً لا أعلم مصدر الصرخات ولا يهمني، لكن بفضلها عثرت على هذا الكوخ الذي يختفي نهاراً عن أعين الجميع ولا يظهر نفسه إلا في أحلك الليالي. تمتم موسى قائلاً: يظهر نفسه، أنك تتكلم عن الكوخ وكأنه كائن مستقل بذاته.
رد ياسين: وهو كذلك، إن هذا الكوخ يحتجز بين خشباته روحاً شيطانية لساحر عجوز يدعى روكان. كنت قد عثرت عليه وهو يجود بنفسه في الليلة التي وجدت فيها الكوخ. كان يستلقي بلا حراك هنا. وأشار ياسين بإصبعه
إلى إحدى الزوايا ثم أضاف: أخبرني الساحر أنه كان محاصراً من قبل بعض الفرسان من مملكة بعيدة، حيث حاولوا إشعال النار في كوخه وإحراقه حياً لولا أن قام بتعويذة عجيبة، حيث تمكن من نقل الكوخ وما فيه إلى أقاصي الأرض، أي إلى هنا في وسط المجهول. سحر التعويذة شمل أيضاً إخفاء الكوخ عن العيون نهاراً وإظهاره ليلاً.
الساحر أخبرني كذلك أنه عاش هنا لعشرين عاماً دون أن يكتشفه أحد، حتى كبر في العمر واقترب أجله. لكنه خشي أن يموت دون أن يوصي بإرثه إلى أحد، لذا فقد عمد إلى محاولة إضعاف التعويذة التي أطلقها بنفسه. وربما كانت الصرخات المفاجئة ليلاً والتي تعلن عن بداية ظهور الكوخ للعلن هي إحدى نقاط ضعف التعويذة، لأنها حتماً ستفضح موقع الكوخ. وهذا بالضبط ما أراده الساحر، أن يتم العثور عليه.
أنا كنت أول من وجده، حاولت مساعدته لكنه ما إن أمسك بي حتى... سكت ياسين لبرهة ثم استدرك قائلاً: لقد أراني مستقبلي كله أمامي، شاهدت نفسي وأنا انتقم من سلطان وأجلس على عرش لارسا. أخبرني الساحر أنني إذا أردت حصول ذلك فيجب أن أوافق على قبول تركته لي، وهذا ما فعلت. أخبرته بأني موافق. قال موسى وهو لا يكاد يصدق ما يسمع: وما هذه التركة؟ وما الذي فعلته بها؟ هيا أخبرني.
رد ياسين: إن هذا الكوخ مهم جداً لتنفيذ خطتي، وبما أن بقاءه ببقاء الساحر، لذا كان علي أن أبقي الساحر على قيد الحياة ريثما يتحقق المستقبل الذي وعدني إياه.
وهكذا طوال العشرين سنة الماضية، كنت آتي إلى هنا كل بضعة شهور لكي أقوم بتزويد الساحر قارورة من دمائي كي يستقوي بها ولتدب فيه الحياة عدة شهور أخرى. وهو كان معلمي فيما يجب أن أفعله للوصول إلى أهدافي. إنه هو السبب في كوني حكيم الملك الخاص، وحتى أدويتي وعقاقيري كانت من صنعه هو. هنا قال موسى بغضب: إنه ليس بمعلم، إنه شيطانك ليس إلا.
رد ياسين بحدة: لكن هذا ما أخبرتك به منذ البداية، أن روحه شيطانية. وقد أوضح لي بأني إذا ما أردت أن أحصل على مبتغاي فيجب أن أكون أطيب الجميع، وهذا ما فعلت. لقد أصبحت ياسين الطيب الذي يثق فيه الجميع، حتى أنت يا موسى قد انخدعت بي وظننتني والداً يهتم لأمرك. لكني... قاطعه موسى والأسى بادٍ على محياه: لكنك في الحقيقة لم تكن سوى تلميذاً للشيطان. تدخلت
الأميرة كناريا بأن قالت: للأسف، هذا ما تفعله الشياطين بالضبط، توسوس لنا وتغرينا ومن ثم تنقلب ضدنا وتضحك علينا. قال ياسين: ها قد عرفتم كل شيء، أما الآن فقد آن الأوان لتنفيذ المرحلة الأخيرة من خطتي. قال موسى: هل ستقتلني الآن؟ كشف الفتى عن صدره وقال: هيا تقدم ونفذ ما تمليه عليك شياطينك. هنا أخرج ياسين قارورة صغيرة من جيبه وقال: أنا لست مجبراً على قتلك بوحشية يا ولد، يكفي أن تشرب من هذا الدواء وسينتهي كل شيء.
أخذ موسى القارورة وفتح غطائها، فصاحت به كناريا أن لا يفعل. فالتفت إليها موسى وقال: أنا آسف أيتها الأميرة لأني لم أستطع إنقاذك. ثم تجرع ما في القارورة، فصرخت كناريا وهي تشاهده يتمايل ثم يسقط أرضاً بلا حراك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!